Indexed OCR Text
Pages 281-300
٣٨ - كتاب الأقضية
(٤١) باب
(١٤٧٩) حديث
تَصَدَّقَ عَلَى أَبَوَيْهِ بِصَدَقَةٍ. فَهَلَكَا. فَوَرِثَ ابْنُهُمَا الْمَالَ. وَهُوَ نَخْلٌ.
فَسَأَلَ عَنْ ذُلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالَ: «قَدْ أُجِرْتَ فِي صَدَقَتِكَ.
وَخُذْهَا بِمِيرَاثِكَ)) .
(تصدق على أبويه) أي والديه (بصدقة) نخل كما سيأتي (فهلكا) أي مات
أبواه (فورث ابنهما) المذكور (المال) الذي تصدق به (وهو نخل) أي المال
الذي تصدق به أولاً، فورثه آخراً کان نخلاً.
(فسأل عن ذلك رسول الله وَلد) هل يجوز له أخذها. (فقال) وَ ل: (قد
أجرت) بضم الهمزة وكسر الجيم أي أعطاك الله الأجر (في صدقتك) التي
تصدقت بها (وخذها) الآن (بميراثك) قال الباجي(١): هذا يقتضي أن أخذ
صدقته لا يبطل برجوع ما تصدق به إليه بالميراث؛ لأن رجوعها إلى المتصدق
بالميراث غير موقوف على اختياره، بل بموت المتصدق عليه، وهي في ملكه
تدخل في ملك المتصدق، إذا كان يحيط بميراثه، وعلى تجويز ذلك جميع
الفقهاء، وشذّت فرقة من أهل الظاهر، فكرهت أخذها بالميراث، ورأوه من
باب الرجوع في الصدقة، وهذا سهو منهم، فإن ملكها بالميراث ليس موقوفاً
على اختياره، فيقال له: فيه يجوز أو لا يجوز، ويجبر على أخذها بما يلزمه
فيها من الإنفاق عليها، والكسوة لها، والإسكان فيها، فهي بالشرع ثابتة في
ملكه، وإنما يلزمهم أن يوجبوا عليه إخراجها من ملكه، وهذا باطل باتفاق
الفقهاء، انتهى.
وقال الترمذي(٢) بعد حديث بريدة المذكور قبل: والعمل على هذا عند
أكثر أهل العلم أن الرجل إذا تصدق بصدقة، ثم ورثها حلّت له، وقال
بعضهم: إنما الصدقة شيء جعلها الله، فإذا ورثها، فيجب أن يصرفها في مثله،
انتھی.
(١) (المنتقى)) (١٤٥/٦).
(٢) انظر: ((سنن الترمذي)) (٥٤/٣) ح (٦٦٧).
٢٨١
٣٨ - كتاب الأقضية
(٤١) باب
(١٤٧٩) حديث
قال النووي: في حديث بريدة أن من تصدق بشيء ثم ورثه لم يكره له
أخذه، والتصرف فيه بخلاف ما إذا أراد شراءه، فإنه يكره لحديث فرس عمر
- رضي الله عنه -، انتھی.
قلت: حديث فرس عمر - رضي الله عنه - حديث معروف أخرجه
الشيخان وغيرهما، وتقدم في ((الموطأ)) في ((باب اشتراء الصدقة والعود فيها)).
وقال العيني(١): وأجمعوا على أن من تصدق بصدقة، ثم ورثها أنها
حلال، وقال ابن التين: شذّت فرقة من أهل الظاهر، فكرهت أخذها
بالميراث، ورأوه من باب الرجوع في الصدقة، وهو سهو؛ لأنها تدخل قهراً،
وإنما كره شراؤها لئلا يحابيه المصدق بها عليه، فيصير عائداً في بعض
صدقته؛ لأن العادة أن الصدقة التي تصدق بها عليه يسامحه إذا باعها، انتهى.
وفي ((المغني))(٢): قال ابن عبد البر: كل العلماء يقولون: إذا رجعت إليه
بالميراث طابت له إلا ابن عمر - رضي الله عنه - والحسن بن حي، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٦/ ٥٤٣).
(٢) ((المغني)) (٣٨٩/٨).
٢٨٢
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب الأمر بالوصية
بسم الله الرحمن الرحيم
٣٩ - كتاب الوصية
(١) الأمر بالوصية
قال الموفق(١): الوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت، والأصل فيها
الكتاب والسنّة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾(٢) وأما السنّة، فروي عن ابن عمر رضي الله
عنهما، أن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت
ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده))، متفق عليه(٣)، وأجمع العلماء في جميع
الأمصار والأعصار على جواز الوصية.
ولا تجب الوصيّة إلا على من عليه دين أو عنده وديعة، أو عليه واجب
يوصى بالخروج منه، فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه في هذا
الباب الوصية، فتكون مفروضة عليه، فأما الوصية بجزء من ماله فليست بواجبة
على أحد في قول الجمهور، وبذلك قال الشعبي والنخعي والثوري ومالك
والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم.
(١) ((المغني)) (٣٨٩/٨).
(٢) سورة البقرة: الآية ١٨٠.
(٣) أخرجه البخاري (٢٧٣٨)، ومسلم (١٦٢٧)، وأبو داود (٢٨٦٢)، والترمذي (٢١١٨)،
والنسائي (٢٣٩/٦)، وابن ماجه (٢٧٠٢).
