Indexed OCR Text
Pages 481-500
٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٢) حديث الأرض، بدليل قوله: ((إذا وقعت الحدود))، الحديث. وحديث ابن أبي مليكة مرسل، لم يرو في الكتب الموثوق بها، اهـ. والجمهور على أن المراد بالحديث العقار، قال الحافظ: صدر الحديث يشعر بالعموم، وسياقه يشعر باختصاصها بالعقار. وقال الموفق: إنما أراد ما لا ينقسم من الأرض بدليل قوله: ((فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))، اهـ. وتوضيح الاستدلال كما يُفْهَمُ من كلام الباجي أن قوله ◌َّ: ((فيما لم يقسم)) يقتضي الشفعة في جنس ما يقسم، كما سيأتي في البحث الآتي، وما ينقسم على ضربين: ضربٌ ينقسم بالحدود، كالأرضين وما فيها من المباني والأشجار، وضربٌ ينقسم بغير حدود، كالمكيل والموزون والمعدود وبعض المزروع، فقوله وَّر: ((فإذا وقعت الحدود فلا شفعة)» يقتضي اختصاص تعلق هذا الحكم بما يضرب فيه الحدود دون غيره مما لا تضرب فيه، اهـ. واستدل بالحديث أيضاً على أنه لا بد للمبيع أن يكون مما يمكن قسمته. ووجه الاستدلال ما قال الباجي(١): إن ما لا يصح فيه القسمة، فإنه لا يقال فيه: ما لم يقسم؛ كما لا يقال في الإنسان: يثبت فيه حكم كذا ما لم يقسم؛ لأن ذلك يقتضي أن له حالة يقسم فيها، اهـ. وإليه أشار ابن رشد إذ قال(٢): فكأنه وَ ل قال: الشفعة فيما تمكن فيه القسمة ما دام لم يقسم، وهذا استدلال بدليل الخطاب، وقد أجمع عليه في هذا الموضع فقهاء الأمصار مع اختلافهم في صحة الاستدلال به، اهـ. والمسألة خلافية بين العلماء كما تقدم في أول الباب من كلام الموفق إذ قال(٣): الشرط الثالث: أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن (١) ((المنتقى)) (١٩٩/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٥٨/٢). (٣) ((المغني)) (٤٤١/٧). ٤٨١ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٢) حديث قسمته كالحمام الصغير، والرحى الصغيرة، والعضادة، والطريق الضيقة، والعراص الضيقة، فعن أحمد فيها روايتان، إحداهما: لا شفعة فيه، وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي، والثانية: فيها الشفعة، وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن شريح، وعن مالك كالروايتين. ووجه هذا عموم قوله وَله: (الشفعة فيما لم يقسم)) (١) وسائر الألفاظ العامة، ولأن الشفعة لإزالة ضرر المشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر؛ لأنه يتأبد ضرره، والأول ظاهر المذهب، لما رُوي عن النبيِ وَ لو أنه قال: ((لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة))(٢)، والمنقبة الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل))، وروي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: ((لا شفعة في بئر ولا الفحل))، اهـ. وسيأتي أثر عثمان - رضي الله عنه - في أول الباب الآتي. وقال الدردير(٣): الشفعة أخذ شريك عقاراً، والعقار هو الأرض، وما اتصل بها من بناء وشجر، فلا شفعة في حيوان أو عرض إلا تبعاً، وشرط العقار الذي فيه الشفعة قبوله القسمة لا إن لم يقبلها أو قبلها بفساد كالحمام، وفي ((المدونة)) الإطلاق أي أنها تكون فيما ينقسم وغيره لضرر الشركة الطارئة التي هي علة الأخذ بالشفعة، وعمل به أي حكم بعض القضاة بالشفعة فيما لا ينقسم، لكن المعول عليه هو الأول، قال الدسوقي: وهي رواية ابن القاسم عن مالك في ((المدونة))، والثاني لمالك أيضاً رواه عنه بعض أصحابه، اهـ. (١) أخرجه البخاري (٢٢١٣)، وأبو داود (٣٥١٤)، والترمذي (١٣١٢ - ١٣٧٠)، وابن ما جه (٢٤٩٩). (٢) أخرجه بنحوه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٧٨/٨). (٣) ((الشرح الكبير)) (٤٧٦/٣). ٦ ٤٨٢ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٢) حديث فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ بَيْنَهُمْ، فَلَا شُفْعَةً فِيهِ . وفي ((الهداية)) (١): الشفعة واجبة في العقار، وإن كان مما لا يقسم، وقال الشافعي: لا شفعة فيما لا يقسم، لأن الشفعة إنما وجبت دفعاً لمؤنة القسمة. وهذا لا يتحقق فيما لا يقسم، ولنا، قوله ◌َلي: الشفعة في كل شيء عقار أو ربع إلى غير ذلك من العمومات، ولأن الشفعة سببها الاتصال في الملك، والحكمة دفع ضرر سوء الجار، وهو ينتظم القسمين، ما يقسم وما لا يقسم، وهو الحمام والرحى والبئر والطريق، اهـ. (فإذا وقعت الحدود) جمع حد، وهو هاهنا ما تتميز به الأملاك بعد القسمة، وأصل الحد المنع. وزاد في حديث جابر عند البخاري: ((وصرفت الطرق)) بضم الصاد المهملة وكسر الراء مخففة ومثقلة أي بنيت مصارفها وشوارعها (بينهم) أي بين الشركاء (فلا شفعة فيه) استدل بذلك على مسألة أخرى خلافية بين العلماء، وهي الشفعة للجار. قال الباجي(٢): هذا نص في أن لا شفعة في مال بعد قسمته، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وسائر الكوفيين بإثبات الشفعة للجار، والدليل على ما ذهب إليه أهل المدينة قوله # المذكور، فإن الحدود واقعة بين المتجاورين، اهـ. وقال الموفق(٣): أما الجار فلا شفعة له، وبه قال عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز وابن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ويحيى الأنصاري وأبو الزناد وربيعة والمغيرة بن عبد الرحمن ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحق وأبو ثور وابن المنذر، وقال ابن شبرمة والثوري وابن أبي ليلى وأصحاب (١) (٣١٨/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٠٤/٦). (٣) ((المغني)) (٤٣٦/٧). ٤٨٣ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٢) حديث الرأي: الشفعة بالشركة، ثم بالشركة في الطريق، ثم بالجوار، وقال أبو حنيفة: يقدم الشريك، فإن لم يكن، وكان الطريق مشتركاً كدرب لا ينفذ تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب، الأقرب فالأقرب، اهـ. قال ابن رشد(١): وعمدة أهل المدينة مرسل مالك المذكور، يعني حديث الباب، وكان أحمد بن حنبل يقول: حديث معمر عن الزهري عن أبي سلمة أصحُ ما روي في الشفعة، وكان ابن معين يقول: مرسل مالك أحبّ إليّ إذ كان مالك إنما رواه عن ابن شهاب موقوفاً، وقد جعل قوم هذا الاختلاف على ابن شهاب في إسناده توهيناً له. ووجه استدلالهم من هذا الأثر ما ذكر من أنه إذا وقعت الحدود فلا شفعة، وذلك أنه إذا كانت الشفعة غير واجبة للشريك المقاسم فهي أحرى أن لا تكون واجبة للجار، وأيضاً فإن الشريك المقاسم هو جار إذا قاسم. وقال العيني(٢): وقال النخعي وشريح القاضي والثوري وعمرو بن حريث والحسن بن حي وقتادة والحسن البصري وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: تجب الشفعة في الأراضي والرباع والحوائط للشريك الذي لم يقاسم، ثم للشريك الذي قاسم، وبقي حق طريقه أو شربه، ثم للجار الملازق، وهو الذي داره على ظهر الدار المشفوعة، وبابه في سكة أخرى. وزاد ابن التركماني (٣) عن الطبري فيمن قال بشفعة الجار الشعبي وابن سيرين والحكم وطاووس، اهـ. واختلف من يقول، بالشفعة للجار فقال أصحابنا الحنفية: لا شفعة إلا (١) ((بداية المجتهد)) (٢٥٦/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٢٢/٨). (٣) ((الجوهر النقي)) (١٠٧/٦، ١٠٨). ٤٨٤ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٢) حديث للجار الملازق، وقال الحسن بن حي: للجار مطلقاً بعد الشريك، وقال آخرون: الجار الذي تجب له الشفعة أربعون داراً حول الدار، وقال آخرون: من كل جانب من جوانب الدار أربعون داراً، وقال آخرون: هو كل من صلى معه صلاة الصبح في المسجد، وقال بعضهم: أهل المدينة كلهم جيران، كذا في ((العيني))(١)، اهـ. واحتج من قال بالشفعة للجار بأحاديث رويت عن رسول الله وَ لاو صريحة في ذلك. منها؛ ما روى أبو رافع مولى رسول الله وَ له قال: سمعتُ رسول الله وَّه قال: ((الجار أحقُّ بسقبه))، أخرجه البخاري بمواضع، وأبو داود وابن ماجه وغيرهم. ومنها؛ ما رواه سمرة أن النبي ﴿ ﴿ قال: ((جار الدار أحق بالدار)). رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وأخرجه الطحاوي من ستة طرق صحاح، أحدها مرسل. ومنها؛ ما رواه الطحاوي بإسناد صحيح عن أنس أن رسول الله وَ له قال: (جار الدار أحق بالدار)) وأخرجه البزار في ((مسنده)). ومنها؛ ما روى الطحاوي بسنده إلى علي وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: قضى رسول الله ﴿ بالجوار، وأخرجه ابن أبي شيبة عنهما بلفظ ((قضى رسول الله (38 بالشفعة للجوار)). ومنها؛ ما روى عمرو بن حريث أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح مثل الذي قبله، وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفاً على عمرو بن حريث. ومنها؛ ما روى جابر قال: قال رسول الله وَ له: ((الجار أحق بشفعة جاره، فإن كان غائباً انتظر إذا كان طريقهما واحداً))، أخرجه الطحاوي من ثلاث طرق صحاح، وأخرجه أصحاب السنن الأربعة. (١) ((عمدة القاري)) (٥٢٢/٨). ٤٨٥ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٢) حديث ومنها ما روى الطحاوي بإسناده إلى عمر - رضي الله عنه - أنه كتب إلى شريح أن يقضي بالشفعة للجار الملازق، وأخرجه ابن أبي شيبة نحوه، كذا في ((العيني)) على البخاري، وبسط في الكلام على