Indexed OCR Text

Pages 41-60

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
عَنْ أَبِیهِ؛
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري المدني حليف بني زهرة سكن
الإسكندرية، روى عن أبيه، كذا في ((التهذيب))(١) وذكره في ((الإصابة))(٢) تبعاً
لذكر جده، فقال: عبد الله بن عبد القاري أخو عبد الرحمن، وجدُّ يعقوب بن
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري، وأخرج له مالك في ((الموطأ))
كما ترى، وأخرج هذا الأثر الطحاوي من طريق يعقوب بن عبد الرحمن الزهري
عن أبيه عن جده، وأخرجه هو والبيهقي من طريق مالك بهذا السند.
وقال الزيلعي(٣): أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام في ((غريب الحديث))
حدثني إسماعيل بن جعفر عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد القاري به، والظاهر
أن محمداً نسب فيه إلى جده، فهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن
عبد القاري، وأخرج له الطحاوي رواية أخرى في (باب الوضوء مما غيرت النار))
من طريق يعقوب بن عبد الرحمن الزهري حدثني أبي عن أبيه وهو محمد بن
عبد الله عن أبي طلحة عن رسول الله وَ ل﴾ ((أنه أكل ثور أَقِطِ فتوضأ منه)).
وعلم من هذا كله أن لعبد الرحمن المذكور ثلاثة تلاميذ في الروايات
المذكورة ابنه يعقوب ومالك وإسماعيل بن جعفر.
وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): وثقه ابن حبان، وقال صاحب ((كشف
الأستار)): عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله القاري عن أبيه، وعنه ابنه يعقوب
ذكره ابن حبان في ((الثقات)) (عن أبيه) هو محمد بن عبد الله بن عبد القاري،
ولم أجده أيضاً في كتب الرجال من ((التهذيب)) و((التعجيل)) و ((اللسان))
وغيرهم، وهذا أيضاً عجب، فإن روايته هذه مشهورة في كتب الفقه، ومع ذلك
لم يذكره في الرجال، وهو من رواة ((الموطأ)).
(١) (٣٩١/١١).
(٢) (٦٣/٥).
(٣) انظر: ((نصب الراية)) (٤٦٠/٣).
٤١

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
أَنَّهُ قَالَ:
ثم وجدت ترجمته في ((التاريخ الكبير)) للبخاري إذ قال: محمد بن
عبد الله بن عبد القاري روى عنه ابنه عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن
عبد القاري عن أبيه عن عبد الله عن أبي طلحة وعمر، انتهى.
وقال العيني في ((شرح الطحاوي)): جد يعقوب محمد بن عبد الله بن
عبد القاري وثقه ابن حبان، وقد جاء ذكره في كتب الرجال تبعاً، كما تقدم في
ذكر ابنه عبد الرحمن، وقد التبس هذا أيضاً على بعض أهل العلم، ففسروه
بمحمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد القاري ولا شك أنه رجل آخر.
وأذكر سلسلة أنساب أبناء عبد على ما وقفت في كتب الرجال مختصراً
وذكرت شيئاً من التفاصيل فيها فيما علقته على ((تهذيب التهذيب)).
عبد القاري الحجازي
(٢)
عمرو بالواو
عبد الرحْمن (١)
عبد الله
عمر
عياض عبد الله
عبد الله محمد إبراهيم محمد إبراهيم
عیاض
عمرو
مخمد
عبد الرحمن(٣)
1
عبد الرحمن
يعقوب
عبيد الله
محمد
(أنه قال) أي قاله محمد بن عبد الله بن عبد القاري، وهو المراد عندي
في رواية ((موطأ محمد)) إذ قال: أخبرنا مالك أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن
(١) هو عامل عمر - رضي الله عنه -.
(٢) عمر بضم العين، إن كان ما في ((تعجيل المنفعة)) من قوله: عياض بن عمر بن عبد القاري
سالماً من التحريف، وإن كان هو تحريفاً من عياض بن عمرو بن عبد تسقط هذه الثلاثة
من الأنساب، وينقلون إلى أبناء عمرو بالواو المذكور سابقاً.
(٣) هذا وأبوه هما الراويان عندي في ((الموطأ)). ((ش)).
٤٢
عروة عبيد الله