٢٨٣
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أن الوصية غير واجبة إلا على من عليه
حقوق بغير بينة، وأمانةٍ بغير إشهاد، إلا طائفة شَذَّت، فأوجبتها، ورُوي عن
الزهري أنه قال: جعل الله الوصية حقاً مما قلّ أو كثر، وقيل لأبي مجلز: على
كل ميت وصية؟ قال: إن ترك خيراً، وقال أبو بكر عبد العزيز: هي واجبة
للأقربين الذين لا يرثون، وهو قول داود، وحُكِي ذلك عن مسروق وطاووس
وإياس وقتادة وابن جرير، واحتجُّوا بالآية، وخبرٍ ابن عمر، وقالوا: نسخت
الوصية للوالدين والأقربين الوارثين، وبقيت فيمن لا يرث من الأقربين.
ولنا؛ أن أكثر أصحاب رسول الله وَلّ لم ينقل عنهم وصية، ولم ينقل
لذلك نكير، ولو كانت واجبة لم يُخِلّوا بذلك، ولنقل عنهم نقلاً ظاهراً، ولأنها
عطية لا تجب في الحياة، فلا تجب بعد الموت، كعطية الأجانب. فأما الآية،
فقال ابن عباس: نسخها قوله سبحانه ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَا تَرَكَ الْوَلِدَانِ
وَاُلْأَقْرَبُونَ﴾(١)، وقال ابن عمر: نسختها آية الميراث، وبه قال عكرمة ومجاهد
ومالك والشافعي.
وذهبت طائفة ممن يرى نسخ القرآن بالسنّة إلى أنها نسخت بقول
النبي وقال: ((إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث))(٢) وحديث
ابن عمر - رضي الله عنه - محمول على من عليه واجب، أو عنده وديعة،
وتستحب الوصية بجزء من المال لمن ترك خيراً، لأنه تقدم في قوله تعالى:
﴿إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ﴾ فنسخ الوجوب، وبقي الاستحباب في حق من لا يرث.
وقد روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَله: ((يا
ابن آدم جعلتُ لك نصيباً من مالك حين أخذتُ بِكَظَمِك(٣)، لأُطَهِّركَ
(١) سورة النساء: الآية ٧.
(٢) أخرجه أبو داود (٢٨٧٠)، والترمذي (٢١٢٠)، وابن ماجه (٢٧١٣).
(٣) الكظم: مخرج النفس.
٢٨٤
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
وأُزَكِّيَكَ))، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّه: ((إن الله تَصَدَّقَ عليكم عند
وفاتكم بثلث أموالكم)) رواهما ابن ماجه (١).
وقال الشعبي: من أوصَى بوصية، فلم يَجُرْ، ولم يَحِفْ، كان له من
الأجر ما لو أعطاها، وهو صحيح.
وأما الفقير الذي له ورثة محتاجون، فلا يستحب له أن يوصي؛ لأن الله
تعالى قال: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ وقال النبي ◌َّهِ لسعد: ((إنك أن تدعَ ورثتَك أغنياء
خيرٌ من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس))، وقال عليه الصلاة والسلام في حديث
آخر: ((ابدأ بنفسك ثم بمن تعول))، وقال علي - رضي الله عنه - لرجل أراد أن
يوصي: إنك لن تدع طائلاً، إنما تركت شيئاً يسيراً فدعه لورثتك، وعنه
أربعمائة دينار، ليس فيها فضل عن الورثة.
وروي عن عائشة أن رجلاً قال لها: لي ثلاثةُ آلاف درهم، وأربعةٌ
أولادٍ، أفأوصِي؟ فقالت: اجعل الثلاثة للأربعة، وعن ابن عباس قال: من ترك
سبعمائة درهم ليس عليه وصية، وقال عروة: دخل علي - رضي الله عنه - على
صديق له يعوده، فقال الرجل: إني أريد أن أوصي، فقال له: إن الله تعالى
يقول: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنك إنما تدعُ شيئاً يسيراً، فدعه لورثتك.
واختلف أهل العلم في القدر الذي لا تستحب لمالكه، فروي عن أحمد
إذا ترك دون الألف لا تستحب الوصية، وقال أبو حنيفة: القليل أن يصيب أقل
الورثة سهماً خمسون درهماً، والذي يقوى عندي أنه متى كان المتروك لا
يفضل عن غِنى الورثة، فلا تستحب الوصية؛ لأنه ◌َّ علل المنع من الوصية،
بقوله: ((أن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالةً)) ولأن إعطاء القريب
المحتاج خير من إعطاء الأجنبي، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم، كان تركه لهم
(١) سنن ابن ماجه (٩٠٤/٢).
٢٨٥
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية لغيرهم، فعند هذا يختلف الحال
باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغناهم وحاجتهم، فلا يتقيد بقدر من
المال، انتهى مختصراً .
وفي ((الدر المختار)): الوصية على ما في ((المجتبى)) أربعة أقسام واجبة
بالزكاة، والكفارة، وفدية الصيام، والصلاة التي فرط فيها، ومباحة لغنيٍّ،
ومكروهة لأهل فسوق، قال ابن عابدين(١): عبارة ((المجتبى)): الوصية أربعة
أقسام واجبة، كالوصية برد الودائع، والديون المجهولة، ومستحبةٌ كالوصية
بالكفارات، وفدية الصلاة والصيام ونحوها، ومباحةٌ كالوصية للأغنياء من
الأجانب، والأقارب، ومكروهةٌ كالوصية لأهل الفسوق والمعاصي، انتهى.
وفيه تأمُّلٌ لما في ((البدائع))(٢): الوصية بما عليه من الفرائض والواجبات
كالحج والكفارات واجبةٌ، ومشى الزيلعي على ما في ((البدائع))، وفي
((المواهب)): تجب على مديونٍ بما عليه لله تعالى، أو للعباد، وهذا ما مشى
عليه المصنف، خلافاً لما في ((المجتبى)) من التفرقة بين حقوقه تعالى، وحقوق
العباد.
