Indexed OCR Text
Pages 141-160
٣٨ - كتاب الأقضية (٢٧) باب (١٤٦١) حديث ٣٦/١٤٦١ - قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِيمَنْ هَلَكَ وَتَرَكَ أَمْوَالًا بِالْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ: إِنَّ الْبَعْلَ لَا يُقْسَمُ مَعَ النَّصْحِ. إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَهْلُهُ بِذْلِكَ. وحجة الجمهور أنه قياسٌ في معارضة النص، وهو صريح في المراد، والحديث ليس نصاً في المراد، بل هو محمولٌ على أنه يفضل غيره من الأديان، ولا تعلق له بالإرث، وههنا قول ثالث، وهو الاعتبار بقسمة الميراث، جاء ذلك عن عمر وعثمان وعكرمة والحسن وجابر بن زيد، وهو رواية عن أحمد هذا، وقد ثبت عن عمر - رضي الله عنه - خلافه، اهـ. ٣٦/١٤٦١ - (قال مالك، فيمن هلك) أي مات (وترك أموالاً) من الأراضي المختلفة المتنوعة وما فيها من الأشجار وغيرها (بالعالية والسافلة) جهتان بالمدينة المنوّرة، وفي ((المجمع)): العالية والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة، وأدناها على أربعة أميال، وهي قرىً بشرقي المدينة (إن البعل) وهو الأرض التي تشرب بعروقه من غير سقي، كما تقدم في الزكاة، والظاهر أنها تكون بالسافلة غالباً (لا يقسم مع النضح) بالضاد المعجمة أي لا يقسم مع الأراضي التي تسقى بالماء الذي يحمله الناضح، وهو البعير الذي يسقى عليه الماء، والظاهر أنها تكون بالعالية. قال الباجي(١): جعل النضح والبعل جنسين، لا يجتمعان في القسمة، يريد قسمة القرعة التي تكون بالجبر، ولا خلاف في ذلك، ولذلك قال مالك: (إلا أن يرضى أهله بذلك) وهذا اللفظ يحتمل وجهين: أحدهما؛ إلا برضا أهله بذلك فيقسم بينهما بالقرعة، وإنما ينفي مالك في ((موطئه)) القسمة على هذا التأويل، إذا أبى ذلك أحدهما، ويثبت الجواز إذا اتفقا على المراضاة بذلك، وذكر سحنون، عن ابن القاسم أن قوله المعروف: إنه لا يجوز ذلك (١) ((المنتقى)) (٥٢/٦). ١٤١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٧) باب (١٤٦١) حديث وَإِنَّ الْبَعْلَ يُقْسَمُ مَعَ الْعَيْنِ. إِذَا كَانَ يُشْبِهُهَا. وَأَنَّ الْأَمْوَالَ إِذَا كَانَتْ بِأَرْضِ وَاحِدَةٍ، الَّذِي بَيْنَهُمَا مُتَقَارِبٌ، أَنَّهُ يُقَامُ كُلُّ مَالٍ مِنْهَا ثُمَّ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ. وَالْمَسَاكِنُ وَالدُّورُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. وإن تراضيا، وقال ابن عبدوس عن أشهب: إن الشركاء إذا رضوا بقسم الصنفين المختلفين جاز، وخالف فيه أصحابنا، فعلى قول أشهب ومن وافقه يكون معنى قوله: إلا أن يرضى أهله بذلك يريد أنه إن رضي أهله بذلك جازت فيه قسمة القرعة، وعلى قول ابن القاسم المشهور يكون معناه أنه لا تجوز هذه القسمة بالقرعة إلا أن يرضى أهله بذلك، فيقتسمونه مراضاةً دون قرعة، اهـ. (وإن البعل يقسم) ببناء المجهول (مع العين) أي بالأراضي التي تسقى من العين من غير نضح (إذا كان) البعل (يشبهها) أي يُشْبه الأرض المسقاة بالعين، وذلك لأن البعل والأرض المسقاة بالعين مما يُزَكَّى بالعشر، والنضح مخالف لهما، فإنه يُزَكَّى بنصف العشر. قال الباجي: وقد روى في ((المجموعة)) ابن وهب عن مالك نحوه، قال الزرقاني: وهذا مشهور المذهب. (وأن الأموال) أي البساتين والأشجار (إذا كانت بأرض واحدة) أي من جنس واحد من النضح والعين (والذي بينهما) أي بين النصيبين من اختلاف الأشجار (متقارب) وقال الباجي: يريد أن تكون متقاربة الأماكن دون ما تباعد عنها، ولا يذهب عليك أن الموجود في جميع النسخ الهندية والمصرية بلفظ متقارب، وهو الصواب، فما في هامش النسخ الهندية من نسخة ((متفاوت)) ليس بوجيه، وإن أمكن تأويله بأنه متفاوت قيمة (فإنه يقام كل مال منها) أي يقوم المجموع (ثم يقسم) وفي نسخة ((ثم يسهم)) (بينهم) مجموعة (والمساكن والدور) أيضاً (بهذه المنزلة) أي بمنزلة الأموال في أن يُقَوَّمَ الكلُّ مجموعاً ثم يقسم بینھم . ١٤٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٧) باب (١٤٦١) حديث قال الزرقاني(١): لأن جمعها للقسم أقل ضرراً، وإذا قسمت كل دار فسد كثير من منافعها، اهـ. قلت: وهذا هو الأوجه عندي في معنى كلام الإمام، وقال الباجي (٢): والمساكن والدور بهذه المنزلة يريد أنه يراعى فيه تقارب الأماكن، اهـ. ثم قال: وتفسير ذلك أن كل ما يقسم على ضربين: أصل ثابت، كأرضين والدور والأشجار، وما ليس له أصل ثابت، كالحيوان والثياب والعروض على اختلاف أنواعها، فأما الأصول الثابتة إذا كانت كثيرة ذات أنواع، وكان كل نوع منها يحتمل القسمة، فأراد بعض الشركاء أن يجمع له حصته من جميعها في موضع واحد، وأراد بعضهم أن يعطى حصته من كل موضع، فمذهب مالك أن يجمع نصيب كل واحد من الشركاء