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
عبد القاري عن أبيه قال: فإنه نسب فيه محمداً إلى جده إذ ليس في الرواة ولا
في سلسلة أنساب أبناء عبدٍ أحد اسمه محمد بن عبد، وقد ثبت في الروايات
عن مالك أنه رواه عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد، وقد أخرجه
البيهقي برواية الشافعي عن مالك مثل رواية يحيى عن مالك، وأخرجه برواية
ابن بكير عن مالك مثل رواية محمد عن مالك، ويؤيد ما اخترته رواية
الطحاوي إذ أخرجه من طريق ابن وهب قال: حدثني يعقوب بن عبد الرحمن
الزهري عن أبيه عن جده، قال: لما افتتح سعد وأبو موسى تستر. الحديث.
وجد يعقوب هو محمد بن عبد الله بن عبد كما ترى، وأخرجه الطحاوي
أيضاً من طريق ابن وهب عن مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن
عبد القاري عن أبيه عن جده، ولفظ ((عن جده)) في هذا الطريق عندي وهم من
المصنف أو تحريف من الناسخ، فإن الرواية معروفة لمحمد بن عبد الله لا
لأبيه عبد الله.
والعجب أن العيني في ((شرح الطحاوي)) مشى على هذا اللفظ، ولم
يتعرض له، ويخالف هذا كله ما في ((المحلى)) روينا من طريق عبد الرزاق عن
معمر قال: أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن عبد القاري عن أبيه أنه قال،
الحديث، وهو كذلك في ((مصنف عبد الرزاق)) فهو إن لم يكن مقلوباً من
عبد الرحمن بن محمد، فهو طريق آخر لهذا الأثر.
وقال الحافظ في ((التلخيص)) (١): رواه مالك والشافعي عنه عن
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاري عن أبيه بهذا، قال الشافعي:
من لم يتأنى بالمرتد زعموا أن هذا الأثر ليس بمتصل، انتهى.
وتعقبه ابن التركماني(٢)، فقال: هذا الأثر أخرجه عبد الرزاق عن معمر
(١) (١٣٦١/٤).
(٢) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٢٠٧/٨).
٤٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ
وابن أبي شيبة عن ابن عيينة كلاهما عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد القاري
عن أبيه، فعلى هذا هو متصل؛ لأن عبد الرحمن بن عبد سمع عن عمر
- رضي الله عنه -، انتهى.
قلت: فالمتصل هو طريق عبد الرزاق وابن أبي شيبة إذ فيهما من طريق
محمد بن عبد الرحمن، وأما طريق ((الموطأ)) فالظاهر فيه الإرسال، كما قاله
الإمام الشافعي، فإن الواقعة كانت في زمن عمر - رضي الله عنه -، وعبد الله بن
عبد القاري من صغار الصحابة، فكيف يكون ابنه محمد من المقاتلة في زمن
عمر - رضي الله عنه -، وما تقدم قريباً من كلام البخاري في ((تاريخه الكبير))
يشير إلى أن محمداً يروي عن عمر - رضي الله عنه -، بواسطة عبد الله.
(قدم) بصيغة الماضي من القدوم (على عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -
(رجل) وفي رواية معمر لعبد الرزاق المذكورة، قال: قدم مجزأة بن ثور أو
شقيق بن ثور على عمر - رضي الله عنه - يبشره بفتح تستر، فلم يجده في
المدينة كان غائباً في أرض له، فأتاه فلما دنا من الحائط الذي هو فيه كَبَّرَ
فسمع عمر تكبيره فكبَّرَ، فجعل يكبر هذا وهذا حتى التقيا، فقال عمر: ما
عندك؟ قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين إن الله فتح علينا تستر وهي كذا
وكذا، وهي من أرض البصرة، وكان يخاف أن يحولها إلى الكفرة(١)، فقال:
نعم هي من أرض البصرة هِيه! هل كانت مُغَرِّبة تخبرنا؟ قال: لا، إلا أن
الرجل من العرب ارتدّ، فضربنا عنقه، قال عمر: ويحكم فهلا طينتم عليه ثلاثة
أيام؟ وعرضتم عليه الإسلام في اليوم الثالث؟ فلعله أن يراجع فقال: اللَّهم لم
أحضر ولم آمر ولم أعلم(٢).
(١) هو تحريف وفي ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٦٥/١٠) الكوفة هو الصواب.
(٢) انظر: ((التمهيد)) (٣٠٦/٥ - ٣٠٧) و((المغني)) (٢٦٧/١٢) وأخرجه البيهقي في («السنن
الكبرى)) (٢٠٥/٨) وعبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٨/١٠) وابن أبي شيبة (١٣٨/١٠).
٤٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
ومعنى قوله: يخاف أن يحولها إلى الكفرة ما في ((فتوح البلدان))، عن
عطاء الخراساني قال: كفيتك أن تسْتَرَ كانت صلحاً، فكفرت، فسار إليها
المهاجرون فقتلوا المقاتلة، وسبوا الذراري، فلم يزالوا في أيدي سادتهم حتى
كتب عمر ((خلّوا ما في أيديكم)).
ومعنى قوله: هي من أرض البصرة ما في ((معجم البلدان)) عن ابن عون قال:
حضرت عمر بن الخطاب، وقد اختصم إليه أهل الكوفة وأهل البصرة في تستر،
وكانوا حضروا فتحها، فقال أهل الكوفة: هي من أرضنا، وقال أهل البصرة: هي
من أرضنا، فجعله عمر رضي الله عنه من أرض البصرة لقربها منها، انتهى.
ولا يصح ذكر مجزأة بن ثور في من أتى بالبشارة؛ لأنه استشهد في فتح
تستر، وكان على ميسرة أبي موسى، وقاتل قتالاً شديداً، قال صاحب ((أشهر
المشاهير)): قتل البطلُ الصنديد البراء بن مالك مائة مبارز، وقتل مثل ذلك
مجزأة بن ثور ومثله کعب بن سور، انتهى.
وفي ((الإصابة))(١): ذكر الطبري أن أبا موسى بعث جيشاً كثيفاً، وأَمَّرَ
عليهم سهل بن عدي، وبعث معه البراء بن مالك ومجزأة بن ثور في جماعة من
الصحابة، سَمَّاهم، فالتقوا، فقتل الهرمزانُ مجزأة والبراء، انتهى.
ثم لما فتح تستر(٢)، وأتي بهرمزان أسيرا، وأشار إليه أنس رضي الله عنه
بتأمينه، فقال عمر - رضي الله عنه -: يا أنس، سبحان الله قاتل البراء بن مالك
ومجزأة بن ثور السدوسي، يعني كيف آمنه، وأما شقيق بن ثور. فيحتمل أن
يكون ولد مجزأة، نسب إلى جده، ففي ((الإصابة)): كان لمجزأة ولد، يقال له:
شقيق كان رئيس بكر بن وائل في خلافة عثمان، انتهى.
(١) (٤٥/٦/٣).
(٢) تستر: بالضم ثم السكون، وفتح التاء الأخرى. أعظم مدينة بخوزستان. وهو تعريب
شوشتر.
٤٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ. فَأَخْبَرَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ
عُمَرُ: هَلْ كَانَ فِيَكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ؟
ويحتمل أن يكون غيره، وفي ((التهذيب)) (١): شقيق بن ثور بن عفير بن
زهير السدوسي أبوالفضل البصري كان رئيس بكر بن وائل، وكانت معه رايتهم
يوم الجمل، وشهد مع علي - رضي الله عنه - صفين، ثم قدم على معاوية في
خلافته، مات سنة ٦٤ هجرية.
(من قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة (أبي موسى) عبد الله بن
قيس (الأشعري) كان والياً على البصرة من جهة عمر - رضي الله عنه - وفي ((فتوح
البلدان)): كانت ولاية أبي موسى البصرة سنة ١٦ هجرية أو سنة ١٧ هجرية
(فسأله عمر) - رضي الله عنه - (عن) أحوال (الناس فأخبره) عنها. (ثم قال له) أي
للرجل المذكور (عمر) - رضي الله عنه -: (هل كان فيكم من مُغَرِّبةِ خبر؟).
قال الزرقاني: بضم الميم وفتح المعجمة وكسر الراء وفتحها مثقلة فيهما
ثم موحدة فتاء تأنيث مضاف إلى خبر، أي هل من حالة حاملة لخبر من موضع
بعید، انتھی.
وحكى الزيلعي عن أبي عبيد ((المُغَرِّبَةُ)) بفتح الراء وكسرها لغتان، وأصله
البعد، ومنه قولهم: دار فلان غربة، انتهى، وفي هامشه عن ((النهاية)) بكسر
الراء وفتحها مع الإضافة فيهما أي هل من خبر جديد جاء من بلد بعيد؟
انتھی .
وقال الحافظ في ((التلخيص))(٢): قال الرافعي: شيوخ ((الموطأ)) فتحوا
الغين وكسروا الراء وشدّدوها، انتهى.
(١) (٣٦١/٤).
(٢) ((تلخيص الحبير)) (٥١/٤).
٤٦٠

