Indexed OCR Text

Pages 261-280

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
ذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ بِ لهِ أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
((إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ))
((الإصابة)) ترجمة لأبي منقذ، وقال في ترجمة حبان بعدما ذكر اختلاف
الروايات في ذلك: والحاصل أنه اختلف في القصة هل وقعت لحبان بن منقذ
أو لأبيه منقذ بن عمرو؟ واقتصر في ((الفتح)) على الروايات الواردة بتسمية
حبان.
(ذكر لرسول الله (وَلاي أنه يخدع) ببناء المجهول (في البيوع) وفي رواية:
فشكا إلى النبي ◌َّ ما يلقى من الغبن، قال عياض: وفي الحديث أنه الذي
ذكر للنبي وسر ذلك؛ لأنه لم يفقد التمييز والنظر لنفسه بالكلية، فلعل ذلك كان
يعتريه أحياناً، ويتبين ذلك إذا انتبه، اهـ.
وعند الشافعي وأحمد وابن خزيمة والدارقطني أن حبان بن منقذ كان
ضريراً، وكان قد شُجَّ في رأسه مأمومة، وقد ثقل لسانه، وعند الدارقطني وابن
عبد البر عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان، أن جده
منقذ بن عمرو كان قد أتى عليه سبعون ومائة سنة، فكان إذا بايع غبن فذكر
ذلك للنبي وَلّ، الحديث.
وأخرج ابن عبد البر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن منقذاً سفع في
رأسه مأمومة في الجاهلية، فخبلت لسانه، فكان يخدع في البيع.
(فقال له رسول الله وَلجر: إذا بايعت) بصيغة الخطاب (فقل: لا خلابة)
بكسر الخاء المعجمة وخفة اللام والموحدة، أي لا خديعة في الإسلام، فلا
لنفي الجنس، وخبره محذوف، قال الحافظ(١): زاد ابن إسحاق في روايته،
((ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن
سخطت فاردد))، فبقي حتى أدرك زمن عثمان، وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٣٧).
-
٢٦١
٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حدیث
قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِلَابَةً .
أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٤٨ - باب ما يكره من الخداع في
البيع. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ١٢ - باب من يخدع في البيع، حديث ٤٨.
الناس في زمان عثمان، وكان إذا اشترى شيئاً، فقيل له: إنك قد غبنت فيه
رجع به، فيشهد له الرجل من الصحابة بأن النبي وَ لاو قد جعله بالخيار ثلاثاً،
فيرد له دراهمه.
قال العلماء: لقَّنه النبي وَ﴿ هذا القول ليتلفظ به عند البيع، فَيُطْلِعُ به
صاحبه على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع، ومقادير القيمة، فيرى
له كما يرى لنفسه، لما تقرر من حض المتبايعين على أداء النصيحة، قال
التوربشتي: وكان الناس في ذلك الزمان إخواناً لا يغبنون أخاهم المسلم،
وينظرون له أكثر ما ينظرون لأنفسهم، وقال في ((الإكمال))(١): جعل له عهدة
الثلاث؛ لأن أكثر مبايعته كانت في الرقيق ليتبصّرَ، ويثبت عيبه، وروي؛ أنه
جعل له مع ذلك خيار ثلاثة أيام فيما اشتراه، انتهى.
(فكان الرجل إذا بايع يقول: لا خلابة) أي معناه الذي يقدر عليه من
النطق، ففي رواية لمسلم يقول: ((لا خيابة))، قال عياض: بالتحتية؛ لأنه كان
ألثغ، يخرج اللام من غير مخرجها، ولبعضهم لا خنابة بالنون، وهو تصحيف،
وفي بعض روايات مسلم ((لا خذابة))، بذال معجمة.
وفي الحديث أبحاث(٢).
الأول: ما قال الحافظ(٣): استدل بالحديث على أن من قال عند العقد:
لا خلابة أنه يصير به في تلك الصفقة بالخيار، سواء وجد فيه عيباً أو غبناً أم
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٩٨/٤).
(٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٣٩٣/٨).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٣٨/٤).
٢٦٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
لا، وبالغ ابن حزم في جموده، فقال: لو قال: لا خديعة، ولا غش، أو ما
أشبه ذلك، لم يكن له الخيار حتى يقول: لا خلابة، ومن أسهل ما يرد به عليه
أنه ثبت في ((صحيح مسلم)) أنه كان يقول: ((لا خيابة)) بالتحتانية بدل اللام
وبالذال المعجمة بدل اللام أيضاً، وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه، ومع
ذلك لم يتغير الحكم في حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن
النبي ◌َّ﴾ل جعله بالخيار. فدل على أنهم اكتفوا في ذلك بالمعنى، انتهى.
وتعقب العيني(١) كلام الحافظ، فقال: كيف يكون هذا أسهل ما يُرَدُّ به
عليه، وهو قائل به، فإن ابن حزم استدل بالحديث على أنه يتعين في اللفظ
الموجب للخيار ذكر الخلابة دون غيره من الألفاظ، إلا أن يكون في لسانه
خلل يعجز عن اللفظ بها، فيكفي أن يأتي بما يقدر عليه من هذا اللفظ، كما
كان يفعل هذا الرجل المذكور من قوله: لا خيابة أو لا خذابة على اختلاف
الروايتين، وكذلك إن لم يكن يحسن العربية، فقال: معناها باللسان الذي
يحسنه، فإنه يثبت له الخيار، انتهى.