طرق هذه الروايات. ومنها؛ ما روى محمد في ((موطئه))(١) بإسناده إلى الشريد بن سويد قال: قال رسول الله وَل: ((الجار أحق بصقبه)). قال الزرقاني(٢): لو اقتصر في حديث الباب على قوله: فإذا وقعت الحدود لكان قوياً في الرد عليهم أي على القائلين بالشفعة للجوار، لكن ضم إليه ((وصرفت الطرق)). فقال الجمهور: المراد بها التي كانت قبل القسم، وقال الحنفية: المراد صرف الطرق التي يشترك فيها الجار، ويبقى النظر في أيّ التأويلين أظهر، اهـ. وفي ((الفتح)) (٣): قال عياض: لو اقتصر في الحديث على القطعة الأولى لكانت فيه دلالة على سقوط شفعة الجوار، لكن أضاف إليها صرف الطرق، والمترتب على أمرين لا يلزم منه ترتبه على أحدهما، اهـ. وقال ابن التركماني (٤): هذا الحديث مخالف لمذهبهم؛ لأنه علّق الانتفاء على أمرين: فمقتضاه لو حصلت القسمة ولم تصرف الطرق، بأن كان شريكاً في الطريق أنه يكون له الشفعة، اهـ. وقال الحافظ حكى ابن أبي حاتم عن أبيه أن قوله: فإذا وقعت الحدود إلخ. مدرج من كلام جابر، وفيه نظر؛ لأن الأصل أن كلما ذكر في الحديث (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٥٣/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٧/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٤٢٧/٤). (٤) ((الجوهر النقي)) على هامش ((السنن الكبرى)) (١٠٢/٦). ٤٨٦ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٣ - ١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ، السُّنّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا عِنْدَنَا. ٢/١٤٢٣ - قَالَ مَالِكٌ: إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنِ الشُّفْعَةِ، هَلْ فِيهَا مِنْ سُنَّةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. الشُّفْعَةُ فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ. وَلَا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ الشُّرَكَاءِ. ٣/١٤٢٤ - وحدّثني مَالِكُ: أَنَّهُ بَلَغَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، مِثْلُ ذُلِكَ. فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل، وقد نقل صالح بن أحمد عن أبيه أنه رجح رفعها، اهـ. وتعقب العيني نظر الحافظ بأن أبا حاتم إمام في هذا الفن، ولو لم يثبت عنده الإدراج فیه لما قدم على الحكم به، اهـ. (قال مالك: وعلى ذلك) أي على الذي ذكر في الحديث المرفوع من مسائل الشفعة الثلاث من كونها في العقار، ومن كونه قابلاً للقسمة، ومن نفي الشفعة للجار (السنة التي لا اختلاف فيها عندنا) بالمدينة المنوّرة، واقتصرت عامة الشراح كلام الإمام مالك هذا على نفي الشفعة للجار فقط، ولا وجه للتقصير على الواحد، إذا ما تثبت بالحديث المسائل الثلاث، وفي كلها أخذ الإمام الحديث المذكور، قال الزرقاني(١): قال أحمد: إذا اختلفت الأحاديث فالحجة فيما عمل به أهل المدينة، اهـ. ٢/١٤٢٣ - (مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب سُئِل) ببناء المجهول (عن الشفعة هل فيها من سنة) عن رسول الله وَله؟ (فقال) ابن المسيب: (نعم) ثابتة وهي أن (الشفعة) واجبة (في الدور) جمع دار (والأرضين ولا تكون) الشفعة (إلا بين الشركاء) ولا تكون للجار. ٣/١٤٢٤ - (مالك أنه بلغه عن سليمان بن يسار) أيضاً (مثل ذلك) الذي (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٨/٣). ٤٨٧ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ اشْتَرَى شِقْصاً مَعَ قَوْم فِي أَرْضٍ بِحَيَوانٍ، عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْعُرُوضِ. بلغه عن سعيد بن المسيب، وقد تقدم في كلام ((المغني)) أنه ذكر سليمان فيمن نفى الشفعة للجار. (قال مالك، في رجل اشترى شِقْصاً) بكسر المعجة وإسكان القاف وصاد مهملة أي قطعة كانت مشتركة (مع قوم) كانوا شركاء (في أرض) مثلاً (بحيوان) متعلق باشترى (عبدٍ أو وليدةٍ) أي أمة بالجر بدل من حيوان (أو ما أشبه ذلك من العروض) بيان لما، والمراد بما أشبهه: أن يكون الثمن غير مثلي. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن من اشترى شقصاً بعرض. ثم جاء الشفيع. فإن له أن يأخذه بقيمة ذلك العرض إذا كان غير مكيل ولا موزون ولا معدود، ومعنى ذلك أنه مما لا مثل له، أما إن اشتراه المشتري بمكيل أو موزون أو معدود فإنما عليه مثله، اهـ. قال الموفق(٢): إن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري بالثمن الذي استقر عليه العقد، لما روي في حديث جابر أن النبي وَ لّ قال: ((هو أحق بالثمن))، رواه أبو إسحق الجوزجاني في ((كتابه))، ولأن الشفيع إنما استحق الشقص بالبيع، فكان مستحقاً له بالثمن كالمشتري، وإذا ثبت هذا، فإنا ننظر في الثمن، فإن كان دنانير أو دراهم، أعطاه الشفيع مثله، وإن كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان، فإن الشفيع يستحق الشقص بقيمة الثمن، وهذا قول أكثر أهل العلم. وبه يقول أصحاب الرأي والشافعي. وحكي عن الحسن وسَوَّارٍ أن الشفعة لا تجب هاهنا؛ لأنها تجب بمثل الثمن، وهذا لا مثل له، فتعذر الأخذ، فلم يجب كما لو جهل بالثمن، ولنا، (١) ((المنتقى)) (٢٠٤/٦). (٢) ((المغني)) (٤٧٩/٧). ٤٨٨ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث فَجَاءَ الشَّرِيكُ يَأْخُذُ بِشُفْعَتِهِ بَعْدَ ذُلِكَ. فَوَجَدَ الْعَبْدَ أَوِ الْوَلِيدَةَ قَدْ هَلَكَا. وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ قَدْرَ قِيمَتِهِمَا. فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: قِيمَةُ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ مَائَةُ دِينَارٍ . وَيَقُولُ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ أنه أحد نوعَي الثمن، فجاز أن تثبت به الشفعة في المبيع كالمثلي، وما ذكروه لا يصح، لأن المثل يكون من طريق الصورة، ومن طريق القيمة كبدل المُتَلَف، فأما إن كان الثمن من المثليات غير الأثمان كالحبوب والأدهانُ فقال أصحابنا: يأخذه الشفيع بمثله؛ لأنه من ذوات الأمثال، فهو كالأثمان، وبه يقول أصحاب الرأي، وأصحاب الشافعي. وفي ((الهداية))(١): من اشترى داراً بعرض أخذها الشفيع بقيمته؛ لأنه من ذوات القيم، وإن اشتراها بمكيل أو موزونٍ أخذها بمثله، والعددي المتقارب من ذوات الأمثال، اهـ. وقال السرخسي: إذا اشترى داراً بعيد بعينه، فللشفيع أن يأخذها بالشفعة بقيمة العبد عندنا، وقال أهل المدينة: يأخذها بقيمة الدار إلى آخر ما بسط من دلائل الفريقين، وقد عرفت من كلام الباجي إذ قال: يأخذه بقيمة ذلك العرض، وعليه يتفرع كلام الإمام مالك الآتي من اختلافهما في قيمة العبد، فلعل السرخسي أراد غيرهم من أهل المدينة. (فجاءه الشريك) الشفيع (يأخذ) الشقص (بشفعته) هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: بأخذ شفعته بالجار في أوله وإضافة الأخذ إلى الشفعة، والمؤدى واحد (بعد ذلك) فكان الواجب عليه قيمته كما عرفت (فوجد العبد أو الوليدة) أيهما كان الثمن (قد هلكا ولا يعلم أحد قدر قيمتهما) أي لا يثبت بالبينة، فإن ثبت بها فلم يبق النزاع (فيقول المشتري:) كان (قيمة العبد أو الوليدة مائة دينار) مثلاً (ويقول صاحب الشفعة) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (١) (٣١٥/٢). ٤٨٩ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث الشَّرِيكُ: بَلْ قِيمَتُهُمَا خَمْسُونَ دِينَاراً. قَالَ مَالِكٌ: يَحْلِفُ الْمُشْتَرِي أنَّ قِيمَةَ مَا اشْتَرَى بِهِ مِائَةُ دِينَارٍ . ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ صَاحِبُ الشُّفْعَةِ، أَخَذَ أَوْ يَتْرُكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ الشَّفِيعُ بِيِّنَةٍ، أَنَّ قِيمَةَ الْعَبْدِ أَوِ الْوَلِيدَةِ دُونَ مَا قَالَ الْمُشْتَرِي. لفظ: الشريك، وهو بدل من صاحب الشفعة (بل قيمتها) أي الوليدة وكذا حكم العبد (خمسون ديناراً) مثلاً . (قال مالك: يحلف المشتري) على (أن قيمة ما اشترى به) من العبد أو غيره (مائة دينار ثم) بعد حلفه (إن شاء أن يأخذ صاحب الشفعة) أي إن شاء الشفيع أن يأخذها بما حلف (أخذ) به (أو يترك) الشفعة إن لم يرض بما حلف به المشتري (إلا أن يأتي الشفيع ببينة) أي شاهدَي عدل (أن قيمة العبد أو الوليدة) أي قيمة ما اشترى به المشتري (دون ما قال المشتري) أي أقل مما قاله. قال الزرقاني(١): فيأخذ بما شهدت به البينة، وبهذا قال الجمهور والشافعي والكوفيون؛ لأن الشفيع طالبٌ آخذٌ، والمشتري مطلوب مأخوذ، فوجب أن القول قوله بيمينه؛ لأنه مدَّعى عليه، والشفيع مدع حيث لا بينة وإلا عمل بها، قاله أبو عمر، اهـ. قلت: ما حكي من مذهب الكوفيين هو كذلك لكنه ليس عليه عندهم اليمين، كما سيأتي في كلام صاحب ((الهداية)). قال الموفق(٢): الشفيع والمشتري إذا اختلفا في قدر الثمن، فقال المشتري: اشتريته بمائة، وقال الشفيع: بل بخمسين، فالقول قول المشتري؛ لأنه العاقد فهو أعرف بالثمن، ولأن الشقص ملكه فلا ينزع من يده بالدعوى (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٨/٣). (٢) ((المغني)) (٤٨٩/٧). ٤٩٠ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَهَبَ شِقْصاً فِي دَارٍ، أَوْ أَرْضِ مُشْتَرَكَةٍ، فَأَثَابَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِهَا نَقْداً أَوْ عَرْضاً. فَإِنَّ الشُّرَكَاءَ يَأْخُذُونَهَا بِالشُّفْعَةِ إِنْ شَاؤُوا. وَيَدْفَعُونَ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ قِيمَةَ مَتُوبَتِهِ، دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ. بغير بَيِّنة، وبهذا قال الشافعي، فأما إن كان للشفيع بينة حكم بها، وكذلك إن كان للمشتري بينة حكم بها واستغني عن يمينه، وإن أقام كل واحد منهما بينة احتمل تعارضهما، فيصيران كمن لا بينة لهما، وذكر الشريف أن البينة بينة الشفيع، ويقتضيه مذهب الخرقي، وهذا قول أبي حنيفة. وقال صاحباه: البينة بينة المشتري، وإن قال المشتري: لا أعلم مبلغ الثمن، فالقول قوله؛ لأن ما يدعيه ممكنٌ لجواز أن يكون اشتراه جزافاً أو بثمن نسي مبلغه، ويحلف، فإذا حلف سقطت الشفعة؛ لأنها لا تستحق بغير بدل، فإن اشترى شقصاً بعرض واختلفا في قيمته، فإن كان موجوداً عرضاه على المقومين، وإن تعذر إحضاره، فالقول قول المشتري، كما لو اختلفا في قدر الثمن، اهـ. وفي ((الهداية))(١): إن اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول قول المشتري، ولا يتحالفان؛ لأن الشفيع إن كان يدعي عليه استحقاق الدار فالمشتري لا يدعي عليه شيئاً لتخيره بين الترك والأخذ، ولا نص هاهنا فلا يتحالفان، ولو أقاما البينة، فالبينة للشفيع عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: البينة بينة المشتري، اهـ. (قال مالك: ومن وهب شقصاً) أي قطعة كانت (في دار أو أرض مشتركة فأثابه) ضمير المفعول إلى الواهب (الموهوب له) فاعل أثاب (بها) أي بعوض الهبة (نقداً أو) أثابه (عرضاً) من العروض (فإن الشركاء يأخذونها) أي القطعة المذكورة الموهوبة (بالشفعة إن شاءوا، ويدفعون إلى الموهوب له قيمة مثوبته) أي قيمة ما أثاب به الموهوب له الواهب إن كانت المثوبة عرضاً (دنانير أو دراهم) بيان لقيمة المثوبة. (١) (٣١٤/٢). ٤٩١ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً فِي دَارٍ أَوْ أَرْضِ مُشْتَرَكَةٍ. فَلَمْ يُثَبْ مِنْهَا. وَلَمْ يَظْلُبْهَا. فَأَرَادَ شَرِيكُهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِقِيمَتِهَا. فَلَيْسَ ذُلِكَ لَهُ. مَا لَمْ يُثَبِ عَلَيْهَا. فَإِنْ أُنِيبَ، فَهُوَ لِلشَّفِيعِ بِقِيمَةِ الثَّوَابِ. (قال مالك) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، إلا في نسخة الزرقاني (ومن وهب هبة في دار أو أرض مشتركة فلم يُثَبْ) بضم أوله (منها) أي بدلها يعني لم يعط الموهوب له الواهب عوض الهبة (ولم يطلبها) أي لم يطلب الواهب المثوبة (فأراد شريكه أن يأخذها) أي الهبة المذكورة (بقيمتها) بالشفعة (فليس ذلك) جائزاً (له، ما) بمعنى ما دام (لم يثب عليها) أي لم يعط الثواب عليها (فإن أثيب) الواهب (فهو) أي الموهوب (للشفيع) إن شاء أخذها (بقيمة الثواب) الذي أخذ الواهب من الموهوب له. قال الباجي (١): الهبة تكون على ضربين: لغير الثواب وللثواب، فأما الهبة بغير الثواب، فهي كالصدقة، والظاهر من قول مالك أنه لا شفعة فيها، وفي ((مختصر ابن عبد الحكم)): اختلف قول مالك في الشفعة في شقص يوهب لغير الثواب، قال أبو محمد: فيها وفي الصدقة روايتان: إحداهما: وجوب الشفعة، والثانية: إسقاطها، وجه الثاني أنه انتقال ملك بغير عوض، فلم تثبت فيه الشفعة كالتوارث. ووجه الأول أنه انتقال ملك حال الحياة، فلم يمنع الشفعة فيه، كالهبة للثواب، وعلى هذا إذا انعقدت الهبة على غير الثواب، فأثيب فيه، ففي («المدونة»: لا شفعة فيه، ووجه ذلك أن الثواب عنها هبة مبتدأة، فكان لها حكم الثانية، وأما الهبة للثواب فالشفعة فيها ثابتة قولاً واحداً، سواء كان الثواب نقداً أو عرضاً، وهذا يقتضي الأخذ بالشفعة بعد الإثابة، وفي ((الموازية)): لا تجب الشفعة حتى يدفع الثواب أو يقضي به، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٢٠٦/٦). ٤٩٢ ٠٠ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث وهذا هو الشرط الرابع من شرائط الشفعة المتقدمة في أول الباب. قال الموفق (١): الشرط الرابع أن يكون شقصاً مُنْتقلاً بعوض، وأما المنتقل بغير عوض كالهبة بغير ثواب والصدقة والوصية والإرث، فلا شفعة فيه في قول عامة أهل العلم، منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن مالك رواية أخرى في المنتقل بهبة أو صدقة أن فيه الشفعة، ويأخذه الشفيع بقيمته، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى، لأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر الشركة، وهذا موجود في