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
فَقَالَ: نَعَمْ. رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ. قَالَ: فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ؟ قَالَ:
قَرَّبْنَاهُ، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثاً. وَأَطْعَمْتُمُوهُ
كُلَّ يَوْم رَغِيفاً .
قال الباجي(١): سأله عمر - رضي الله عنه - أولاً عن المعهود من أحوال
الناس، وما يعمهم على حسب ما يلزم الإمام من السؤال مما غاب عنه من
رعيته ليعرف أحوالهم، ويسأل عن ذلك الوارد والصادر حتى لا يخفى عليه
شيء من أحوال الناس؛ لأنه إذا خفيت عليه أحوالهم لم يمكنه تلافي ما ضاع
منها، ثم سأله عما عسى أن يطرأ من الأمور التي تستغرب، وليست بمعتادة.
(فقال) الرجل: (نعم) خبر غريب، وهو أنه (رجل) من العرب (كفر بعد
إسلامه) أي ارتد، وهذا يقتضي أنه كان نادراً عندهم مما يستغرب ولا يكاد
يسمع به (قال) عمر: (فما فعلتم به؟ قال) المخبر: (قَرَّبناه) بتشديد الراء
والموحدة أي أحضرناه (فضربنا عنقه) بلا استتابة (فقال عمر) رضي الله عنه:
(أفلا حبستموه) ولفظ الطحاوي ((أفلا أدخلتموه بيتاً ثم طينتم عليه))، وفي
((المحلى)): ويحكم فهلا طينتم عليه باباً وفتحتم له كوة، فأطعمتموه في كل يوم
منها رغيفاً (ثلاثاً) أي ثلاثة أيام كما في رواية الطحاوي وغيره، (وأطعمتموه كل
يوم رغيفاً) واحداً، وزاد في رواية ((المحلى)) ((وسقيتموه كوزاً من ماء)).
قال الزرقاني(٢) والباجي(٣): يريد أن لا يوسع عليه توسعة يكون فيها
إحسان إليه، وإنما يعطى ما يبقى به رمقه على وجه لا يستقر به، ولا يكون منه
تعذيب له، قال ابن القاسم في ((المدونة)): ليس العمل على قول عمر - رضي الله
عنه - في أن يطعم كل يوم رغيفاً، ولكن يطعم ما يقوته ويكفيه ولا يجوع،
(١) ((المنتقى)) (٢٨٣/٥).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٢٨٤/٥).
٤٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حديث
وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ
أَحْضُرْ. وَلَمْ آمُرْ. وَلَمْ أَرْضَ، إِذْ بَلَغَنِي.
وإنما يطعم من ماله، قال ابن مزين: يعني في غير توسع ولا تفكه، قال مالك
في ((الموازية)): يقوت من الطعام ما لا يضره، وإنما أراد ابن القاسم أن لا
يجعل الرغيف الواحد حداً، وإنما أشار عمر - رضي الله عنه - إلى قلة مؤنته
ورزيئته في ماله إن كان وبيت المال إن لم يكن، ولم يرد به الحد، انتهى.
(واستتبتموه) أي طلبتم منه التوبة (لعله يتوب) عن كفره (ويراجع أمر الله؟)
أي يرجع إلى الإسلام؛ لأنه الذي أمر الله به (ثم قال عمر) تبرياً مما فعل
هؤلاء من قتله بلا استتابة (اللهم إني لم أحضر) قتله (ولم آمر) بقتله (ولم
أرض) بفعلهم (إذ بلغني) أمرهم، قال الزرقاني: فيه تصريح بخطأ فاعله ولا
يكون ذلك إلا بنص أو إجماع، وقد قال سحنون: إن أبا بكر - رضي الله عنه -
استتاب أهل الردة، فلعل عمر علم بانعقاد الإجماع على ذلك زمن أبي بكر،
فأنكر على أبي موسى تغيير ذلك، وإلا فأبو موسى مجتهد، فإذا حكم باجتهاده
فيما لا نص فيه ولا إجماع لم يبلغ عمر - رضي الله عنه - من الإنكار عليه هذا
الحد، قال أيضاً: احتج أصحابنا على وجوب الاستتابة بقول عمر - رضي الله
عنه - هذا، وأنه لا مخالف له.
قال الباجي: ولا يصح إلا أن يثبت رجوع أبي موسى ومن وافقه إلى
قول عمر رضي الله عنه، انتھی.
وقال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب: قال محمد: إن شاء الإمام
أخر المرتد ثلاثاً إن طمع في توبته أو سأله المرتد، وإن لم يطمع في ذلك ولم
يسأله المرتد فقتله فلا بأس بذلك، انتهى.
وفي ((الهداية)) (٢): إذا ارتد المسلم - والعياذ بالله - عرض الإسلام عليه،
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٧٢/٣).
(٢) (٤٠٦/١).
٤٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٨) باب
(١٤٤١) حدیث
فإن كانت له شبهة كشفت عنه، إلا أن العرض على ما قالوا غير واجب؛ لأن
الدعوة بلغته، ويحبس ثلاثة أيام، فإن أسلم وإلا قتل.
وفي ((الجامع الصغير)): المرتد يعرض عليه الإسلام، فإن أبى قتل،
وتأويل الأول أنه يستمهل، فيمهل ثلاثة أيام، لأنها مدة ضربت لإبلاء الأعذار،
وعن أبي حنيفة وأبى يوسف أنه يستحب أن يؤجله ثلاثة أيام طلب ذلك أو لا ،
وعن الشافعي أن على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولا يحل له أن يقتله قبل
ذلك؛ لأن ارتداد المسلم يكون عن شبهة ظاهراً، فلا بد من مدة يمكنه التأمل،
فقدرناها بالثلاثة، ولنا، قوله تعالى: ﴿فَأَقْنُلُواْ الْمُشْرِكِينَ﴾ من غير قيد الإمهال،
وكذا قوله وَلجر: ((من بدّل دينه فاقتلوه))، ولأنه كافر حربي بلغته الدعوة فيقتل
للحال من غير استمهال، وهذا لأنه لا يجوز تأخير الواجب لأمر موهوم،
انتھی .
قال ابن الهمام(١): قوله: قال الشافعي إلخ الصحيح من قولي الشافعي
إنه إن تاب في الحال وإلا قتل، ومدة النظر جعلت في الشرع ثلاثة أيام، كما
في الخيار، انتهى.
قال الباجي(٢): يحتمل أن يأخذ الثلاث من قول الله تعالى: ﴿تَمَتَّعُواْ فِى
دَارِكُمْ تَثَةَ أَنَّاءٍ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ولأن الثلاث قد جعلت أصلاً في
الشرع في اعتبار معان واختيارها في المصراة واستظهار المستحاضة وعهدة
الرقيق وغير ذلك من المعاني، انتهى.
وأخرج عبد الرزاق(٣) عن أبي عثمان النهدي أن علياً - رضي الله عنه -
استتاب رجلاً كفر بعد إسلامه بشهر، فأبى فقتله.
(١) ((فتح القدير)) (٣٠٨/٥).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٤/٥).
(٣) انظر: ((المصنف)) (١٦٤/١٠).
٤٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٩) باب
(١٤٤٢) حديث
(١٩) باب القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلاً
١٤٤٢/ ١٧ - حدّثنا يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي
صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ
قَالَ لِّرَّسُولِ اللَّهِ وَ هِ: أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا، أَأُمْهِلُهُ
وعن سليمان بن موسى أنه بلغه عن عثمان - رضي الله عنه - أنه كفر
إنسان بعد إيمانه، فدعاه إلى الإيمان ثلاثاً، فأبى فقتله.
وعن ابن شهاب قال: إذا أشرك المسلم دُعِي إلى الإسلام ثلاث مرار،
فإن أبی ضُربت عنقه.
وعن عبيد الله بن عبيد بن عمير أن النبي ◌َّله استتاب نبهان أربع مرات.
(١٩) القضاء فيمن وجد مع امرأته رجلاً
يعني وجده يزني بها فكيف يفعل(١)؟.
١٧/١٤٤٢ - (مالك عن سهيل) بضم السين المهملة وفتح الهاء مصغراً
(ابن أبي صالح) ذكوان (السمان) بائع السمن (عن أبيه) أبي صالح السمان
ذكوان المدني (عن أبي هريرة أن) سيد الخزرج (سعد) بسكون العين (ابن عبادة)
بضم المهملة وفتح الموحدة الخفيفة (قال لرسول الله وّيه) لما نزلت ﴿وَالَّذِينَ يَزْمُونَ
الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدََّ﴾ الآية (أرأيت) بصيغة الخطاب أي أخبرني (إن
وجدت) شرطية بصيغة المتكلم (مع امرأتي رجلاً) في حالة السوء، وفي رواية:
لو وجدت لكاعاً يعني امرأته قد تفخذها رجل، قاله الزرقاني(٢) في الحدود.
(أأمهله) بفتح الهمزة الأولى الاستفهامية وضم الهمزة الثانية أي هل أترك الزاني
(١) انظر في هذه المسألة: ((فتح القدير)) (١٦٧/٤)، و((بداية المجتهد)) (٤٣٠/٢)، و((الشرح
الكبير)) (١٨٥/٤)، و((المنتقى)) (١٤٤/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٣/٤).
٠