قال الموفق(٢): إن قال أحد المتعاقدين عند العقد: لا خلابة، فقال
أحمد: أرى ذلك جائزاً، وله الخيار إن كان خلبه، وإن لم يكن خلبه فليس له
خيار، وذلك؛ لأن رجلًا ذكر للنبي وَل﴿ أنه يخدع، فذكر حديث الباب، وقال:
متفق عليه، ثم قال: ويحتمل أن لا يكون له الخيار، ويكون الخبر خاصاً
لحبان؛ لأنه روي أنه عاش إلى زمن عثمان، فكان يبايع الناس، ثم
يخاصمهم، فيمر بهم بعض الصحابة، فيقول لمن يخاصمه: ويحك، إن
النبي ◌َّ جعل له الخيار ثلاثاً.
(١) ((عمدة القاري)) (٣٩٥/٨).
(٢) ((المغني)) (٤٥/٦).
٢٦٣

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
•
وهذا يدل على اختصاصه بهذا؛ لأنه لو كان للناس عامة لقال لمن
يخاصمه: إن النبي ◌ّيقول جعل الخيار لمن قال: لا خلابة، وقال بعض أصحاب
الشافعي: إن كانا عالمين أن ذلك عبارة عن ثلاث ثبت، وإن علم أحدهما دون
الآخر فعلى وجهين، لما روي من قصة حبان بن منقذ، وما ثبت في حق واحد
من الصحابة يثبت في حق سائر الناس مالم يقم على تخصيصه دليل.
ولنا، أن هذا اللفظ لا يقتضي الخيار مطلقاً، ولا يقتضي تقييده بثلاث.
والأصل اعتبار اللفظ فيما يقتضيه الخبر على الوجه الذي احتجّوا به، إنّما رواه
ابن ماجه مرسلًا، وهم لا يرون المرسل حجة، ثم لم يقولوا بالحديث على
وجهه، إنما قالوا به في حق من يعلم أن مقتضاه ثبوت الخيار ثلاثاً، ولا يعلم
ذلك أحد؛ لأن اللفظ لا يقتضيه على أنّه إنما كان خاصاً لحبان بدليل ما
رويناه، اهـ.
وقال ابن عبد البر(١): قال بعضهم: هذا خاص بهذا الرجل وحده، جعل
له الخيار ثلاثة أيام، اشترطه أو لم يشترطه، لما كان فيه من الحرص على
المبايعة مع ضعف عقله ولسانه، وقيل: إنما جعل له أن يشترط الخيار لنفسه
ثلاثاً مع قوله: لا خلابة، فيكون عاماً كسائر مشترطي الخيار، اهـ.
وحمل الحديث على الخصوصية ابن العربي وغيره كما سيأتي قريباً، وبه
جزم محمد في موطئه(٢)، إذ قال بعد الحديث المذكور: قال محمد: نرى أن
هذا كان لذلك الرجل خاصة، انتهى.
والبحث الثاني: ما قال الحافظ(٣): استدل بهذا الحديث لأحمد، وأحد
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٩٩/٢١).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٤٨/٢).
(٣) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٣٧).
٢٦٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
قولي مالك أنهُ يُرَدُّ بالغبن الفاحش لمن لم يعرف قيمة السلعة، وتُعُقِّب بأنه ◌ِهـ
إنما جعل له الخيار لضعف عقله، ولو كان الغبن يملك به الفسخ لما احتاج
إلى شرط الخيار، انتهى.
وقال الموفق(١): يثبت الخيار في البيع للغبن في مواضع، أحدها: تلقي
الركبان، الثاني: بيع النجش، ويذكران في مواضعهما. والثالث: المسترسل إذا
غبن غبناً يخرج عن العادة، فله الخيار بين الفسخ والإمضاء، وبهذا قال مالك،
وقال ابن أبي موسى: قد قيل: لزمه البيع، وليس له فسخه، وهذا مذهب أبي
حنيفة والشافعي؛ لأن نقصان قيمة السلعة مع سلامتها لا يمنع لزوم العقد،
كبيع غير المسترسل والغبن اليسير.
ولنا، أنه غبن حصل لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار، كالغبن في تلقي
الركبان، وأما غير المسترسل فإنّه دخل على بصيرةٍ بالغَبْنِ، فهو كالعالم
بالعيب، وكذا لو استعجل، فجهل ما لو تَثَبَّت لَعَلِمَه، لم يكن له خيارٌ؛ لأنه
انبنى على تفريطه، والمسترسِلُ هو الجاهل بقيمة السلعةِ، ولا يُحْسِنُ المبايعةَ،
قال أحمد: المسترسل الذي لا يحسن أن يُمَاكِسَ، ولا تحديد للغبن في
المنصوص عن أحمد، وحَدَّه أبو بكر وابن أبي موسى بالثلث، وهو قول مالك
بدليل قول النبي وَالر: ((والثلث كثير))، وقيل: بالسدس، وقيل: ما لا يتغابن
الناس به في العادة؛ لأن ما لا يَرِدُ الشرعُ بتحديده يرجع فيه إلى العرف،
انتھی.
وقال العيني (٢): مذهب الحنفية والشافعية أن الغبن غير لازم، فلا خيار
للمغبون سواء قَلَّ أو كثر، وهو الأصحُّ من روايتي مالك.