في موضع منها بشروط ذكرت في موضعها، وقال أبو حنيفة والشافعي: يقسم لكل إنسان نصيبه من كل دار أو من كل أرض، والدليل على ما نقوله أن القسمة على العدد مع اتفاق المنافع والأماكن أعودُ بالمنفعة، وأبعد من المضرَّةِ؛ لأنه إذا قسم كل دار وكل أرض، قَلَّتْ قيمتُها، وفسد كثير من منافعها، ولذلك أثبتت الشفعة في الأملاك، اهـ. وقال الموفق(٣): إذا كان بينهما داران، أو خانان، أو أكثر، فطلب أحدهما أن يجمع نصيبه في إحدى الدارين أو إحدى الخانين، ويجعل الباقي نصيباً، لم يُجبر الممتنع، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا رأى الحاكم ذلك، فله فعله، سواء تقاربتا أو تفرّقتا؛ لأنه أنفع وأعدل، وقال (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٦/٤). (٢) ((المنتقى)) (٥٣/٦). (٣) «المغني)) (١٤/ ١٠٧). ١٤٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٢) حديث (٢٨) باب القضاء في الضواري والحريسة ١٤٦٢/ ٣٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةً؛ مالك: إن كانتا متجاورتين أجبر الممتنع من ذلك عليه؛ لأن المتجاورتين تتقارب منفعتهما، بخلاف المتباعدتين، وقال أبو حنيفة: إن كانت إحداهما حَجَزت الأخرى أجبر الممتنع، وإلا فلا، لأنهما يجريان مجرى الدار الواحدة، اهـ. (٢٨) القضاء في الضواري والحريسة الضواري بالضاد المعجمة جمع ضارية، قال الباجي(١): الضواري هي التي تسمى العوادي، هي ما ضريت أكل زروع الناس من البهائم، والحريسة الماشية المحروسَةُ، وقال أبو عمر: المحروسةُ في المرعى، قال مالك في ((المدونة)) في الإبل والبقر التي تعدو في زروع الناس، قد ضريت ذلك: أرى أن تغرب، وتباع في بلاد لا زرع فيها، قال ابن القاسم: أرى الغنم والدواب كذلك إلا أن يحبسها أهلها عن الناس، اهـ. ٣٧/١٤٦٢ - (مالكٌ عن ابن شهاب) الزهري (عن حرام) هكذا في جميع النسخ المصرية بالحاء والراء المهملتين، وفي النسخ الهندية بالزاي المعجمة، والصواب الأول، فإن الحافظ ذكره في ((التهذيب)) و ((التقريب)) في ذيل المهملتين، وضبطه الزرقاني بفتح المهملتين (ابن سعد) هكذا في جميع النسخ المصرية، وفي الهندية ((ابن سعيد)) والصواب الأول، فإن أهل الرجال ذكروه بلفظ سعد، ولم يذكروا فيه قول سعيد، وضبطه الزرقاني بسكون عين، فهو بفتح سين وسكون عين مهملتين، وقيل فيه: ابن ساعدة (بن محيصة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية ابن مسعود بن كعب الخزرجي التابعي الثقة . (١) ((المنتقى)) (٦١/٦). ١٤٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٢) حديث أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ. فَقَضَى قال ابن عبد البر(١): هكذا رواه مالك وأصحاب الزهري عنه مرسلاً، ورواه عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن حرام، عن أبيه، ولم يتابع عبد الرزاق، على ذلك، وأنكر عليه قوله: عن أبيه، وقال أبو داود: وقال محمد بن يحيى الذهلي: لم يتابع معمر على ذلك، فجعل الخطأ من معمر، اهـ. هكذا قال الزرقاني، والسياق الذي حكي عن ابن عبد البر يخالفه ما حكى عنه السيوطي في ((التنوير))(٢). وقال ابن التركماني(٣): اضطرب إسناد هذا الحديث اضطراباً شديداً، واختلف فيه على الزهري، فروي عنه على سبعة أوجه، ذكرها ابن القطان، وذكر عبد الحق بعض الاختلاف فيه، ثم قال: وفيه اختلاف أكثر من هذا. وذكر ابن عبد البر بسنده عن أبي داود، قال: لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله: عن أبيه. قلت: الحديث أخرجه أبو داود(٤) برواية عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن حرام بن محيصة عن أبيه وسكت عليه. (أن ناقة البراء بن عازب) الأنصاري الصحابي (دخلت حائط) أي بستان (رجل) من الأنصار كما في رواية البيهقي(٥)، وفي أخرى له ((دخلت حائط قوم)) (فأفسدت فيه) زاد في رواية للبيهقي، فكلّم رسول الله وَ ل فيه (فقضى) أي حكم (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥١/٢٢)، و((التمهيد)) (٨١/١١). (٢) (ص٥٥٧). (٣) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٣٤٢/٨). (٤) ((سنن أبي داود)) (٣٥٦٩). (٥) ((السنن الكبرى)) (٣٤٢/٨). ١٤٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٢) حديث رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ. وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ، ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا . (رسول الله وَّي أن على أهل الحوائط) أي البساتين (حفظها) أي البساتين (بالنهار) فلا ضمان على أهل المواشي فيما أفسدت بالنهار، إن لم يكن معها راع، فإن كان معها راع، وهو قادر على دفعها ضمن، زاد في رواية للبيهقي ((وأنَّ حفَظ الماشية بالليل على