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٩) باب
(١٤٤٢) حديث
حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَله: «نَعَمْ)).
أخرجه مسلم في: ١٩ - كتاب اللعان، حديث ١٥.
(حتى آتي بأربعة شهداء؟) كما يدل عليه التنزيل (فقال رسول الله وَير: نعم) أي
لا بد من ذلك إن تريد الدعوى عليهما، زاد في رواية سليمان بن بلال: قال
يعني سعداً: كلّا، والذي بعثك بالحق، إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك،
قال ◌َله: ((اسمعوا ما يقول سيدكم، إنه لغيورٌ، وأنا أغير منه، والله أغيرُ مني)).
وأخرج أحمد عن ابن عباس لما نزلت، ﴿وَلَِّينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾ الآية،
قال سعد - وهو سيد الأنصار -: أهكذا أُنْزِلَتْ يا رسول الله؟ فقال وَلّ: يا
معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم، قالوا: يا رسول الله! لا تَلُمه فإنه
رجلٌ غيورٌ، والله ما تزوج امرأة قط، فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة
غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنها حق وأنها من الله،
ولكن تعجبت أني لو وجدت لُكاعاً قد تَفَخَّذَها رجلٌ لم يكن لي أن أهيِّجَه،
ولا أُحَرِّكَه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته،
الحدیث .
وفي الحديث النهي عن إقامة حدٍّ بغير سلطان، ولا شهود، وقطع الذريعة
إلى سفك الدم بمجرد الدعوى، وأخرجه مسلم من طريق إسحاق بن عيسى عن
مالك به، وتابعه عبد العزيز الدراوردي وسليمان بن بلال كلاهما عن سهيل به
بزيادة، رواهما مسلم أيضاً.
وبه شَنَّعَ ابنُ عبد البر(١) على البزار في زعمه تفرد مالك به، وإنه لم يروه
غيره ولا تابعه أحد عليه قال: فهذا يدل على تحامل البزار فيما ليس له به
علم، وكتابه مملوءٌ من مثل هذا، ولو سُلّم تفرد مالك به، كما زعم ما كان في
ذلك شيء، فأكثر السنن والأحاديث قد انفرد بها الثقات، وليس ذلك بضائر
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٠/٢٢).
٥١

