Indexed OCR Text
Pages 441-460
٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث كِرَاؤُهَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ. وَمَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنْ الْأَثْمَانِ الْمَعْلُومَةِ. قَالَ: فَأَمَّ الرَّجُلُ الَّذِي يُعْطِي أرضه الْبَيْضَاءَ، بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُع مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُهُ الْغَرَرُ. لِأَنَّ الزَّرْعَ يَقِلُّ مَرَّةً وَيَكْثُرَّ مَرَّةً. وَرُبَّمَا هَلَكَ رَأْساً. فَيَكُونُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَدْ تَرَكَ كِرَاءً مَعْلُوماً يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ بِهِ. وَأَخَذَ أمْراً غَرَراً. لَا يَدْرِي أَيَتِمُّ أَمْ لَا؟ فَهَذَا مَكْرُوهٌ. أي لمالك الأرض (كراؤها بالدنانير والدراهم وما أشبه ذلك من الأثمان المعلومة) كالفلوس الرائجة غير الطعام عند مالك، فإنه لا يجوز كراؤها به عنده، كما سيأتي في الباب الآتي، وهذا مبنيٌ على مذهب الإمام مالك من عدم جواز المزارعة بالثلث والربع وغيرهما، وجواز المساقاة على ذلك. واستدل مالك على عدم الجواز بما حاصله، أن الأرض يجوز كراؤها بالأثمان فلم تبق الحاجة إلى مساقاتها بالثلث والربع (قال) مالك: (فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث أو الربع) أو بغيرهما (مما يخرج منها) أي من الأرض (فذلك مما يدخله الغرر) أي الخطر، فهذا لا يجوز (لأن الزرع يَقِلُّ مرة ويكثر أخرى) فهذا غرر (وربما هلك رأساً) أي هلك الزرع كله فهو أشدُّ غرراً (فيكون صاحب الأرض) البيضاء إذا أعطاها بالثلث والربع (قد ترك كراءً معلوماً) متعيناً، وهو الكراء بالعين وغيرها (يصلح) ويجوز (له أن يكري أرضه به) أي بالكراء المعلوم (وأخذ) بدله (أمراً غرراً) لا يدري أيخرج من الأرض شيء أم لا؟ و(لا يدري أيتم) غرضه (أم لا؟ فهذا مكروه) أي حرام عند مالك. قال الزرقاني(١): وقد نهى رسول الله وَ ل عن المخابرة، وهي كراء الأرض بجزء مما يخرج، اهـ. قلت: وسيأتي اختلاف الأئمة في المزارعة في الباب الآتي. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٠/٣). ٤٤١ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث وَإِنَّمَا ذُلِكَ مَثَلُ رَجُلِ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً لِسَفَرٍ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ. ثُمَّ قَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ: هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ عُشْرَ مَا أَرَبَحُ فِي سَفَرِي هُذَا إِجَارَةً لَكَ؟ فَهُذَا لَا يَحِلُّ وَلَا يَنْبَغِي. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِرَجُلِ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ ولَا أرضه وَلَا سَفِينَتَهُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَعْلُوم لَا يَزُولُ إِلَى غَيْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمُسَاقَاةِ فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ، أَنَّ صَاحِبَ النَّخْلِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَصَاحِبُ (وإنما مثل ذلك) أي مثال الذي يعطي أرضه على الثلث والربع (مثل رجل استأجر أجيراً لسفر) مثلاً (بشيء معلوم) متعين من الأجرة (ثم قال الذي استأجر) أي المستأجر (الأجير: هل لك أن أعطيك) في الأجرة (عشر ما أربح في سفري هذا) بدل الأجرة المذكورة (إجارةً لك) تمييزٌ أي على سبيل الأجرة (فهذا لا يحل ولا ينبغي) ولا يجوز عند أحد لجهالة الأجرة. (قال مالك) هكذا في أكثر النسخ، وليس في بعضها هذا اللفظ، وهذا تكميل للكلام السابق (ولا ينبغي) ولا يجوز (لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته) ولا داره ولا شيئاً آخر (إلا بشيء معلوم) متعين (لا يزول) أي لا ينتقل (إلى غيره) من القلة إلى الكثرة وبالعكس، وبه قال الجمهور، وأجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يعطي سفينته ودابته وأرضه بجزء مما يرزقه الله قياساً على القراض، قاله الزرقاني. (قال مالك) هكذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية، وليس في بعضها هذا اللفظ (وإنما فَرَّق) بتشديد الراء (بين المساقاة في النخل) والمساقاة (في الأرض البيضاء) إذ يجوز الأول دون الثاني (أن صاحب النخل لا يقدر على أن يبيع ثمرها حتى يبدو صلاحه) للنهي عن ذلك وحرمته إجماعاً (وصاحب ٤٤٢ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث الْأَرْضِ يُكْرِيهَا وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَا شَيْءَ فِيهَا . الأرض) يقدر على أن (يكريها وهي) أي والحال أنها (أرض بيضاء لا شيء فيها) فأباحت الضرورة الأول دون الثاني إذ لا حاجة