الشركة كيفما كان، والضرر اللاحق بالمُتَّهِبِ دون ضرر المشتري، لأن إقدام المشتري على شراء الشقص، وبذله ما له فيه دليلُ حاجته إليه، فانتزاعُه منه أعظم ضرراً من أخذه ممن لم يوجد منه دليل الحاجة إليه. ولنا، أنه انتقل بغير عوض أشبه الميراث، ولأن محل الوفاق هو البيع، والخبر ورد فيه، وليس غيره في معناه؛ لأن الشفيع يأخذه من المشتري بمثل السبب الذي انتقل به إليه، ولا يمكن هذا في غيره، ولأن الشفيع يأخذ الشقص بثمنه لا بقيمته، وفي غيره يأخذه بقيمته، فافترقا. فأما المنتقل بعوض فينقسم قسمين؛ أحدهما: ما عِوَضُه المال، كالبيع. فهذا فيه الشفعة بغير خلاف، وهو في حديث جابر، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، وكذلك كل عقد جرى مجرى البيع، كالصلح بمعنى البيع، والصلح عن الجنايات الموجبة للمال، والهبة المشروط فيها الثواب المعلوم، لأن ذلك بَيْعٌ تثبت فيه أحكام البيع، وهذا منها، وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: لا تثبت الشفعة في الهبة المشروط فيها ثواب حتى يتقابضا، لأن الهبة لا تثبت إلا بالقبض، فأشبهت البيع بشرط الخيار. (١) («المغني)) (٤٤٣/٧). ٤٩٣ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ اشْتَرَى شِقْصاً فِي أَرْضِ مُشْتَرَكَةٍ. بِثَمَنِ إِلَى أَجَلٍ. فَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَأْخُذَهَا ولنا، أنه يملكها بعوض، هو مال فلم يفتقر إلى القبض في استحقاق الشفعة كالبيع، ولا يصح ما قالوه من اعتبار لفظ الهبة، لأن العوض صرف اللفظ عن مقتضاه وجعله عبارة عن البيع. والقسم الثاني: ما انتقل بعوض غير المال نحو أن يجعل الشقص مهراً أو عوضاً في الخلع أو في الصلح عن دم العمد، فظاهر كلام الخرقي أنه لا شفعة فيه، وهذا قول أبي بكر. وبه قال الحسن والشعبي وأبو ثور وأصحاب الرأي، واختاره ابن المنذر، وقال ابن حامد: تجب فيه الشفعة، وبه قال ابن شبرمة والحارث ومالك وابن أبي ليلى والشافعي، اهـ. وفي ((الهداية))(١): إذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت فيه الشفعة، ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها، أو يخالع المرأة بها، أو يستأجر بها داراً، أو يصالح بها عن دم عمد، أو يعتق عليها عبداً، اهـ. وفي ((الدر المختار)) (٢): لا تثبت إلا في عقار ملك بعوض خرج الهبة، هو مال خرج المهر لا في إرث وصدقة وهبة لا بعرض مشروط، قال ابن عابدين: قوله: خرج الهبة أي التي لم يشترط فيها العوض، اهـ. وعُلِمَ من هذا أن ما حكى ابن رشد في ((البداية))(٣) من مذهب الحنفية أنه لا شفعة عندهم إلا في المبيع فقط، ليس بصحيح. (قال مالك في رجل اشترى شقصاً) أي قطعة (في أرض مشتركة بثمن) يؤديه المشتري (إلى أجل) يعني اشتراه نسيئة (فأراد الشريك) الشفيع (أن يأخذها (١) (٣١٨/٢). (٢) (٥٤٠/٦). (٣) ((بداية المجتهد)) (٢٥٩/٢). ٤٩٤ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث بالشُّفْعَةِ. قَالَ مَالِكٌ: إِنْ كَانَ مَلِيًّا، فَلَهُ السُّفْعَةُ بِذْلِكَ الثَّمَنِ إِلَى ذُلِكَ الْأَجَلِ. وَإِنْ كَانَ مَخُوفاً أَنْ لَا يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ إِلَّى ذُلِكَ الْأَجَلِ، فَإِذَا جَاءَهُمْ بِحَمِيلٍ مَلِيٍّ ثِقَةٍ مِثْلِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الشِّقْصَ فِي الْأَرْضِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَذَلِكَ لَهُ. بالشفعة، قال مالك) في الصورة المذكورة: (إن كان) الشفيع (ملياً) أي غنياً لا يخاف منه أن لا يؤدي الثمن إلى ذلك الأجل (فله الشفعة) أي يجوز له أخذها بالشفعة (بذلك الثمن) الذي اشترى به المشتري (إلى ذلك الأجل) الذي عينه المشتري (وإن كان) الشفيع (مخوفاً) بصيغة المفعول أي يخاف منه (أن لا يؤدي الثمن إلى ذلك الأجل) الذي عينه المشتري. (فإذا جاءهم) أي إلى الشركاء (بحميل) أي كفيل وضامن (ملي) غني (ثقة) يكون الشفيع والكفيل في الاعتماد (مثل الذي) أي مثل المشتري الذي (اشترى منه) أي من البائع (الشِقص في الأرض المشتركة) يعني يكون الشفيع والكفيل في الاعتماد مثل المشتري (فذلك له) أي يجوز له أخذها بالشفعة بعد أن يأتي بالكفيل المعتمد، وإن لم يأت به فلا شفعة له. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من اشترى شقصاً بثمن مؤجل، فإن الشفيع إنما يأخذه بمثل ذلك الدين إلى ذلك الأجل، لأن من حكم الشفعة إنفاذها بمثل الثمن الأول في قدره وصفته، وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس له الأخذ إلا بثمنه حالاً أو الانتظار إلى أن يحل الأجل، فيأخذه بالنقد. وقوله: إن كان ملياً فله الشفعة لما قدمناه من المماثلة، وهذا إذا تساويا في المَلاء والثقة، وإن كان المشتري أتمَّ غنىً من الشفيع وثقةً، قال أشهب في ((المجموعة))، و ((الموازية)): لم يكن الشفيع في مثل ملاء المشتري، فليأت (١) ((المنتقى)) (٢٠٨/٦). ٤٩٥ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث بحميل في مثل ثقة المشتري وملائه، وقال ابن المواز: والذي عندنا أنه ليس عليه حميل إذا كان ملياً، ثقة، وإن كان المبتاع أملأ منه. وجه القول الأول ما يلزم من التساوي في الثمنين، فكذلك في الذمتين اللتين هما محلان لهما لا سيما مع التأجيل، ويؤيد هذا التأويل قوله: يأتي بحميل ثقة مثل الذي اشترى منه الشقص، قال محمد: ولم يشترط هذا في رواية ابن القاسم، وعبد الملك عن مالك. ووجه القول الثاني أن التساوي إنما يجب بما يتعلق به الحكم، وهو المَلَاء أو العدم، فيعتبر بذلك دون التفاضل، إذ الذمم لا تكاد تتساوى، ولا تأثير لها في الأخذ بالشفعة، ولذلك لو كان الشفيع أتم ملاءة وثقة لم يؤثر ذلك في أخذه بالشفعة، اهـ. وفي ((المحلى)): وبقول مالك قال الشافعي في القديم، وهو قول أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: الراجح في مذهبه للشفيع الخيار بين أن يعجل الثمن ويأخذ الشقص المشفوع وبين أن يصبر إلى حلول الأجل، فيرد الثمن، ويأخذ الشفعة، اهـ. وقال الموفق(١): إذا كان الثمن مؤجلاً أخذه الشفيع بذلك الأجل إن كان مليئاً، وإلا أقام ضميناً مليئاً وأخذ، وبه قال مالك وإسحق، وقال الثوري: لا يأخذها إلا بالنقد حالاً، وقال أبو حنيفة: لا يأخذها إلا بثمن حالٍّ، أو ينتظر مضي الأجل ثم يأخذ، وعن الشافعي كمذهبنا، ومذهب أبي حنيفة لأنه لا يمكنه الأخذ بالمؤجل، لأنه يُفْضي إلى أن يلزم المشتري قبول ذمة الشفيع، والذمم لا تتماثل، ولا يلزمه أن يأخذ بمثله حالاً، لئلا يلزمه أكثر مما يلزم المشتري، فلم يبق إلا التخيير. (١) ((المغني)) (٧/ ٤٨٢). ٤٩٦ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ: لَا تَقْطَعُ شُفْعَةَ الْغَائِبِ غَيْبَتُهُ. وَإِنْ طَالَتْ غَيْبتُهُ. وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا حَدٌّ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الشُّفْعَةُ. ولنا: أن الشفيع تابع للمشتري في قدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفاته، ولأن في الحلول زيادة على التأجيل، فلم يلزم الشفيع، وما ذكروه من اختلاف الذمم، فإنّا لا نوجبها حتى توجد الملاءة في الشفيع أو في ضمينه بحيث يتحفظ المال، فلا يضر اختلافهما فيما وراء ذلك، اهـ وبقول مالك ومن معه قال زفر كما في ((الهداية))(١). وفيها أيضاً، ولنا أن الأجل إنما يثبت بالشرط، ولا شرط فيما بين الشفيع والبائع أو المبتاع، وليس الرضا به في حق المشتري رضا به في حق الشفيع، وليس الأجل وصف الثمن، لأنه حق المشتري، ولو كان وصفاً له لتبعه، فيكون حقاً للبائع كالثمن، وصار كما إذا اشترى شيئاً بثمن مؤجل، ثم ولّاه غيره لا يثبت الأجل إلا بالذكر كذا هذا، وقولهم: إن شاء صبر، مراده الصبر عن الأخذ، أما الطلب عليه في الحال حتى لو سكت عنه بطلت شفعته عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لقول أبي يوسف الآخر، اهـ. (قال مالك: ولا تقطع شفعة الغائب) بإضافة الشفعة إلى الغائب بالنصب مفعول لا تقطع (غيبته) مصدر مضاف إلى فاعله مرفوع على أنه فاعل لا تقطع (وإن طالت غيبته) وصلية (وليس لذلك) أي لطول غيبته (عندنا حد) معين (تقطع) إذا انتهى (إليه الشفعة). قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن الأخذ بالشفعة للشفيع ثابت ما لم يترك، أو يظهر منه ما يدل على الترك، أو يأتي من طول المدة ما يعلم منه أنه تارك للشفعة، وعند أبي حنيفة والشافعي أنها على الفور، قال مالك في (١) (٣١٥/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٠٩/٦). ٤٩٧ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث ((الموازية)) و((المجموعة)): لا تقطع شفعة الغائب غيبته ولو طالت، وإن لم يشهد في غيبته أنه على شفعته، وهذا إذا كانت غيبته بعيدة، وإن كانت قريبة، قال أشهب في الكتابين: إن كانت غيبته قريبة لا مؤنة عليه في الشخوص، فهو كالحاضر. وأما الحاضر، فقد قال القاضي أبو محمد عن مالك فيه روايتان: إحداهما: أنه لا حَدَّ لذلك، والثانية: أن له حداً، وجه الرواية الأولى قوله وَليون: (الشفعة فيما لم يقسم))، وهذا على عمومه في الأوقات، والأحوال، ومن جهة المعنى أن هذا حق متعلق بالمال وكان المشتري عالماً به، وقادراً على إزالته عن