(١) ((المغني)) (٣٦/٦).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣٩٤/٨).
٢٦٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حدیث
وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغين ثلث
القيمة، وإن كان دونه فلا، وهكذا حَدَّه أبو بكر وابن أبي موسى من الحنابلة،
وقيل: السدس، وعن داود العقد باطل، وعن مالك: إن كانا عارفين بتلك
السلعة وسعرها وقت البيع لم يفسخ العقد، كثيراً كان الغبن أو قليلاً، وإن كان
أحدهما غير عارفٍ بذلك فسخ البيع، إلا أن يريد أن يمضيه، ولم يَحُدَّ مالك
حداً، وأثبت هؤلاء خيار الغبن بالحديث المذكور.
وأجاب الجمهور عن الحديث بأنها واقعة عين وحكاية حال. قال ابن
العربي: ينبغي أن يقال: إنه كله مخصوص بصاحبه، لا يتعدى إلى غيره، فإنه
كان يخدع في البيع، فيحتمل أن الخديعة كانت في العيب أو في العين أو في
الكذب أو في الغبن في الثمن، وليست قضية عامة، فتحمل على العموم، وقال
الجهور أيضاً: لو كان الغبن مثبتاً للخيار لما احتاج إلى اشتراطه، كما رواه
البيهقي والدارقطني في بعض طرق الحديث أنه اشترط الخيار ثلاثاً، اهـ.
وقال الباجي(١): إن هذا الرجل يقال: إنه منقذ بن عمرو الأنصاري،
وقيل: إن حبان بن منقذ هو الذي كان يخدع في البيع.
وقد قال بعض الناس: إن هذا الحديث خاص بهذا الرجل، وقد روى
أبو محمد في ((أشرافه)): إذا تبايع الناس بما لا يتغابن الناس بمثله في العادة،
وكان أحدهما ممن لا يخبر بسعر ذلك المبيع، فاختلف أصحابنا فمنهم من
يقول: لا خيار له، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، ومنهم من يقول: له الخيار،
إذا زاد على الثلث، أو خرج عن العادة والمتعارف فيه، والدليل عليه نهيه والات
عن إضاعة المال، ونهيه وَّل عن تلقي السلع.
ومن جهة المعنى أن هذا نوعٌ من الغبن في الأثمان، فكان مؤثراً في
(١) ((المنتقى)) (١٠٨/٥).
٢٦٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
الخيار، كالعيب، فعلى هذا يكون حكم الحديث المذكور عاماً في كل أحدٍ
على مثل حاله، وإنما كان قول حبان: ((لاخلابة)) على وجه الإعلام منه بأنه لا
يخبر الأثمان، وعلى وجه الإعلام للناس بهذا الحكم، وأنه لا تنفذ خلابة
الخالب على مغبون مستسلم، وقال ابن حبيب في ((واضحته)): لو أن أحد
المتبايعين من جهلة البيع باع أو اشترى ما يساوي مائة درهم لزمها، ووجه
ذلك ما روي عنه وَلير ((أنه نهى أن يبيع حاضر لباد)).
قال القاضي: ويحتمل عندي ابتياعه على المرابحة، فيكون قول: لا
خلابة، لمن يزيد عليه في الشراء. وهذا حكم عام أن من اشترى مرابحةً.
فزيد عليه في الثمن أنه بالخيار، ويحتمل أن يكون ابتياعه بالخيار، وأنه كان
يشترطه ويقول مع ذلك: لا خلابة بمعنى اشتراط الخيار يتحرز من
استخداعه، وقد روى ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وَله
قال له: ((بع))، وقل: ((لا خلابة وأنت بالخيار ثلاثة))، ولا يحتج برواية ابن
إسحاق .
ويحتمل أن يكون النبي و 18 حكم له بهذا، وحجر عليه أن يبيع بغير
الخيار وأعلم الناس بذلك، وأمره أن يذكر حكمه بقوله: ((لا خلابة))، ويحتمل
أن يكون النبي ◌ّله يأمره أن يقول: ((لا خلابة)) على وجه الإعذار إلى من يبايعه
ليتوقى خديعته أهل الصلاح والدين، لا ليكون له الخيار إن خدع، ولكن لئلا
يقدم على خديعته من يأثم به، وكان قليلًا في ذلك الزمن.
ويحتمل أن يريد به لا خلابة في صفة النقد، وفي وفاء الوزن والكيل
واستيفائهما، فمن غبنه في شيء من ذلك كان له الرجوع عليه، وهذه حالة
جميع الناس، والخلابة، الخداع، وليس من الخداع أن يبيع البائع بالغلاء، أو
يشتري المشتري برخص، وإنما الخلابة أن يكتمه عيباً فيها ويقول: إنّها تساوي
أكثر من قيمتها وأنه قد أعطي فيها أكثر مما أعطي بها، اهـ.
٢٦٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
قال الحافظ(١): قال ابن العربي: يحتمل أن الخديعة في قصة هذا الرجل
كانت في العيب أو في الكذب أو في الثمن أو في الغبن، فلا يحتجُّ بها في
مسألة الغبن بخصوصها، وليست قصة عامة، وإنما هي خاصة في واقعة عين،
فيحتج بها في حق من كان بصفة الرجل، والاحتمالات التي ذكرها قد تعينت
بالرواية التي صرح بها بأنه كان يغبن في البيوع، انتهى.
