Indexed OCR Text

Pages 181-200

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٥) حديث
مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ.
قال الأصمعي: يقال: هذه أرض جادّ مائة وسق، يريد أن ذلك يجدّ منها، فعلى
تفسير عيسى قوله: جادًّ عشرين وسقاً، صفة للثمرة الموهوبة، فتقديره وهبها
عشرين وسقاً مجدودة، وعلى تفسير ثابت قوله: جادًّ عشرين وسقاً، صفة للنخل
التي وهب ثمرتها، فمعناه وهبها ثمرة نخل يجدُّ منها عشرون وسقاً، اهـ قلت:
وقول الأصمعي يحتمل أن يكون تأييداً لمعنى ثابتٍ.
والأوجه عندي أنه معنى ثالث، فعلى قول عيسى أعطاها الثمرة بهذا
المقدار، وعلى قول ثابت أعطاها الأشجار التي تثمر بهذا المقدار، وعلى قول
الأصمعي أعطاها الأرض التي فيها الأشجار المثمرة لهذا المقدار. ولفظ
محمد في ((موطئه))(١): أن أبا بكر كان نحلها جُذَاذ عشرين وسقاً من ماله، قال
المحشي: بكسر الجيم وضمها وبدالين مهملتين، وقيل: بمعجمتين، بمعنى
القطع، قاله القاري، اهـ.
وقال الزيلعي: رواه عبد الرزاق في ((مصنفه))(٢) أخبرنا ابنُ جريج أخبرني
ابنُ أبي مليكة أن القاسم بن محمد بن أبي بكر أخبره أن أبا بكر قال لعائشة:
يا بنية إني كنتُ نحلتُك نخلاً من خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتُك على
ولدي، وإنك لم تكن حُزْتيه فَرُدِّيه على ولدي، فقالت: لو كانت لي خيبر
بجدادها لرددتُها، اهـ وهذا السياق يُرَجِّحُ معنى ثابتٍ، والوسق ستون صاعاً
معروف .
(من ماله) الذي كان (بالغابة). قال الزرقاني(٣): بمعجمة وموحدة،
وصَحَّفَ من قالها بتحتية، موضع على بريد من المدينة في طريق الشام، ووهم
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٧٧/٣).
(٢) (١٠٢/٩).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٤٤).
١٨١

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٥) حديث
فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: وَاللَّهِ، يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنَّى
بَعْدِي مِنْكِ. وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْراً بَعْدِي مِنْكِ. وَإِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَاذَّ عِشْرِينَ
وَسْقاً. فَلَوْ كُنْتٍ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ. وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ ...
من قال: من عوالي المدينة كان بها أملاك لأهلها استولى عليها الخراب،
وغلط القائل: إنها شجر لا مالك له بل لاحتطاب الناس ومنافعهم، اهـ، ولفظ
محمد في ((موطئه)) بالعالية، قال القاري: أي بقربه من العوالي حول المدينة،
اهـ. وبلفظ العالية حكاه الموفق في ((المغني)) والزيلعي في ((نصب الراية))(١).
وتقدم ما في عبد الرزاق من قوله: بخيبر، وأخرجه البيهقي برواية
ابن وهب سمعت حنظلة يحدث أنه سمع القاسم بن محمد يحدث بذلك إلا أنه
قال: أرضاً يقال لها: تمرد، وفي ((هامشه)) نسخة ثمرد، ولم يذكره الحموي في
((معجمه)) لا في التاء ولا في الثاء.
(فلما حضرته الوفاة) أي حان الأجل (قال: والله يا بُنَيَّةُ) بتصغير الحنان
والشفقة (ما من الناس أحد) بلفظ ما النافية، و((أحد)) اسم ((ما)) وخبره (أحبّ إليّ)
من بقية الورثة (غنّى بعدي منكِ) بكسر الكاف (ولا أعزّ) أي أشقّ وأصعب (عليّ)
بتشديد الياء (فقراً) أي ليس أحد يثق على فقره أكثر منك (بعدي منك) وقد قال
النبي ◌َّ لسعد بن أبي وقاص لما أراد الوصية بماله كله: ((إنك إن تترك ورثتك
أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس))، أخرجه أبو داود(٢).
(وإني كنت نحلتك) أولاً (جادّ عشرين وسقاً) كما تقدم (فلو كنت
جددتيه) بفتح الجيم والدال الأولى وسكون الثانية أي قطعتيه (واحتزتيه) بسكون
الحاء والزاي بينهما فوقية مفتوحة عطف تفسير، وفي النسخ الهندية بدله
((اخترتيه))، والأوجه الأول (كان) ذاك الموهوب (لك) لتمام الهبة بالقبض
(وإنما هو اليوم مال وارث) لعدم تمام الهبة بالقبض.
(١) (١٢٢/٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢٨٦٤).
١٨٢

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٥) حديث
قال الزرقاني: لأن الحيازة والقبض شرطٌ في تمام الهبة، فإن وهب
الثمرة على الكيل فلا تكون الحيازة إلا بالكيل بعد الجد؛ ولذا قال: جددتيه
واحتزتيه، قاله الباجي، وقال أبو عمر (١): اتفق الخلفاء الأربع على أن الهبة لا
تصِحُّ إلا مقبوضة، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال أحمد وأبو ثور: تصح الهبة
والصدقة بلا قبض، وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه - من وجه لا
یصح، اهـ.
وقال صاحب ((المحلى)): وفي الأثر أنه لا يثبت الملك في الهبة قبل
القبض، وبه أخذ أبو حنيفة والشافعي في الجديد والأكثر، وقال أبو ثور وداود
والشافعي في القديم: يثبت الملك قبل القبض، وعن مالك كذلك، لكن قال:
إن مات الواهب قبل القبض وزادت على الثلث يفتقر إلى إجازة الوارث،
وروي عن علي وابن مسعود، وقال أحمد: إن كانت الهبة عيناً تصح بدون
القبض في الأصح، وفي المكيل والموزون لا تصح بدونه، اهـ.
وقال الموفق(٢): المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا
بالقبض، وهو قول أكثر الفقهاء، منهم النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبو
حنيفة والشافعي، وقال مالك وأبو ثور: يلزم ذلك بمجرد العقد لعموم قوله تليفون:
((العائد في هبته کالعائد في قیئه)).
ولنا؛ إجماع الصحابة، فإن ما قلناه مرويٌ عن أبي بكر وعمر، ولم
يعرف لهما في الصحابة مخالف، وقال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان
وعلي أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة، ثم قال: وغير المكيل والموزون تلزم
الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه، وروي ذلك عن
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٢/٢٢).
(٢) («المغني)) (٢٤٠/٨).
١٨٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٥) حدیث
علي وابن مسعود أنهما قالا: الهبة جائزة، إذا كانت معلومة، قبضت أو لم
تقبض، وهو قول مالك وأبي ثور، وعن أحمد رواية أخرى: لا تلزم الهبة في
الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل العلم.
ثم حكى قول المروذي المذكور، قال: ويروى ذلك عن النخعي والثوري
والحسن بن صالح والعنبري والشافعي وأصحاب الرأي، وجه الرواية الأولى
أن الهبة أحد نوعي التمليك، فكان منها ما لا يلزم قبل القبض، ومنها ما يلزم
قبله كالبيع، فإن فيه ما لا يلزم قبل القبض، وهو الصرف وبيع الربويات، ومنه
ما يلزم قبله، وهو ما عدا ذلك، فأما حديث أبي بكر، فلا يلزم، فإن جذاذ
عشرين وسقاً يحتمل أنه أراد به عشرين وسقاً مجذوذة، فيكون مكيلاً غير
معين، وإن أراد نخلاً يجذ عشرين وسقاً، فهو أيضاً غير معين، ولا تصح الهبة
فيه قبل تعيينه، فيكون معناه وعدتك بالنخلة، اهـ.
وبسط الباجي(١) في فروع هذا الباب، واختلاف أصحابهم من أن الهبة
لا تخلو أن تكون حاضرة مع الموهوب له أو غائبة عنه، فإن كانت حاضرة،
فلا تخلو أن يكون مما لا ينقل ولا يحول، كالأرضين والأصول الثابتة، أو
يكون مما ينقل كالعروض والحيوان، وإن كانت مما لا ينقل كالأرضين، فهو
أيضاً على ضربين: أحدهما؛ أن يكون من الأرض التي لا عمل فيها،
وثانيهما؛ أن تكون من أرض المزارعة والعمل وغير ذلك من أنواع الموهوب،
وبسط اختلافهم فيها .
وقال الدردير(٢): الهبة تملك بالقول على المشهور، فله طلبها منه حيث
امتنع، ولو عند حاكم ليجبره على تمكين الموهوب له منها، قال عبد السلام:
(١) ((المنتقى)) (٩٤/٦).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٠١/٤).
١٨٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٥) حديث
وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ. فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ:
فَقُلْتُ يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا
القبول والحيازة معتبران إلا أن القبول ركنٌ، والحيازة شرطً، وبطلت الهبة إن
تأخر حوزُها لدَين محيط بمال الواهب، ولو بعد عقدها أو وهب لثانٍ، وحاز
قبل الأول، فللثاني لتقوي جانبه بالحيازة، قال الدسوقي: قوله: تملك بالقول،
أي ويقضى بها إن كانت لمعين على وجه التبرُّر، لا أن خرجت مخرج الأيمان
بالتعليق، وقوله: على المشهور، وقيل: إنما تملك بالقبض، وقوله: ركن أي
شرط في صحتها، فتبطل الهبة بعدمه، وقوله: شرط أي في تمامها، فإن عدم
لم تلزم وإن كانت صحيحة، وقوله: ولو بعد عقدها أي ولو طرأ الدين بعد
عقدها ، اهـ.
(وإنما هما أخواك) عبد الرحمن ومحمد، وأما عبد الله، فمات قبل ذلك
في أول خلافة أبيه (وأختاك) أسماء وأم كلثوم، وكانت إذ ذاك في الرحم، كما
سيأتي في الأثر.
قال الباجي(١): هكذا ورد هذا الحديث أن ورثته من ذكر، وقد ورثه مع
ذلك زوجه أسماء بنت عميس وزوجه بنت خارجة، وترك أباه أبا قحافة
عثمان بن عامر، ومات بعده في خلافة عمر، إلا أنه روي أنه ردّ سدسه على
ولد أبي بكر، ولعله قد كان وعد بذلك قبل وفاته، ويحتمل أن يريد إنما يرثني
بالبنوة أنت وأخواك وأختاك، يريد أن الذين يشاركونك في هذه العطية إنما هم
إخوتك على معنى التسلية لها عما صار إلى غيرها من ذلك بأن من يصير إليهم
ذلك ممن يسرك غناهم.
(فاقتسموه على كتاب الله) أي على سهامه (قالت عائشة) تسليماً لما قاله
أبوها (فقلت: يا أبت، والله لو كان كذا وكذا) كناية عن شيء كثير أزيد مما
(١) ((المنتقى)) (١٠٣/٦).
١٨٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٥) حديث
لَتَرَكْتُهُ. إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنِ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ
خَارِجَةَ. أُرَاهَا جَارِيَةً .
وهبه لها (لتركته) اتباعاً للشرع وطلباً لرضاك، قال الباجي: يحتمل أن تريد
لتركته إذا لم أستحقه، ويحتمل أن تريد لتركته وإن كان لي ممن ذكرته ممن
أحبّ له الغنى والخير ممن يشفق عليه (إنما هي أسماء) أي أعلمها (فَمَن
الأخرى؟) إذ قلت: أختاك إذ قالت ذلك لما لم تعلم لنفسها أختاً غير أسماء.
