Indexed OCR Text
Pages 601-620
٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث أَعْتَقَ عَبْدَهُ. وَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سَيِّدَ الْعَبْدِ بِدَيْنِ لَّهُ عَلَيْهِ، فَشَهِدَ لَهُ عَلَى حَقِّهِ ذَلِكَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. فَإِنَّ ذُلِكَ يُثْبِتُ الْحَقَّ عَلَى سَيِّدٍ الْعَبْدِ. حَتَّى تُرَدَّ بِهِ عَتَاقَتُهُ. إِذَا لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ مَالٌ غَيْرُ الْعَبْدِ. يُرِيدُ أَنْ يُجِيزَ بِذْلِكَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِي الْعَتَاقَةِ. فَإِنَّ ذُلِكَ لَيْسَ عَلَى مَا قَالَ . زيداً مثلاً (أعتق عبده وجاء) بعد ذلك (رجل) آخر، وهو عمرو مثلاً (يطلب سيد العبد) أي يطلب عمرو زيداً (بدين له) أي لعمرو (عليه) أي على زيد (فشهد له) أي عمرو (على حقه ذلك) أي على دينه على زيد (رجل وامرأتان فإن) بـ(ذلك) الشاهد الواحد مع اليمين (يثبت الحق) لعمرو (على سيد العبد) أي على زيد، وإذا ثبت بالشهادة المذكورة الدينُ على زيد قبل العتق بطل عتقه (حتى ترد) وتبطل (به عتاقته) أي إعتاق زيد عبده (إذا لم يكن لسيد العبد) أي لزيد (مال غير العبد) المذكور الذي عتق. قال الباجي(١): لأن عتق الرجل عبده، وعليه دين يحيط بماله والعبد غير جائز، سواء كان عتقه واجباً أو تطوعاً؛ لأنه ليس له إتلاف أموال الناس بأداء الكفارة منها أو عتق تطوع، اهـ. قلت: وهذا مبنيٌّ على مسلك الإمام مالك - رضي الله عنه - ومن وافقه في ذلك، والمسألة خلافيّة تقدمت في كتاب العتق، ومذهب الحنفية، ومن وافقهم في ذلك جواز عتق المديون (يريد) هذا المحتجُّ الذي احتجَّ بالفرع المذكور (أن يُجِيزَ بذلك) الاحتجاج أي يُثْبِت بدليله المذكور جوازَ (شهادة النساء في العتاقة) أيضاً، فإن في الفرع المذكور دليلاً على عبرة شهادتهن في العتق، إذ ردّ العتق بشهادتهن. قال مالك رداً على المحتجِّ المذكور: (فإن ذلك) الاحتجاج (ليس على ما قال) المحتج المذكور، لأن رد العتاقة ليس بشهادة النساء، بل بثبوت الدَّيْنِ (١) ((المنتقى)) (٢١٩/٥). ٦٠١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث وَإِنَّمَا مَثَلُ ذُلِكَ، الرَّجُلُ يُعْتِقُ عَبْدَهُ. ثُمَّ يَأْتِي طَالِبُ الْحَقِّ عَلَى سَيِّدِهِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ. فَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِهِ. ثُمَّ يَسْتَحِقُّ حَقَّهُ. وَتُرَدُّ بِذْلِكَ عَتَاقَةُ الْعَبْدِ. أَوْ يَأْتِي الرَّجُلُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِ الْعَبْدِ مُخَالَطَةٌ وَمُلَابَسَةٌ. على زيد، وإن لزم منه مآلاً ردُّ العتق، ومعلوم أن لزوم الشيء غير التزامه، فإن في الفقه فروعاً كثيرة في أن الشيء قد يثبت لزوماً وتبعاً، ولا يثبت أصلاً وقصداً. ثم ذكر المصنف نظائر أخر عديدة لهذا المعنى الذي ذكر من أن شهادة النساء قد تثبت أشياء تبعاً، ولا تُثْبتُها أصالة، وقد عرفت مما سبق قريباً أن هذه الفروع كلها تشكل على الذين قالوا: إن شهادة النساء تثبت المال فقط، وأما الحنفية الذين قالوا: تثبت بها الحقوق كلها غير الحدود، فلا يشكل عليهم شيء من ذلك. فقال: (وإنما مثل ذلك) أي نظير الفرع المذكور من الفرق بين إثبات الشيء بشيء أصالة، ولزومه به تبعاً (الرجل يعتق عبده، ثم يأتي) رجل آخر (طالب الحق على سيده) أي على سيد العبد فيثبت هذا الطالب حقه (بشاهد واحد) على حقه (فيحلف مع شاهده) فيقبل القاضي دعواه، ويقضي له بشاهد ويمين (ثم يستحق حقه) بقضاء القاضي (ويرد بذلك عتاقة العبد) لثبوت الدين على السيد بشاهد ويمين لكون الدين مالاً، ولزم منه رد العتاقة، مع أن العتاقة لا ترد بشاهد ويمين، وشهادة الواحد واليمين أدنى حالاً من شهادة رجل وامرأتين، ومع ذلك صار منجرّاً إلى رد العتاقة، فينجرّ إليه شهادة رجل وامرأتين أولى. (أو يأتي الرجل) عمرو مثلاً (قد كانت) كذا في النسخ المصرية، وهو الصواب، ووقع في النسخ الهندية بدله كاتب، والظاهر أنه تحريف (بينه) أي بين عمرو (وبين سيد العبد) أي وهو زيد مثلاً (مخالطة وملابسة) في الأموال، ٦٠٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث فَيَزْعُمُ أَنَّ لَهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ مَالًا. فَيُقَالُ لِسيِّدِ الْعَبْدِ: احْلِفْ مَا عَلَيْكَ مَا ادَّعَى. فَإِنْ نَكَلَ وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، حُلِّفَ صَاحِبُ الْحَقِّ. وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى سَيِّدِ الْعَبْدِ. فَيَكُونُ ذُلِكَ يَرُدُّ عَتَاقَةُ الْعَبْدِ. إِذَا ثَبَتَ الْمَالُ عَلَى سَيِّدِهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ أَيْضاً الرَّجُلُ وكون المخالطة والملابسة بينهما شرط، كما سيأتي بيانه في باب القضاء في الدعوى (فيزعم) عمرو (أن له على سيد العبد) زيد (مالاً) وليس عنده شاهد (فيقال لسيد العبد) أي لزيد: (احلف ما عليك ما اذعى) أي لا يجب عليك ما ادّعى عمرو، فإن حلف زيد برىء عما ادّعاه عليه عمرو، (فإن نكل) زيد (وأبى أن يحلف) عطف تفسير لقوله: نكل (حلف صاحب الحق) أي عمرو على ما ادعاه، (وثبت حقه) أي حق عمرو المدعي (على سيد العبد) زيد (فيكون ذلك) أي نكول زيد وحلف عمرو (يرد عتاقة العبد) مآلاً (إذا ثبت المال) لعمرو (على سيده) أي سيد العبد زيد، ولم يكن له مال غير العبد المذكور؛ لما تقدم أن عتق المديون لا ينفذ عند مالك. قال الباجي(١): أما قوله: إن العتق يُرَدُّ بنكول السيد عن اليمين، فهو قول مالك في ((الموطأ))، وكذلك وقع في ((العتبية)) و ((المجموعة))، وفي (كتاب ابن مزين)) عن ابن القاسم: لا تُرَدُّ بذلك عتاقة العبد، زاد أبو محمد في روايته، ولا بإقراره إن أقر أن عليه ديناً. وجه ذلك أن النكول من فعله، فليس له أن يرقَّ به العبد؛ لأنه رجوع في عتقه كإقراره بالدين، اهـ. وهذا الفرع أيضاً مبنيٌّ على ما اختاره الإمام مالك من أن عتق المديون لا ينفذ وما ذكر فيه من رد الحلف على المدعي سيأتي بيانه قريباً في آخر هذا الباب. (قال) مالك: (وكذلك أيضاً) أي مثل الفروع المذكورة (الرجل) أي زيد (١) ((المنتقى)) (٢١٩/٥). ٦٠٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث يَنْكِحُ الْأَمَةَ. فَتَكُونُ امْرَأَتَهُ. فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمَةِ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي تَزَوَّجَهَا فَيَقُولُ: ابْتَعْتَ مِنِّي جَارِيَتِي فُلَانَةَ. أَنْتَ وَفُلَانٌ بِكَذَا وَكَذَا دِينَاراً. فَيُنْكِرُ ذُلِكَ زَوْجُ الْأَمَةِ. فَيَأْتِي سَيِّدُ الْأَمةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنٍ. فَيَشْهَدُونَ عَلَى مَا قَالَ. فَيَثْبُتُ بَيْعُهُ. وَيَحِقُّ حَقُّهُ. وَتَحْرُمُ الْأَمَةُ عَلَّى زَوْجِهَا. وَيَكُونُ ذُلِكَ فِرَاقاً بَيْنَهُمَا. وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الطَّلَاقِ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ ذُلِكَ أَيْضاً، الرَّجُلُ يَفْتَرِي عَلَى الرَّجُلِ الْحُرِّ، فَيَقَعُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. مثلاً (ينكح الأمة) أي يتزوج أمة عمرو مثلاً (فتكون) الأمة (امرأته) أي زوجة زيد (فيأتي سيد الأمة) عمرو (إلى الرجل الذي تزوجها) أي إلى زيد (فيقول له) ويدعي أنك (ابتعت) بصيغة الخطاب أي اشتريت (مني جاريتي فلانة) يعني زوجة زيد (أنت وفلان) رجل ثالث (بكذا وكذا ديناراً) سماها (فينكر ذلك)الشراء (زوج الأمة) زيد (فيأتي سيد الأمة) عمرو (برجل وامرأتين فيشهدون على ما قال) عمرو من دعوى الشراء (فيثبت) بتلك الشهادة (بيعه) أي بيع عمرو جاريته (ويحق حقه) أي يثبت بتلك الشهادة ثمن الجارية على زيد ورجل آخر (وتحرم الأمة) حينئذٍ (على زوجها) زيد لثبوت ملكه نصف الجارية (ويكون ذلك) أي ثبوت الملك (فراقاً بينهما) أي بين زيد وزوجته، لأن الملك يفسخ النكاح. (و)معلوم أن (شهادة النساء لا تجوز في الطلاق) ومع ذلك جازت ههنا في الفرقة، لأنها كانت أصالة في المال، وهو ثبوت قيمة الجارية على زيد وشريكه، ثم انجرت إلى الفراق تبعاً. (قال مالك: ومن ذلك) القبيل (أيضاً الرجل) زيد مثلاً (يفتري على الرجل الحر) أي على عمرو مثلاً فيرميه بالزنا، ثم لا يقدر على أن يثبت الزنا بالبينة (فيقع عليه) أي على زيد (الحد) أي حدُّ الفِرية إذ لم يقدر على أن يثبت زنا ٦٠٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حدیث فَيَأْتِي رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ فَيَشْهَدُونَ أَنَّ الَّذِيِ افْتُرِيَ عَلَيْهِ عَبْدٌ مَمْلُوٌ. فَيَضَعُ ذُلِكَ الْحَدَّ عَنِ الْمُفْتَرِي بَعْدَ أَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ. وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ لَا تَجُوزُ فِي الْفِرْيَةِ . قَالَ مَالِكٌ: وَمِمَّا يُشْبِهُ ذُلِكَ أَيْضاً مِمَّا يَفْتَرِقُ فِيهِ الْقَضَاءُ، وَمَا ..... مَضَى مِنَ السُّنَّةِ، أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ. عمرو بالبينة، فيجب لذلك على زيد حد الفرية (فيأتي رجل وامرأتان فيشهدون أن الذي افتُرِي عليه) ببناء المجهول وهو عمرو (عبد مملوك) خبر أن (فيضع) كذا في المصرية، وفي الهندية: فيوضع (ذلك) أي يسقط بتلك الشهادة (الحدّ عن المفتري) أي عن زيد (بعد أن وقع عليه) ووجب عليه؛ لأنه ثبت بالشهادة المذكورة كون عمرو عبداً، ولا يجب حد الفرية على قاذف العبد (و) الحال أن (شهادة النساء لا تجوز في الفرية) وقد اعتبرت ها هنا باللزوم. (قال مالك: ومما يشبه ذلك) أي يشبه الفروع المذكورة في أن الثبوت أصالة غير الثبوت تبعاً (أيضاً مما يفترق فيه القضاء) إذ يصح فيه القضاء المذكور (وما مضى من السنة) من أن شهادة النساء لا تعتبر في غير الأموال (أن المرأتين تشهدان على استهلال الصبي) أي على خروجه حياً من بطن أمه، فتثبت