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٩) باب
(١٤٤٣) حديث
١٨/١٤٤٣ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّام، يُقَالُ لَّهُ ابْنُ خَيْبَرِيّ،
وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ، أَوْ قَتَلَهُمَاَ مَعاً، فَأَشْكَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ
أَبِي سُفْيَانَ الْقَضَاءُ فِيهِ. فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، يَسْأَلُ لَهُ
عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ ذُلِكَ.
لشيء منها، ومعنى الحديث مجمع عليه، ونطق به الكتاب والسنّة، فأيُّ انفراد
في هذا وليت كل ما انفرد به المحدثون كان مثل هذا، قاله الزرقاني.
١٨/١٤٤٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب أن رجلاً من أهل الشام) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (يقال له:
ابن خيبرى) وليس هذا في النسخ الهندية وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون
التحتية وفتح الموحدة فراء فتحتية آخره، وهكذا وقع في رواية البيهقي بسنده
إلى بكير عن مالك (وجد مع امرأته رجلاً) لم يسم (فقتله) أي الزاني (أو قتلهما
معاً) شك من الراوي، وفي نسخة قتلها بالإفراد، قاله الزرقاني(١)، ويلفظ
((الموطأ)) رواه البيهقي بالشك. وأخرجه عبد الرزاق برواية ابن جريج والثوري
عن يحيى بن سعيد بلفظ الشك، قال: وقال الثوري، فقتله.
(فأشكل) القضاء فيه (على معاوية بن أبي سفيان) الأمير بالشام (القضاء
فيه) أي في هذا الأمر (فكتب) معاوية (إلى أبي موسى الأشعري) الصحابي
الشهير (يسأل) أبو موسى (له) أي لمعاوية (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه
(عن ذلك) الأمر ولم يكتب بنفسه إلى علي - رضي الله عنه - لما كان بينهما
شقاق.
قال الباجي(٢): وهذا يدل على فضله وتوقفه فيما لا يعلمه وسؤاله عن
ذلك من يثق بعلمه، ويتسبب إليه بكل ما يمكنه، وإن كان المسئول منابذاً له.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٧/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٥/٥).
٥٢

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٩) باب
(١٤٤٣) حدیث
فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى، عَنْ ذُلِكَ، عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ عَلِيٍّ : إِنَّ
هُذَا الشَّيْءَ مَا هُوَ بِأَرْضِي. عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي. فَقَالَ لَهُ أَبُو
مُوسَىْ: كَتَبَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَ
عَلِيٍّ: أَنَا أَبُو حَسَنٍ :
قلت: وهذا من كمال فضلهم وعلوهم عن دناءة الأخلاق، وتزينهم
بمكارمها، فإنهم - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - مع الاختلاف والنزاع فيما
بينهم لا ينكرون فضل المخالف. ولا يمتنعون عن الأخذ بقولهم للمخالفة، لله
دَرُّهُمْ.
(فسأل أبو موسى عن ذلك) الأمر (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه
(فقال له) أي لأبي موسى (علي) - رضي الله عنه -: (إن هذا) الذي ذكرت من
الحكاية (لشيء ما) نافية (هو) واقع (بأرضي) أي بالعراق إذ لو كان بها
لاشتهر، وعلم به علي - رضي الله عنه - قبل ذلك (عزمت) بلفظ المتكلم أي
أحكمت (عليك) الأمر (لتخبرني) أين وقع هذا الأمر (فقال أبو موسى: كتب
إليّ) بتشديد الياء (معاوية بن أبي سفيان) من الشام أن (أسألك عن ذلك) الأمر
(فقال علي: أنا أبو الحسن) زاد في رواية: القرم، قاله الزرقاني.
وأصل القرم البعير المكرم الذي لا يحمل عليه، ولا يُذَلَّلُ، ولكن يكون
للفحلة، ومنه قيل للسيد، كذا في ((مختار الصحاح))، وفي ((المجمع))(١): القرم
فحل الإبل، أي أنا فيهم كالفحل في الإبل، يعني المقدَّمَ في المعرفة،
وتجارب الأمور، قال الباجي: هذا مما تستعمله العرب عند إصابة ظنه، كما
أصاب ظنه بأن ذلك لم يكن بأرضه، روى ذلك ابن مزين عن عيسى، انتهى.
قلت: أو إشارة إلى التحديث بنعمة ربه أنه عز اسمه أعطاه من العلوم ما
يحتاج إليه الخصوم.
(١) «مجمع بحار الأنوار)) (٢٥٨/٤).
٥٣