(فقال أبو بكر لها) أي لعائشة: (ذو بطن بنت خارجة) أي الكائنة في بطن
زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد البدري الأنصاري الخزرجي، صحابية بنت
صحابي، هي التي استأذن أبو بكر - رضي الله عنه - أن يأتي بيتها لما رأى خِفَّةً
في مرض رسول الله وَلير (أراها) أي التي في بطنها (جارية) فكان كما ظن، قال
ابن مزين: قال بعض فقهائنا: وذلك لرؤيا رآها أبو بكر تأوّل فيها ذلك، وهذا
لا يمتنع، فولدت بنتاً سميت أم كلثوم، كذا في ((المنتقى)).
وأخرج السيوطي في ((تاريخ الخلفاء)) (١) حديث مالك هذا ثم قال:
وأخرجه ابن سعد، وقال في آخره قال: ذات بطن ابنة خارجة قد ألقي في
روعي أنها جارية، فاستوصى بها خيراً، فولدت أم كلثوم، اهـ.
واحتج بالأثر من قال بجواز التفضيل في النحل، قال الباجي (٢):
الحديث يقتضي أنه خصّها بالنحلة دون سائر أخواتها، ورأى ذلك جائزاً له،
وإن كان النبي وَلّل قد قال لبشير في ما وهبه لولده النعمان: ((أكل ولدك نحلته))
فيحتمل أن يكون أبو بكر - رضي الله عنه - تأوّل في حديث النعمان بن بشير
بعضَ الوجوه التي قدمناها في تفسيره، وإن نحلته لعائشة - رضي الله عنها - لم
تكن على شيء من ذلك، وإنما كان ذلك لفضل عائشة على سائر إخوتها،
ولذلك قال لها: ليس أحدٌ أحبّ إليّ غنّى بعدي منك، اهـ
(١) (ص٩٥).
(٢) ((المنتقى)) (٩٣/٦).
١٨٦

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٦) حديث
١٤٦٦/ ٤١ - وحدّثني مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ
الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيِّ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ:
مَا بَالُ رِجَالٍ يَنْحَلُونَ أَبْنَاءَهُمْ نُحْلاً. ثُمَّ يُمْسِكُونَهَا .
وأجاب عنه من منعه بما قال الموفق(١): وقول أبي بكر - رضي الله عنه -
لا يعارض قول النبي وَل﴾، ولا يُحْتَجُّ به معه، ويحتمل أن أبا بكر - رضي الله
عنه - خَصَّها بعطية لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبب فيه، مع اختصاصها
بفضلها وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله - 18 وغير ذلك من فضائلها،
ويحتمل أن يكون نحلها ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو أن يريد أن
ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك، اهـ.
وجمع بينهما البيهقي بأن ترجم على حديث النعمان ((باب السنّة في
التسوية بين الأولاد في العطية))(٢)، وترجم على حديث أبي بكر هذا («باب ما
يستدل به على أن أمره بالتسوية بينهم في العطية على الاختيار دون الإيجاب))
اهـ. قلت: وهذا كله بعد ثبوت الهبة في قصة النعمان، وتقدم في أول حديثه
أن الطحاوي وغيره رَجَّحُوا فيه أنه كان استشارة لا هبةً.
١٤٦٦/ ٤١ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير، عن
عبد الرحمن بن عبد) بدون إضافة (القاريّ) بتشديد الياء نسبة إلى القارة بطنٌ من
خزيمة (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قال: ما بال) البال: الحال والشأن
(رجال ينحلون) بفتح أوله وثالثه يعطون، (أبناءهم نُحلاً) بضم النون وسكون
الحاء العطية، أو بكسر النون وفتح حاء جمع نحلة بمعنى المنحول، قاله القاري،
كذا في ((الممجد))(٣) (ثم يمسكونها) أي العطية المذكورة بيدهم، ولا يقبضونها
(١) ((المغني)) (٢٥٧/٨).
(٢) ((السنن الكبرى)) (١٧٧/٦).
(٣) ((التعليق الممجد)) (٣٨٠/٣).
١٨٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٣) باب
(١٤٦٦) حديث
فَإِنْ مَاتَ ابْنُ أَحَدِهِمْ، قَالَ: مَالِي بِيَدِي. لَمْ أَعْطِهِ أَحَداً. وَإِنْ مَاتَ
هُوَ، قَالَ: هُوَ لِابْنِي قَدْ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ. مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً، فَلَمْ
يَحُزْهَا الَّذِي نُحِلَها، حَتَّى يَكُونَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ، فَهِيَ بَاطِلٌ.
للموهوب له (فإن مات ابن أحدهم) الذي نحله (قال) الأب: (مالي بيدي) أي في
قبضتي (لم أعطه أحداً) لأنه لم يقبضه (وإن مات هو) أي الأب الواهب يعني
قَرُبَ موتهُ (قال) الأب: (هو لابني) المذكور لأني (قد كنت أعطيته إياه) وقال
الأب: ذلك ليحرم باقي الورثة، قال عمر بن الخطاب بعد ذكر حال رجال: (من
نحل) أي أعطى (نحلة) عطيةً وفي الهندية ((نحلته)) (فلم يَحُزها) بضم الحاء
المهملة بعدها زاي ساكنة من الحوز أي لم يقبضها (الذي) فاعل فلم يحزها
(نحلها) ببناء المجهول وهو الموهوب له (حتى يكون) بالتحتية في جميع النسخ
الهندية والمصرية إلا الزرقاني، ففيها بالمثناة الفوقية قال بالتاء، أي النحلة،
وبالياء الذي نحل، اهـ.