وقال الأبي(٢): غبن المسترسل، وهو المستسلم لبيعه ممنوع، فله القيام
إذا وقع، ولا يلزم الغبن، والمسترسل هو الذي لا بصيرة له في البيع، وإن لم
يسترسل، بل ماكس، فإن كان بصيراً بالقيمة عارفاً بها فلا قيام له؛ لأنه
كالواهب لماغبن فيه، وإن كان غير بصير بالقيمة، فهذا موضع الخلاف، فقال
مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا قيام له بالغبن، وقال البغداديون من المالكية:
له القيام بالغبن غير المعتاد، وحدوه بالثلث، وأما ما دونه فلا قيام له به؛ لأنه
من الغبن اليسير الذي انتصب له التجار، فهو كالمدخول عليه، وتجاذب
الفريقان آية ﴿وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ﴾(٣) الآية.
قال العراقيون: الغبن من أكل أموال الناس بالباطل، وقال الآخرون: قد
استثني منه التجارة عن تراضٍ، وهذا عن تراضٍ، وكذلك أيضاً تجاذبوا فهم
الحديث، فقال البغداديون: جعل فيه الخيار للمغبون، وقال الآخرون: هو
خاص بهذا الرجل، وقد اختلف الأصوليون في القضايا العينية هل تعم أم لا؟
قال الأبي: لم يجعل له الخيار في الحديث إلا بشرط، فالحديث حجة لعدم
القيام بالغبن، إذ لو كان القيام به ثابتاً لم يأمره بالشرط، بأن يقول: ((لا
خلابة)) .
(١) ((فتح الباري)) (٤/ ٣٣٧).
(٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (١٩٨/٤).
(٣) سورة البقرة: الآية ١٨٨.
٢٦٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
•
ونظر لو قيلت هذه الكلمة اليوم في العقد ثم ظهر الغبن، فقال ابن
حنبل: توجب القيام بالغبن لقائلها، إذ كأنه شرط أن لا يزيد الثمن عن ثمن
المثل، ولا أن تنقص السلعة عنه، فصار بمنزلة من شرط وصفاً في المبيع فبان
خلافه، وقال الأكثر: لا يوجب قولها قياماً بالغبن، ثم اختلفوا، فقال بعضهم:
كان خاصاً بهذا الرجل، كما تقدم، وقال غيره: إنما أمره أن يشترط الخيار،
ويصدر الشرط بهذه الكلمة حضاً من العامل على النصيحة، والتحرز عن
الخلابة، فإنه روي ((قُلْ: لا خلابة)) واشترط القيام ثلاثة أيام، اهـ.
والبحث الثالث: ما قال الحافظ(١): استدل بالحديث على أن الكبير لا
يحجر عليه ولو تبين سفهه، لما في بعض طرق حديث أنس في هذه القصة، أن
أهله أتوا النبي ◌َّر، فقالوا: يا رسول الله أحجر عليه، فدعاه، فنهاه عن البيع،
فقال: لا أصبر عنه، فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خلابة))، وتعقب بأنه لو كان
الحجر على الكبير لا يصحُّ لأنكر عليهم، وأما كونه لم يحجر عليه، فلا يدل
على منع الحجر على السفیه، انتهى.
وأخرج ابن ماجه هذا الحديث، وترجم عليه، ((باب الحجر على من
يفسد ماله)) وأخرجه أيضاً الترمذي(٢)، ثم قال: والعمل على هذا الحديث عند
بعض أهل العلم، وقالوا: الحجر على الرجل الحر في البيع والشراء، إذا كان
ضعيف العقل، وهو قول أحمد وإسحاق، ولم ير بعضُهم أن يحجر على الحر
البالغ، انتھی.
قال العيني (٣): استدل بالحديث الشافعي وأحمد وإسحاق على حجر
(١) ((فتح الباري)) (٣٣٨/٤).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٥٥٢/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (٣٩٤/٨).
٢٦٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حدیث
السفيه الذي لا يحسن التصرف، ووجه ذلك أنه لما طلب أهله النبي
الحجر عليه، دعاه، فنهاه عن البيع، وهذا هو الحجر، وهو المنع، قلنا: هذا
نهي خاص به لضعف عقله، ولا يسري هذا في الحجر على الحر العاقل
البالغ؛ لأن في حقه إهدار الآدمية.
واستدل أبو حنيفة بالحديث المذكور على أن ضعيف العقل لا يحجر
عليه، لأنه لما قال له: إنه لا يصبر عن البيع، أذن له فيه بالصفة التي ذكرها،
فهذا دالٌّ على عدم الحجر.
ومذاهب العلماء في الحجر كما في ((المغني)) (١): أن الحجر في اللغة:
المنع، وفي الشرع: منع الإنسان من التصرف في ماله، وهو على ضربين:
حجر عليه لحق نفسه، وحجر لحق غيره، كالحجر على المفلس لحق الغرماء،
وعلى المريض في التبرع بالزيادة على الثلث لحق الورثة، وعلى المكاتب
والعبد لحق السيد، وعلى الراهن في الرهن لحق المرتهن، ولهؤلاء أبواب
یذکرون فيها .