أهلها)) (وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن) أي مضمون كقوله تعالى: ﴿عِشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ أي مرضية (على أهلها). وفي ((الشرح الكبير))(١) لابن قدامة: يضمن ما أفسدت من الزرع والشجر ليلاً، ولا يضمن ما أفسدت من ذلك نهاراً، إذا لم يكن يدُ أحدٍ عليها، وهذا قول مالك والشافعي وأكثر فقهاء الحجاز، وقال الليث: يضمن مالكها ما أفسدته ليلاً ونهاراً بأقلِّ الأمرين من قيمتها، وقدر ما أتلفته كالعبد إذا جنى، وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه بحالٍ، لقوله بَله: ((العجماء جُرحها جبار))، ولأنها أفسدت، وليست يده عليها، فلم يضمن كالنهار، أو كما أَتْلَفَتْ غير الزرع. ولنا، حديث الباب، قال ابن عبد البر: إن كان مرسلاً، فهو مشهور، حدّث به الأئمة الثقات، وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول، فإن أتلفت البهيمة غير الزرع والشجر لم يضمن مالكها ما أتلفته، ليلاً كان أو نهاراً ما لم تكن يده عليها، اهـ. وفي ((المحلى)) عن ((شرح السنّة)): ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير، فلا ضمان على أهلها، وما أفسدت بالليل ضمنه مالكها، لأن في العرف أن أصحاب الحوائط يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي بالليل، فمن خالف هذه العادة كان خارجاً عن رسوم الحفظ، هذا إذا (١) (٣٥٦/١٠). ١٤٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٣) حديث ٣٨/١٤٦٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ حَاطِبٍ؛ أَنَّ رَقِيْقَاً لِحَاطِبِ سَرَقُوا نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ. فَانْتَحَرُوهَا . لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفه، سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها أو كانت واقفة، وسواء تلفت بيدها أو رجلها أو فمها، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيها إذا لم يكن المالك معها ليلاً ولا نهاراً، لحديث ((العجماء جبار)»، اهـ وهو حديث معروف أخرجه الستة وغيرهم من حديث أبي هريرة. ٣٨/١٤٦٣ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) بن أبي بلتعة التابعي، المتوفى سنة ١٠٤هـ. وجده صحابي بدريٌّ شهيرٌ، هكذا مرسل في ((الموطأ))، فإن يحيى لم يلق عمر - رضي الله عنه -، كما تقدم في محله، وقال ابن التركماني(١): رواه ابن وهب في ((موطئه)) من طريقين؛ من رواية يحيى بن عبد الرحمن، عن أبيه، وأبوه عبد الرحمن سمع عمر - رضي الله عنه - وروی عنه، ولیس عند جمهور رواة (الموطأ)» عن أبيه، قال أبو عمر (٢): أظن ابن وهب وهم فيه، وذكر أيضاً أن القصة كانت بعد موت حاطب، وهو غلط؛ لأن حاطباً مات سنة ٣٠هـ في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، اهـ. (أن رقيقاً لحاطب) جده (سرقوا ناقة لرجل من مزينة) بضم الميم وفتح الزاي، قبيلة مشهورة في العرب ينسبون إلى جدتهم العليا مزينة بنت كلب بن وبرة (فانتحروها) أي نحروها، ولفظ البيهقي(٣) برواية جعفر بن عون، عن هشام بن (١) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٢٧٩/٨). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦٣/٢٢). (٣) ((السنن الكبرى)) (٢٧٨/٨). ١٤٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٣) حديث فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَأَمَرَ عُمَرُ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَرَاكَ تُجِيعُهُمْ. عروة عن أبيه، عن يحيى قال: أصاب غلمان لحاطب بن أبي بلتعة بالعالية ناقةً لرجل من مزينة فانتحروها، واعترفوا بها، فأرسل إليه عمر، فذكر ذلك له، وقال: هؤلاء أعبدك قد سرقوا، الحديث. (فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب) زاد في رواية ابن وهب، فاعترف العبيد، قاله الزرقاني(١)، وكذا تقدم من رواية البيهقي، وعلى هذا فلا يحتاج إلى ما ذكره الباجي من الاحتمالات إذ قال: لا يخلو أن يكون ثبت ذلك ببينة أو بإقرار العبيد مع دعوى المزني، أو بدعوى المزني، ونكول حاطب، وحلف المزني، ثم بسط الكلام على الوجوه الثلاثة. (فأمر عمر) - رضي الله عنه - (كثيرَ بنَ الصلت) التابعي المدني (أن يقطع أيديهم) قال عيسى في ((المدونة)): معنى ذلك عندنا أنهم سرقوها من حرزها، ولم يسرقوها من المرعى، قال الزرقاني: زاد ابن وهب في ((موطئه)): ثم أرسل وراءه بعد أن ذهب بهم (ثم قال عمر) - رضي الله عنه - لحاطب (أراك) أظنك (تجيعهم). قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون العبيد قد شكوا ذلك إليه، واعتذروا به لسرقتهم، ويحتمل أن يكون ثبت ذلك عنده ببينة شهدت به، ويحتمل أن يكون رأى فيهم من الضعف ما استدل به عليه، فأنكر عليه إجاعتهم. قال الزرقاني: ولابن وهب ((وقال: والله لولا أظن أنكم تستعملونهم، وتجيعونهم، حتى لو أن أحدهم وجد ما حَرَّمَ اللّهُ عليه، فأكل حَلَّ له، لقطعت أیدیهم» . (١) ((شرح الزرقاني)) (٤/ ٣٧). (٢) ((المنتقى)) (٦٤/٦). ١٤٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٣) حديث ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ، لَأُغَرِّمَنَّكَ غُرْماً يَشُقُّ عَلَيْكَ. ثُمَّ قَالَ لِلْمُزَنِيِّ: كَمْ ثَمَنُ نَاقَتِكَ؟ فَقَالَ الْمُزَنِيُ: قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَم. قلت: ولفظ البيهقي: فأمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، ثم أرسل، بعد ما ذهب، فدعاه، وقال: لولا أني أظن أنكم تجيعونهم حتى إن أحدهم أتى ما حَرَّم اللّهُ عَزَّ وجَلَّ لقطعت أيديهم، ولكن والله لئن تركتهم لأغرمنك فيهم غرامة توجعك، فقال: كم ثمنها للمزني؟ قال: كنت أمنعها من أربعمائة، قال: فأعطه ثمانمائة. (ثم قال عمر) - رضي الله عنه - لحاطب: (والله لأغرمنك غرماً) الغرم - بضم الغين المعجمة - ما يلزم أداؤه من المال وما يعطى من المال على كره، يقال: أغرمه وغرمه كذا، أي ألزمه بأدائه (يشق عليك) قال الباجي(١): يريد الغرم الكثير الذي يعلم أن حاطباً يتوجع له مع كثرة ماله، ولعله أداه اجتهاده على أن ذلك يجوز له على وجه الأدب والتعزير لحاطب على إجاعته لرقيقه وإحواجه لهم إلى السرقة التي كانت سبب قطع أيديهم، وسبب إتلاف ناقة المزني، فرأى أن يغرمه إياها، ولعله قد كان قرر نهيه إياه عن ذلك، وحَدَّ له في قوتهم حدّاً، لم يمتثله. قال مالك فيمن اتخذ في ماشيته كلباً عقوراً، فتقدم إليه الإمام في إزالته فلم يزله، وقتل أحداً: إن على صاحبه ديته، ولا شك أنه لو كان عمداً للزمته قيمته، هذا الذي أشار إليه أصحابنا في تأويل هذا الحديث، ويحتمل عندي أن يكون أراد الغريم لما أوجب عليه من قيمة الناقة لما اعتقده من كثرة قيمتها، وأن حاطباً شق عليه غرم مثلها، اهـ. (ثم قال) عمر (للمزني: كم ثمن ناقتك؟) قال الباجي: يحتمل أن يكون ذلك لما انتفى حاطب من معرفة قيمتها؛ لأن القول قول الغارم، ويحتمل أن يكون بدأ بالمزني ليعرف منتهى ما يدعيه (فقال المزني: قد كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم) على معنى الإخبار بقيمتها على التحري، وإن ذلك أقل ما يمكن (١) ((المنتقى)) (٦٤/٤). ١٤٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٣) حديث فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطِهِ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَم. قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: وَلَيْسَ عَلَى هُذَا، الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي تَضْعِيفِ الْقِيمَةِ. وَلَكِنْ مَضَى أَمْرُ النَّاسِ عِنْدَنَا. عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَغْرَمُ الرَّجُلُ قِيمَةَ الْبَعِيرِ أَوِ الدَّابَّةِ، يَوْمَ يَأْخُذُهَا . من قيمتها (فقال عمر) لحاطب: (أعطه ثمانمائة درهم) على تضعيف القيمة. (قال مالك: وليس العمل على هذا) أي على أثر عمر - رضي الله عنه - المذكور (عندنا) بالمدينة المنورة (في تضعيف القيمة) إذ أمر بإعطائه ثمانمائة (ولكن مضى أمر الناس) أي عملهم المعروف (عندنا) بالمدينة المنوّرة (على أنه إنما يغرم الرجل) الذي وجبت عليه الغرامة (قيمة البعير أو الدابة) أو شيء آخر استهلكه (يوم يأخذها) يعني يعتبر قيمة يوم الأخذ في الغرامة. قال الباجي(١): وقد سأل ابن مزين أصبغ عن قول مالك: ليس العمل عندنا على تضعيف القيمة، إن كان مالك يرى على السيد الغرم من غير تضعيف، قال أصبغ: لا يلزم السيد من ذلك، إلا قيمة واحدة لا أقل ولا أكثر، لا في ماله ولا في رقاب العبيد القطع الذي وجب عليهم، قال الداودي: غلط من ظن أن القطع نفذ، وإنما كان عمر أمر بقطعهم، ثم قال: أراك تجيعهم، ثم أمر بصرفهم ولم يقطعهم وعذرهم بالجوع، وهذا معلوم من سيرة عمر - رضي الله عنه - في عام الرمادة، فإنه لم يقطع سارقاً. وقد روى ابن وهب في ((موطئه)) هذا تفسيراً من حديث أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة أن عبد الرحمن بن حاطب قال: توفي حاطب، وترك أعبداً منهم من يمنعه من ستة آلاف يعملون في مال لحاطب بسوان، فأرسل عمر، فقال: هؤلا عبيدك قد سرقوا، ووجب عليهم ما وجب على السارق، فانتحروا ناقة لرجل من مزينة، واعترفوا بها ومعهم المزني، فأمر كثير بن الصلت أن (١) ((المنتقى)) (٦٥/٦). ١٥٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٨) باب (١٤٦٣) حدیث يقطع أيديهم، ثم أرسل وراءه من يأتيه بهم، فجاء بهم، فقال لعبد الرحمن بن حاطب: أما إني لولا أظنكم تستعملونهم، وتجيعونهم حتى لو