(إن مات) المعطى له (لورثته) الغاية للمنفي لا للنفي، كذا في
((المحلى)) (فهي باطل) لأن الحيازة شرط في صحة الملك للهبة، قاله
الزرقاني، وبسط الباجي في فروع هذا الباب، وقال محمد(١) بعد ذكر هذه
الآثار: وبهذا كله نأخذ، ينبغي للرجل أن يُسَوِّي بين ولده في النِحْلة، ولا
يفضل بعضهم على بعض، فمن نحل نِحْلة ولداً أو غيره فلم يقبضها الذي
نحلها، حتى مات الناحل أو المنحول، فهي مردودة على الناحل، وعلى
ورثته، ولا يجوز للمنحول حتى يقبضها إلا الولد الصغير، فإنَّ قبضَ والدِه
له قبضٌ، فإذا أعلنها وأشهد بها، فهي جائزة لولده، ولا سبيل للوالد إلى
الرجعة فيها، ولا إلى اغتصابها بعد أن أشهد عليها، وهو قول أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا .
(١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٨١/٣).
١٨٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٤) باب
(٣٤) باب ما لا يجوز من العطية
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَعْطَى
أَحداً عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا. فَأَشْهَدَ عَلَيْهَا. فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّذِي أُعْطِيهَا .
إِلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الَّذِي أُعْطِيَهَا .
قَالَ: وَإِنْ أَرَادَ الْمُعْطِي إِمْسَاكَهَا بَعْدَ أَنْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا. فَلَيْسَ
ذُلِكَ لَهُ. إِذَا قَامَ عَلَيْهِ بِهَا صَاحِبُهَا، أَخَذَهَا .
(٣٤) ما يجوز من العطية
هكذا في النسخ الهندية، وعلى هذا فالفرق بينها وبين الترجمة السابقة
واضح، وفي جميع النسخ المصرية محلها ((ما لا يجوز)) بزيادة لا النافية،
فالظاهر مما ذكر في البابين أن المصنف - رحمه الله -، أراد في الترجمة
السابقة التفاضل في الهبة للأولاد، وأراد في هذه الترجمة بيان القبض في
الهبة، هل هو شرط لتمامها أم لا؟ كما سيأتي في كلامه.
(قال مالك: الأمر عندنا فيمن أعطى أحداً عطية لا يريد ثوابها) أي لا يريد
عوضها في الدنيا (فأشهد عليها) أي أشهد أحداً على عطائه (فإنها ثابتة) أي حق
ثابت ثبت (للذي أعطيها) ببناء المجهول، أي ثبت حق المعطى له للزومها
بالقول عند مالك ومن وافقه، كما سيأتي (إلا أن يموت المعطي) بكسر الطاء أي
الواهب (قبل أن يقبضها الذي أعطيها) ببناء المجهول أي المعطى له، فحينئذٍ
تبطل الهدية بموته .
(قال) مالك: (وإن أراد المعطي) أي الواهب (إمساكها بعد أن أشهد
عليها) أحداً (فليس ذلك له) أي ليس للواهب حق الإمساك (إذا قام عليه بها)
أي قدر عليها (صاحبها) أي الموهوب له (أخذها) جبراً.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من أعطى عطيةً لا يريد بها الثواب
(١) ((المنتقى)) (١٠٨/٦).
١٨٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٤) باب
ولا العوض، وأشهد عليها، فإنها بالإشهاد ثبت للمعطى، فليس للمعطي
الرجوع فيها، لأن الهبة تلزم بالقول، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في قولهما:
إن الصدقة والهبة عقد جائز، وإنما تلزم بالقبض، والدليل على ما نقوله قوله
تعالى: ﴿أَوْفُوْ بِلْعُقُودِ﴾ وقوله ◌َّ: ((العائد في صدقته كالكلب يعود في قيته))(١)
ومن جهة القياس أن هذا عقدٌ فلم يفتقر لزومه إلى قبض المعقود عليه كسائر
العقود.
وإذا ثبت هذا فإنه على ضربين: ضرب، لا يقضى به، وضربٌ يقضى به،
أما الأول، فما كان من صدقة أو هبة أو حبس على وجه اليمين على معينين أو
غير معينين اتفق أصحابنا ابن القاسم وأشهب وغيرهما على أنه لا يقضى عليه
بذلك، ولكنه يؤمر بذلك، ووجه ذلك أنه لم يقصد به البر، وإنما قصد
اللجاج، وتحقيق ما نازع فيه فيؤمر به، ولا يقضى به عليه، وأما ما كان من
ذلك بغير يمين، فإنه يجبر على إخراجها، وحكى محمد عن أشهب أنه لا يجبر
على إخراجها إلا إذا كانت الصدقة على معين، اهـ.
وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل
أن تصل إليه))، قال العيني (٢): الترجمة مشتملة على شيئين: أحدهما؛ الهبة
والآخر؛ الوعد، أما الهبة، فالشرط فيها القبض عند أكثر الفقهاء والتابعين، وهو
قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، إلا أن أحمد قال: إن كانت الهبة عيناً تصح
بدون القبض في الأصح، وفي المكيل والموزون لا تصحّ بدون القبض، وعند
مالك يثبت الملك فيها قبل القبض، وبه قال أبو ثور والشافعي في القديم، وهو
قول ابن أبي ليلى، واستدل أصحابنا وأصحاب الشافعي في اشتراط القبض
بحديث عائشة في جذاذ أبي بكر - رضي الله عنه - اهـ.
(١) أخرجه البخاري (٢٦٢٣)، ومسلم (١٦٢٢).
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٢٠/٩).
١٩٠

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٤) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً. ثُمَّ نَكَلَ الَّذِي أعطاها، فجاء
الذي أُعْطِيَهَا بِشَاهِدٍ يَشْهَدُ لَهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ ذُلِكَ. عَرْضاً كَانَ أَوْ ذَهَباً
أَوْ وَرِقاً أَوْ حَيَوَاناً. أُحْلِفَ الَّذِي أُعْطِيَ مَعَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ. فَإِنْ أَبَى
الَّذِي أُعْطِيَ أَنْ يَحْلِفَ، حُلِّفَ الْمُعْطِي. وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ أَيْضاً،
أَذَّى إِلَى الْمُعْطَى مَا اذَّعَى عَلَيْهِ إِذَا كَانَ لَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ. فَإِنْ لَمْ
يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ، فَلَا شَيْءَ لَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً لَا يُرِيدُ ثَوَابَهَا .