فقول الشارح: على ما في ((المجتبى)) أي من حيث التقسيم إلى الأربعة،
وقوله: مباحة لغنيٍّ، لعل المراد إذا لم يقصد القربة، أما لو أوصى له لكونه من
أهل العلم أو الصلاح إعانةً له أو لكونه رحماً كاشحاً، أو ذا عيال فينبغي
ندبها، وقوله: مكروهةٌ لأهل فسوق يرد عليه ما في البخاري ((لعل الغني يعتبر
فيتصدق، والسارق يستغني بها عن السرقة، والزانية عن الزنا))، وكان مراده ما
إذا غلب على ظنه أنه يصرفها للفسوق والفجور، انتهى. وسيأتي في آخر
(١) ((رد المحتار)) (٣٥٤/١٠).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٤٢٣/٦).
٢٨٦
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
١/١٤٨٠ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ قَالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسَّلِمٍ
الحديث شيء من ذلك من مذهب المالكية وغيرهم في كلام الباجي وغيره.
١/١٤٨٠ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (أن
رسول الله ◌ِ ﴾ قال ما) نافية أي ليس (حق امرئ مسلم) كذا في رواية عبد الله بن
يوسف عن مالك عند البخاري، قال الحافظ (١): كذا في أكثر الروايات،
وسقط لفظ مسلم من رواية أحمد عن إسحاق بن عيسى عن مالك، والوصف
بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة
لامتثاله لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ووصية الكافر جائزة في
الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع.
وقد بحث فيه السبكي من جهة أن الوصية شرعت زيادةً في العمل
الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنهم نظروا إلى أن الوصية
كالإعتاق، وهو يصح من الذمي والحربي، انتهى.
قال الموفق(٢): تصح وصية المسلم للذمي، والذمي للمسلم، والذمي
للذمي، روي إجازة المسلم للذمي عن شريح والشعبي والثوري والشافعي
وإسحق وأصحاب الرأي، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وقال محمد بن
الحنفية وعطاء وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِلَّ أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآَبِكُمْ مَعْرُوفًا﴾(٣):
هو وصية المسلم لليهودي والنصراني.
وروي أن صفية بنت حي باعت حجرتها من معاوية بمائة ألف، وكان لها
أخ يهوديٌّ، فعرضت عليه أن يسلم، فيرث، فأبى، فأوصت له بثلث المائة
(١) «فتح الباري)) (٣٥٧/٥).
(٢) («المغني)) (٥١٢/٨).
(٣) سورة الأحزاب: الآية ٦.
٢٨٧
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِیهِ،
ألف؛ ولأنه تصح له الهبة، فصحت الوصية له كالمسلم، وإذا صحت وصية
المسلم للذميِّ، فوصية الذمي للمسلم، والذميّ للذميّ أولى، ولا تصحُّ إلا بما
تصح به وصية المسلم للمسلم، ولو أوصى لوارثه أو لأجنبيّ بأكثر من ثلثه،
وقف على إجازة الورثة، كالمسلم.
وتصح الوصيةُ للحربي في دار الحرب، نص عليه أحمد، وهو قول مالك
وأكثر أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا تصحّ، وهو قول أبي حنيفة، لأنه
تعالى قال: ﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَئِلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾(١) إلى قوله ﴿ إِنَّمَا يَتَكُمُ
اللَّهُ عَنِ اَلَّذِينَ قَتَلُوكُمْ فِ الدِّينِ﴾ الآية، فيدل ذلك على أن من قاتلنا لا يحلّ بِرُه،
ولنا أنه تصح هبته، فصحت الوصية له كالذمي.
وقد روي أنه وَ ر أعطى عمر - رضي الله عنه - حلة من حرير، الحديث،
وفيه: فكساها عمر أخاً مشركاً له بمكة، وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: أتتني
أمي، وهي راغبة، فسألت رسول الله و له أفأصلها؟ قال: ((نعم))، وهذان فيهما
صلة أهل الحرب وبُهم، انتهى.
(له شيء) صفة لامرئ (يوصي فيه) صفة لشيء، قال ابن عبد البر: لم
يختلف الرواة عن مالك في هذا اللفظ، ورواه أيوب عن نافع بلفط: ((شيء))
يريد أن يوصي فيه، ورواه أحمد عن سفيان عن أيوب بلفظ: ((حق على كل
مسلم أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه))، الحديث، ورواه الشافعي عن
سفيان بلفظ: ((ما حق امرئ يؤمن بالوصية))، الحديث.
قال ابن عبد البر: فسره ابن عيينة أي يؤمن بأنها حق، وأخرج
الإسماعيلي من طريق روح بن عبادة عن مالك وابن عون جميعاً عن نافع
بلفظ: ((ما حق امرئ مسلم، له مال يريد أن يوصي فيه)»، وذكره ابن عبد البر
(١) سورة الممتحنة: الآيتان ٨، ٩.
٢٨٨
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ،
من طريق ابن عون بلفظ: ((لا يحل لامرئ مسلم له مال))، وأخرجه الطحاوي
أيضاً، قال ابن عبد البر: لم يتابع ابن عون على هذه اللفظة، قال الحافظ: إن
عَنى عن نافع بلفظها فَمُسَلَّمٌ، ولكن المعنى يمكن أن يكون متحداً، وإن عنى
عن ابن عمر فمردود، لما روي عنه أيضاً بهذا اللفظ، كما ذكره الحافظ في
((الفتح))(١).