أما الأول: وهو المحجور عليه لحق نفسه، فثلاثةٌ، الصبيّ، والمجنونُ،
والسفيه، والحجر عليه عام؛ لأنهم يمنعون التصرف في أموالهم وذممهم،
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْثُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ﴾ الآية(٢) ﴿وَيْئَلُواْ الْيَنَ حَّةٌ
إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُ مِّنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية (٣) ومن أُوْنِسَ منه رشده دفع إليه
ماله، إذا كان قد بلغ، وهذا إجماع ليس فيه اختلاف، قال ابن المنذر: اتفقوا
على ذلك وقد أمر الله به في نص كتابه، ولا يعتبر في زوال الحجر عن
(١) ((المغني)) (٦/ ٥٩٣).
(٢) سورة النساء: الآية ٥.
(٣) سورة النساء: الآية ٦.
٢٧٠

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٤) حديث
المجنون إذا عقل حكم حاكم بغير خلاف، ولا يعتبر ذلك في الصبي إذا رشد،
وبهذا قال الشافعي، وقال مالك: لا يزول إلا بحاكم، كالسفيه، فصار الحجر
على ثلاثة أقسام: قسم يزول بغير حكم الحاكم، وهو حجر المجنون، وقسم
لا يزول إلا بحاكم، وهو حجر السفيه، وقسم فيه الخلاف، وهو حجر
الصبي .
ثم لا يُدْفع إليه المالُ قبل وجود الأمرين: البلوغ، والرشد، ولو صار
شيخاً، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال ابن المنذر: أكثر العلماء يرون الحجر
على كل مُضَيِّع لماله، صغيراً كان أو كبيراً، وهو قول القاسم ومالك والشافعي
وأحمد وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يدفع إليه ماله قبل خمس
وعشرين سنة، وإن تصرف نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمساً وعشرين سنة فك عنه
الحجر، ودفع إليه ماله، لقوله تعالى: ﴿َّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾(١) وهذا قد بلغ أشده،
ويصلح أن يكون جداً .
ولنا، قوله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَى﴾ الآية، عَلَّق الدفع على شرطين، وإذا
ثبت هذا، فإنه لا يصح تصرفه، ولا إقراره، وقال أبو حنيفة: يصح بيعُه
وإقرارُه، وإنما لا يسلم إليه ماله؛ لأن البالغ عنده لا يحجر عليه، وإنما منع
تسليم ماله إليه للآية.
ولنا، أنه لا يدفع إليه ماله لعدم رشده فلا يصح تصرفه وإقراره كالصبي
والمجنون؛ لأنه إذا نفذ تصرفه تلف ماله، ولم يفد منعه من ماله شيئاً، والرشد
الصلاح في المال في قول أكثر أهل العلم، منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد،
وقال الحسن والشافعي وابن المنذر: الرشد صلاحه في دينه وماله؛ لأن
الفاسق غير رشيد.
وإنما يعرف الرشد بالاختبار لقوله تعالى: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَى﴾، فالمحجور
(١) سورة الأنعام: الآية ١٥٢.
٢٧١

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٥) حديث
٩٩/١٣٩٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: إِذَا جِئْتَ أَرْضاً يُوفُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ،
فَأَطِلِ الْمُقَامَ بِهَا .
عليه إذا فكّ عنه الحجر، لرشده، وبلوغه، ودفع إليه ماله، ثم عاد إلى السفه
أعيد عليه الحجر، وبهذا قال القاسم بن محمد ومالك والشافعي وأحمد
والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيدة وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يبتدأ
الحجر على بالغ عاقل، وتصرفه نافذ، وروي ذلك عن ابن سيرين والنخعي؛
لأنه حرِّ مُكَلَّفٌ، فلا يحجر عليه، ولنا إجماع الصحابة، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): قال أبو حنيفة: لا يحجر على الحر العاقل البالغ
السفيه، وتصرفه في ماله جائز، وإن كان مبذراً مفسداً يتلف ماله فيما لا غرض
له فيه، ولا مصلحة، وقال أبو يوسف ومحمد، وهو قول الشافعي: يحجر على
السفيه، ويمنع من التصرف في ماله، ولأبي حنيفة أنه مخاطب عاقل، فلا
يحجر عليه، اعتباراً بالرشيد، وهذا، لأن في سلب ولايته إهدار آدميته،
وإلحاقه بالبهائم، وهو أشدُّ ضرراً من التبذير، فلا يتحمل الأعلى لدفع الأدنى.
ثم عند أبي حنيفة إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلم إليه ماله حتى يبلغ
خمساً وعشرين سنة، فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمساً
وعشرين سنة يُسَلَّمُ إليه مالهُ، وإن لم يؤنس منه الرشد، وقالا: لا يدفع إليه
مالهُ أبداً حتى يُؤنس رشدُه، ولا يجوز تصرفهُ فيه، انتهى.
٩٩/١٣٩٥ - (مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب)
التابعي الشهير (يقول: إذا جئت) بصيغة الخطاب (أرضاً) موصوف صفته
(يوفون) أي سُكَّانُها (المكيال والميزان) أي المقادير (فأطل) بصيغة الأمر من
الإطالة (المقام) بضم الميم أي الإقامة (بها).
(١) (٢٧٨/٢).
٢٧٢

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٥) حديث
وَإِذَا جِئْتَ أَرْضاً يُنَقِّصُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، فَأَقْلِلِ الْمُقَامَ بِهَا.