(قال مالك: ومن أعطى عطية ثم نكل الذي أعطاها) أي أنكر الواهب
(فجاء الذي أعطيها) ببناء المجهول أي الموهوب له (بشاهد) واحد (يشهد له أنه
أعطاه ذلك) الشيء الموهوب (عرضاً كان) ذلك الشيء الموهوب (أو ذهباً أو
ورقاً أو حيواناً) أو غير ذلك (أحلف) ببناء المجهول (الذي أعطي) أي الموهوب
له (مع شهادة شاهده) الواحد بناءً على ما تقدم في بابه من القضاء باليمين مع
الشاهد الواحد (فإن أبى الذي أعطي) أي الموهوب له (أن يحلف) أي نكل عن
اليمين (حُلِّفَ) ببناء المجهول من التحليف (المعطي) بالكسر أي الواهب، فإن
حلف الواهب برئ (وإن أبى) الواهب (أن يحلفَ أيضاً) كما نكل الموهوب له
(أَدَّى إلى المُعْطَى) بفتح الطاء الموهوب له (ما ادعى عليه) أي على الواهب لأن
نكول الواهب بمنزلة شاهدٍ ثانٍ.
قال الباجي(١): وذلك لنكول المعطى بعد ردّ اليمين عليه، وكذلك كل
من نكل عن يمين ردّت عليه، فإنه يقضى عليه (إذا كان له) أي للموهوب له
(شاهد واحد، فإن لم يكن له شاهد) واحد أيضاً (فلا شيء له) بمجرد دعواه
وإن حلف.
(قال مالك: ومن أعطى عطية لا يريد ثوابها) أي عوضها في الدنيا
(١) ((المنتقى)) (١٠٩/٦).
١٩١

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٤) باب
ثُمَّ مَاتَ الْمُعْطَى، فَوَرَثَتُهُ بِمَنْزِلَتِهِ. وَإِنْ مَاتَ الْمُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ
الْمُعْطَى عَطِيَّتَهُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ أُعْطِيَ عَطَاءً لَمْ يَقْبِضْهُ. فَإِنْ
أَرَادَ الْمُعْطِى أَنْ يُمْسِكَهَا، وَقَدْ أَشْهَدَ عَلَيْهَا حِينَ أَعْطَاهَا، فَلَيْسَ
ذُلِكَ لَهُ. إِذَا قَامَ صَاحِبُهَا، أَخَذَهَا .
(ثم مات المُعْطَى) بفتح الطاء، أي الموهوب له قبل أن يقبضها (فورثته) أي
ورثة الموهوب له (بمنزلته) فلهم طلبها وأخذها جبراًمن الواهب (وإن مات
المُعْطِي) بكسر الطاء الواهب (قبل أن يقبض المُعْطَى) بفتح الطاء الموهوب له
(عطيته فلا شيء له) أي للموهوب له (وذلك) أي وجه ذلك (أنه أُغطي) ببناء
المجهول (عطاءً لم يقبضه) قبل موت الواهب (فإن أراد المعطي) بكسر الطاء
(أن يمسكها) كما تقدم قريباً ذكره استطراداً (و) الحال أنه (قد كان أشهد عليها
حين أعطاها فليس ذلك له) أي للواهب (إذا قام صاحبها) الموهوب له (أخذها)
جبراً على الواهب.
قال الباجي(١): وهذا يدل على أن مالكاً كان يقول بدليل الخطاب،
فأخبر أن موت المعطى لا يبطل الهبة، وهو الصحيح؛ لأن القبض الذي يبطل
الهبة عدمه، لا يفوت بموت المعطى، فورثته يقومون مقامه من القيام بطلبها،
وإمضاء ما كان له، وإنما يبطل بموت المعطي قبل القبض؛ لأن تمام العطية
قبل القبض قد فات، اهـ.
قال الموفق(٢): المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض،
وهو قول أكثر الفقهاء، منهم النخعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي، وقال
مالك وأبو ثور: يلزم ذلك بمجرد العقد؛ لعموم قوله ومثل: ((العائد في هبته
كالعائد في قيئه))، ولأنه إزالة ملك بغير عوض، فلزم بمجرد العقد كالوقف
(١) ((المنتقى)) (١١٠/٦).
(٢) ((المغني)) (٢٤٠/٨).
١٩٢

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٤) باب
والعتق، وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القبض كالوصية والوقف.
ولنا، إجماع الصحابة، فإن ما قلناه مرويٌّ عن أبي بكر وعمر - رضي الله
عنهما - ولم يعرف لهما مخالفٌ في الصحابة، فذكر حديث أبي بكر في قصة
جذاذ عائشة، وحديث عمر - رضي الله عنه - ما بال أقوام ينحلون أودلاهم
المذكورين في ((الموطأ)» قريباً .
ثم قال: وروى عثمان أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغاراً، قال
المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضةً،
ولأنها هبة غير مقبوضة، فلم تلزم، كما لو مات قبل أن يقبض، فإن مالكاً
يقول: لا يلزم الورثة التسليم، والخبرُ محمولٌ على المقبوض، ولا يصِحّ
القياس على الوقف والوصية والعتق؛ لأن الوقف إخراج ملكٍ إلى الله تعالى
فخالف التمليكاتِ، والوصيّة تُلزَمُ في حق الوارث، والعتقُ إسقاط حق، وليس
بتمليك .
ثم الواهب(١) بالخيار قبل القبض إن شاء أَقْبَضَها وأمضاها، وإن شاء
رجع فيها ومنعها، ولا يصح قبضها إلا بإذنه، فإن قبضها الموهوب له بغير إذنه
لم تتم الهبة، ولم يصح القبض، وحُكِي عن أبي حنيفة أنه إذا قبضها في
المجلس صحَّ، وإن لم يأذن له؛ لأن الهبة قامت مقام الإذن في القبض،
لكونها دالة على رضاه بالتمليك، فإن مات الواهب أو الموهوب له قبل القبض
بطلت الهبة، سواء كان قبل الإذن في القبض أو بعده، لأنه عقد جائز، فبطل
بموت أحد المتعاقدين، كالوكالة والشركة.