وجدوا ما حرّم الله لأكلوا لقطعتهم، ولكن والله إذا تركتهم لأغرمنك غرامة توجعك. قال الباجي: فإن كان للعبيد أموال، فقد قال أصبغ: إنما يكون غرمها في أموال العبيد، وإلا فلا شيء، وإنما يكون في رقابهم ما كان من سرقة لا قطع فيها، فيخير السيد بين إسلامهم أو افتكاكهم بقيمتها، اهـ. وترجم البيهقي على أثر الباب ((ما جاء في تضعيف الغرامة))(١)، ثم حكى عن الشافعي قال: لا تضعف الغرامة على أحد في شيء، وإنما العقوبة في الأبدان، لا في الأموال، إنما تركنا تضعيف الغرامة من قبل أن رسول الله وَل قضى فيما أفسدت ناقة البراء بن عازب أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل، فهو ضامن على أهلها، قال: فإنما يضمنونه بالقيمة لا بالقيمتين، قال: ولا يقبل قول المدعي يعني في مقدار القيمة، لأن النبيِ وَ لّ قال: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه))، اهـ. وقال ابن التركماني ملخص ما في ((الاستذكار))(٢): أن العلماء تركوه للقرآن والسنّة، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَأُعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾(٣) وقال تعالى: ﴿فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بٌِ﴾(٤) ولم يقل بمثليه، وأما السنّة فإنه ﴿ قضى على من أعتق شقصاً من عبد بقيمة حصة شريكه، وضمن الصحفة التي كسرها بعض أهله بصحفة مثلها، ولأنه خبر يدفعه الأصول. (١) ((السنن الكبرى)) (٢٧٨/٨). (٢) (٢٥٩/٢٢). (٣) سورة البقرة: الآية ١٩٤. (٤) سورة النحل: الآية ١٣٦. ١٥١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٩) باب (٢٩) باب القضاء فيمن أصاب شيئاً من البهائم قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ أَصَابَ شَيْئاً مِنَ الْبَهَائِم، إِنَّ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا قَدْرَ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا . فقد أجمع العلماء على أن من استهلك شيئاً لا يغرم، إلا مثله أو قيمته، وأنه لا يعطى أحد بدعواه؛ لقوله ◌ّلي: «لو أعطي قوم بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي))، وفي هذا الحديث تصديق المزني في ما ذكر من ثمن ناقته، وفيه أيضاً أنه غرمه باعتراف عبيده، وقد أجمعوا على أن إقرار العبيد على سيده في ماله لا يلزمه، وأيضاً فإن يحيى بن عبد الرحمن لم يلق عمر - رضي الله عنه - ولا سمعه، فهذه أربعة أوجهٍ عَلَّلَ بها هذا الحديث، وذكر البيهقي عن الشافعي أنه استدل على ترك تضعيف الغرامة بوجهين من هذه الأربعة، اهـ. (٢٩) القضاء فيمن أصاب شيئاً من البهائم يعني إذا استهلك أحدٌ بهميةً أو جزءاً منها فماذا يجب عليه؟ وتقدم شيء من البحث في هذا الباب في باب ((القضاء في استهلاك الحيوان)). (قال مالك: الأمر عندنا في من أصاب شيئاً من البهائم) فنقصتها جنايته نقصاً لم يمنع منفعتها المقصودة منها، كذا في ((المنتقى))(١) (إن على الذي أصابها قدر ما نقص من ثمنها) قال الزرقاني (٢): إن لم تتلف منفعتها المقصودة منها من عمل أو غيره وإلا فعليه قيمتها، وبه قال الليث، وقال الشافعي: إنما عليه ما نقص منها، وقال أبو حنيفة: في عين الدابة والبقرة ربع ثمنها، وفي شاة القصاب ما نقصها، قال الطحاوي: وهذا استحسان، والقياس إيجاب النقصان، لكنهم تركوا القياس لقضاء عمر - رضي الله عنه - في عين دابة بربع ثمنها بمحضرٍ من الصحابة بغير خلاف، اهـ. (١) (٦٦/٦) . (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٨/٤). ١٥٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٩) باب وفي ((الهداية))(١): شاة لقصّابِ فقئت عينُها ففيها ما نقصها؛ لأن المقصود منها هو اللحم، فلا يعتبر إلا النقصان، وعين بقرة الجزّار وجزوره ربع القيمة، وكذا في عين الحمار والبغل والفرس. وقال الشافعي: فيه النقصان أيضاً اعتباراً بالشاة. ولنا، ما روي أنه عليه السلام قضى في عين الدابة بربع القيمة، وهكذا قضى عمر - رضي الله عنه -. ولأن فيها مقاصد سوى اللحم كالركوب والحمل والزينة والجمال والعمل، فمن هذا الوجه تشبه الآدمي، وقد تمسك للأكل، فمن هذا الوجه تشبه المأكولات، فعملنا بالشبهين، فبشبه الآدمي في إيجاب الربع، وبالشبه الآخر في نفي النصف، اهـ. وبسط الزيلعي في تخريج الرواية والآثار. وقال الموفق(٢): قدرُ الأرش قدرُ نقص القيمة في جميع الأعيان، وبهذا قال الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى أن عين الدابة تُضْمَنُ برُبْع قيمتها، فإنه قال في رواية أبي الحارث في رجل فقأ عين دابة لرجل: عليه رُبْعُ قيمتها، قيل له: فَقَأَ العينين؟ فقال: إذا كانت واحدة، فقال عمر: رُبْعُ القيمةِ، وأما العينانِ، فما سمعتُ فيهما شيئاً، قيل له: فإن كان بعيراً أو بقرة أو شاة؟ فقال: هذا غيرُ الدابة، هذا يُنْتَفَعُ بلحمه، يُنْظَرُ ما نقصها، وهذا يدل على أن أحمد إنما أوجب مقداراً في العين الواحدة من الدابة، وهي الفرسُ والبغل والحمار خاصة للأثر الوارد فيه، وما عداها يرجع إلى القياس. واحتج أصحابنا لهذه الرواية بما رَوَى زيد بن ثابت أن النبي ◌َّ قضى في عين الدابة بربع قيمتها(٣)، وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كتب (١) (٤٨٣/٢). (٢) ((المغني)) (٣٧١/٧). (٣) انظر: ((نصب الراية)) (٣٨٨/٤). ١٥٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٢٩) باب قَالَ يَحْيَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الْجَمَلِ يَصُولُ عَلَى الرَّجُلِ فَيَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَقْتُلُهُ أَوْ يَعْقِرُهُ: فَإِنَّهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، عَلَى أَنَّهُ أَرَادَهُ وَصَالَ عَلَيْهِ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ إِلَّ مَقَالَتْهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْجَمَلِ . إلى شريح لما كتب إليه يسأله عن عين الدابة: إنا كنا نُنْزِلُها منزلة الآدمي، إلا أنه أجمع رأينا أن قيمتها ربع الثمن، وهذا إجماع يقدم على القياس، ذكر هذين أبو الخطاب في ((رُؤُوْس المسائل))، اهـ. (قال مالك، في الجمل) مثلاً (يصول) أي يثب (على الرجل فيخافه على نفسه) الهلاك (فيقتله) أي يقتل الرجل هذا الجمل (أو يعقره) أي يجرحه بكسر بعض أعضائه. (فإنه إن كانت له) أي للرجل الذي قتل الجمل (بَيِّنَةٌ) معتبرة (على أنه أراده وصال عليه) عطف تفسير على قوله: أراده (فلا غُزْم عليه) أي على الرجل المذكور (وإن لم تقم له بَيْنَةٌ إلا مقالته) أي ليس له إلا مجردُ دعواه (فهو ضامن للجمل). قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من صال عليه جمل أو دابة، فقتلها وقامت له بَيِّنَةٌ بأنه قد خافها على نفسه أن تقتله، فلا ضمان عليه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري: هو ضامن، والدليل على ما نقوله أن من قتل مخوفاً على نفسه دفعاً له عنها، فإنه لا ضمان عليه فيه، كالعبد يريد قتل الحر، فيقتله الحر دفعاً له عن نفسه، فإنه لا شيء عليه من قيمته، اهـ. وفي ((المحلى)): بقول مالك قال الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم؛ لأنه قتله دفعاً عن نفسه، فكان كقتل الشاهر سيفاً، وقال أبو حنيفة: يجب القيمة في قتل جمل صال عليه، اهـ. وقال الموفق(٢): إن الإنسان إذا صالت عليه بهيمة، فلم يمكن دفعها إلا (١) ((المنتقى)) (٦٦/٦). (٢) («المغني)) (٥٣٠/١٢). ١٥٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٠) باب (٣٠) باب القضاء فيما يعطى العمال قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِيمَنْ دَفَعَ إِلَى الْغَسَّالِ ثَوْباً يَصْبُغُهُ فَصَبَغَهُ. فَقَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ: لَمْ آمُرْكَ بِهَذَا الصِّبْغِ. وَقَالَ الْغَسَّالُ: بَلْ أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذُلِكَ: فَإِنَّ الْغَسَّالَ مُصَدَّقٌ فِيَ ذُلِكَ. بقتلها، جاز له قتلها إجماعاً، وليس عليه ضمانها إذا كانت لغيره، وبهذا قال مالك والشافعي وإسحق، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه ضمانها؛ لأنه أتلف مال غيره لإحياء نفسه، فكان عليه ضمانه، كالمضطر إلى طعام غيره إذا أكله، ولنا، أنه قتله بالدفع الجائز، فلم يضمنه كالعبد، وفارق المضطر؛ لأن الطعام لم يلجئه إلى إتلافه ولم يصدر منه ما يزيل عصمته، اهـ. (٣٠) القضاء فيما يعطى العُمَّال بضم العين جمع عامل، والمراد به الصنّاع، وفي نسخة بدله ((الغسّال))، والأول أوجه للتعميم، يعني إذا أعطى شيئاً لصانع يصنع، ويعمل فيه بشيء فخالف أمره، فكيف يكون القضاء فيه؟. (قال مالك في من دفع إلى الغسّال) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية، وفي بعض النسخ الهندية موضعه الصبّاغ، وهو أوضح (ثوباً) كي (يصبغه) مثلث الباء، أي أمره أن يصبغه كذا، (فصبغه) العامل، ثم اختلفا (فقال صاحب الثوب: لم آمرك بهذا الصبغ) مثلاً صبغه العامل الأحمر، وقال ربُّ الثوب: أمرتُك بالصبغ الأسود (وقال الغسّال) الصَبَّاغ: (بل أنت أمرتَني بذلك) الذي صنعتُه يعني بالأحمر (فإن الغسال مُصَدَّقٌ) ببناء المجهول (في ذلك) يعني القول قوله بالحلف حيث لا بينة. قال الزرقاني(١): لأن ربه مُقِرٌّ بإذنه للصباغ في عمله، وادّعى أنه لم يعمل (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩/٤). ١٥٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٠) باب وَالْخَيّاطُ مِثْلُ ذُلِكَ. وَالصَّائِغُ مِثْلُ ذُلِكَ. وَيَحْلِفُونَ عَلَى