قال ابن عبد البر: قوله: له مال، أولى عندي من قول من روى: له
شيء؛ لأن الشيء يطلق على القليل والكثير، بخلاف المال، قال الحافظ: كذا
قال، وهي دعوى لا دليل عليها، وعلى تسليمها، فرواية شيء أشمل، لأنها
تعم ما یتمول، وما لا يتمول، کالمختصات، انتهى.
(يبيت) قال الحافظ: كأن فيه حذفاً تقديره أن يبيت، ويجوز أن يكون
صفة لمسلم، وبه جزم الطيبي، وقال: مفعول يبيت محذوف تقديره آمناً أو
ذاكراً، وقال ابن التين: تقديره موعوكاً، والأول أولى؛ لأن استحباب الوصية
لا يختص بالمريض، وتعقبه العيني، وقال: يبيت جملة فعلية، وقعت صفة
أخرى لامرئ، وما قال بعضهم: فيه تقدير ((أن)) كقوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ
الْبَرَّقَ﴾ قياس فاسد، وفيه تغير المعنى أيضاً، وتعقب بأن في رواية النسائي
من طريق عبيد الله عن نافع بلفظ ((أن يبيت)).
(ليلتين) كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة والبيهقي من طريق أيوب («ليلة أو
ليلتين))، ولمسلم والنسائي من طريق سالم عن أبيه ((يبيت ثلاث ليال))، وكأن
ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها،
ففسح له هذا القدر، واختلاف الروايات فيه دالٌ على أنه للتقريب لا للتحديد،
والمعنى لا يمضي عليه زمان، ولو قل إلا ووصيته مكتوبة عنده، وفيه إشارة
(١) ((فتح الباري)) (٥/ ٣٥٧).
٢٨٩
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ)).
أخرجه البخاريّ في: ٥٥ - كتاب الوصايا، ١ - باب الوصايا، وقول النبيّ
وصية الرجل مكتوبة عنده. ومسلم في: ٢٥ - كتاب الوصية، حديث ١ و٢ و٣.
إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير (إلا ووصيته) الواو للحال
(مكتوبة) مثبتة (عنده) .
قال الطيبي(١): ((ما)) بمعنى ليس، و((يبيت)) صفة ثالثة لـ ((امرئ))، و((يوصي
فيه)) صفة ((شيء))، والمستثنى خبر ((ليس))، والمعنى لا ينبغي له أن يمضي عليه
زمان، وإن كان قليلاً في حال من الأحوال إلا أن يبيت بهذه الحال، وهي أن
تكون وصيته مكتوبة عنده.
قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون معناه ليس حقه أن يبيت ليلتين إلا
ووصيته عنده مكتوبة، وإنما من حقه تقديم وصيته، والتحرز والاستظهار
بتقديمها، وتحصين ماله عليه بها، فأما من لم يكن عليه دين، فإنه يستحب له
ذلك، بمعنى تبرئه عنها، والوصية بشيء من ماله في وجوه من ينتفع به فيما
تقدم عليه، وأما من كانت عليه ديون، فقد قال كثير من مشايخنا: إن ذلك
واجب عليه، قال في ((النوادر)): أما من عليه تباعة، أو ما فرط فيه من كفارة
وغيرها من زكاة، أو غير ذلك بما يوصي فيه، فواجب عليه أن يوصي بذلك،
وإنما يرخص في ترك التطوع.
قال الباجي: وعندي أن ذلك على قسمين: فأما الديون التي جرت
العادة أن تنعقد بها العقود، وليست مما يتكرر كالديون التي لها قدر الأمانات
من الودائع، والوصايا تكون بيده من مال أيتام أو غير ذلك، فإنه يجب عليه
ذلك، وأما ما يكون من يسير الديون التي تتكرر، وتؤدى في كل يوم، وتزيد،
(١) ((شرح الطيبي)) (٧/ ٢٢٥٠).
(٢) ((المنتقى)) (١٤٥/٦).
٢٩٠
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
وتنقص وتتجدد، فإن ذلك يشق فيها؛ لأنه كان يقتضي أن يجدد وصيته في
كل يوم، ومع الساعات.
وإنما معنى ذلك عندي في الأموال التي تبقى، وهذا عندي معنى
قوله {وَلّ: ((له شيء يوصي فيه))، إن حملناه على الوجوب، فإن لفظ الحق أظهر
في الوجوب، وإن كان يحتمل الندب، إذا قال: ((إنه حق عليه))، وإذا أضاف
الحق إليه، وجعله له، فهذا أظهر في الندب.
فإن حملناه على الوجوب، فالمراد به ما قدمناه من الحقوق التي تكون
عليه، مما لا يشق تنفيذها، والوصية بها، وقد يكون معناه، له شيء يوصي
فيه، ما يؤدي منه تلك الحقوق، وإذا حملناه على الندب، فيحتمل أن يريد به
الوصية بشيء من ماله في وجوه القرب، ويكون معنى قوله: له شيء يوصي
فيه، المال الواسع الذي يحتمل الوصية بالثلث أو أقل، قال تعالى: ﴿إِن تَرَكَ
خَيْرًا﴾ الآية، قال أهل التفسير: الخير المال، وقال قتادة: الخير ألف دينار،
فما فوق، وروي نحوه عن علي - رضي الله عنه - وعنه أنه قال لابن عمر
- رضي الله عنهما - حين قال له أراد أن يوصي، وله ما بين السبعمائة إلى
التسعمائة: لا توص، فإنك لم تترك خيراً فتوصي.