قال الباجي(١): يحتمل وجهين: أحدهما: أن يبارك لهم فيما يكيلونه
ويزنونه، فمن أطال المقام بها ناله من بركة عملهم وبورك له إذا عمل بعملهم
كما يبارك لهم، والوجه الثاني: أن يكون الخير والعدل شائعاً عندهم؛ لأن
الكيل والوزن إذا كان جارياً على ما أمر الله به من توفية الحق وظهوره حتى
يعم جميعهم، فإن الغالب أن سائر أحوالهم جارية على حسب ذلك، انتهى.
(وإذا جئت أرضاً ينقصون المكيال والميزان فأقلل) بفك الإدغام في النسخ
المصرية، وبالإدغام في الهندية (المقام بها). قال الباجي: يحتمل أيضاً
وجهين: أحدهما: أن هذه عقوبة قد عاقب الله من أجلها أمماً، وأهلكهم
بسببها، فَحذّر المقامَ ببلد يكون هذا فيهم، ويشيع في أسواقهم، وحَذَّرَ أن
يصيبهم بعذاب من عنده، فيناله معهم، والوجه الثاني: أن النقص في ذلك
يذهب بركة البيع، فلا حظ له في المقام فيه، وقد قال تعالى: ﴿وَيَلٌ
لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾﴾ الآية، وقال تعالى ما قال رسوله شعيب لقومه، فقال: ﴿وَيَقَوْمِ
أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾(٢) الآية.
وعلى كل وجه فإن ظهور المنكر وعمومه مما يحذر تعجيل عقوبته، وقد
قالت أم سلمة: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر
الخبث)»، فهذا مع الصالحين فكيف مع قلتهم أو مع عدمهم، نسأل الله تعالى
أن يتجاوز عنا بفضله ویتغمد زللنا برحمته، انتھی.
وفي ((الاستذكار))(٣): هذا يقتضي أنه لا ينبغي المقام بأرض يظهر فيها
المنكر ظهوراً لا يُطاق تغييره، وأن المقام بموضع يظهر فيه الحق، والأمر
(١) ((المنتقى)) (١٠٩/٥).
(٢) سورة هود: الآية ٨٥.
(٣) (١٠٣/٢١).
٢٧٣

٠٠٠
٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٦) حديث
١٠٠/١٣٩٦ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: أَحَبَّ اللَّهُ
بالمعروف، والنهي عن المنكر في الأغلب إذا وجد مرغوب فيه، وأما بخسُ
المكيال والميزان فحرام، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾﴾ الآية(١) قال قتادة
في هذه الآية: ابن آدم أوفِ كما تُحِبُّ أن يُوفَّى لك، واعدِلْ كما تُحِبُّ أن
يعدل عليك، وقال الفضيل بن عياض: بخس المكيال سواد الوجه غداً في
القيامة، قاله الزرقاني(٢).
وفي ((الدر))(٣): أخرج ابن مردويه عن ابن عباس - رضي الله عنه -
قال: قال رسول الله وَل: ((ما نقض قوم العهد إلا سلَّط اللَّهُ عليهم عدوهم،
ولا طفَّفوا الكيل إلا منعوا النبات وأُخِذُوا بالسنين))، وعلى هذا فمنع سعيد
من المقام بها خوفاً من الابتلاء بالجدب والقحط وغير ذلك من البلايا، ففي
(الدر)): أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال
رسول الله : ((ما نقص قوم المكيال والميزان إلا سلَّط الله عليهم
الجوع)).
١٠٠/١٣٩٦ - (مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع محمد بن المنكدر) بن
عبد الله التيمي (يقول) أخرجه البخاري موصولًا مرفوعاً برواية أبي غسان عن
محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله وَ لفير قال: ((رحم الله رجلاً
سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى)) (أحب الله) بفتح الهمزة والموحدة
الثقيلة، دعاء أو خبر، ولفظ البخاري وابن ماجه: رحم الله، لكن رواه البيهقي
من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ: أحب الله، قاله الزرقاني (٤).
(١) سورة المطففين: الآية ٣.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٣/٣).
(٣) ((الدر المنثور)) (٤٠٥/٨).
(٤) (شرح الزرقاني)) (٣٤٣/٣).
٢٧٤

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٦) حديث
عَبْداً. سَمْحاً إِنْ بَاعَ. سَمْحاً إِنِ ابْتَاعَ. سَمْحَاً إِنْ قَضَى. سَمْحاً إِنِ اقْتَضَى.
أخرجه البخاري من طريق أبي غسان محمد بن مطرّف، عن محمد بن
المنكدر، عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. في: ٣٤ - كتاب البيوع، ١٦ - باب السهولة
والسماحة في الشراء والبيع.
وقال الحافظ(١) في رواية البخاري: يحتمل الدعاء، ويحتمل الخبر،
وبالأول جزم ابن حبيب المالكي وابن بطال، ورجحه الداودي، ويؤيد الثاني
ما رواه الترمذي بطريق آخر عن ابن المنكدر في هذا الحديث: ((غفر الله لرجل
قبلكم كان سهلاً إذا باع)) الحديث(٢)، وهذا يشعر بأنه قصد رجلاً بعينه في
حديث الباب، قال الكرماني: ظاهره الإخبار، لكن قرينة الاستقبال المستفاد
من ((إذا)) نجعله دعاء وتقديره رحم الله رجلاً يكون كذلك.