ذُلِكَ. إِلَّا أَنْ يَأْتُوا بِأَمْرٍ لَا يُسْتَعْمَلُونَ فِي مِثْلِهِ. فَلَا يَجُوزُ قَوْلُهُمْ فِي ذُلِكَ. وَلْيَحْلِفْ صَاحِبُ الثَّوْبِ. فَإِنْ رَدَّهَا وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، حُلِّفَ الصَّبَّاغُ. ما أمره به ليمضي عمله باطلاً، وقال الحنفي والشافعي: القول لصاحب الثوب الاعتراف الصباغ بأنه لربه، وأنه أحدث فيه حدثاً ادّعى إذنه، وإجازته عليه، فإن أقام بينة، وإلا حلف صاحبه، وضمنه ما أحدث فيه، اهـ. وبسط الباجي في فروع هذا الباب. (والخياطُ مثل ذلك) أي مثل الصباغ يُصَدَّقُ في قوله، إذا قطع الثوب قميصاً، وقال لرب الثوب: أمرتني به، وقال رب الثوب: أمرتك بقطع قباء مثلاً (والصائغ مثل ذلك) إذا صاغ الفضة مثلاً أساور، وقال رب الفضة: أمرتك بخلاخل (ويحلفون) أي الغسال والخياط والصائغ (على ذلك) الذي ادّعوه (إلا أن يأتوا) ويدعوا (بأمرٍ لا يستعملون في مثله) أي لا يُوافقه الظاهر (فلا يجوز) ولا يعتبر (قولُهم في ذلك و) على هذا (ليحلف صاحب الثوب) فإن حلف، فالقول قوله (فإن رَدَّها) أي رَدَّ صاحبُ الثوب اليمين (وأبى أن يحلف) على قوله، عطف تفسير على قوله: ردّها (حلف الصباغ) وهذه مسألة أخرى من باب رد اليمين بنكول المدعى عليه، وتقدم ذلك في محله. وأما مسألة اختلافهما، فقد قال الموفق(١): إن اختلفا فقال: أذنتَ لي في قطعه قميصَ امرأة، وقال: بل أذنت لك في قطعه قميص رجل، أو قال: أذنت لي في قطعه قميصاً، قال: بل قباءً، أو قال الصباغ: أمرتني بصبغه أحمر، قال: بل أسود، فالقول قول الخيّاط والصَّبَّاغ، نص عليه أحمد في رواية ابن منصور، فقال: القول قول الخَيَّاط والصَّبَّاغ، وهذا قول ابن أبي ليلى، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو ثور: القول قول رب الثوب. (١) ((المغني)) (١٠٩/٨). ١٥٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٠) باب قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الصَّبَّاغْ يُدْفَعُ إِلَيْهِ الثَّوْبُ فَيُخْطِئُ بِهِ (فَيَدْفَعُهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ) واختلف أصحاب الشافعي، فمنهم من قال: له قولان كالمذهبين، ومنهم من قال: له قولٌ ثالثٌ، إنهما يتحالفان، كالمتبايعين يختلفان في الثمن، ومنهم من قال: الصحيح أن القول قول رب الثوب؛ لأنهما اختلفا في صفة إذنه، والقول قوله في أصل الإذن، فكذلك في صفته. ولنا، أنهما اتّفقا في الإذن، واختلفا في صفته، فكان القول قول المأذون له، وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أن صاحب الثوب إذا لم يكن ممن يلبس الأقبية والسواد، فالقول قوله، وعلى الصانع غرم ما نقص بالقطع، وضمان ما أفسد، ولا أجر له؛ لأن قرينة حال رب المال تَدُلُّ على صدقه، فتترجح دعواه بهما، اهـ. وما حكي من مذهب مالك يخالفه ما تقدم. وأما عند الحنفية فهو كذلك، كما نص به في ((الهداية))(١)، إذ قال في اختلافهما: القول لصاحب الثوب؛ لأن الإذن يستفاد من جهته، ألا ترى أنه لو أنكر أصل الإذن كان القول قوله، فكذا إذا أنكر صفته، لكن يُحَلَّفُ، لأنه أنكر شيئاً لو أقَرَّ به لزمه، وإذا حلف فالخياط ضامنٌ، ومعناه أن رب الثوب بالخيار، إن شاء ضمنه، وإن شاء أخذه، وأعطاه أجر مثله، وكذا يُخَيَّرُ في مسألة الصبغ، وإذا حلف إن شاء ضمنه قيمة الثوب أبيض، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه أجر مثله لا يجاوز به المسمى، اهـ. (قال مالك في الصَبَّاغ) أي في زيد مثلاً (يُذْفَعُ) ببناء المجهول (إليه الثوب) أي دفع إليه عمرو ثوباً ليصبغه (فَيُخْطئُ به) أي بالثوب زيد، وفسر الخطأ بقوله: (فيدفعه) أي الثوب (إلى رجل آخر) أي إلى بكر مثلاً، ولفظ ((فيدفعه إلى رجل آخر)) موجود في جميع النسخ الموجودة عندي من المصرية (١) (٢٤٦/٢). ١٥٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٠) باب حَتَّى يَلْبَسَهُ الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ: إِنَّهُ لَا غُرْمَ عَلَى الَّذِي لَبِسَهُ. وَيَغْرَمُ الْغَسَّالُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ. وَذُلِكَ إِذَا لَبِسَ الثَّوْبَ الَّذِي دُفِعَ إِلَيْهِ. عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ. فَإِنْ لَبِسَهُ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَيْسَ ثَوْبَهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. والهندية إلا في نسخة الزرقاني، بل قال: ((فيخطئ)) أي يدفعه إلى رجل آخر، وهذا ظاهر، وهو الذي في النسخ القديمة، ولم يفهمه من زاد في المتن فيدفعه إلى رجل آخر؛ لأنه عين قوله: فيخطئ به، اهـ. والأوجه عندي ما في النسخ الموجودة من الزيادة، فإن الخطأ ليس بنصٍّ في الدفع إلى رجل آخر، بل يدخل