والجملة أن الوصية لمن لا دين عليه، ولا حق لأحد عنده ليست بواجبة
وإن كانت مندوباً إليها مع اليسار، وعلى هذا جماعة الفقهاء ولا خلاف أن
الصدقة التي ينفذها في حياته أفضل لما روي قال رجل: أي الصدقة أفضل؟
قال عليه السلام: ((أن تصدق وأنت صحيح حريص، تأمل الغنى، وتخشى
الفقر))، انتهى.
قال الزرقاني(١) تبعاً للحافظ وغيره: احتجّ بهذا الحديث مع ظاهر الآية
(١) ((شرح الزرقاني)) (٥٩/٤).
٢٩١
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
على وجوب الوصية، وبه قال عطاء والزهري وداود وآخرون، واختاره
ابن جرير، وغيره، وذهب الجمهور إلى استحبابها حتى نسبه ابن عبد البر إلى
الإجماع سوى من شذّ، وأجابوا عن الآية بأنها منسوخة، كما قال ابن عباس
عند البخاري، وعن الحديث بأن المراد ما حق الجزم والاحتياط؛ لأنه قد
يفجؤه الموت، وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن أن يغفل عن ذكر
الموت، وبهذا أجاب الشافعي.
وقال غيره: الحق لغةً الشيء الثابت، ويطلق شرعاً على ما ثبت به
الحكم، والحكم الثابت أعمّ من أن يكون واجباً أو مندوباً، وقد يطلق على
المباح أيضاً لكن بقلة، قاله القرطبي، قال: فإن اقترن به على أو نحوها كان
ظاهراً في الوجوب، وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في
الحديث للوجوب، بل اقترن هذا الحق بما يدل على الندب، وهو تفويضه
الوصية إلى إرادة الموصي في رواية: له شيء، يريد أن يوصي فيه، فلو كانت
واجبة لما علقها بإرادته.
وأما رواية ((لا يحل))، فيحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى، وأراد بنفي
الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب، والمندوب،
والمباح، وأجاب أبو ثور بأن الوجوب في الآية والحديث يختص بمن كان
عليه حق شرعيٌّ، يخشى ضياعه على صاحبه، إن لم يوصٍ به، كوديعة،
ودين لله تعالى أو الآدمي، ويدل على ذلك قوله: ((له شيء يريد أن يوصي فيه)).
وحاصله يرجع إلى قول الجمهور أن الوصية لا تجب لعينها، وإنما تجب
لعين الخروج من الحقوق الواجبة بتنجيز أو وصية، ومحل وجوبها إذا عجز عن
تنجيز ما عليه، وكان لم يعلم ذلك غيره ممن يثبت الحق بشهادته، فإن قدر أو
علم غيره فلا تجب، فعلم أنها قد تجب، وقد تستحب لمن رجا منها كثرة
الأجر، وقد تكره في عكسه، وتباح فيما استوى الأمران، فتحرم، كما إذا كان
٢٩٢
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
فيها إضرار لحديث ((الإضرار في الوصية من الكبائر))، أخرجه النسائي عن
ابن عباس تبعاً لغيره، رفعه برجال ثقات، وسعيد بن منصور عنه موقوفاً بإسناد
صحيح، واحتج ابن بطال تبعاً لغيره بأن ابن عمر - رضي الله عنهما - لم
پوص، فلو وجبت لما ترکها، وهو راوي الحديث -.
قال الحافظان ابن حجر(١) والعيني: وليس الاستدلال على وجوب
الوصية بحديث الباب بصحيح؛ لأن ابن عمر راوي الحديث لم يوص، ومحال
أن يخالف ما رواه، لو كان واجباً، ورُدَّ ذلك بأنه إن ثبت فالعبرة بما روى، لا
بما رأى، وأجيب عنه بأن في ذلك نسبته إلى مخالفة النبي وَلّ، وحاشاه من
ذلك، فإذا روي عنه أنه لم يوصٍ، دلّ على أن الحديث لم يدل على الوجوب
لمانع عن ذلك ظهر عنده.
فإن قلت: ثبت في ((صحيح مسلم)) أنه قال: ((لم أبت ليلة إلا ووصيتي
مكتوبة عندي)) يجاب بأنه يعارض ما أخرجه ابن المنذر وغيره عن نافع، قيل
لابن عمر - رضي الله عنه - في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي، فالله
يعلم ما كنت أصنع فيه، وأما رباعي فلا أحبّ أن يشارك ولدي فيها أحد، قال
الحافظ : وسنده صحيح.
ويجمع بينه وبين ما رواه مسلم بالحمل على أنه كان يكتب وصيته،
ويتعاهدها، ثم صار ينجز ما كان يوصي به معلقاً، وإليه الإشارة بقوله: فالله
يعلم ما كنت أصنع في مالي، انتهى.
قال القاري(٢): ومما يؤيد أن الحديث في الوصية المتبرع بها قوله: ((له
شيءٌ يوصي فيه)) حيث لم يقل: ((عليه شيء يوصي فيه)) وفي رواية ((له شيء
یرید أن یوصي فیه))، انتھی.
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٥٨/٥) و((عمدة القاري)) (٧/١٠).
(٢) (مرقاة المفاتيح)) (١٨٠/٦).