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٩) باب
(١٤٤٣) حديث
إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ.
ثم أجاب علي - رضي الله عنه - عن سؤاله بأنه (إن لم يأت) القاتل
(بأربعة شهداء) يشهدون على معاينة الوطء (فليعط) ببناء الفاعل أي يسلم إلى
أولياء المقتول يقتلونه قصاصاً. (برُمَّتِه) بضم الراء وتكسر قطعة من حبل؛ لأنهم
كانوا يقودون القاتل إلى ولي المقتول بحبل، وفي ((المحلى)): بضم الراء
وتشديد الميم قطعة حبل يُشَدُّ به الأسير أو القاتل، إذا قيد إلى القود أي يسلم
إليهم بالحبل الذي يُشَدُّ به تمكناً لهم لئلا يهرب ثم اتسعوا فيه حتى قالوا:
أخذت الشيء برمته أي كله، كذا في ((النهاية))(١).
قال ابن عبد البر(٢): على هذا جماعة الفقهاء؛ لأن الله حرم دماء
المسلمين تحريماً مطلقاً، فمن ثبت عليه قتل مسلم وادّعى أنه كان يجب قتله لم
يقبل منه حتى يثبت دعواه؛ لأنه يرفع عن نفسه القصاص، وقد روى
عبد الرزاق(٣) عن معمر عن الزهري قال: سأل رجل النبي وَل، فقال الرجل:
يجد مع امرأته رجلاً أيقتله؟ قال وَله: لا، إلا بالبينة التي ذكر الله.
وروى أهل العراق أن عمر - رضي الله عنه - أهدر دمه، ولا يصح عنه
إنما أهدر دم الذي أراد اغتصاب الجارية الهذلية، ففضت كبده فمات، ذكره
معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد، انتهى.
قلت: أخرج البيهقي(٤) قصة الجارية الهذلية بسياق آخر، وفيه فأرادها
رجل منهم عن نفسها فرمته بفِهْر، فقتلته، فرفع ذلك إلى عمر، فقال: ذلك
قتيل الله، والله لا يودى أبداً، وقال: قال الشافعي: هذا عندنا من عمر
(١) (ص٣٧٨).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٢/٢٢)، و((التمهيد)» (٢٥٧/٢١)، و((شرح الزرقاني)) (١٧/٤).
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٣٤/٩).
(٤) ((السنن الكبرى)) (٣٣٦/١٠).
٥٤

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٩) باب
(١٤٤٣) حديث
•
- رضي الله عنه - أن البينة قامت عنده على المقتول أو على أن وليّ المقتول
أقرّ عنده بما يوجب له أن يقتل المقتول، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح))(١) في ترجمة البخاري: ((باب من رأى مع
امرأته رجلاً فقتله)): كذا أطلق ولم يبين الحكم، وقد اختلف فيه، فقال
الجمهور: عليه القود، وقال أحمد وإسحاق: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته
هدر دمه، وقال الشافعي: يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيباً،
وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر
الحكم.
وقد أخرج عبد الرزاق(٢) بسند صحيح إلى هانئ بن حزام أن رجلاً وجد
مع امرأته رجلاً، فقتلهما، فكتب عمر - رضي الله عنه - كتاباً في العلانية أن
يقيدوه به، وكتاباً في السرِّ أن يعطوه الدية، وقال ابن المنذر: جاءت الأخبار
عن عمر - رضي الله عنه - في ذلك مختلفة، وعامة أسانيدها منقطعة.
وقد ثبت عن علي - رضي الله عنه - أنه سُئِل عن رجل قتل رجلاً وجد
مع امرأته فقال: لم يأت(٣) بأربعة شهداء وإلا فليُعْطِ برُمَّته، قال الشافعي:
وبهذا نأخذ، ولا نعلم لعلي - رضي الله عنه - مخالفاً في ذلك، انتهى.
وقال الموفق(٤): إذا قتل رجلاً وادّعى أنه وجده مع امرأته أو أنه قتله
دفعاً عن نفسه أوأنه دخل منزله يُكَابِره على ماله، فلم يقدر على دفعه إلا بقتله،
لم يقبل قوله إلا ببينة، ولزمه القصاص، روي نحو ذلك عن علي، وبه قال
(١) ((فتح الباري)) (١٢ / ١٧٤).
(٢) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٣٥/٩) (١٧٩٢١).
(٣) كذا في الأصل، ولفظ الموفق: إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. اهـ. (ش)).
(٤) ((المغني)) (١١ / ٤٦١).
٥٥