فيها. قال الباجي(١): قوله: فالذي يعطي أرضه البيضاء بثلث ما يخرج منها أو ربعه يدخله الغرر، يريد أنه لا يجوز للرجل أن يكري أرضه البيضاء بجزء يخرج منها، وإن جاز أن يكريها في الجملة، لأن ذلك الربع لا يدرون قدره؛ لأنه يقل مرة وربما تلف جميعه، والكراء معاوضة على منافع الأرض، فلا يجوز إلا بعوض معلوم، وإنما جاز في المساقاة؛ لأنّه لا تجوز المعاوضة على منافع الثمار بشيء معلوم. والدليل على ما نقوله ما أخرجه البخاري(٢) من حديث جابر: ((كانوا يزرعونه بالثلث والربع والنصف))، فقال النبي ويلشير: ((من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فإن لم يفعل فليمسك أرضه»، ومن جهة المعنى أن هذا عوض في الإجارة مجهول، فوجب أن يكون ممنوعاً، ولا يجوز استئجارها بطعام مقدر، والدليل عليه ما أخرجه البخاري(٣) من حديث رافع عن عمه ظهير أنه قال: نهانا رسول الله وسلم عن أمر كان بنا رافقاً، قلت: ما قال رسول الله، فهو حق. قال: دعاني رسول الله وَ لقر فقال: ((ما تصنعون بمحاقلكم))؟ قلت: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير، قال: ((لا تفعلوا، ازرعوها أو أزرعوها أو أمسكوها))، قال رافع: قلت: سمعاً وطاعة، قال ابن حبيب: قال مالك: فيما نهى عنه من المحاقلة هو اكتراء الأرض بالحنطة، اهـ. قال الموفق(٤): المزارعة دفع الأرض إلى من يزرعها أو يعمل عليها (١) ((المنتقى)) (١٣٢/٥). (٢) ((صحيح البخاري)) (٢٣٤٠)، وأخرجه مسلم (١١٧٧/٣). (٣) ((صحيح البخاري)) (٢٣٣٩). (٤) ((المغني)) (٧/ ٥٥٥). ٤٤٣ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي النَّخْلِ أَيْضاً إِنَّهَا تُسَاقِي السِّنِينَ والزرع بينهما، وهي جائزة في قول كثير من أهل العلم، قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينة أهل بيت إلا ويزرعون على الثلث والربع، وزَارَعَ علي وسعد وابن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل علي، وممن رأى ذلك ابن المسيب والزهري وابن سيرين وطاووس وأبو يوسف ومحمد، وروي ذلك عن معاذ والحسن وعبد الرحمن بن يزيد، وقال البخاري: عامل عمر - رضي الله عنه - الناس على أنه إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا وكذا، وكرهها عكرمة ومجاهد والنخعي وأبو حنيفة، وروي عن ابن عباس الأمران جميعاً. وأجازها الشافعي في الأرض بين النخيل، إذا كان بياض الأرض أقل، فإن كان أكثر فعلى وجهين، ومنعها في الأرض البيضاء لرواية رافع عن بعض عمومته قال: ((نهى رسول الله وَل ل عن أمر كان لنا نافعاً))، الحديث، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: ما كنا نرى بالمزارعة بأساً حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله وَ ل عنها(١). وقال جابر: نهى رسول الله وَثر عن المخابرة(٢)، وهذه كلها أحاديث صحاح. ولنا، ما روى ابن عمر أن رسول الله وَ لل عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر، متفق عليه. وقد روي ذلك عن ابن عباس وجابر إلى آخر ما بسط في الدلائل والجواب عن الروايات الأول. (قال مالك: والأمر عندنا في النخل أيضاً إنها تساقي) هكذا في نسخة الباجي والزرقاني، وهو أوجه مما في النسخ الهندية من لفظ ((يساقي)) بصيغة التذكير، وفي أكثر النسخ المصرية ((إنها للمساقي)) (السنين) أي العديدة كذا في (١) أخرجه البخاري (١٤١/٣)، ومسلم (١١٨١/٣). (٢) أخرجه البخاري (١٥١/٣)، ومسلم (١١٧٤/٣)، وأبو داود (٢٣٥/٢). ٤٤٤ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث الثّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ وَأَقَلَّ مِنْ ذُلِكَ وَأَكْثَرَ. قَالَ: وَذُلِكَ الَّذِي سَمِعْتُ. وَكُلُّ شَيْءٍ مِثْلُ ذُلِكَ مِنَ الْأُصُولِ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ. يَجُوزُ فِيهِ لِمَنْ سَاقَى مِنَ السِّنِينَ مِثْلُ مَا يَجُوزُ فِي النَّخْلِ . النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية بدلها ((السنتين))، يعني يجوز أيضاً أن تساقي النخل لعدة سنين (الثلاث والأربع) مثلاً بدل عن السنين (أو أقل من ذلك) أي من الثلاث (أو أكثر) من الأربع ما لم يكثر جداً، كما سيأتي في كلام الباجي. محم (قال) مالك: (وذلك الذي سمعت) من أهل العلم (وكل شيء مثل ذلك) الذي يساقي (من الأصول) بيان لقوله: مثل ذلك (بمنزلة النخل) في أنه (يجوز فيه) أي في غير النخل من الأصول (لمن ساقى) شيئاً منها (من السنين) العديدة (ما يجوز في النخل). قال الباجي(١): ومعنى ذلك عندي أن عقد المساقاة عقد لازم. قال الشيخ أبو إسحق: عقد المساقاة لازم للمتعاقدين، وليس لأحدهما فسخه بعد عقده إلا برضا صاحبه، ولو مات أحدهما كان ورثته مكانه، وفي ((الموازية)): إذا انعقدت المساقاة فليس لأحدهما رجوع، وإن لم يعمل كالإجارة بخلاف القراض، وإذا ثبت أنه عقد لازم جاز أن يعقد لوجائب(٢) عنده كاكتراء الأرض، وما