٢٩٣
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حديث
قال الحافظ: واستدل بقوله: مكتوبة عنده على جواز الاعتماد على
الكتابة، والخط، ولو لم يقترن ذلك بالشهادة، وخص أحمد ومحمد بن نصر
من الشافعية ذلك بالوصية؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام، وأجاب
الجمهور بأن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى وصيته
مكتوبة عنده أي بشرطها، وقال المحب الطبري: إضمار الإشهاد فيه بعد،
وأجيب بأنهم استدلوا على اشتراط الإشهاد بأمر خارج، كقوله تعالى: ﴿شَهَدَةُ
بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾(١) الآية، فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في
الوصية، وقال القرطبي: ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثق، وإلا فالوصية
المشهود بها، متفق عليها، ولو لم تكن مكتوبة، انتهى.
قال الخرقي: من كتب وصيته، ولم يشهد فيها حكم بها ما لم يعلم
رجوعه عنها، قال الموفق(٢): نصّ أحمدُ على هذا في رواية إسحاق، فقال:
من مات، فوجدت وصيته مكتوبة عند رأسه، ولم يُشْهد فيها، وعُرِفَ خطه،
وكان مشهور الخط يُقْبَلُ ما فيها، وروي عن أحمد أنه لا يقبل الخط في
الوصية، ولا يشهد على الوصية المختومة حتى يسمعها الشهود منه، أو تُقْرَأَ
عليه، فيُقِرَّ بما فيها، وبهذا قال الحسن والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي؛
لأن الحكم لا يجوز برؤية خط الشاهد بالشهادة بالإجماع، فكذا هاهنا، وقد
نص أحمد على هذا في الشهادة.
ووجه قول الخرقي قوله وَالر: ((إلا ووصيته مكتوبة عنده))، في حديث
الباب، ولم يذكر شهادته، ولأن الوصية يتسامح فيها، ولذا صح تعليقها على
الخطر والغرر، فجاز أن يتسامح فيها بقبول الخط كرواية الحديث، انتهى.
(١) سورة المائدة: الآية ١٠٦.
(٢) ((المغني)) (٤٧١/٨).
٢٩٤
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنَّ الْمُوصِيَ إِذَا
أَوْصَى فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ بِوَصِيَّةٍ، فِيهَا عَتَاقَةُ رَقِيقٍ مِنْ رَقِيقِهِ، أَوْ
غَيْرُ ذُلِكَ، فَإِنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ ذُلِكَ مَا بَدَا لَهُ، وَيَصْنَعُ مِنْ ذُلِكَ مَا شَاءَ
حَتَّى يَمُوتَ. وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَحَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ، وَيُبْدِلَهَا، فَعَلَ. إِلَّ
أَنْ يُدَبِّرَ مَمْلُوكاً. فَإِنْ دَبَّرَ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَغْيِيرِ مَا دَبَّرَ.
وبسط الباجي(١) في فروع ذلك، فقال: فمن كتب وصيته بخطه، فوجدت
في تركته، وعرف أنه خطه بشهادة عدلين، فلا يثبت شيء منه، حتى يشهد
عليها، وقد يكتب، ولا يعزم إلى آخر ما بسطه.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) بالمدينة المنوّرة (أن الموصي إن
أوصى) بشيء، وفي النسخ المصرية: ((إذا أوصى))، (في صحته أو) في (مرضه)
فوصية الصحة والمرض سواء في ذلك (بوصية) تكون (فيها) مثلاً (عتاقة) بفتح
العين مصدر (رقيق) واحد أو أكثر (من رقيقه) اسم جنس، والمراد في الثاني
الجمع أي من مماليكه (أو غير ذلك) يعني أو تكون الوصية بغير العتاقة
كالوصية بالمال وغيره (فإنه يغير) أي يجوز له أن يبدل (من ذلك) أي مما
أوصى به (ما بدا له) أي ما شاء (ويصنع) بالصاد والنون في جميع النسخ
الموجودة عندي من الهندية والمصرية أي يفعل (من ذلك ما شاء حتى يموت)
يعني له حق التغير والتبديل إلى موته.
(وإن أحب) الموصي (أن يطرح) أي يلقي ويبطل (تلك الوصية) كلها
(ويبدلها) بغيرها (فعل) ذلك بل له طرحها بالكلية بلا إبدال (إلا أن يدبر
مملوكاً) له ذكراً أو أنثى أي يجعله مدبراً (فإن دبر) أحد (مملوكاً) له (فلا سبيل
إلى تغيير) باليائين في النسخ المصرية أولى من الياء الواحدة في النسخ الهندية
(ما دبر) لأنه عقد لازم عند المصنف، ومن معه.
(١) ((المنتقى)) (١٤٧/٦).
٢٩٥
٣٩ - كتاب الوصية
(١) باب
(١٤٨٠) حدیث
وَذْلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَيْهِ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيْءٌ يُوصي
فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ، إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ مَكْتُوبَةٌ)).
قَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ كَانَ الْمُوصِي لَا يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ وَصِيَّتِهِ. وَلَا
مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنَ الْعَتَاقَةِ. كَانَ كُلُّ مُوصٍ قَدْ حَبَسَ مَالَهُ الَّذِي أَوْصَى
فِيهِ مِنَ الْعَتَاقَةِ وَغَيْرِهَا. وَقَدْ يُوصِي الرَّجُلُ فِي صِحَّتِهِ وَعِنْدَ سَفَرِهِ.
(وذلك) أي دليل جواز التغير في الوصية (أن رسول الله وَخلال قال) كما
تقدم قريباً من حديث ابن عمر (ما حق امرىءٍ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت
ليلتين، إلا ووصيته مكتوبة عنده) ووجه الاستدلال أن الرجل إذا لم يكن له حق
في أن يبيت ليلتين أيضاً بدون الوصية، فإذا لم يكن له حق التغير، فكأنه
محجورٌ في ثلث ماله أبداً وإلى ذلك أشار بقوله.