بشهادتهما حياة الصبي. قال الموفق(١): لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في قبول شهادة النساء المفردات في الجملة، والذي تقبل فيه شهادتهن منفردات خمسة أشياء: الولادة والاستهلال، والرضاع، والعيوب تحت الثياب، كالرتق والبكارة وغيرهما، [وانقضاء العدة] وعن أبي حنيفة لا تقبل شهادتهن منفردات على الرضاع؛ لأنه يجوز أن يطلع عليه محارمُ المرأة من الرجال، فلم يثبت بالنساء منفردات. ولنا، حديث قصة أم يحيى بنت أبي إهاب متفق عليه، وإذا ثبت هذا (١) («المغني)) (١٤ / ١٣٤). ٦٠٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حدیث فَيَجِبُ بِذَلِكَ مِيرَاتُهُ حَتَّى يَرِثَ. وَيَكُونُ مَالُهُ لِمَنْ يَرِثُهُ. إِنْ مَاتَ الصَّبِيُّ. وَلَيْسَ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ. اللَّتَيْنِ شَهِدَتَا، رَجَلٌ وَلَا يَمِينٌ. وَقَدْ يَكُونُ ذُلِكَ فِي الْأَمْوَالِ فكل موضع قلنا: تقبل فيه شهادة النساء المنفردات، فإنه تقبل فيه شهادة المرأة الواحدة، وعن أحمد رواية أخرى: لا تقبل فيه إلا امرأتان، وهو قول الحكم وابن أبي ليلى وابن شبرمة، وإليه ذهب مالك والثوري، وقال عثمان البتي: يكفي ثلاث؛ لأن كل موضع قبل فيه النساء كان العدد ثلاثة، كما لو كان معهن رجل، وقال عطاء والشعبي وقتادة والشافعي وأبو ثور: لا يقبل فيه إلا أربع؛ لأنه وَله قال: شهادة امرأتين بشهادة رجل، ولنا، حديث قصة أم يحيى المذكور، اهـ مختصراً بتغير. وفي ((الهداية))(١): تقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة، وأما شهادتهن على استهلال الصبي لا تقبل عند أبي حنيفة في حق الإرث؛ لأنه مما يطلع عليه الرجال إلا في حق الصلاة؛ لأنها من أمور الدين، وعندهما تقبل في حق الإرث أيضاً؛ لأنه صوت عند الولادة، ولا يحضرها الرجال عادة، فصار كشهادتهن على نفس الولادة، اهـ. وعُلِمَ من ذلك أن شهادة المرأتين منفردة تكفي في استهلال الصبي (فيجب بذلك) أي باستهلاله (ميراثه) أي كونه وارثاً (حتى يرث) الصبي بشهادتهما (ويكون ماله) أي مال الصبي (لمن يرثه إن مات الصبي) بعد الاستهلال (وليس مع المرأتين) المذكورتين (اللتين شهدتا) ههنا في استهلال الصبي (رجل ولا يمين) للمدعي ومع ذلك اعتبرت شهادتهما مآلاً في الميراث. (وقد يكون ذلك) أي اعتبار شهادتهما منجراً إلى الميراث (في الأموال (١) (١١٧/٢). ٦٠٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث الْعِظَامِ. مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ. وَالرِّبَاعِ وَالْحَوائِطِ وَالرَّقِيقِ. وَمَا سِوَى ذُلِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ. وَلَوْ شَهِدَتِ امْرَأَتَانِ عَلَى دِرْهَم وَاحِدٍ. أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذُلِكَ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَقْطَعْ شَهَادَتُهُمَا شَيْئاً. وَلَمْ تَّجُزْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا شَاهِدٌ أَوْ يَمِينٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا تَكُونُ الْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ الْواحِدِ. وَيَحْتَجُّ العظام) أي الكثيرة (من الذهب والورق) أي الفضة (والرباع) أي المنازل (والحوائط) أي البساتين (والرقيق) أي العبيد (وما سوى ذلك) أي غير ما ذكر (من الأموال) كالدواب والأمتعة (ولو شهدت امرأتان) منفردتان أصالة (على درهم واحد أو أقل من ذلك) أي أقل من الدرهم الواحد (أو أكثر) من ذلك (لم تقطع) ولم تثبت (شهادتهما شيئاً) كذا في النسخ المصرية، وهو أوضح عبارة، وفي النسخ الهندية بدله ((لم يقطع بشهادتهما شيئاً)) (و)ذلك لأنه (لم يجز) شهادتهما في المال أصالة (إلا أن يكون معهما شاهد) رجل (أو يمين) المدعي بدل الرجل عند الإمام مالك خاصة. قال الموفق(١): لا تقبل شهادة امرأتين ويمين المدعي، وبه قال الشافعي، وقال مالك: يقبل ذلك في الأموال؛ لأنهما في الأموال أقيمتا مقام الرجل، فحلف معهما كما يحلف مع الرجل، ولنا، أن البينة على المال إذا خَلَتْ من رجل لم تقبل كما لو شهد أربعُ نسوة، وما ذكره يبطل بهذه الصورة، فإنهما لو أقيمتا مقام رجل من كل وجه، لكفى أربع نسوة مقام رجلين، اهـ. (قال مالك: ومن الناس من يقول) وتقدم في أول الباب مذهب من أنكر الشاهد واليمين (لا تكون اليمين مع الشاهد الواحد) حجة، ولا يقضى بهما في شيء من الأشياء (ويحتج) هذا المنكر. وهذا احتجاج الإمام البخاري في (١) «المغني)) (١٣٢/١٤). ٦٠٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث بِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَقَوْلُهُ الْحَقُّ - ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمٌّ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ يَقُولُ: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنٍ فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَلَا يُحَلَّفُ مَعَ شَاهِدِهِ. قَالَ مَالِكٌ: فَمِنَ الْحُجَّةِ عَلَى مَنْ قَالَ ذُلِكَ الْقَوْلَ، أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلِ مَالًا. أَلَيْسَ يَحْلِفُ الْمَطْلُوبُ مَا ذُلِكَ الْحَقُّ عَلَيْهِ. فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذُلِكَ عَنْهُ. وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ حُلِّفَ صَاحِبُ الْحَقِّ ((صحيحه)). وقد احتجَّ بذلك غيره أيضاً (بقول الله تبارك وتعالى) الآتي نظمه (وقوله) تعالى (الحق) جملة معترضة (﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ﴾) أي أشهدوا والسين والتاء زائدتان (﴿شَهِيدَيْنِ﴾﴾ أي شاهدين (﴿مِن رِجَالِكُمٌّ فَإِن لَّمْ يَكُونَا﴾) أي الشاهدان (﴿رَجُلَيْنِ﴾) جامعي شرائط الشهادة (﴿فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾) مبتدأ محذوف الخبر أي يشهدون (﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾) لدينه وعدالته. (يقول) هذ المحتج المذكور في احتجاجه: (فإن لم يأت) أحد (برجل وامرأتين فلا شيء له) في ثبوت دعواه (ولا يحلف مع شاهده) لظاهر الآية فإنها تدل على أنه إن عدم الرجلان، فلا يجزىء إلا رجل وامرأتان والزيادة في النص عندهم نسخ. (قال مالك: فمن الحجة) التي ترد (على من قال ذلك القول) المذكور الذي احتج به المحتج المذكور (أن يقال له: أرأيت) أي أخبرني (لو أن رجلاً) أو امرأة (ادعى على رجل) آخر (مالاً) وليس عند المدعي شهادة ما (أليس يحلف المطلوب) أي المدعى عليه (ما ذلك الحق) أي ليس الحق الذي ادعى به المدعي (عليه) أي على المدعى عليه (فإن حلف) المدعى عليه (بطل ذلك) أي سقط دعوى المدعي (عنه) أي عن المدعى عليه بإجماع الأمة (وإن نكل) وأبى المدعى عليه (عن اليمين) فلا يحلف (حلف صاحب الحق) أي المدعي ٦٠٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث إِنَّ حَقَّهُ لَحَقُّ. وَثَبَتَ حَقُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَهُذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. وَلَا بِبَلَدٍ مِنَ الْبُلْدَانِ. (إن حقه) الذي ادعى به (لحقٌ) ثابت (وثبت حقه) أي لزم حق المدعي بهذا الحلف (على صاحبه) أي على المدعى عليه (فهذا) الذي قلنا في الاحتجاج (ما لا اختلاف فيه عند أحد من الناس ولا) اختلاف فيه (ببلد من البلدان). يُشْكل على ما قال الإمام من نقل الاتفاق والإجماع بدون خلاف أحد من الناس، أن رد اليمين على المدعي ليس بمجمع عليه، بل فيه اختلاف وسيعٌ، ولذا قال الحافظ في ((الفتح))(١): أما احتجاج مالك في ((الموطأ)) بأن اليمين تتوجه على المدعي عند النكول، فإذا حلف ثبت الحق بغير خلاف، فيكون حلف المدعي، ومعه شاهد آخر أولى فهو متعقبٌ، ولا يرد على الحنفية؛ لأنهم لا يقولون برد اليمين، اهـ. قلت: وأجيب عن ذلك بأجوبة؛ أوجهها عندي أن بيان الاتفاق والإجماع عن الإمام مالك متعلق بالجزء الأول فقط، وهو حلف المدعى عليه إذا لم يكن للمدعي شاهد، وأما ذكر الجزء الثاني وهو ردُّ اليمين إلى المدعي عند نكول المدعى عليه، فذكره تبعاً واستطراداً وتكميلاً لتصوير البينة. قال الباجي(٢): وحاصل الجواب أن من ادّعى على رجل مالاً، فإن المطلوب يحلف ما ذلك الحق عليه، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأئمة، وليس هذا في كتاب الله، وأما قوله بعد ذلك: فإن نكل المدعي ليس مما لا اختلاف فيه، فإن أبا حنيفة وأكثر الكوفيين لا يرون ردَّ اليمين على المدعي بنكول المدعى عليه، فيحتمل أن يريد بقوله: إنه لا خلاف فيه ببلد من البلدان إيجاب اليمين على المنكر دون رد اليمين على المدعي، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٣٨٢/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٢١/٥). ٦٠٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث وقال ابن عبد البر(١): مذهب الكوفيين أن المدعى عليه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالحق دون رد اليمين على المدعي، ولا يظن بمالك مع علمه باختلاف ما مضى أنه جهل ذلك، وإنما أتى بما لا يختلف فيه كأنه قال: ومن يحكم بالنكول خاصة أحرى أن يحكم بالنكول، ويمين الطالب، ومالك كالحجازيين، وطائفة من العراقيين لا يقضي بالنكول حتى ترد اليمين، ويحلف الطالب، وإن لم يدع المطلوب إلى يمينه؛ لحديث القسامة أنه وَ ل رد فيها اليمين على اليهود إذ أبى الأنصار منها، اهـ. قلت: وتوضيح مسألة رد اليمين ما في ((المغني))(٢) إذ قال: وإن نكل من توجهت عليه اليمين عنها، وقال: لي بينةٌ أقيمها أو حساب أستثبتُه، لأحلف على ما أتيقنُ، فذكر أبو الخطّاب، أنه لا يُمْهَلُ، وإن لم يحلف، جُعِل ناكلاً، وقيل: لا يكون ذلك نكولاً، ويمهل مدة قريبة وإن قال: ما أريد أن أحلف، أو سكت، فلم يذكر شيئاً نظرنا في المُدَّعَى، فإن كان مالاً، أو المقصود منه المالُ، قضي عليه بنكوله، ولم تُرَدَّ اليمينُ على المُدَّعِي، نص عليه أحمد، فقال: أنا لا أرى رَدَّ اليمين، وبهذا قال أبو حنيفة، واختاره أبو الخطاب أنّ له رَدَّ اليمين على المدَّعي، قال: وقد صوّبه أحمد، فقال: ما هو ببعيد يحلف ويستحقُّ، وقال: هو قول أهل المدينة، وروي ذلك عن علي - رضي الله عنه -، وبه قال شريح والشعبي والنخعي وابن سيرين ومالك - رحمهم الله - في المال خاصة. وقاله الشافعي في جميع الدعاوي؛ لما رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي وَلّر رد اليمين على طالب الحق، رواه الدارقطني(٣)، وقال ابن أبي ليلى: لا أدعه حتى يُقرّ أو يحلف، ولنا، قوله وَله: ((ولكن اليمين على (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٣٩٤/٣). (٢) (٢٣٣/١٤). (٣) ((سنن الدارقطني)) (٢١٣/٤). ٦١٠ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حدیث فَبَأَيِّ شَيْءٍ أَخَذَ هُذَا؟ جانب المدعى عليه))، فحصرها في جانب المُدعى عليه، وقوله: ((البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه»، فجعل جنس اليمين في جنبة المدعى عليه، كما جعل جنس البينة في جنبة المدعي، وقال أحمد: قدم ابن عمر - رضي الله عنه - إلى عثمان في عبد له فقال له: احلف أنك ما بعته وبه عيب علمت، فأبى ابن عمر - رضي الله عنه - أن يحلف فرد العبد عليه، ولم يرد اليمين على المدعي، ولأنها بينة في المال، فحكم فيها بالنكول، كما لو مات من لا وارث له فوجد الإمام في دفتره ديناً له على إنسان، فطالبه به، فأنكره، وطلب منه اليمين، فأنكره، فإنه لا خلاف أن اليمين لا ترد. وقد ذكر أصحاب الشافعي في هذا أنه يقضى بالنكول في أحد الوجهين، وفي الآخر يحبس المدعى عليه حتى يقر أو يحلف، والخبر لا تعرف صحته ومخالفة ابن عمر - رضي الله عنهما - له في القصة التي ذكرناها تدل على ضعفه، فإنه لم يرد اليمين على المدعي، ولا ردها عثمان، فعلى هذا إذا نكل عن اليمين قال له الحاكم: [إن] حلفت وإلا قضيت عليك ثلاثاً، فإن حلف وإلا قضى عليه، وعلى القول الآخر يقول: لك رد اليمين على المدعي، فإن ردها، حلف، وقضى له، وإن نكل عن اليمين سئل عن سبب نكوله، فإن قال: لي بينة أقيمها، أو حساب أستثبته لأحلف على ما أتيقنه أخرت الحكومة، وإن قال: ما أريد أن أحلف سقط حقه من اليمين، اهـ. (فبأي شيء) من الآية المذكورة (أخذ) المحتج المذكور (هذا) الذي ادعاه من إنكار الشاهد واليمين، قال الزرقاني(١) قيل: أخذه من حديث الأشعث بن قيس كان بيني وبين رجل خصومة فاختصمنا إلى النبي وَل18 فقال: ((شاهداك أو يمينه))، الحديث في ((الصحيحين)) وروى وائل بن حجر نحو هذه القصة، وزاد فيها ((ليس لك إلا ذلك)) رواه مسلم وأصحاب السنن. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٤/٣). ٦١١ ٣٨ - كتاب الأقضية (٤) باب (١٤٣٢) حديث أَوْ فِي أيِّ مَوْضِع مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَجَدَهُ؟ فَإِنْ أَقَرَّ بِهِذَا فَلْيُقْرِرْ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذُلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَأَنَّهُ لَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ. ففي الحصر دليل على رد اليمين والشاهد أجيب بأن المراد بقوله اليه : (شاهداك)) بينتك، سواء كانت رجلين أو رجلاً وامرأتين أو رجل ويمين الطالب، وإنما خص الشاهدين بالذكر؛ لأنه الأكثر الأغلب، وإلا لزم رد الشاهد والمرأتين؛ لأنه لم يذكر، فدل على أن لفظ الشاهدين غير مراد، بل المراد هما أو ما يقوم مقامهما، اهـ. وتقدم الجواب عنه في كلام الموفق قريباً من جعل البينة في جنبة المدعي، واليمين في جنبة المدعى عليه، وأيضاً جعل في الحديث اليمين مقابلاً للبينة، فكيف يكون داخلاً فيها، فإن مؤدى قوله وَ له: ((أو يمينك)) أنه إن لم تكن البينة لك فاليمين عليه. (أو في) بلفظ أو في النسخ المصرية والواو في الهندية (أي موضع) من المواضع الأخر (من كتاب الله) المجيد (وجده) المحتج، هكذا في نسخة الزرقاني، وهو واضح، وفي عامة النسخ المصرية والهندية بلفظ ((أو في أي كتاب الله وجده))، والمعنى أو في أي كتاب من كتب الله وجده، وهذا أشد إنكاراً من السياق الأول؛ لأنه ليس كتاب آخر من كتبه تعالى غير القرآن المجيد. (فإذا أقر) واعترف المحتج (بهذا) يعني إذا اعترف بأنه لم يجد في كتاب الله القضاء بحلف المطلوب، ومع ذلك أجمعوا على الاعتبار به (فليقر) بالإدغام في النسخ الهندية وبلفظ فليقرر بفك الإدغام في النسخ المصرية، وجعلهما الزرقاني أيضاً نسختين (باليمين مع الشاهد) أيضا (وإن لم يكن) وصلية (ذلك في كتاب الله) لأنه أيضاً زيادة على كتاب الله تعالى لا نسخ له، كما أن الاعتبار بحلف المطلوب زيادة على كتاب الله تعالى لم يتناوله الكتاب (وأنه ليكفي من ذلك) في الاحتجاج على اعتبار الشاهد واليمين (ما مضى من السنة) من أن رسول الله وَل قضى باليمين والشاهد. ٦١٢ ٣٨ - كتاب الأقضية (٥) باب وَلْكِنِ الْمَرْءُ قَدْ يُحِبُّ أَنْ يَعْرِفَ وَجْهَ الصَّوَابِ وَمَوْقِعَ الْحُجَّةِ. فَفِي لهُذَا بَيَانُ مَا أَشْكَلَ مِنْ ذُلِكَ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَىَ. (٥) باب القضاء