ليس بلازم، ومن العقود الجائزة كالشركة والقراض، فإنه لا يجوز أن يعقد إلا عقداً مطلقاً، لا يشترط فيه وجائب؛ لأن ذلك يقتضي اللزوم ووجائبه بالشهور والسنين، قاله الشيخ أبو إسحق وابن حبيب. ووجه ذلك أن أجرة العامل لا تصح أن تكون إلا من الثمرة التي يعمل (١) ((المنتقى)) (١٣٤/٥). (٢) وجائب جمع وجيبة: وهي أن توجب البيع ثم تأخذ المبيع أولاً فأولاً، فإذا فرغت قيل: قد استوفيت وجيبتك. ٤٤٥ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث في أصلها بجزء منها، فكان العمل إلى أن يمكن قسمتها كربح القراض، ومعنى قوله: بالسنين يريد من الجداد إلى الجداد، وقوله: أو أقل من ذلك أو أكثر يريد ما لم يكثر ذلك جداً، قال ابن القاسم في ((المدونة)): في العشر سنين والثلاثين والخمسين لم أسمع من مالك فيه شيئاً ولا أدري ما هذا، وما لم یکثر جداً فلا بأس به، اهـ. قال الدردير(١): جاز مساقاة سنين ما لم تكثر جداً بلاحد في الكثرة، بل المدار في الجواز على السنين التي لا تتغير الأصول فيها عادة، وذلك يختلف باختلاف الحوائط أرضاً وأصولاً، إذ الجديد ليس كالقديم ولا الأرض القوية كالضعيفة، قيل لمالك: العشرة؟ قال: لا أدري عشرة ولا عشرين ولا ثلاثین، اهـ. وقال الموفق(٢): ظاهر كلام أحمد أن المساقاة والمزارعة من العقود الجائزة أَوْمَأَ إليه في رواية الأثرم، وسئل عن الأَّارِ يُخْرِجُ نفسَه من غير أن يخرجه صاحب الضيعة، فلم يمنعه من ذلك، ذكره الشيخ ابنُ حامد، وهو قول بعض أصحاب الحديث، وقال بعض أصحابنا: هو عقد لازم، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه عقد معاوضة، فكان لازماً كالإجارة. ولنا، ما رُوي في قصة خيبر بلفظ: نُقِرُكم على ذلك ما شئنا، ولو كان لازماً لم يجز بغير تقدير مدة ولا أن يجعل الخيرة إليه في مدة إقرارهم، ولأن النبي ◌َّ﴿ لم ينقل عنه أنه قَدَّرَ لهم ذلك بمدة، ولو قَدَّرَ لم يُتْرَكْ نقلُه؛ لأن هذا مما يحتاج إليه، فلا يجوز الإخلال بنقله. فأما إن قلنا: إنه عقد لازم، فلا يصح إلا على مدة معلومة، وبهذا قال (١) ((الشرح الكبير)) (٥٤٤/٣). (٢) («المغني)) (٥٤٢/٧). ٤٤٦ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث الشافعي. وقال أبو ثور: يصح من غير ذكر مدة، ويقع على سنة واحدة، وأجازه بعض أهل الكوفة استحساناً؛ لأنه لما شرط له جزءاً من الثمرة كان ذلك دليلاً على أنه أراد مدة تحصل الثمرة فيها . ولنا، أنه عقد لازم، فوجب تقديره بمدة كالإجارة، ولأن المساقاة أشبه بالإجارة، ولأنها إذا وقعت مطلقة لم يمكن حملها على إطلاقها مع لزومها؛ لأنه يفضي إلى أن العامل يستبدُّ بالشجر كل مدته، فيصير كالمالك، ولا يمكن تقديره بالسنة؛ لأنه تحكم، وقد تكمل الثمرة في أقل من السنة، فعلى هذا لا تتقدر أكثر المدة، بل يجوز ما يتفقان عليه من المدة التي يبقى الشجر فيها وإن طالت. وقد قيل: لا يجوز أكثر من ثلاثين سنة، وهذا تحكم، وتوقيت لا يصار إليه إلا بنص أو إجماع، فأما أقل المدة فيتقدر بمدة تكمل الثمرة فيها، فلا يجوز على أقل منها؛ لأن المقصود أن يشتركا في الثمرة، ولا يوجد في أقل من هذه المدة، اهـ. وقال السرخسي: إذا دفع إلى رجل نخلاً معاملة سنين معلومة بالنصف، فهو جائز على قول من يرى جواز المزارعة، وكذلك معاملة الشجر والكرم والرطاب، ولو دفع إليه نخلاً أو كرماً أو شجراً معاملة بالنصف، ولم يسم الوقت جاز استحساناً على أول ثمرة تخرج في أول سنته، وفي القياس: لا يجوز لأن هذا استئجار للعامل، وبهذا لا يصير المعقود عليه معلوماً إلا ببيان المدة، فإذا لم يُبَيِّنَا لا يجوز العقد كما في المزارعة. ووجه الاستحسان أن لإدراك الثمر أواناً معلوماً في العادة، ونحن نتيقن أن إيفاء العقد مقصود إلى إدراك الثمر، والثابت بالعادة كالثابت بالشرط، فصارت المدة معلومة. ثم في المعاملة يتيقن أن العقد تناول أول ثمره، وفيما وراء ذلك شك فلا يثبت إلا المتيقن، اهـ. ٤٤٧ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُسَاقِي: إِنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي سَاقَاهُ شَيْئاً مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ يَزْدَادُهُ. وَلَا طَعَام وَلَا شَيْئاً مِنَ الْأَشْيَاءِ. لَا يَصْلُحُ ذُلِكَ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ الْمُسأَقَى مِنْ رَبِّ الْحَائِطِ شَيْئاً يَزِيدُهُ إِيَّاهُ، وفي ((الدر المختار)) (١)، في شروط صحة المزارعة: وذكر المدة أي مدة متعارفة، فتفسد بما لا يتمكن فيها منها، وبما لا يعيش إليها أحدهما غالباً، اهـ. وفي ((العالمكيرية)): لو دفع أرضاً معاملة خمسمائة سنة لا تجوز. وإن شرط مائة سنة وهو ابن عشرين سنة جاز، وإن كان أكثر من عشرين لم يجز، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): شرط المدة قياس فيها؛ لأنها إجارة معنًى كما في المزارعة، وفي الاستحسان: إذا لم يبين المدة يجوز، ويقع على أول ثمر يخرج؛ لأن الثمر لإدراكها وقت معلوم، وقلّ ما يتفاوت ويدخل فيها ما هو المتيقن، اهـ. (قال مالك في المساقاة: إنه) هكذا في النسخ الهندية، وعلى هذا فالضمير إلى المساقي بالكسر المفهوم من المساقاة، وفي النسخ المصرية ((قال مالك في المساقي: إنه)) وعلى هذا فمرجع الضمير واضح وهو المساقي بالكسر المذكور (لا يأخذ من صاحبه الذي ساقاه) بدل من صاحبه (شيئاً) مفعول لا يأخذ (من ذهب ولا ورق) ولا غيرهما (يزداده) لنفسه خاصة (ولا طعام) عطف على ذهب في النسخ المصرية ((ولا طعاماً)) عطف على شيئاً في النسخ الهندية (ولا شيئاً) آخر (من الأشياء) أياً ما كان (لا يصلح ذلك) ولا يجوز. (و) كذلك (لا ينبغي) ولا يجوز (أن يأخذ المساقى) بفتح القاف أي العامل (من رب الحائط شيئاً) لنفسه خاصة (يزيده إياه) أي يعطي رب الحائط العامل (١) (٥٨٣/٦). (٢) (٣٤٣/٢). ٤٤٨ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث مِنْ ذَهَبٍ وَلَا وَرِقٍ وَلَا طَعَامٍ وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ. وَالزِّيَادَةُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لَا تَصْلُحُ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْمُقَارِضُ أَيْضاً بِهَذِهِ الْمِنْزِلَةِ لَا يَصْلُحُ. إِذَا دَخَلَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْمُسَاقَاةِ أَوِ الْمُقَارَضَةِ صَارَتْ إِجَارَةً. وَمَا دَخَلَتْهُ الْإِجَارَةُ فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ بِأَمْرٍ غَرَرٍ. لَا يَدْرِي أَيَكُونُ أَمْ لَا يَكُونُ. أَوْ يَقِلُّ أَوْ يَكْثُرُ. (من ذهب ولا ورق ولا طعام ولا شيء من الأشياء، والزيادة) بالرفع مبتدأ خبره لا تصلح أي الزيادة على النصيب المشاع المشروط بينهما عند العقد (فيما بينهما) سواء كان من رب الحائط أو العامل (لا تصلح) للآخر، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، حكى الإجماع على ذلك غير واحد من نقلة المذاهب. قال الموفق(١): إذا شرط جزءاً معلوماً ودراهم معلومة كعشرة ونحوها لم يجز بغير خلاف. (قال مالك) ذكره نظيراً للمسألة السابقة (والمقارضة) أي المضاربة (أيضاً بتلك المنزلة). أي كالمساقاة (لا تصلح) يعني لا تجوز أيضاً إذا دخلت الزيادة فيها من أحد الجانبين، لأنه (إذا دخلت الزيادة في المساقاة والمقارضة صارت) كل واحدة منهما (إجارة) وخرجت من المساقاة والمقارضة الشرعيتين (وما دخلته الإجارة) يعني ما دخل في حكم الإجارة تشترط له شرائط الإجارة. ومنها أن يكون الأجر معلوماً ومتعيناً (فإنه لا يصلح ولا ينبغي) ولا يجوز (أن تقع الإجارة بأمر غرر) وفسر الغرر بقوله: (لا يدري أيكون أم لا يكون أو يقلّ أو يكثُر) وقد تقدم الإجماع على ذلك في القراض قبيل ما لا يجوز من الشروط في القراض. (١) ((المغني)) (٧/ ٥٥١). ٤٤٩ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُسَاقِي الرَّجُلَ الْأَرْضَ فِيهَا النَّخْلُ وَالْكَرْمُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْأُصُولِ فَيَكُونُ فِيهَا الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ. قَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ الْبَيَاضُ تَبَعاً لِلْأَصْلِ. وَكَانَ الْأَصْلُ أَعْظَمَ ذُلِكَ. أَوْ أَكْثَرَهُ. فَلَا بَأْسَ بِمُسَاقَاتِهِ. وَذُلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّخْلُ الُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. وَيَكُونَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذُلِكَ وَذُلِكَ أَنَّ الْبَيَاضَ حِينَئِذٍ تَبَعٌ لِلأَصْلِ. وَإِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ الْبَيْضَاءُ فِيهَا نَخْلٌ أَوْ كَرْمٌ أَوْ مَا يُشْبِهُ ذُلِكَ مِنَ الْأُصُولِ. فَكَانَ الْأَصْلُ الثُّلُثَ أَوْ أَقَلَّ. وَالْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ. (قال مالك، في الرجل يساقي الرجل) أي العامل (الأرض) التي (فيها النخل أو الكرم أو ما يشبه ذلك من الأصول) التي تجوز فيها المساقاة (فتكون فيها) أي في الأرض المذكورة (الأرض البيضاء) أيضاً، وهي التي لا نبات فيها (قال مالك) في الصورة المذكورة: (إذا كان البياض) المذكور (تبعاً للأصل وكان الأصل أعظم ذلك أو أكثره فلا بأس بمساقاته). قال الزرقاني(١): وعلى ذلك تأويل الحديث في ((المدونة)) فقال مالك: وكان البياض في خيبر يسيراً بين أضعاف السواد، اهـ (وذلك) أي مقدار الكثرة (أن يكون النخل الثلثين أو أكثر) منهما (ويكون البياض الثلث أو أقل من ذلك) أي من الثلث أيضاً (وذلك) أي وجه الجواز فيه (أن البياض حينئذٍ) يعني إذا كان أقل (تبع للأصل) وذلك لما تقدم قريباً أن مساقاة الأرض البيضاء عند مالك تجوز إذا كان تبعاً للأصول التي تجوز فيها