ورُوي عن أم كلثوم بنت سلمة قالت: لما تزوج رسول الله وَ ليل أم سلمة
قال لها: ((إني أهديتُ إلى النجاشي حُلَّةً، وأواقيَّ مسكٍ، ولا أرى النجاشي
(١) انظر: ((المغني)) (٢٤٢/٨).
١٩٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٥) باب
(١٤٦٧) حديث
(٣٥) باب القضاء في الهبة
١٤٦٧/ ٤٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصيْنِ، عَنْ أَبِي
غَطَفَانَ بْنِ طَرِيفِ الْمُرِّيِّ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ
رَحِم، أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ. فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهَا. وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ
إِنَّمَا أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ. فَهُوَ عَلَى هِيَتِهِ. يَرْجِعُ فِيهَا، إِذَا لَمْ يُرْضَ مِنْهَا .
إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودةً عليّ فإن رُدَّتْ فهي لك))، قالت:
فكان ما قال رسول الله وَّله: ورُدَّتْ عليه هديتُه، فأعطى كلَّ امرأة من نسائه
أوقيةً من مسك، وأعطى أم سلمة بقيةَ المسك والحُلَّة.
أما غير المكيل والموزون، فتلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك
في الموهوب قبل قبضه، ورُوي ذلك عن علي وابن مسعود أنهما قالا: الهبة
جائزة إذا كانت معلومة قبضت أو لم تقبض، وهو قول مالك وأبي ثور، وعن
أحمد رواية أخرى: لا تلزم الهبة في الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل
العلم، قال المروذي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم -
على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة. ويُروى ذلك عن النخعي والثوري والحسن
والعنبري والشافعي وأصحاب الرأي؛ لما ذكرنا في المسألة الأولى.
(٣٥) القضاء في الهبة
١٤٦٧/ ٤٢ - (مالك عن داود بن الحصين) بالمهملتين مصغراً (عن أبي
غطفان) بفتح الغين المعجمة (ابن طريف) بفتح الطاء المهملة (المُرِّي) بضم
الميم وتشديد الراء المهملة (أن عمر بن الخطاب قال: من وهب هبة لصلة رحم
أو على وجه صدقة. فإنه لا يرجع فيها) قال الباجي: يريد أن يقصد بها القربة،
فإنه لا يرجع فيها يريد أنها لازمة له، ليس له الرجوع فيها، سواء قبضت منه
أو لم تقبض (ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب) أي العوض في الدنيا
والجزاء عليها ممن وهب له (فهو على هبته) أي قاض عليها (يرجع فيها) إن
شاء (إذا لم يرض منها) أي إذا لم يرض الجزاء.
١٩٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٥) باب
(١٤٦٧) حديث
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا،
أَنَّ الْهِبَةَ إِذَا تَغَيَّرَتْ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِلثَّوَابِ. بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ. فَإِنَّ
عَلَى الْمَوْهُوبِ لَّهُ أَنْ يُعْطِيَ صَاحِبَهَا قِيمَتَهَا، يَوْمَ قَبَضَهَا .
قال الباجي(١): يعني من وهب هبة أراد بها الثواب، وليست على وجه
القربة، وإنما هي على وجه المعاوضة، فإذا لم يرض منها كان له ارتجاعها،
كالسلعة يعرضها للبيع، فإذا لم يرض منها لم يلزمه إخراجها، وقوله: يرى أنه
أراد بها الثواب يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون الواهب ممن ظاهر هبته
قصد الثواب بأن يهب للثواب ويعتقده، ولعله يعلم به غير الموهوب، فإن
اشترط للثواب فقد روى ابن حبيب، عن ابن الماجشون لا يجوز ذلك، وهو
كبائع السلعة بقيمتها، ولكن إن وهب وسكت عن ذكر الثواب، ثم قام يطلب
الثواب فهو الذي جاء فيه قول عمر - رضي الله عنه -، وقال أصبغ: ذلك جائز
في الوجهين، قال أبو محمد: وهو قول ابن القاسم في ((المدونة)) وهو أولى،
لأنه وإن لم يشترط الثواب، فقد عرف أنه المقصود، والمعروف كالمشروط.
وفي هذا خمسة أبواب، الأول: فيما يجوز هبته للثواب وما لا يجوز،
وما يكون عوضاً في هبة الثواب، الثاني: فيمن يحمل هبته على الثواب من غير
شرط، الثالث: في مقتضى الهبة من اللزوم أو الجواز، الرابع: فيما تفوت به
الهبة للثواب، الخامس: في حكم وجود العيب بها. ثم بسط الباجي الكلام
على هذه الأبواب الخمسة.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الهبة إذا تغَيَّرَتْ عند الموهوب
له) إذا كانت الهبة (للثواب) سواء كانت التغير (بزيادة أو نقصان فإن على
الموهوب له أن يعطي صاحبها) أي الواهب (قيمتها يوم قبضها) قال الباجي (٢):
(١) ((المنتقى)) (١١٠/٦).
(٢) ((المنتقى)) (١١٤/٦).
١٩٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٦) باب
(٣٦) باب الاعتصار في الصدقة
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ .
وهذا كما قال: إن الهبة للثواب غير لازمة للموهوب له، وإن قبضها ما لم
تتغير عنده بزيادة أو نقصان في عينها، فإن حدث بها شيء من ذلك فقد فات
ردّها إلى الواهب، ولزم الموهوب قيمتها، هذا هو المشهور عن مالك، أن
الزيادة والنقص في البدن مما تفوت به الهبة للثواب، وتلزم المعطي قيمتها .