فيمن هلك وله دين، وعليه دين، له فيه شاهد واحد قَالَ يَحْيَى، قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَهْلِكُ وَلَهُ دَيْنٌ، عَلَيْهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاسِ، لَهُمْ فِيهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ. فَيَأْبَى وَرَثَتُهُ أَنْ يَحْلِفُوا عَلَى حُقُوقِهِمْ (ولكن المرء قد يحب) بالحاء المهملة في جميع النسخ المصرية والهندية فهو بضم أوله وكسر ثانيه (أن يعرف وجه الصواب) من الأحكام (و) يعرف (موقع الحجة) من القرآن والحديث معاً، ولا يترك الأحاديث قائلاً بأنه لم يجد هذا الحكم في القرآن، فكم من أحكام لا توجد في القرآن المجيد، بل توجد في الأحاديث الصحيحة الشهيرة (ففي هذا) الذي قررنا (بيان) واضح وحجة تامة (لما أشكل) ببناء المجهول على ما أعرب في النسخ المصرية، أي لما أورد من الإشكال في إثبات القضاء باليمين والشاهد. (إن شاء الله تعالى) زاده للتبرك، ومن لم يقل بذلك يقول أيضاً: إنه أخذه بالأحاديث الشهيرة القولية في ذلك، وقضاؤه وَل# باليمين والشاهد واقعة حال لا عموم لها، مع ما فيه من الاحتمالات التي تقدمت فيما سبق والبسط في المطولات. (٥) القضاء فيمن هلك وله دين، وعليه دين، له فيه شاهد واحد (القضاء فيمن هلك) أي مات (وله دين) على الناس (وعليه دين) أيضاً لناس آخرين (له) أي للميت (فيه) أي في الدين المذكور (شاهد واحد) لا غير فكيف القضاء بذلك. (قال مالك في الرجل يهلك) أي يموت (وله دين على رجل عليه) أي على دينه (شاهد واحد وعليه) أي على الميت أيضاً (دين للناس لهم) أي للغرماء (فيه شاهد واحد فيأبى) أي تمتنع (ورثته أن يحلفوا على حقوقهم) أي ٦١٣ ٣٨ - كتاب الأقضية (٥) باب مَعَ شَاهِدِهِمْ. قَالَ: فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ حُقُوقَهُمْ. فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ لَمْ يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ مِنْهُ شَيْءٌ. وَذُلِكَ أَنَّ الْأَيْمَانَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ قَبْلُ، فَتَرَكُوهَا. إِلَّا أَنْ يَقُولُوا لَمْ نَعْلَمْ لِصَاحِبِنَا فَضْلًا. وَيُعْلَمُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا تَرَكُوا الْأَيْمَانَ مِنْ أَجْلِ ذُلِكَ. فَإِنِّي أَرَى أَنْ يَحْلِفُوا وَيَأْخُذُوا مَا بَقِي بَعْدَ دَيْنِهِ . على أموال مورثهم التي على الغرماء (مع شاهدهم) الواحد (قال مالك: فإن الغرماء) أي الذين لهم دين على الميت (يحلفون) مع الشاهد (ويأخذون حقوقهم) أي يستوفون دينهم عن الذين عليهم دين الميت. (فإن فضل فضل) أي بقي شيء من المال بعد استيفاء الذين لهم دين على الميت (لم يكن للورثة منه) أي من الفضل (شيء، وذلك) أي وجه عدم استحقاقهم (أن الأيمان قد عرضت عليهم) أي على الورثة (قبل) أي قبل الغرماء (فتركوها) أي نكلوا عن الأيمان، قال الزرقاني: قال ابن زرقون: لا أعلم خلافاً في المذهب إذا كان في الحق فضل أن تبدأ الورثة باليمين، فإن لم يكن فيه فضل، فقال مالك: تبدأ الورثة، وقال محمد وسحنون: تبدأ الغرماء، اهـ. (إلا أن يقولوا) الورثة إنا نكلنا عن الأيمان أولاً؛ لأنا (لم نعلم) أولاً أن (لصاحبنا) أي لمورثنا (فضلاً) في المال بعد استيفاء الغرماء. (ويعلم) ببناء المجهول أي يظهر صدق قولهم ذاك، ويتحقق (أنهم إنما تركوا الأيمان) أولاً (من أجل ذلك) الذي قالوه، قال مالك: (فإني أرى أن يحلفوا) أي الورثة بعد النكول أيضاً (ويأخذوا ما بقي) من الفضل (بعد دينه) أي بعد أداء دين الميت، قال الزرقاني(١): وروى عنه ابن وهب أن لهم ذلك مطلقاً، اهـ. وبسط الباجي (٢) في فروع هذا الباب، وذكر اختلاف أصحابهم في تبدئة الورثة أو الغرماء، فارجع إليه . (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٢٤/٥). ٦١٤ ٣٨ - كتاب الأقضية (٦) باب (١٤٣٣) حدیث (٦) باب القضاء في الدعوى ٨/١٤٣٣ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ، عَنْ جَمِيلٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وقال الموفق (١): إن الرجل إذا مات مفلساً وادعى ورثته ديناً له على رجل فأنكر، فأقاموا شاهداً عدلاً، وحلفوا معه، حكم بالدين للميت، ثم تقضى منه ديونه، ثم تنفذ وصاياه من الثلث، فإن أبى الورثةُ أن يحلفوا لم يكن للغريم أن يحلف مع شاهد الميت، وبهذا قال إسحاق وأبو ثور والشافعي في الجديد، وقال في القديم: للغريم أن يحلف، ويستحق، وهذا قول مالك؛ لأن حقه متعلق به، بدليل أنه لو ثبت المال قدم حقه على الورثة. ولنا، أن الدين للورثة دون الغريم، فلم يكن له أن يحلف عليه، ثم قال: وتركة الميت يثبت الملك فيها لورثته، سواء كان عليه دين أو لم يكن، نص عليه أحمد فيمن أفلس ثم مات، قال: قد انتقل المبيع إلى الورثة وحصل ملكاً لهم، وبهذا قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان الدين يستغرق التركة منع نقلها إلى الورثة، فإن كان لا يستغرقها لم يمنع انتقال شيء منها، وقال أبو سعيد الإصطخري: يمنع بقدره، وقد أومأ أحمد إلى مثل هذا، والمذهب الأول، ولهذا قلنا: إن الغريم لا يحلف على دين الميت، اهـ. ولا يتوجه هذا الباب إلى الحنفية؛ لأن مداره على إثبات المدعى بشاهد واحد مع يمين المدعي. (٦) القضاء في الدعوى يعني إن ادّعى أحد بشيء فكيف يقضى به باعتبار الشهادة ولزوم الدعوى؟ ٨/١٤٣٣ - (مالك عن جميل) بفتح الجيم وكسر الميم (ابن عبد الرحمن (١) ((المغني)) (٢١٤/١٤). ٦١٥ ٣٨ - كتاب الأقضية (٦) باب (١٤٣٣) حديث الْمُؤَذِّنِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَحْضُرُ عُمرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ. فَإِذَا جَاءَهُ الرَّجُلُ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا، نَظَرَ. فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَابَسَةٌ، أُخْلِفَ الَّذِي ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يُحَلِّفْهُ. المؤذن) المدني (أنه) أي جميلاً (كان يحضر) في مجلس الخليفة الراشد (عمر بن عبد العزيز وهو) أي عمر (يقضي بين الناس) لعله في زمن إمارته على المدينة، وقال الباجي(١): كان عمر بن عبد العزيز أميراً على المدينة، ثم كان خليفة، ويحتمل أنه كان يقضي في الحالتين، اهـ. (فإذا جاءه الرجل) المدعي (يدعي على الرجل) الآخر (حقاً) له من الحقوق (نظر) عمر (فإن كانت بينهما) أي بين الطالب والمطلوب (مخالطة أو ملابسة) وعجز الطالب عن إقامة البينة (أحلف) ببناء المجهول (الذي ادعي عليه) أي المطلوب (وإن لم يكن) بينهما (شيء من ذلك) أي شيء من الملابسة والمخالطة (لم يحلفه) أي لم يحلف المطلوب. قال الباجي: هذا قول عمر بن عبد العزيز والفقهاء السبعة بالمدينة. وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي: يستحلف المدعى عليه من غير إثبات خلطة، والدليل على ما نقوله أن مجرد الدعوى لا يوجب حكماً إلا لوجه ضرورة، وفي استحلاف المدعى عليه مضرة تلحقه، فلا يجوز أن يؤذى باليمين بمجرد الدعوى عليه إلا أن تكون ضرورة، اهـ. قال الزرقاني(٢): ذهب الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى توجه اليمين على المدعى عليه، سواء كان بينهما خلطة أم لا؛ لعموم حديث ابن عباس في ((الصحيحين)) ((أن النبي (َّل قضى باليمين على المدعى عليه))، لكن حمله مالك (١) ((المنتقى)) (٢٢٦/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٦/٣). ٦١٦ ٣٨ - كتاب الأقضية (٦) باب (١٤٣٣) حديث وموافقوه على ما إذا كانت خلطة، لئلا يتبذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مراراً في اليوم الواحد، فاشترطت الخلطة لهذه المفسدة. واستدل ابن عبد البر لذلك بقوله تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ الآيات. وقال ابن عباس: لما أتي يعقوب بقميص يوسف - عليهما السلام -، ولم ير فيه خرقاً كَذَّبَهم، وقال: لو أكله السبع لخرق قميصه، وقال الشعبي: كان في قميص يوسف - عليه السلام - ثلاث آيات، فزاد حين ألقي على وجه أبيه فارتدّ بصيراً، وهذا أصل في ثبوت الخلطة، اهـ. قال الموفق(١): إذا استعدى رجل على رجل إلى الحاكم، فيه روايتان: إحداهما: أنه يلزمه أن يستدعي خصمه، سواء علم بينهما معاملة أو لم يعلم، وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه أو لا يعامله، كالفقير يَدَّعِي على ذي ثروة وهيئة، نص على هذا في رواية الأثرم، وهو اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة والشافعي؛ لأن في تركه تضييعاً للحقوق وإقراراً للظلم، فإنه قد ثبت له الحق على من هو أرفع منه بغصب، أو يشتري منه شيئاً ولا يوفيه، أو يودعه شيئاً ولا يردّه، ولا تعلم بينهما معاملة، فإذا لم يعد عليه سقط حقه، وهذا أعظم ضرراً من حضور مجلس الحاكم، فإنه لا نقيصة فيه، وقد حضر عمر وأبيٍّ عند زيد، وحضر هو وآخر عند شريح، وحضر علي رضي الله عنه عند شريح، وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبيد الله. والرواية الثانية: لا يستدعيه إلا أن يعلم بينهما معاملة، ويتبين أن لما ادَّعاه أصلاً، رُوِي ذلك عن علي - رضي الله عنه -، وهو مذهب مالك؛ لأن في ادّعائه على كل أحد تبذيل أهل المروءات وإهانة لذوي الهيئات، فإنه لا يشاء أحد أن يبذلهم عند الحاكم إلا فعل، وربما فعل هذا من لا حق له (١) («المغني)) (٣٩/١٤). ٦١٧ ٣٨ - كتاب الأقضية (٦) باب (١٤٣٣) حديث ليفتدي المدعى عليه من حضوره وشر خصمه بطائفة من المال، والأولى أولى، لأن ضرر تضييع الحق أعظم من هذا، وللمستدعى عليه أن يُوكِّلَ من يقوم مقامه إن كره الحضور، اهـ. وفي ((المحلى)): اختلفوا في تفسير الخلطة، فقيل: هي معرفة بمعاملة ومداينة بشاهد أو بشاهدين، وقيل: يكفي الشهرة، وقيل: هي أن يليق به الدعوى بمثلها على مثله، وروى البيهقي(١) عن علي - رضي الله عنه - اليمين على المدعى عليه، إذا كان قد خالطه، فإن نكل حلف المدعي، وقال الشافعي والجمهور: اليمين متوجه على المدعى عليه، سواء كان بينهما اختلاط أم لا ، ودليلهم عموم حديث اليمين