المساقاة، وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك. (قال مالك: وإذا كانت الأرض البيضاء فيها نخل أو كرم أو ما يشبه ذلك من الأصول) التي تجوز فيها المساقاة، لكن تكون البياض أكثر (فكان الأصل) الذي يساقى (الثلث) مثلاً (أو أقل) من الثلث أيضاً (و) يكون (البياض الثلثين أو أكثر) (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/٣). ٤٥٠ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حدیث جَازَ، فِي ذُلِكَ، الْكِرَاءُ وَحَرُمَتْ فِيهِ الْمُسَاقَاةُ. وَذُلِكَ أَنَّ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنْ يُسَاقُوا الْأَصْلَ وَفِيهِ الْبَيَاضُ. وَتُكْرَى الْأَرْضُ وَفِيهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ مِنَ الْأَصْلِ . منهما فلا يجوز فيها المساقاة و (جاز في ذلك الكراء) يعني يجوز حينئذٍ أن يعطي الأرض على الكراء، وتدخل فيه الأشجار تبعاً وإن لم يجز كراؤها أصالة واستقلالاً (وحرمت فيه) حينئذٍ (المساقاة) وجعل في ((الموطأ)) الثلث في حَيّز القليل. قال الزرقاني(١): وهو المشهور، وقال الباجي: إن قصر عن الثلث جاز أن يكون تبعاً قولاً واحداً، أو كان زائداً من الثلث لم يجز ذلك قولاً واحداً، وأما الثلث فاختلف قوله فيه، فمرة جعله في حيز اليسير الذي يكون تبعاً، ومرة جعله في حيز الكثير الذي لا يكون تبعاً، وجه القول الأول أن كل موضع جعل الثلث فيه حدّاً بين ما يجوز وما لا يجوز، فإنه من جملة ما يجوز، كالوصية وهبة الزوجة، ووجه القول الثاني قوله وَالر: ((الثلث والثلث كثير))، اهـ. (وذلك) أي وجه جواز الكراء ههنا وحرمة المساقاة ضد الصورة الأولى (أن من أمر الناس) أي من الأمر المعروف بين أهل العلم (أن يساقوا الأصل) الذي تجوز فيه المساقاة (وفيه البياض) القليل (وتكرى الأرض) فيما يجوز فيه الكراء (وفيها الشيء اليسير من الأصل) الذي يساقى ولا يتكارى. قال الباجي(٢): يريد أن هذا أمر شائع دون نكير؛ لأن الضرورة إليه عامة لتعذر انفصال الأرض من الشجر والشجر من الأرض غالباً، وحاجة الناس إلى الاستنابة في عملها، فما جازت إجارته كانت فيه الإجارة، وإن كان فيه اليسير مما لا تجوز فيه الإجارة، وما جازت مساقاته كانت فيه المساقاة، وإن كان فيه اليسير مما تجوز فيه المساقاة، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧١/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٣٧/٥). ٤٥١ ٣٥ - كتاب المساقاة (١) باب (١٤١٥) حديث أَوْ يُبَاعَ الْمُصْحَفُ أَوِ السَّيْفُ وَفِيهِمَا الْحِلْيَةُ مِنَ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ. أَوِ الْقِلَادَةُ أَوِ الْخَاتِمُ وَفِيهِمَا الْفُصُوصَ وَالذَّهَبُ بِالدَّنَانِيرِ. وَلَمْ تَزَلْ هُذِهِ الْبُيُوعُ جَائِزَةٌ يَتَبَايَعُهَا النَّاسُ وَيَبْتَاعُونَهَا. وَلَمْ يَأْتِ فِي ذُلِكَ شَيْءٌ مَوْصُوفٌ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. إِذَا هُوَ بَلَغَهُ كَانَ حَرَاماً. أَوْ قَصُرَ عَنْهُ كَانَ حَلَالًا. وَالْأَمْرُ فِي ذلِكَ عِنْدَنَا الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ وَأَجَازُوهُ بَيْنَهُمْ، أَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مِنْ ذُلِكَ الْوَرِقِ أَوِ الذَّهَبِ تَبَعاً لِمَا هُوَ فِيهِ، جَازَ بَيْعُهُ. وَذُلِكَ أَنْ يَكُونَ النَّصْلُ أَوِ الْمُصْحَفُ أَوِ الْفُصُوصُ، قِيمَتُهُ الثُّلُثَانِ أَوْ أَكْثَرُ. وَالْحِلْيَةُ قِيمَتُهَا الثُّلُثُ أَوْ أَقَلُّ. ثم ذكر نظير ذلك من مسائل البيوع، فقال: (أو يباع المصحف أو السيف وفيهما الحلية) اليسيرة (من الورق) أي الفضة (بالورق) متعلق بيباع (أو) يباع (القلادة) ما يعلق في العنق (أو الخاتم) أو غيرهما (وفيهما الفصوص) جمع فص مثلث الفاء (والذهب) وتباعان (بالدنانير، ولم تزل هذه البيوع جائزة) عند أهل العلم (يتبايعها الناس ويبتاعونها) بدون النكير عليهم (ولم يأت في ذلك) أي في تحديده ( شيء موصوف) أي نص من كتاب ولا سنّة (موقوف عليه) أي يكون مداراً بحيث (إذا هو بلغه) أي بلغ هذا المقدار (كان) البيع (حراماً أو قصر عنه) أي عن هذا المقدار (كان حلالاً) وحينئذٍ فيرجع إلى عمل أهل المدينة المنورة - زادها الله شرفاً وكرامة -. ولذا ذكر عملهم فقال: (والأمر في ذلك عندنا الذي) صفة لأمر (عمل به الناس) من أهل المدينة (وأجازوه بينهم) في التبايع (أنه إذا كان الشيء من ذلك) أي (الورق أو الذهب تبعاً لما هو فيه) من القلائد وغيرها، هكذا سياق النسخ المصرية، وسياق الهندية: إذا كان الشيء من ذلك فيه من الورق أو الذهب تبعاً لما هو فيه (جاز بيعه وذلك) أي الفاصل بين القلة والكثرة (أن يكون النَّصْلُ) من السيف (أو المصحف أو الفصوص قيمته) أي قيمة الأصل (الثلثان أو أكثر) منه (والحلية) التي فيها تكون (قيمتها الثلث أو أقل) منه أيضاً. ٤٥٢ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب (٢) باب الشرط في الرقيق في المساقاة واختلف أهل العلم في ذلك البيع هل يجوز أم لا؟ قال الموفق(١): إن باع شيئاً فيه الربا، بعضه ببعض، ومعهما، أو مع أحدهما من غير جنسه كمدٌ ودرهم بمدٍّ ودرهم، أو باع شيئاً مُحَلَّى بجنس حليته، فهذه المسألة تسمى مُدَّ عجوةٍ، والمذهب أنه لا يجوز ذلك، نص على ذلك أحمد في مواضع كثيرة، قال ابن أبي موسى في السيف المحلَّى، والمنطقة، والمراكب المحلّاة بجنس ما عليها: لا يجوز، قولاً واحداً، وروي هذا عن سالم والقاسم وشريح وابن سيرين، وبه قال الشافعي وإسحق وأبو ثور، وعن أحمد رواية أخرى تدل على أنه يجوز بشرط أن يكون المفردُ أكثرَ من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غیر جنسه. وقال حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة: يجوز هذا كله إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو كان مع كل واحد منهما من غير جنسه، وقال الحسن: لا بأس ببيع السيف المحلَّى بالفضة بالدارهم، وبه قال الشعبي والنخعي، انتهى. وتقدم البسط في هذه المسألة في البيوع. (٢) الشرط في الرقيق في المساقاة يعني إذا شرط العامل في المساقاة أن يعمل معه رقيقُ رب المال، فماذا حكمه؟ قال ابن رشد (٢): أجمعوا على أن ما كان في الحائط من الدواب والعبيد أنه ليس من حق العامل، واختلفوا في شرط العامل ذلك على المساقي، فقال مالك: يجوز ذلك فيما كان منها في الحائط قبل المساقاة، وأما إن اشترط فيها ما لم يكن في الحائط فلا يجوز، وقال الشافعي: لا بأس بذلك وإن لم يكن في الحائط، وبه قال ابن نافع من أصحاب مالك، وقال (١) «المغني)) (٩٢/٦). (٢) ((بداية المجتهد)) (٢٤٨/٢). ٤٥٣ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب محمد بن الحسن: لا يجوز أن يشترطه العامل على رب المال، ولو اشترطه رب المال على العامل جاز ذلك. ووجه كراهية ذلك ما يلحق في ذلك من الجهل بنصيب رب المال، ومن أجازه رأى أن ذلك تافهٌ ويسيرٌ، ولتردد الحكم بين هذين الأصلين استحسن مالك ذلك في الرقيق الذي يكون في الحائط في وقت المساقاة، ومنعه في غيرهم؛ لأن اشتراط المنفعة في ذلك أظهر، وإنما فرق محمد بن الحسن؛ لأن اشتراطهما على العامل هو من جنس ما وجب عليه من المساقاة، وهو العمل بیده، اهـ. وقال الموفق(١): إن شرط أن يعمل معه غلمان رب المال، فهو كشرط عمل رب المال؛ لأن عملهم كعمله، وقال أبو الخطاب: فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يجوز لأن غلمانه ماله، فجاز أن تعمل تبعاً لماله كثور الدولاب، وأما رب المال لا يجوز جعله تبعاً، وهذا قول مالك والشافعي ومحمد بن الحسن، فإذا شرط غلماناً يعملون، فنفقتهم على ما يشترطان، فإن أطلقا ولم يذكرا نفقتهم فهي على رب المال، وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: نفقتهم على المساقي، ولا ينبغي أن يشترطها على رب المال؛ لأن العمل على المساقي، فمؤنة من يعمل عليه كمؤنة غلمانه. ولنا، أنه مملوك رب المال فكانت نفقته عليه عند الإطلاق، فإن شرطها على العامل جاز ولا يشترط تقديرها. وبه قال الشافعي، وقال محمد بن الحسن: يشترط تقديرها؛ لأنه اشترط عليه ما لا يلزمه، فوجب أن يكون معلوماً كسائر الشروط، انتهى. وقال الدردير (٢): لا تصح المساقاة باشتراط إخراج من في الحائط من (١) ((المغني)) (٥٤١/٧). (٢) ((الشرح الكبير)) (٥٤٠/٣). ٤٥٤ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب (١٤١٦) حديث ٣/١٤١٦ - قَالَ يَحْيَى: قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي عُمَّالِ الرَّقِيقِ فِي الْمُسَافَاةِ. يَشْتَرِطُهُمُ الْمُسَاقَى عَلَى صَاحِبِ الْأَصْلِ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذْلِكَ. لِأَنَّهُمْ عُمَّالُ الْمَالِ. فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ. رقيق أو دواب كانت موجودة فيها يوم العقد، فالمضر شرط إخراج ما كان موجوداً بخلاف ما لو أخرجها بلا شرط ولا باشتراط تجديد على العامل أو على رب الحائط لشيء من ذلك لم يكن موجوداً وقت العقد. قال الدسوقي: أشار بهذا إلى أن المضر إنما هو الاشتراط، وأما التجديد لشيء لم يكن موجوداً في الحائط وقت العقد من غير شرط لم يضر كان المجدد العامل أو رب الحائط، قال الدردير: وتلزمه نفقة نفسه ونفقة دواب الحائط ورقيقه كانوا له أو لرب الحائط، اهـ. ١٤١٦/ ٣ - (قال مالك: إن أحسن ما سمع) هو (في عمال الرقيق)، كذا في النسخ المصرية، وفي الهندية ((في عمل الرقيق)) (في المساقاة يشترطهم المساقى) بفتح القاف (على صاحب الأصل) أي يشترط العامل على رب الأرض عمل الرقيق معه، فقال مالك فيه: (إنه لا بأس بذلك) أي جائز. قال الباجي(١): يريد الذين كانوا عماله وقت المساقاة، وقد قال مالك في ((المدونة)): لا يجوز لصاحب الحائط أن يشترط إخراجهم