(عبداً) أي إنساناً (سمحاً) بفتح السين المهملة، وسكون الميم، من السماحة،
وهي الجود صفة مشبهة تدل على الثبوت (إن باع) يعني يكون سمحاً عند بيعه بأن
يرضى قليل الربح مثلاً، وغير ذلك كما سيأتي (سمحاً إن ابتاع) أي إذا اشترى
(سمحاً إن قضى) أي أدّى ما عليه (سمحاً إن اقتضى) أي طلب حقه برفق ولين.
قال الباجي(٣): يريد - والله أعلم - بالسماحة من جهة البائع المسامحة
في الثمن، وذلك بأن يأخذ القيمة، ولا يشطط بطلب أكثر منها، ويتجاوز في
النقد، وأن ينظر بالثمن، وفي ((الواضحة)): تستحب المسامحة في البيع
والشراء، وليس هو ترك المكايسة فيه، وإنما هو ترك المضاجرة والكزازة
والرضا بالإحسان ويسير الربح وحسن الطلب بالثمن، قال: ويكره المدح والذم
في التبايع، ولا يفسخ به ويؤثم فاعله لِشبْهه بالخديعة، ومن المكروه الإلغاز
باليمين، وقد نهى عن ذلك عمر، والحلف فيه مكروه، وإن لم يلغز، وروي أن
(١) ((فتح الباري)) (٣٠٧/٤).
(٢) أخرجه الترمذي (١٣٢٠).
(٣) ((المنتقى)) (١٠٩/٥).
٢٧٥

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٦) حدیث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْإِبِلَ أَوِ الْغَنَمَ أَوِ الْبَزَّ أَوِ
الرَّقِيقَ. أَوْ شَيْئاً مِنَ الْعُرُوضِ جِزَافاً: إِنَّهُ لَا يَكُونُ الْجِزَافُ فِي شَيْءٍ
مِمَّا يُعَدُّ عَدًّا .
البركة ترفع منه باليمين، والمسامحة من المبتاع أن يقضي أفضل ما يجد، ولذا
قال ◌َله: ((أفضلكم أحسنكم قضاءً)» (١)، ويعجل القضاء، ولا يبلغ المطل،
انتھی .
(قال مالك في الرجل الذي يشتري الإبل) مثلاً (أو الغنم أو البز) بالموحدة
والزاي، (أو الرقيق) أو الدواب (أو شيئاً) آخر (من العروض) التي تباع عدداً،
فيشتريه (جزافاً) أي تخميناً بدون العدد، فقال مالك في ذلك: (إنه لا يكون
الجزاف) أي لا يجوز الشراء جزافاً (في شيء مما يعد عدداً) كذا في النسخ
الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها ((يعد عدّاً)).
قال الباجي: وهذا على ما قال: إنه لا يباع شيء مما ذكر جزافاً، ولا
نعلم في ذلك خلافاً بين العلماء غير أن قوله: ولا يكون الجزاف في شيء مما
يُعَدُّ عدداً يحتاج إلى تفسير. وذلك أن ما يُعَدُّ عدداً ينقسم على قسمين: قسمٌ:
تختلف صفاته كالخيل والإبل والرقيق وسائر الحيوان والثياب والعروض، فإن
هذا لا يكاد جملة منها تتفق آحادها، فهذا لا يجوز بيعه جزافاً.
وأما القسم الثاني: فلا تختلف صفاته على الوجه الذي ذكرنا كالجوز
والبيض، فهذا إذا وجدت جملة منها فأكثرها تتفق صفات آحادها في المقصود،
فهذا بيعه على الجزاف مع كونه معدوداً، وقد قال القاضي أبو محمد: يجوز
الجزاف في كل مكيل كالحنطة أو موزون كاللحم أو معدودٍ كالجوز والبيض،
مما الغرض في مبلغه دون أعيانه ولا آحاده.
أما ما ليس بمكيل ولا موزون مما الغرض في أعيانه كالخيل والرقيق
(١) أخرجه البخاري (٢٦٠٩).
٢٧٦

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٦) حديث
والثياب، فلا يجوز فيه الجزاف؛ لأن آحادها تحتاج أن تنفرد بالنظر، اهـ.
قلت: وهذا مبنيٌّ على أن الجزاف يجوز في أشياء عند مالك، ولا يجوز
في أشياء، قال ابن رشد (١): اتفقوا على أن العلم الذي يكون بهذه الأشياء من
قبل الكيل المعلوم، أو الصنوج المعلومة مؤثر في صحة البيع في كل ما كان
معلوم الكيل أو الوزن عند البائع والمشتري من جميع الأشياء المكيلة
والموزونة والمعدودة والممسوحة، وأن العلم بمقادير هذه الأشياء التي تكون
مِن قِبل الحرز والتخمين، وهو الذي يسمونه الجزاف يجوز في أشياء، ويُمْنَعُ
في أشیاء.
وأصل مذهب مالك في ذلك أنه يجوز في كل ما المقصود منه الكثرة لا
آحاده، وهو عنده على أصناف: منها: ما أصله الكيل، ويجوز جزافاً وهي
المكيلات والموزونات، ومنها: ما أصله الجزاف، ويكون مكيلاً، وهي
الممسوحات كالأرضين والثياب، ومنها: ما لا يجوز فيها التقدير أصلاً بالكيل
والوزن، بل إنما يجوز فيها العدد فقط، ولا يجوز بيعُها جزافاً، وهي كما قلنا
التي المقصود منها آحاد أعيانها، انتهى.