على من أنكر، ولا أصل لتلك الشروط في كتاب ولا سنّة ولا إجماع، كذا ذكره الطيبي(٢). وخص مالك من عموم هذا الحديث دعوى القصاص، فلا يجب به اليمين عنده، إلا أن يقيم على ذلك شاهداً، فيجب اليمين، ومنها دعوى النكاح على المرأة، ودعوى المرأة الطلاق ومنها العتق، اهـ مختصراً. وبسط الباجي(٣) في تفاصيل هذا الباب فقال: في ذلك أبواب ثلاثة: الأول، في الدعاوي التي يعتبر فيها الخلطة، وتمييزها من غيرها، والثاني، في تفسير معنى الخلطة، والثالث، فيما تثبت به الخلطة. أما الأول، فما تعتبر فيه الخلطة، هو المداينة، وادّعاء دين من معاوضة. وكذلك إن ادّعى عليه كفالة بحق فلا يلزمه، إن لم يكن بينهما خلطة، وأما الثاني، فالخلطة المعتبرة هي أن يسالفه مبايعة ويشتري منه مراراً، ولا تثبت بين (١) ((السنن الكبرى)) (١٨٤/١٠). (٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (٢٦٠٩/٨). (٣) ((المنتقى)) (٢٢٤/٥). ٦١٨ ٣٨ - كتاب الأقضية (٧) باب قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذَلِكَ، الْأَمْرُ عِنْدَنَا. أَنَّهُ مَنِ اذَّعَى عَلَى رَجُلٍ بِدَعْوَى، نُظِرَ. فَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُخَالَطَةٌ أَوْ مُلَّابَسَةٌ أُخْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَإِنْ حَلَفَ بَطَلَ ذُلِكَ الْحَقُّ عَنْهُ. وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ، وَرَدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي، فَحَلَفَ طَالِبُ الْحَقِّ، أَخَذَ حَقَّهُ. (٧) باب القضاء في شهادة الصبيان أهل السوق مخالطة بكون المتداعيين من أهل السوق. وأما الثالث، يعني ما تثبت به الخلطة فإقرار المدعى عليه بها والبينة تشهد بها، وقال ابن المواز: إذا أقام بالخلطة شاهداً واحداً حلف المدعي معه وتثبت به الخلطة، ثم يحلف حينئذٍ المدعى عليه، اهـ ملتقطاً . (قال مالك: وعلى ذلك) الذي ذكر من أثر عمر بن عبد العزيز (الأمر عندنا) بالمدينة المنوّرة يعني (أنه) أي الشأن أن (من ادّعى على رجل بدعوى نظر) ببناء المجهول (فإن كانت بينهما مخالطة) قال الزرقاني(١): مثل التجار ومن نصب نفسه للبيع والشراء (أو ملابسة أحلف) ببناء المجهول (المدعى عليه فإن حلف) المدعى عليه (بطل ذلك الحق) الذي ادعى به المدعي (عنه) أي عن المدعى عليه (وإن أبى) المدعى عليه (أن يحلف) على إنكار الدعوى (ورد اليمين على المدعي) على مذهب من قال برد اليمين على المدعي، كما تقدم مبسوطاً في الباب السابق (فحلف طالب الحق أخذ حقه) لأنه ثبت حقه بحلفه بعد نكول المدعى عليه، ومن لم يقل برد اليمين يثبت عنده الحق بالنكول فقط كما تقدم. (٧) القضاء في شهادة الصبيان قال الموفق(٢): يعتبر في الشاهد سبعة شروط: منها: أن يكون بالغاً، (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٥/٣). (٢) («المغني)) (١٤٥/١٤). ٦١٩ ٣٨ - كتاب الأقضية (٧) باب فلا تقبل شهادة صبيٍّ لم يبلغ بحال. يروى هذا عن ابن عباس. وبه قال القاسم وسالم وعطاء ومكحول وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري والشافعي وإسحاق، وأبو عبيد وأبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه، وعن أحمد رواية أخرى: أن شهادتهم تقبل في الجراح، إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحالة التي تجارَحُوْا عليها، وهذا قول مالك؛ لأن الظاهر صدقهم وضبطهم، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم؛ لأنه يحتمل أن يُلَقَّنوا، قال ابن الزبير: إن أخذوا عند مصاب ذلك، فبالحريّ أن يعقلوا ويحفظوا . وعن الزهري: أن شهادتهم جائزة، ويستحلف أولياء المشجوج، وذكره عن مروان، وروي عن أحمد رواية ثالثة: أنها تقبل إذا كان ابن عشر، فعلى هذه الرواية تقبل شهادتهم في غير الحدود والقصاص كالعبيد. وروي عن علي - رضي الله عنه - أن شهادة بعضهم تقبل على بعض، وروي ذلك عن شريح والحسن والنخعي. قال إبراهيم: كانوا يجيزون شهادة بعضهم على بعض فيما كان، قال المغيرة: وكان أصحابنا لا يجيزون شهادتهم على رجل ولا على عبد، والمذهب أن شهادتهم لا تقبل في شيء لقول الله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ﴾ وقال: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقال: ﴿مِمَن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ والصبي من لا يرضى، وقال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَائِمٌ قَلْبُهُ﴾ فأخبر أن الشاهد الكاتم لشهادته آثم، والصبي لا يأثم، فيدل على أنه ليس بشاهد، ولأن الصبي لا يخاف من مأثم الكذب، فَيَزَعُه عنه، ويمنعه منه، فلا تحصل الثقة بقوله، ولأن من لا يقبل قوله على نفسه في الإقرار، لا تقبل شهادته على غيره كالمجنون، يحقق هذا أن الإقرار أوسع؛ لأنه يقبل من الكافر والفاسق والمرأة، ولا تصح الشهادة منهم، ولأن من لا تقبل شهادته في المال، لا تقبل في الجراح كالفاسق، ومن لا تقبل شهادته على من ليس بمثله، لا تقبل على مثله كالمجنون، اهـ. ٦٢٠