إلا أن يكونوا قد أخرجهم قبل ذلك، فعلى هذا يكون اشتراط العامل لهم على وجه رفع الإلباس، ويحتمل أن يكون على وجه إقرار رب الحائط أنهم في حائطه عند عقد المساقاة، اهـ. قلت: وتقدم الضابط في ذلك قريباً في كلام الدردير (لأنهم) أي العبيد (عُمَّالُ المال) كانوا يعملون فيه قبل العقد (فهم) أيضاً (بمنزلة المال) الذي يساقى؛ لأن الأصل الذي يساقى هو مال رب الحائط، والعبيد أيضاً ماله، (١) ((المنتقى)) (١٣٨/٥). ٤٥٥ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب (١٤١٦) حديث لَا مَنْفَعَةَ فِيهِمْ لِلدَّاخِلِ إِلَّا أَنَّهُ تَخِفُّ عَنْهُ بِهِمُ الْمَؤُونَةُ. وَإِنْ لَمَ يَكُونُوا فِي الْمَالِ اشْتَدَّتْ مَؤُونَتُهُ. وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمُسَافَاةِ فِي الْعَيْنِ وَالنَّضْحِ. وكانوا فيه قبل العقد، فصار كأن المال ألفي شجرة بدل ألف شجرة، هذا على ما في جميع النسخ الموجودة عندي من المصرية والهندية، ففيها كلها ((بمنزلة المال)» باللام في آخره. وما يخطر في بال هذا الحقير المقرّ بالتقصير أن اللفظ ((بمنزلة الماء)) بالهمزة في آخره، والمعنى أن وجود العبيد في الحائط بمنزلة وجود العين فيه، ويؤيده ما سيأتي من تنظيره بالواثنة، وإليه يومىء كلام الباجي الآتي، لكن في نسخته أيضاً في الشرح والمتن معاً المال باللام (لا منفعة فيهم) أي في العبيد (للداخل) أي للعامل خاصة حتى يمنع الجواز (إلا أنه تخف عنه بهم المؤونة) أي لا منفعة فيهم للعامل سوى شيء من تخفيف العمل عليه بسببهم. قال الباجي(١): قوله: ((لأنهم عمال المال فهم بمنزلة المال لا منفعة فيهم للداخل إلا بخفيف العمل)) يريد أنهم كانوا عمال المال قبل ذلك إلى حين العقد، فظهور المال وقوته وكثرة عمارته إنما كان بعملهم ولهم فيه تأثير، فكانوا بمنزلة الماء الذي به صلاح الحائط ونماؤه، فلا يجوز لذلك إخراجهم من المال، لأن ذلك بمنزلة السقي وسائر ما يتصل الانتفاع به، اهـ. (وإن لم يكونوا) أي العبيد (في المال) أي في الحائط (اشتدت) وزادت (مؤونته) أي مؤونة العامل لعدم المساعد (وإنما ذلك) أي نظير ذلك أنه (بمنزلة المساقاة في العين) أي مساقاة الحائط الذي فيه العين، (والنضح) بالضاد المعجمة أي الماء الذي يحمله الناضح وهو الجمل، فإن الأول تخف فيه المؤونة على العامل، والثاني تكثر، وتشتد فيه المؤونة، فكذا وجود العبيد في (١) ((المنتقى)) (١٤٠/٥). ٤٥٦ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب (١٤١٦) حديث وَلَنْ تَجِدَ أَحَداً يُسَاقَى فِي أَرْضَيْنِ سَوَاءٍ فِي الْأَصْلِ وَالْمَنْفَعَةِ. إِحْدَاهُمَا بِعَيْنٍ وَائِنَةٍ غَزِيرَةٍ. وَالْأُخْرَى بِنَضِحِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. لِخِقَّةِ مُؤْنَةِ الْعَيْنِ. وَشِدَّةِ مُؤْنَةِ النَّصْحِ. قال: وَعَلَىَّ ذُلِكَ، الْأَمْرُ عِنْدَنَا. الحائط وهم أيضاً مال رب الحائط بمنزلة وجود العين في الحائط لرب الحائط (ولن تجد أحداً يساقى في أرضَين) بالتثنية (سواء) ضبطه الزرقاني بالجر صفة أي مستويين (في الأصل) أي مقدار الأشجار (والمنفعة) الحاصلة من الأشجار (إحداهما) أي تسقى إحدى الأرضين (بعين واثنة) بواو فألف فمثلثة فنون آخره هاء أي دائمة لا تنقطع (غزيرة) صفة عين كثيرة الماء (والأخرى) أي وتسقى الأرض الأخرى (بنضح) بحرف الجر على المصدر في النسخ المصرية، وفي الهندية ((ينضح)) بالمثناة التحتية على صيغة المضارع، والأوجه الأول؛ لأنه كان ينبغي على الثاني أن تكون بالمثناة الفوقية (على شيء واحد) قال الزرقاني(١): كبعير، اهـ. وعلى هذا فهو متعلق بنضح. والأوجه عندي أنه متعلق لقوله: يساقى، يعني لن تجد أحداً يساقيهما على حصة واحدة، بل الذي يكثر فيه المشقة يزيد فيه نصيب العامل بخلاف الأخرى، فكذلك الأرض التي فيها الرقيق لا تساوي الأخرى الخالية عنها (لخفة مؤنة العين) في الأول (وشدة مؤنة النضح) في الأرض الثانية. قال الباجي(٢): يريد أن الأرضَيْن إذا تساوتا في طيب الأرض وقوة النخل وكثرة غلتهما، إلا أن إحداهما لسقيها نضح مأمون غزير لا يتكلف عمل في إخراجه والسقي به، والثانية سقيها نضح يتكلف فيه المؤنة يأخذهما نسقاً واحداً في عقدين إلا أن يأخذ أحدهما لمكان الآخر في عقد واحد، وذلك مما يدل على أن لخفة العمل وشدته تأثيراً مقصوداً في المساقاة، فلا يجوز أن يشترط منه إلا ما كان عليه الحائط يوم المساقاة، اهـ. (قال) مالك: (وعلى هذا الأمر عندنا) بالمدينة المنوّرة. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (١٤٠/٦). ٤٥٧ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب (١٤١٦) حديث قَالَ: وَالْوَائِنَةُ، الثَّابِتُ مَاؤُهَا، الَّتِي لَا تَغُورُ وَلَا تَنْقَطِعُ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلْمُسَاقَى أَنْ يَعْمَلَ بِعُمَّالِ الْمَالِ فِي غَيْرِهِ. وَلَا أَنْ يَشْتَرِطَ ذُلِكَ عَلَى الَّذِي سَاقَاهُ. (قال مالك: والواثنة) المذكورة معناها (الثابت ماؤها) دائماً (التي لا تغور ولا تنقطع) قال الباجي: الرواية المشهورة عن يحيى وغيره الواتنة بالمثناة الفوقية، وقال أبو عبيد في ((الغريبين)): الواتن الدائم، وفي الحديث أما تيماء، فعين جارية، وأما خيبر، فماء واتن، ولم يذكر واثناً بالثاء المعجمة بثلاث نقط، وحكى صاحب ((العين)): الوائن المقيم بالثاء بثلاث نقط، ولم يذكر واتناً بالتاء بنقطتين، فعلى هذا تصح الروايتان، وأما ابن عمر فقال: وانية، ولم يذكر التفسير، اهـ. (قال مالك: وليس للمساقى) بفتح القاف (أن يعمل بعمال المال) أي بعمال رب الحائط (في غيره) أي في غير حائط رب المال، قال الباجي. يريد من وجد في الحائط من الرقيق، فاشترطهم حين العقد أو وجب له ذلك بمجرده، فإنه ليس له أن يستعملهم في غير ذلك الحائط، يريد من حوائطه التي يملكها أو حائط رجل أجنبي اتخذها مساقاة أو عمل فيها بأجرة، وأما إن كان الرقيق للعامل فله أن يستعملهم حيث شاء ويستبدل بهم كيف [شاء]؛ لأنه إنما عليه العمل في الحائط على صفة معلومة، فعليه أن يأتي بها على كل حال ويعمل من شاء. (ولا أن يشترط ذلك) أي عملهم في غير حائط رب المال (على الذي ساقاه). قال الباجي(١): يريد أنه لا يجوز له أن يفعل ذلك بغير شرط في العقد، فإن فعل منع من ذلك ولا يفسد العقد ولا يتغير شيء منه، ولا يجوز أن يشترط ذلك، زاد في ((الواضحة)): ويفسد هذا الشرط المساقاة؛ لأن اشتراط الزيادة فیھا ینافي صحتها، اهـ. (١) ((المنتقى)) (١٤٠/٦). ٤٥٨ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب (١٤١٦) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَجُوزُ لِلَّذِي سَاقَى أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ رَقِيقاً يَعْمَلُ بِهِمْ فِي الْحَائِطِ. لَيْسُوا فِيهِ حِينَ سَاقَاهُ إِيَّاهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الَّذِي دَخَلَ فِي مَالِهِ بِمُسَاقَاةٍ، أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَداً يُخْرِجُهُ مِنَ الْمَالِ. وَإِنَّمَا مُسَاقَاةُ الْمَالِ عَلَى حَالِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ يُرِيدُ أَنْ قلت: وعمال رب الحائط ملك له فظاهر أن لا حق للعامل أن يستعملهم في غير حائط رب المال، وهذا ظاهر لا يخفى، ولم أعرف فيه خلافاً لأحد. (قال مالك: ولا يجوز للذي ساقى) أي العامل (أن يشترط على رب المال رقيقاً) كي (يعمل) العامل (بهم) أي بالرقيق (في الحائط) والحال أنهم (ليسوا فيه) أي لم يكونوا في الحائط (حين ساقاه إياه) لأن ذلك زيادة ازدادها العامل على رب الحائط. (قال مالك: و) كذلك (لا ينبغي) أي لا يجوز (لرب المال أن يشترط على الذي دخل في ماله بمساقاة) وهو العامل (أن يأخذ) رب المال (من رقيق المال أحداً) من الغلمان (يخرجه) رب المال تفسير لقوله: يأخذ (من المال) (و)ذلك لأنه (إنما مساقاة المال على حاله التي) كان (هو) المال (عليها) عند العقد، قد تقدم ذلك في أول الباب مع اختلاف الأئمة في ذلك مفصلاً. قال الزرقاني(١) تبعاً للباجي: وذلك لأن المساقاة مبنية على منافاة ازدياد أحدهما على ما عقد إلا أن مالكاً جَوَّزَ للعامل شرط اليسير، كعبد ودابة في الحائط الكبير لا الصغير؛ لأن فيه شرط جميع العمل حينئذٍ، اهـ. قلت: وبسط فروع ذلك الباجي. (قال مالك) وهذا تكملة للكلام السابق (فإن كان صاحب المال يريد أن (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٣/٣). ٤٥٩ ٣٥ - كتاب المساقاة (٢) باب (١٤١٦) حدیث يُخْرِجَ مِنْ رَقِيقِ الْمَالِ أَحَداً، فَلْيُخْرِجْهُ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ. أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَ فِيهِ أَحَداً، فَلْيَفْعَلْ ذُلِكَ قَبْلَ الْمُسَاقَاةِ. ثُمَّ لْيُسَاقِ بَعْدَ ذُلِكَ إِنْ شَاءَ . قَالَ: وَمَنْ مَاتَ مِنَ الرَّقِيقِ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ، فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُخْلِفَهُ. يخرج من رقيق المال أحداً، فليخرجه قبل) عقد (المساقاة أو يريد) رب المال (أن يدخل فيه أحداً فليفعل ذلك) أي الإدخال والإخراج (قبل المساقاة) أي قبل العقد (ثم ليساق بعد ذلك إن شاء) لأن عقد المساقاة لا بد أن يكون على ما كان عليه عند العقد. (قال: ومن مات من الرقيق) التي كانت عند العقد (أو غاب) عن الحائط (أو مرض فعلى رب المال أن يخلفه) أي يعطي العامل خلفاً وبدلاً له؛ لأن المساقاة انعقدت عليه، فإذا تعذر عملهم لوجه، فلا بد على رب المال من الخلف؛ لئلا يشتد العمل على العامل أكثر مما كان عليه عقد المساقاة. (كمل كتاب المساقاة بحمد الله ويتلوه كتاب كراء الأرض) هكذا في النسخ الهندية، وليس في النسخ المصرية، إلا كتاب كراء الأرض فقط. ٤٦٠