ثم ذكر أقوالاً أخر في ذلك ثم قال: قوله: لزمته قيمتها، يريد أنه ليس
للموهوب ردُّها إن اختار ذلك، وليس ذلك للواهب، قال ابن القاسم: إلا أن
يجتمعا على ردِّها، اهـ وسيأتي اختلاف الأئمة في ذلك في الباب الآتي. وفي
((المحلى)): قال أبو حنيفة: الزيادة المتصلة يمنع عن الرجوع، ولا تجب
القيمة، وأما النقصان فغير مانع، اهـ.
(٣٦) الاعتصار في الصدقة
قال صاحب ((المجمع)) في حديث «الوالد يعتصر ولده فيما أعطاه)):
يعتصره أي يَحْبِسُه عن الإعطاء، ويمنعه منه، وكل شيء منعته فقد اعتصرته،
وقيل: يعتصر: يرتجع، واعتصر العطية: ارتجعها، ويعتصر الوالد على ولده،
عدي بعلى لتضمين معنى يرجع عليه، اهـ.
وقال الموفق(١) بعدما ذكر اختلافهم في الرجوع عن الهبة: ولا يجوز
للمتصدق الرجوع في صدقته في قولهم جميعاً؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قال
في حديثه: من وهب هبة على وجه صدقة، فإنه لا يرجع فيها مع عموم
أحاديثنا، فاتفق دليلهم ودليلنا، فلذلك اتفق قولهم وقولنا، اهـ.
(قال مالك: الأمر عندنا الذي) صفة للأمر (لا اختلاف فيه) عندنا بالمدينة
(١) ((المغني)) (٢٧٩/٨).
١٩٦

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٦) باب
أَنَّ كُلَّ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ بِصَدَقَةٍ قَبَضَهَا الِاِبْنُ. أَوْ كَانَ فِي حُجْرٍ
أَبِيهِ فَأَشْهَدَ لَهُ عَلَى صَدَقَتِهِ. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ. لِأَنَّهُ
لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّدَقَةِ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِيمَنْ
نَحَلَ وَلَدَهُ نُحْلاً. أَوْ أَعْطَاهُ عَطَاءَ لَيْسَ بِصَدَقَةٍ. إِنَّ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ
ذُلِكَ. مَا لَمْ يَسْتَحْدِث الْوَلَدُ دَيْناً يُدَايِنُهُ النَّاسُ بِهِ. وَيَأْمَنُونَهُ عَلَيْهِ.
مِنْ أَجْلِ ذُلِكَ الْعَطَاءِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ.
المنوّرة (أن كل من تصَدَّق على ابنه بصدقة) سواءٌ كان الابن صغيراً أو كبيراً
(وقبضها الابن) الكبير الرشيد (أو كان) الابن (في حجر أبيه) لصغره أو غيره
(فأشهد) الأب (له) أي للابن أحداً (على صدقته فليس له) أي للوالدين (أن
يعتصر) أي يرتجع (شيئاً من ذلك لأنه) صدقة و (لا يرجع) أحد (في شيء من
الصدقة) إجماعاً كما تقدم قريباً.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من تصدق بصدقة على ابنه الكبير
المالك لأمر نفسه، أو الصغير في حجره، فليس للمتصدق إعصارها، إذا
قبضت وحيزت؛ لأن الصدقة لا اعتصار فيها؛ لأنها على وجه القربة، وما كان
من العطية على وجه القربة، فلا اعتصار فيه، اهـ.
(قال مالك: والأمر عندنا) بالمدينة المنوّرة (فيمن نحل ولده نحلاً) بضم
فسكون (أو أعطاه عطاء ليس بصدقة) أي لم يكن على وجه الصدقة (إنَّ له) أي
للأب (أن يعتصر ذلك) أي يرجع فيه (ما لم يستحدث) أي يحدث (الولد ديناً)
أي لم يأخذ ديناً عن الناس (يداينه الناس به) أي بذلك العطاء (ويأمنونه عليه)
أي يأمنون الولد على الدين (من أجل ذلك العطاء الذي أعطاه أبوه) قال
(١) ((المنتقى)) (١١٦/٦).
١٩٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٦) باب
فَلَيْسَ لِأَبِيهِ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنْ ذُلِكَ شَيْئاً، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الدُّيُونُ. أَوْ
يُعْطِي الرَّجُلُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ. فَتَنْكِحُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ. وَإِنَّمَا تَنْكِحُهُ لِغِنَاهُ.
وَلِلْمَالِ الَّذِي أَعْطَاهُ أَبُوهُ. فَيُرِيدُ أَنْ يَعْتَصِرَ ذُلِكَ، الْأَبُ. أَوْ يَتَزَوَّجُ
الباجي(١): خص الولد بذلك؛ لأن الظاهر من مذهب مالك أنه لا يعتصر إلا
الأبوين من الابن والابنة صغاراً كانوا أو كباراً.
فأما الجد والجدة، فاختلف قول مالك فيهما، فروى عنه ابن وهب لا
يعتصر، ولا يلزمه النفقة، وروى عنه أشهب أن الجد والجدة يعتصران
كالأبوين، وبه قال ابن عبد الحكم، وجه القول الأول، وهو المشهور من
المذهب أن الجدَّ لا تلزمه النفقة فلم يكن له الاعتصار كالعم، وجهُ القول
الثاني، أنه أولى بالأبوة، ويقدم في الميراث على الإخوة، اهـ.
(فليس لأبيه أن يعتصر من ذلك شيئاً بعد أن تكون عليه الديون) أي بعد
أن تحدث الديون للعطاء، قال الباجي: ولو كان الابن مدياناً، فوهبه الأب،
فقد روى ابن حبيب، عن ابن الماجشون أن الأب إذا وهب ابنته المزوجة أو
ابنه المريض أو المديان لم يعتصر، كما لو تقدمت العطية على هذه الحوادث،
وقال أصبغ: إذا كانت الحال واحدة كالحال يوم الهبة فله الاعتصار.