(قال مالك: فلو كان الموصي لا يقدر على تغيير وصيته ولا) على تغيير (ما
ذكر فيها من العتاقة) وغيرها (كان كل موصٍ قد حبس) أي منع (ماله الذي أوصى فيه
من العتاقة وغيرها) قال الباجي(١): قوله: وذلك أن رسول الله و لاإله قال: ((ما حق
امرئ)) الحديث، فتأوّل في ذلك أن عقد الوصية واجب أو مندوب إليه، وأنه على
الفور، ثم قال: فلو كان الموصي لا يقدر إلخ يعني أن الوصية كانت تكون مانعة له
من تصرفه في ماله، فمتى أوصى بعتقه لم يجز له بعد ذلك استرقاقه، وإذا أوصى
بثلث ماله لم يكن له بعد ذلك الإنفاق منه لا سيما على وجه الاستيعاب له، وفي
هذا إضرار بالناس ومنع من الوصية، انتهى.
(وقد يوصي الرجل في صحته) ثم يحتاج إلى ماله في حوائجه وأعمال
البر الأخر (وعند سفره) يعني قد يوصي عند إرادة السفر، ثم بعد تمام السفر
يحتاج إلى ماله، قال الزرقاني(٢): يعني فلو لم يكن له رجوع لزم الحجر،
انتھی .
(١) ((المنتقى)) (١٤٨/٦).
(٢) (شرح الزرقاني)) (٦٠/٤).
٢٩٦
٣٩ - كتاب الوصية
(٢) باب
(١٤٨٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، أَنَّهُ يُغَيِّرُ مِنْ
ذُلِكَ مَا شَاءَ، غَيْرَ التَّدْبِيرِ .
(٢) باب جواز وصية الصغير والضعيف والمصاب والسفيه
ثم أجمل كلامه المذكور مختصراً فقال.
(قال مالك: فالأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا أنه) أي الموصي (يغير من
ذلك) أي مما أوصى به (ما شاء غير التدبير) قال الباجي: وهذا على ما قال:
إن الموصي في صحته أو مرضه يعتق بعض رقيقه أو يتصدق بصدقة، أو غير
ذلك من أعمال البر، فإنه غير لازم له؛ لأن عقد الوصية عقد جائز غير لازم،
وله أن يغير من ذلك ما شاء، ويبطل منه ما شاء من غير عوض، أو يعوض منه
غيره في صحته أو مرضه ما لم يمت، فإذا مات فقد لزمت تلك الوصية، فليس
لغيره أن يغير شيئاً من ذلك، ولا يبطله، ولا يبدله، أما التدبير فعقد لازم ليس
لمن عقده الرجوع عنه بالقول ولا بالفعل، انتهى.
ثم قال بعد ذلك في جواز تغيير الوصية: وقد أجمع أهل المدينة، بل
جماعة العلماء على جواز تغيير ذلك، انتهى. قلت: وتقدم في ((باب الوصية
في التدبير)) أن العلماء أجمعوا على أن للموصي أن يرجع في وصيته، ويُغَيِّرها
كيف شاء، وأنهم أجمعوا أيضاً على أنه لا يجوز الرجوع في التدبير.
(٢) جواز وصية الصغير الذي لم يبلغ،
والضعيف في عقله كما يأتي في كلام الإمام،
والمصاب، فسره الزرقاني بالجنون، والسفيه
فسره الزرقاني(١) بالمبذر لماله، وسيأتي اختلاف العلماء في وصاياهم في
آخر الباب.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٦١/٤).
٢٩٧
٣٩ - كتاب الوصية
(٢) باب
(١٤٨١) حديث
١٤٨١/ ٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْم،
عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَمْرو بْنَ سُلَيْم الزُّرِقِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بَّنِ
الْخَطَّابِ: إِنَّ هَا هُنَا غُلَاماً يَفَاعاً. لَمْ يَحْتَلِمْ. مِنْ غَسَّانَ. وَوَارِثُهُ
بِالشَّامِ. وَهُوَ ذُو مَالٍ. وَلَيْسَ لَهُ هَا هُنَا إِلَّ ابْنَهُ عَمِّ لَهُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ: فَلْيُوصِ لَهَا .
١٤٨١/ ٢ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم
عن أبيه) أبي بكر اسمه وكنيته واحد (أن عمرو) بفتح العين (ابن سليم) بضم
سين مهملة (الزرقي) بضم الزاي نسبة إلى بني زريق (أخبره) أي أخبر عمرو أبا
بكر (أنه) الضمير للشأن (قيل: لعمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - أمير
المؤمنين (إن هاهنا) أي بالمدينة المنوّرة (غلاماً يفاعاً) بفتح التحتية والفاء أي
مرتفعاً، قاله الزرقاني. وفي ((المحلى)): أي مراهقاً، وفي ((مختار الصحاح)):
اليفاع: ما ارتفع من الأرض، وأيفع الغلام: ارتفع، فهو يافع، ولا يقال:
موفع، وهو من النوادر، انتهى.
وفي ((المجمع)): أيفع الغلامُ: فهو يافع، إذا شارف الاحتلام، وهو من
نوادر الأبنية، ومنه حديث قيل لعمر - رضي الله عنه -: إن هاهنا غلاماً يفاعاً
كذا روي، يريد به اليافع. واليفاع المرتفع من كل شيء، وفي إطلاقه على
الناس غرابة، انتهى.