٣٨ - كتاب الأقضية
(١٩) باب
(١٤٤٣) حديث
الشافعي وأبو ثور، وابن المنذر، ولا أعلم فيه مخالفاً؛ لما روي عن علي
- رضي الله عنه - فذكر نحو أثر الباب، ولأن الأصل عدم ما يدعيه فلا يثبت
بمجرد الدعوى. وإن اعترف الولي بذلك فلا قصاص عليه، ولا دية.
لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يوماً يتغَدّى إذ جاءه رجل
يعدو، وفي يده سيف ملطّخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس
مع عمر، فجاء الآخرون، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن هذا قتل صاحبنا، فقال
له عمر: ما يقولون؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني ضربت فَخْذَي امرأتي، فإن
كان بينهما أحد فقد قتلته، فقال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين إنه
ضرب بالسيف، فوقع في وسط الرجل وفخْذَيْ المرأة، فأخذ عمر - رضي الله
عنه - سيفه، فهزه فدفعه إليه، فقال: إن عادُوا، فَعُدْ. رواه سعيد في ((سننه))،
انتھی .
وقال النووي(١): اختلف العلماء فيمن قتل رجلا، وزعم أنه وجده قد
زنى بامرأته، فقال جمهورهم: لا يقبل قوله، بل يلزمه القصاص، إلا أن يقوم
بذلك بَيِّنَةٌ أو يعترف به ورثةُ القتيل، والبينة أربعة من عدول الرجال، يشهدون
على نفس الزنا، ويكون القتيل مُحْصَناً. وأما فيما بينه وبين الله، فإن كان
صادقاً، فلا شيء عليه، وقال بعض أصحابنا: يجب على كل من قتل زانياً
محصناً القصاصُ ما لم يأمر السلطان بقتله، والصواب الأول.
وفي ((شرح الإقناع))(٢) في شروط القصاص: أن لا يكون المقتول أنقص
من القاتل بكفر أو رِقُّ أو هدر دم كزانٍ محصن قتله مسلم معصوم لاستيفائه
حد الله، سواء أثبت زناه بإقراره أم ببينة، قال البجيرمي: قوله: مسلم معصوم،
فإن قتله ذميُّ أو مرتدٌ، أو قتله زانٍ محصن مثله قُتِلَ به، انتھی.
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٢١/١٠/٥).
(٢) (١٢٦/٤).
٥٦

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢٠) باب
(٢٠) باب القضاء في المنبوذ
وفي ((الروض المربع)) (١) في شروط القصاص: عصمة المقتول بأن لا
يكون مهدر الدم، فلو قتل مسلم أو ذميٌ حربياً أو مرتداً أو زانياً محصناً، ولو
قبل ثبوته عند الحاكم لم يضمنه بقصاص، ولا دية، ولو أنه مثله، انتهى.
وقال الدردير (٢): قاتل زانٍ إن أحصن بغير إذن الإمام يؤدب، قال
الدسوقي: أما قاتل الزاني الغير المحصن، فإنه يقتل به إلا أن يقول: وجدته
مع زوجتي، وثبت ذلك بأربعة، ويرونه كالمِرْود في المكحلة، فقتله فإنه لا
يقتل الزاني كان محصناً أو بكراً لعذره بالغيرة التي صيرته كالمجنون، قال
ابن فرحون في ((تبصرته)): وعلى قاتله الدية في ماله إن كان بكراً عند ابن القاسم
في ((المدونة))، وقال ابن عبد الحكم: إنه هدر مطلقاً أي لا شيء فيه ولو بكراً،
انتھی .
وفي ((الدر المختار))(٣): دخل رجل بيته فرأى رجلاً مع امرأته أو جاريته
أي يزني بها فقتله، حلّ له ذلك ولا قصاص عليه، قال ابن عابدين: قيده في
(الخانية)) بما إذا كان محصناً وبما إذا صاح به، فلم يمتنع عن الزنا، وفي القيد
الأول كلام، فقد ردّه ابن وهبان بأن هذا ليس من الحد، بل من النهي عن
المنكر، قال في ((النهر)): وهو حسن، فإن هذا المنكر حيث تعين القتل لإزالته،
فلا معنى لاشتراط الإحصان فيه، وقال أيضاً: إنه يحل ديانةً لا قضاءً فلا
يصدقه القاضي إلا ببينة.
(٢٠) القضاء في المنبوذ
بالدال المعجمة أي اللقيط، قال الباجي(٤): المنبوذ هو المطروح من
(١) (٢٦٢/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (١٨٥/٤).
(٣) (٢١٠/١٠).
(٤) ((المنتقى)) (٤/٦).
٥٧

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢٠) باب
(١٤٤٤) حدیث
١٩/١٤٤٤ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
سُنَيْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْم؛
قولهم: نبذت الشيء إذا طرحته، قال تعالى: ﴿فَنَذْنَهُ بِلْعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ إلا
أنه في عرف اللغة مستعمل في من طرح من الأطفال على وجه الاستسرار به،
فيلتقطه من يخاف عليه الضيعة، انتهى.
١٩/١٤٤٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سنين) بسين مهملة
ونونين مصغراً ووهم من شدّ التحتانية كالداودي يعني بالنون الأولى فقط، قيل:
اسم أبيه فرقد، وقال ابن سعد: سلمي، وقال غيره: ضمري، صحابي صغير
ذكره العجلي وجماعة في التابعين، وذكره آخرون في الصحابة لما في البخاري
عنه أنه أدرك النبي و للر وخرج معه عام الفتح (أبي جميلة) كذا في النسخ
المصرية، وفي الهندية ابن أبي جميلة، والصواب الأول، فإن أهل الرجال
كلهم ذكروا كنية سُنَيْنٍ أبا جميلة(١)، وعن أبي جميلة حكى البخاري هذه القصة
لا عن ابنه كما سيأتي قريباً، وهو بفتح الجيم وكسر الميم، وفي الرواة أبو
جميلة رجل آخر اسمه ميسرة كوفي ليست له صحبة اتفاقاً، ووهم من جعله
صاحب هذه القصة كالكرماني، كذا في ((الفتح))(٢).
(رجل من بني سليم) بضم السين المهملة معروف، ذكر أبو عمر أنه جاء
في رواية أخرى أنه حج حجة الوداع، وهو وارد على من لم يعرفه، فقال: إنه
مجهول كابن المنذر، ونقل البيهقي عن الشافعي نحو ذلك، كذا في ((الفتح)).
وبسط الزيلعي في ((نصب الراية))(٣) طرقه، وقال: قال الدارقطني في
((كتاب العلل)): وبعضهم رواه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي
جميلة، والصواب ما رواه مالك، انتهى.
(١) انظر ترجمته في ((الإصابة)) (١٣٧/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٢٧٤/٥).
(٣) (٤٦٥/٣).
٥٨