الدفع في عمومه. (حتى يلبسه الذي أعطاه إياه) أي يلبس بكرٌ هذا الثوب الذي أعطاه زيد، فقال مالك: (إنه لا غرم على الذي لبسه) يعني لا غرم على بكر في لبسه (ويغرم الغسّال) زيد (لصاحب الثوب) عمرو (وذلك) الحُكم (إذا لبس) بكر (الثوب الذي دُفِعَ إليه) ببناء المجهول أي دفعه إليه زيد (على غير معرفة بأنه) أي الثوب المذكور (ليس له) بل ظن بكرٌ أنه ثوبه. (فإن لبسه) بَكْرٌ (وهو يعرف أنه ليس ثوبه فهو) أي بكر (ضامنٌ له) لأنه لا بس ثوب غيره مع العلم أنه ليس له، وقال الموفق(١): إذا أخطأ القَصَّارُ فدفع الثوب إلى غير مالكه، فعليه ضمانه؛ لأنه فَوَّتَه على مالكه، قال أحمد: يغرم القصار، ولا يلزم المدفوع إليه لبسه إذا علم أنه ليس ثوبه، وعليه رَدُّه إلى القَصَّار، ويُطالبُه بثوبه، فإن لم يعلم القابض حتى قطعه ولبسه، ثم علم رده مقطوعاً، وضمن أرش القطع، وله مطالبته بثوبه إن كان موجوداً. وإن هلك عند القصار، ففیه روايتان؛ إحداهما : يضمنه؛ لأنه أمسكه بغير إذن صاحبه بعد طلبه فضمنه كما لو علم، والثانية: لا یضمنه؛ لأنه لا یمکنه ردّه، فأشبه ما لو عجز عن دفعه لمرض، اهـ. (١) ((المغني)) (١١٣/٨). ١٥٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٠) باب وقال الباجي(١): قوله: إن الصباغ يضمن به ما أخطأ من الثياب يقتضي ضمان الصناع مما ضاع عندهم، وضمانهم في الجملة مما أجمع عليه العلماء، وقال القاضي أبو محمد: إنه إجماع الصحابة، وقال ــ علي رضي الله عنه -: لا يصلح الناس إلا ذلك، وقال مالك في ((المدونة)) وغيرها: وذلك لمصلحة الناس، إذ لا غنى بالناس عنهم، كما نهى عن بيع الحاضر للبادي للمصلحة، وما أدركتُ العلماء إلا وهم يضمنون الصنّاع، قال القاضي أبو محمد: لأن ذلك تتعلق به مصلحة، ونظر للصناع وأرباب السلع، وفي تركه ذريعة إلى إتلاف الأموال. فلو شرط الصانع أنه لا ضمان عليه، ففي ((العتبية)) عن أشهب عن مالك لم ينفعه الشرط، وروي عن أشهب أن ذلك ينفعه، وسواء في ذلك كان الصانع خاصاً أو مشتركاً، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: يضمن المشترك. وللشافعي في قبض المشترك قولان، هذا الذي حكاه القاضي أبو محمد، وحكى ابن حبيب عن مالك: لا يضمن الصانع الخاص، وسواء عملوه بأجرٍ أو بغير أجرٍ، فإنهم ضامنون، رواه ابن حبيب وغيره عن مالك، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: لا يضمن من عمل بغير أجر. وقوله: لا غرم على اللابس، ويغرم الغسال، هو قول مالك في ((الموطأ)) وهو المشهور عنه، وكذا روى ابن المواز عن ابن القاسم عنه، وقال أشهب عنه في ((الموازية)): وذلك إذا لبسه أياماً إلا أن يكون أبلاه، وقال أشهب في ((النوادر)): إن دفع الصباغ ثوب هذا إلى هذا، وثوب هذا إلى هذا، فإن لبساهما حتى خلقا، ضمن كل واحد قيمة الثوب الذي لبس، وإن لم يخلقا، غرم كل واحد ما نقص الثوب الذي لبس، ولا شيء على الغسال، وقال أبو حنيفة والشافعي: صاحب الثوب مُخَيَّرٌ بين أن يغرم اللابس، أو الغسال، فإن أغرم (١) ((المنتقى)) (٧١/٦). ١٥٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٣٠) باب اللابس لم يرجع على الغسال بشيء، وإن أغرم الغسال رجع على اللابس. وجه قول مالك أنه إنما صبغه ليلبسه، فإذا رَدَّه إليه على أنه ثوبه، فقد سَلَّطَه على لبسه، والثوب يتغير بالعمل، فلم يميزه صاحبه، فالضمان عليه، ولو لزمه ضمانه لَلَحِقَ الناس المشقة والامتناع من لبس ثيابهم، ووجه قول أشهب أنه أكثر ما في حال اللابس أنه مخطئ بإتلاف مال غيره، فعليه الضمان، والإتلاف إنما وجد من اللابس فوجب أن يبدأ بالضمان، وقوله: فإن لبسه، وهو يعرف أنه ليس ثوبه فهو ضامن، يريد أنه يضمن ما نقصه لبسه، قلّ ذلك أو كثر، قاله عيسى عن ابن القاسم، قال: ولا شيء على الغسال إلا أن يعدم اللابس، فيغرم الغسال ويتبعه في ذمته، انتهى مختصراً، وبسط في فروعه ووجوهها . وفي ((الهداية))(١): الأجير المشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصبّاغْ والقصّار، والمتاع أمانةٌ في يده، فإن هلك لم يضمن شيئاً عند أبي حنيفة، وهو قول زفر، ويضمنه عندهما، إلا من شيء غالب كالحريق الغالب، والعدو المكابر. لهما ما روي عن عمر وعلي أنهما كانا يضمنان الأجير المشترك، ولأن الحفظ مستحق عليه، إذ لا يمكنه العمل إلا به، فإذا هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالغصب والسرقة كان التقصير من جهته، فيضمنه كالوديعة إذا كانت بأجر، بخلاف ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت حتف أنفه، والحريق الغالب، لأنه لا تقصير من جهته. ولأبي حنيفة أن العين أمانةٌ في يده، لأن القبض حصل بإذنه. ولهذا لو هلك بسبب لا يمكن الاحتراز عنه، لا يضمنه، ولو كان مضموناً يضمنه، كما (١) (٣١١/٦/٣). ١٦٠