وجه القول الأول، أن ما منع الاعتصار إذا حدث بعد الهبة يمنعها إذا
كان موجوداً وقت الهبة كاليتيم، وجه القول الثاني، أن دينه لم يتعلق به من
أجل الهبة، فلا يمنع اعتصارها، وإنما يمنع الاعتصار دين بسبب الهبة، اهـ.
(قال مالك: أو يعطي الرجل ابنه) الذكر (أو ابنته) الأنثى (مالاً فتنكح
المرأة) أي امرأة من النساء (الرجل) أي الابن المذكور (وإنما تنكحه) المرأة
(لغناه) الذي حصل له (وللمال الذي أعطاه أبوه) عطف تفسير لغناه (فيريد الأب)
بعد نكاحه (أن يعتصر) ويمتنع (ذلك) المال الذي أعطى الولد (أو يتزوج
(١) ((المنتقى)) (١١٧/٦).
١٩٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٦) باب
الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ. قَدْ نَحَلَهَا أَبُوهَا النُّحْلَ. إِنَّمَا يَتَزَوَّجُهَا وَيَرْفَعُ فِي
صِدَاقِهَا لِغَنَاهَا وَمَالِهَا. وَمَا أَعْطَاهَا أَبُوهَا. ثُمَّ يَقُولُ الْأَبُ: أَنَا
أَعْتَصِرُ ذُلِكَ. فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْتَصِرَ مِنِ ابْنِهِ وَلَا مِنِ ابْنَتِهِ شَيْئاً مِنْ
ذُلِكَ. إِذَا كَانَ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ.
الرجل) أي أحد من الرجال (المرأة) أي البنت المذكورة التي (قد نحلها أبوها
النحل) المذكور و (إنما يتزوجها) الرجل (ويرفع) أي يزيد (في صداقها لغناها
ولمالها)الذي حصل لها (وما أعطاها أبوها) عطف تفسير لغناها، هكذا في
النسخ المصرية، وفي الهندية ((ومالها الذي أعطاها أبوها)).
(ثم يقول الأب: أنا أعتصر ذلك) المال من البنت (فليس له) أي للأب (أن
يعتصر من ابنه ولا من ابنته شيئاً من ذلك) المال الذي أعطاهما (إذا كان) الأمر
(على ما وصفت لك) من أنهما نكحا لأجل ذلك المال الذي حصل لهما .
قال الموفق(١): للأب الرجوع فيما وهب لولده، وهو ظاهر مذهب
أحمد، سواء قَصَدَ برجوعه التسوية بين الأولاد أو لم يُرد، وهذا مذهب مالك
والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبي ثور، وعن أحمد روايةٌ أخرى: ليس له
الرجوع فيها، وبها قال أصحاب الرأي والثوري والعنبريُّ؛ لقوله وَ له: ((العائد
في هبته كالعائد في قيئه))، متفق عليه، وعن عمر بن الخطاب ((من وهب هبة
يرى أنه أراد بها صلة رحم))، الحديث تقدم قريباً في ((الموطأ))، ولأنها هبة
يحصل بها الأجر من الله تعالى، فلم يجز الرجوع فيها كصدقة التطوع.
ولنا، قوله ◌َّ في حديث بشير بن سعد: ((فاردُدْه))، وروي ((فأَرْجِعْه))،
وقد تقدم في ((الموطأ))، وأقل أحوال الأمر الجواز، وقد امتثل بشير بن سعد
في ذلك، فرجع في هبته لولده، ألا تراه قال في الحديث: فرجع أبي، فردّ
تلك الصدقة، وروى طاووسٌ عن ابن عمر وابن عباس يرفعان الحديث إلى
(١) انظر: ((المغني)) (٢٦١/٨).
١٩٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(٣٦) باب
النبي القول أنه قال: ((ليس لأحد أن يعطي عطية، فيرجع فيها إلا الوالد فيما
يعطي ولده))، رواه الترمذي(١)، وقال: حسن.
وهذا يخص عموم ما رووه أو يفسره، وقياسهم منقوض بهبة الأجنبي،
فإن فيها أجراً وثواباً، فإن النبي و # ندب إليها، وعندهم له الرجوع فيها.
وظاهر كلام الخرقي أن الأم كالأب في الرجوع في الهبة، وهذا مذهب
الشافعي؛ لأنها داخلة في قوله: ((إلا الوالد فيما يعطي ولده))، ولأنها لما
دخلت في قول النبي وَجر: ((سَوُّوا بين أولادكم))(٢) ينبغي أن يَتَمَكَّن من التسوية،
والرجوع في الهبة طريق في التسوية.
ولأنها لما ساوَتْ الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها، ينبغي أن تساويه
في التمكن من الرجوع فيما فضله به، تخليصاً لها من الإثم، والمنصوص عن
أحمد أنه ليس لها الرجوع، قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: الرجوع للمرأة
فيما أعطته ولدها كالرجل؟ قال: ليس هي عندي في هذا كالرجل؛ لأن للأب
أن يأخذ من مال ولده، والأم لا تأخذه، وقال مالك: للأم الرجوع في هبة
ولدها ما كان أبوه حياً، فإن كان ميتاً فلا رجوع لها؛ لأنها هبة لليتيم، وهبة
اليتيم لازمة كصدقة التطوع، ولا فرق فيما ذكرنا بين الهبة والصدقة، وهو قول
الشافعي .
وفرق مالك وأصحاب الرأي بينهما، فلم يجيزوا الرجوع في الصدقة
بحال، واحتجُوا بحديث عمر - رضي الله عنه - ((من وهب هبة، وأراد بها صلة
رحم أو على وجهٍ صدقة، فإنه لا يرجع))، ولنا، حديث النعمان بن بشير فإنه
قال: ((تصدق علي أبي بصدقة، وقال: فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة)). وأيضاً
(١) ((سنن الترمذي)) (١٢٩٩).
(٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٧٧/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١١٩٩٧).
٢٠٠