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢٠) باب
(١٤٤٤) حديث
أَنَّهُ وَجَدَ مَنْبُوذاً فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ إِلَى
. . ...
عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَخْذِ هَذِهِ النَّسَمَةِ؟
(أنه وجد منبوذاً) أي لقيطاً، قال الحافظ: لم يسم (في زمان) خلافة
(عمر بن الخطاب، قال) أبو جميلة: (فجئت به) أي بالمنبوذ (إلى عمر بن
الخطاب) لإجراء نفقته من بيت المال كما هو الظاهر من السياق، قال الباجي:
ويحتمل أن يجيء به ليستفتيه في أمره وليسأله الحكم له بولائه أو غير ذلك
(فقال) عمر - رضي الله عنه -: (ما حملك على أخذ هذه النسمة) بفتحتين أي
النفس .
قال الباجي(١): روى أشهب عن مالك أنه قال: اتهمه أن يكون ولده أتى
به، لكي يفرض له من بيت المال، قال الباجي: ويحتمل عندي أن يكون سأله
عن سبب أخذه له، وخاف عليه أن يكون حمله على ذلك الحرص على أن
يفرض له من بيت المال ويلي أمره، ويحتمل أن يخاف التسرع إلى أخذ
الأطفال من غير أن ينبذوا حرصاً على أخذ النفقة لهم ورغبة في موالاتهم،
انتھی .
وأخرجه البخاري مختصراً تعليقاً بلفظ قال أبو جميلة: وجدت منبوذاً،
فلما رآني عمر - رضي الله عنه - قال: عسى الغوير(٢) أبْؤُسا(٣) كأنه يتهمني،
قال عريفي: إنه رجل صالح، قال: كذلك، اذهب وعلينا نفقته، قال الحافظ :
يتهمني بأن يكون الولد له، وإنما أراد نفي نسبه عنه لمعنى من المعاني، وأراد
مع ذلك أن يتولى هو تربيته، وقيل: اتهمه بأنه زنى بأمه، ثم ادّعاه، وهو بعيد،
وما تقدم أولى.
(١) ((المنتقى)) (٢/٦).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٢٧٤/٥) قوله: الغوير تصغير غار.
(٣) أَبْؤُساً جمع بؤس: وهو الشدة، وانتصب على أنه خبر عسى عند من يجيزه أو بإضمار
شيء تقديره عسى أن يكون الغوير أبؤساً، وهو مثل مشهور يقال فيما ظاهره السلامة
ويخشى منه العطب .
٥٩

٣٨ - كتاب الأقضية
(٢٠) باب
(١٤٤٤) حدیث
فَقَالَ: وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً فَأَخَذْتُهَا. فَقَالَ لَهُ عَرِيفُهُ:
(فقال) أبو جميلة: (وجدتها ضائعة) أي على شرف الضياع (فأخذتها)
لذلك. قال صاحب ((المحلى)): فيه ندب رفع اللقيط، وإن خيف هلاكه یفرض
عند أبي حنيفة، وأما عند الثلاثة الباقية فيجب مطلقاً، انتهى.
قال الموفق(١): التقاطه واجب لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاَلنَّقْوَىّ﴾
ولأن فيه إحياءً لنفسه، فكان واجباً كإطعامه إذا اضطُرَّ وإنجائه من الغرق
ووجوبه على الكفاية، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وإن تركه الجماعة
أثموا، انتهى. (فقال له) أي لعمر (عريفه) بفتح العين وكسر الراء المهملتين هو
النقيب دون الرئيس، قال ابن بطال: كان عمر - رضي الله عنه - قسم الناس،
وجعل على كل قبيلة عريفاً ينظر عليهم، انتهى.
قلت: كان ذلك من قديم الزمان فقد أخرج أبو داود (٢) في ((باب العرافة))
عمن قال للنبي ◌ّ﴾: إن أبي شيخ كبير، وهو عريف الماء وهو يسألك أن
تجعل لي العرافة بعده، فقال: إن العرافة حقٌّ، ولا بد للناس من العرفاء، لكن
العرفاء في النار، قال الشيخ في ((البذل)): أي على خطر في الوقوع من
المهالك والعذاب لتعذر القيام بشرائط ذلك، فعليهم أن يراعوا الحق
والصواب، انتهى.
وقال الباجي(٣): العرفاء رؤساء الأجناد، وقُوّادهم ولعلهم سموا بذلك؛
لأنهم بهم يتعرف أحوال الجيش، وقد قال النبي بَله يوم حنين لما رأى أن يرد
السبي إلى هوازن: ((إنا لا ندري من إذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى
يرجع إلينا عرفاؤكم)) الحديث، انتهى.
(١) («المغني)) (٣٥٠/٨).
(٢) ((سنن أبي داود)) ح (٢٩٣٤).
(٣) ((المنتقى)) (٣/٦).
٦٠