(لم يحتلم) وسيأتي في الحديث الآتي قال أبو بكر: وكان الغلام
ابن عشرة، أو اثنتي عشرة سنة (من غسّان) بفتح الغين المعجمة وشد السين
المهملة: قبيلة من الأزد (ووارثه) المراد به الجنس (بالشام) وفي ((المغني)):
وورثته بالشام (وهو) أي الغلام اليافع (ذو مال) كثير (وليس له هاهنا) أي
بالمدينة (إلا ابنة عم له) وليست بوارث، فهل يوصي لها .
(فقال له عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (فليوصٍ لها) أي فليوصِ الغلام
٢٩٨
٣٩ - كتاب الوصية
(٢) باب
(١٤٨٢) حديث
قَالَ، فَأَوْضَى لَهَا بِمَالٍ يُقَالُ لَهُ بِثْرُ جُشَم. قَالَ عَمْرُو بْنُ سُلَيْم: فَبِيعَ
ذُلِكَ الْمَالُ بِثَلَائِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَابْنَةُ عَّمِّهِ الَّتِي أَوْصَى لَهَا،َ هِيَ أُمُّ
عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرقِيِّ.
٣/١٤٨٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي
بَكْرِ بْنِ حَزْم؛ أَن غُلَاماً مِنْ غَسَّانَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بِالْمَدِينَةِ. وَوَارِثُهُ
بِالشَّامَ. فَذُكِّرَ ذُلِكَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فُلَاناً يَمُوتُ.
أَفَيُوصِي؟ قَالَ: فَلْيُوصِ.
لابنة عم له (قال) عمرو بن سليم: (فأوصى) الغلام المذكور (لها) أي لابنة عمه
(بمال يقال له: بئر جشم) بضم الجيم وفتح الشين المعجمة، كذا في
((الزرقاني))، وفي ((معجم البلدان)) زاد: هي بئر بالمدينة.
(فقال عمرو بن سليم: فبيع ذلك المال) أي البئر المذكور مع ملحقاته
(بثلاثين ألف درهم) ذكره على معنى الإخبار عن تجويز وصيته بكثير المال،
وأن ذلك لا يختص بقليله (وابنة عمه) المذكورة (التي أوصى لها هي أم) أي
والدة (عمرو بن سليم الزرقي) راوي الحديث.
قال الباجي (١): يقتضي الإشارة إلى تصحيح الرواية، ومراعاة الراوي
الذي هو عمرو بن سليم لها لتعلقها به، ويحتمل أن يشير بذلك إلى أن وصية
الصغير تجوز للغني إن كانت معروفة بالغنى، وغير داخلة في جملة الفقراء.
٣/١٤٨٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي بكر بن
حزم) الراوي للأثر الماضي (أن غلاماً من غسان) مراهقاً كما تقدم (حضرته
الوفاة بالمدينة) المنوّرة (ووارثه بالشام) أي كانت الورثة بالشام (فذكر) ببناء
المجهول (ذلك لعمر بن الخطاب) رضي الله عنه، (فقيل له) أي لعمر - رضي الله
عنه -: (إن فلاناً يموت أفيوصي؟ فقال) عمر - رضي الله عنه -: (فليوصٍ).
(١) ((المنتقى)) (١٥٤/٦).
٢٩٩
٣٩ - كتاب الوصية
(٢) باب
(١٤٨٢) حديث
قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ الْغُلَامُ ابْنَ عَشْرٍ
سَنِينَ، أَوِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً. قَالَ، فَأَوْصَى بِثْرِ جُشَمٍ. فَبَاعَهَا أَهْلُهَا
بِثَلَائِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
(قال يحيى بن سعيد: قال أبو بكر) الراويان (وكان الغلام) المذكور (ابن
عشر سنين أو ثنتي عشرة) هكذا في النسخ المصرية، وهو أوجه مما في النسخ
الهندية من لفظ ((أو اثنتا عشرة)) بالرفع (سنة) بالشك من الراوي، أو على
التقريب من القائل، (قال) أبو بكر: (فأوصى ببئر جُشَم) كما في الطريق الأولى
(فباعها) أي البئر (أهلها) التي أوصى لها (بثلاثين ألف درهم).
قال الزرقاني(١): ذكر الإمام هذه الطريق الثانية، لما فيها من بيان من
الغلام، ولم يذكر أبو بكر فيها من أخبره بذلك، وهو عمرو بن سليم، فقد
حدث به على الوجهين، انتهى.
والأثر أخرجه البيهقي(٢) من طريق ابن بكير عن مالك بالطريق الأول، ثم
قال: والشافعي علق جواز وصية الصغير بثبوت الخبر فيها عن عمر - رضي الله
عنه -، والخبر منقطع، فعمرو بن سليم الزرقي لم يدرك عمر - رضي الله عنه -
إلا أنه ذكر في الخبر انتسابه إلى صاحب الخبر، انتهى.
وقال الحافظ في ((الدراية)) بعد ما ذكر حديث ((الموطأ)) المذكور:
وأخرجه عبد الرزاق عن معمر بن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه قال: أوصى
غلام منا لم يحتلم لعمةٍ له بالشام بمال كثير، قيمته ثلاثون ألفاً، فرفع ذلك إلى
عمر - رضي الله عنه - فأجاز وصيته، وأخرج عن الثوري عن يحيى بن سعيد
عن أبي بكر بن حزم أن عمرو بن سليم الغساني أوصى، وهو ابن عشر أو ثنتي
عشرة ببئر له قُوِّمَتْ ثلاثين ألفاً، فأجاز عمر وصيته.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٦١/٤).
(٢) (السنن الكبرى)) (٢٨٢/٦).
٣٠٠