نفسه بتوقيفه، ووجه الرواية الثانية أن في ترك الشفيع على شفعته إضراراً بالمشتري، ومنعاً له من التصرف في ملكه بالعمارة والإنفاق عليه، فكان له حد ينتهي إليه يأمن المبتاع عند انقضائه الشفعة. فإذا قلنا بتحديد المدة فقد روى ابن القاسم عن مالك: السنة والسنتان قريب، وروى ابن الماجشون عن مالك: لا يقطع الشفعة مضيُّ السنة إلا أن يوقف، وقال: لا أرى الخمس سنين طولاً، وروي عن أصبغ هو على شفعته السنتين ونحو ذلك، فإذا قلنا بالسنة، وهو الأكثر من قول أصحابنا العراقيين، فوجه ذلك أن السنة جعلت قدراً لقطع الأعذار في الغيبة وغيرها، فإذا قلنا بالسنة فهل يكون لما قرب منها حكمها، قال أشهب: إذا غربت الشمس من آخر يوم السنة فلا شفعة له، وروى أشهب عن مالك السنة قريب، وهذا يقتضي نفي هذا التقدير، وقال ابن ميسر: ما قارب السنة دخل في حكمها، اهـ. قال الزرقاني(١): فأما إن كان حاضراً فهل حقه باقٍ مطلقاً حتى يصرح بالإسقاط وهو قول مالك، قال الأبهري: وهو القياس لأنه حق ثابت له فلا (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٩/٣). ٤٩٨ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث يبطله سكوته، أو لا شفعة له بعد سنة رواه أشهب عن مالك وبالغ فيه حتى قال: إذا غربت الشمس من آخر أيام السنة فلا شفعة، لكن المعتمد مذهب المدونة أن ما قاربها له حكمها، وفيه أنه الشهر والشهران أو ثلاثة أشهر أو أربع خلاف، اهـ. وتقدم في أول الباب من كلام ابن رشد أن العلماء أجمعوا على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع شريكه، قال: واختلفوا إذا علم، وهو غائب، فقال قوم: تسقط شفعته، وقال قوم: لا تسقط، وهو مذهب مالك، والحجة له ما روي عن النبي وَل في حديث جابر أنه قال: ((الجار أحق بصقبه، ينتظر بها إذا كان غائباً))، اهـ. وقال الموفق(١): الصحيح في المذهب أن حق الشفعة على الفور إن طالبَ بها ساعة يعلم بالبيع، وإلا بطلت، نص عليه أحمد، وهذا قول ابن شبرمة والبتّي والأوزاعي وأبي حنيفة والعنبري والشافعي في أحد قوليه، وحكي عن أحمد رواية ثانية أن الشفعة على التراخي لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى، وهذا قول مالك وقول للشافعي إلا أن مالكاً قال: تنقطع بمضي سنة، وعنه بمضي مدة يُعْلَمُ أنه تارٌ لها، وحكي عن ابن أبي ليلى والثوري أن الخيار مُقَدَّرٌ بثلاثة أيام، وهو قول الشافعي، لأن الثلاث حد بها خيار الشرط، فصلحت حداً لهذا الخيار. ولنا، ما روى ابن البيلماني عن أبيه عن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله: ((الشفعة كحلِّ العقال))، وفي لفظ أنه قال: ((الشفعة كنشطَةٍ العقال، إن قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ، وإن تُرِكَتْ فاللَّومُ على من تركها))(٢)، وروي عن (١) («المغني)) (٧/ ٤٥٣). (٢) أخرجه ابن ماجه، في باب طلب الشفعة (٨٣٥/٢)، والبيهقي في (السنن الكبرى)) (٦/ ١٠٨). ٤٩٩ ٣٧ - كتاب الشفعة (١) باب (١٤٢٤) حديث النبي وَّر ((الشفعة لمن واثبها))، رواه الفقهاء في كتبهم، ولأنه خيار لدفع الضرر عن المال، فكان على الفور، كخيار الرد بالعيب، ولأن إثباته على التراخي يضر بالمشتري لكونه لا يستقر ملكه على المشتري، ويمنعه من التصرف بعمارة خشية أخذه منه، والتحديدُ بثلاثة أيام تَحُكُّمٌ، لا دليل عليه، ثم هو باطل بخيار . الرد بالعيب. وإذا تقرر هذا فقال ابن حامد: يتقدر الخيار بالمجلس، وهو قول أبي حنيفة، فمتى طالب في مجلس العلم ثبتت الشفعة وإن طال، لأن المجلس كله في حكم حالة العقد بدليل أن القبض فيه لما يشترط فيه القبض كالقبض حالة العقد، وظاهر كلام الخرقي أنه لا يتقدر بالمجلس، بل متى بادر، فطالب عقيب علمه، وإلا بطلت، وهذا ظاهر كلام أحمد وقول للشافعي لما ذكرنا من الخبر. وعلى هذا فمتى أخر المطالبة عن وقت العلم لعذر بطلت شفعته، ثم قال: والغائب له شفعة في قول أكثر أهل العلم، روي ذلك عن شريح والحسن وعطاء، وبه قال مالك والليث والثوري والأوزاعي والشافعي والعنبري وأصحاب الرأي، وروي عن النخعي ليس للغائب شفعة، وبه قال الحارث العكلي والبتّ، إلا للغائب القريب، لأن إثبات الشفعة له يضر بالمشتري. ولنا، عموم قوله وَله: ((الشفعة فيما لم يقسم))(١)، وسائر الأحاديث، وإذا ثبت هذا، فإنه إذا لم يعلم بالبيع إلا وقت قدومه فله المطالبة، وإن طالت غيبته، لأن هذا الخيار يثبت لإزالة الضرر عن المال، فتراخي الزمان قبل العلم لا يسقطه كالرد بالعيب، ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر في أنه إن طالب على الفور استحق وإلا بطلت شفعته. (١) تقدم تخريجه في: (٤٨٢). ٥٠٠