وذكر الدردير(٢) لجواز الجزاف سبعة شروط، فقال: جاز بيع جزاف ١ -
إن رُئِيَ حال العقد أو قبله، واستمرًّا على المعرفة لوقت العقد، فلا يجوز
الجزاف في غير مرئيّ، ٢ - ولم يكثر المبيع جداً، فإن كثر جداً بحيث يتعذر
حرزه أو قلّ جداً بحيث يسهل عدّه لم يجز جزافاً، ٣ - وجهلاه، ٤ - وحزراه،
٥ - واستوت أرضه، ٦ - ولم يعد بلا مشقة، ونبه بلفظ العدِّ على أن المكيل
والموزون يباع جزافاً ولو لم يكن مشقة، ٧ - ولم تقصد أفراده أي آحاده،
(١) ((بداية المجتهد)) (١٥٨/٢).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢٠/٣).
٢٧٧

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٦) حدیث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُعْطِي الرَّجُلَ السِّلْعَةَ يَبِيعُهَا لَهُ. وَقَدْ
قَوَّمَهَا صَاحِبُهَا قِيمَةً. فَقَالَ: إِنْ بِعْتَهَا بِهِذَا الثَّمَنِ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ،
فَلَكَ دِينَارٌ. أَوْ شَيْءٌ يُسَمِّيهِ لَهُ. يَتَرَاضَيَانِ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ تَبِعْهَا.
فَلَيْسَ لَكَ شَيْءٌ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذْلِكَ. إِذَا سَمَّى ثَمَناً يَبِيعُهَا بِهِ.
وَسمَّى أَجْراً مَعْلُوماً. إِذَا بَاعَ أَخَذَهُ. وَإِنْ لَمْ يَبِعْ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وهذا كالمستثنى من الشروط قبله، فإن كان في عده مشقة جاز بيعه جزافا إلا
أن تقصد أفراده بالثمن كالعبيد والثياب والدواب، فلا بد من عدها إلا أن يقل
ٹمن أفراده، فیجوز کبیض وتفاح ورمان، انتھی.
ومذهب الحنفية في ذلك ما في ((الهداية)) (١): أن الأعواض المشار إليها
لا يحتاج إلى معرفة مقدارها في جواز البيع، انتهى. وتقدم شيء من ذلك قبيل
((ما جاء في الصرف))، وتقدم فيه ما قال صاحب ((المحلى)): وعند أبي حنيفة لا
يضر الجزاف لا في النقدين ولا في غيره إلا في الجنس بالجنس في الأموال
الربوية، انتهى.
(قال مالك في الرجل يعطي الرجل) الآخر (السلعة) كي (يبيعها له) أي
للمالك (و) الحال أنه (قد قوَّمها صاحبها) أي مالكها (قيمة) أي عين لها القيمة
(فقال) المالك: (إن بعتها بهذا الثمن الذي أمرتك به فلك دينار) مثلاً (أو شيء)
آخر أقل من الدينار أو أكثر (يسميه له) أي يعين الأجرة (بتراضيان عليه) أي
على الأجر الذي عين له بشرط أن لا يعين للبيع أجلاً كما سيأتي (وإن لم تبعها
فليس لك شيء) أي لا أجر لك (إنه لا بأس بذلك) يعني يجوز.
ثم أكد الكلام السابق بقوله: (إذا سمى) للسلعة (ثمنا) معينا (يبيعها به
وسمى) أيضاً للعامل (أجراً معلوماً) متعيناً (إذا باع) العامل السلعة (أخذه) أي
الأجر (وإن لم يبع فلا شيء له) لأنه لم يعمل عملاً رتب عليه الأجر.
(١) (٢٣/٢).
٢٧٨

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَمِثْلُ ذُلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: إِنْ قَدَرْتَ
عَلَى غُلَامِي الآبِقِ. أَوْ جِئْتَ بِجَمَلِي الشَّارِدِ. فَلَكَ كَذَّا. فَهُذَا مِنْ
بَابِ الْجُعْلِ. وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ. وَلَوْ كَانَ مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ،
لَمْ يَصْلُحْ.
(قال مالك: ومثل ذلك) أي نظير المسألة السابقة (أن يقول الرجل للرجل)
الآخر: (إن قدرت على غلامي الآبق) فجئت به (أو جئت بجملي الشارد) مثلاً
(فلك كذا وكذا) دراهم وغيرها لشيء يسميه (فهذا) جائز؛ لأنه (من باب
الجعل) الذي قال الجمهور بجوازه في الآباق والضوال، قاله الزرقاني(١)
(وليس) هذا (من باب الإجارة و) ذلك لأنه (لو كان من باب الإجارة لم يصلح)
أي لم يجز، وبسط الباجي(٢) في شرائط الجعل وفروعه بسطاً كثيراً.
والجملة ما قال ابن رشد (٣): إن الجعل هو الإجارة على منفعة مظنون
حصولُها، مثل مشارطة الطبيب على البرء، والمعلم على الحذق، والناشد على
وجود العبد الآبق، وقد اختلف العلماء في جوازه، فقال مالك: يجوز ذلك في
اليسير بشرطين: أحدهما: أن لا يضرب لذلك أجلاً، والثاني: أن يكون الثمن
معلوماً، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وللشافعي القولان.
وعمدة من أجازه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ، حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ، زَعِيمٌ﴾
وإجماع الجمهور على جوازه في الإباق، والسؤال(٤). وعمدة من منعه الغرر
الذي فيه قياساً على سائر الإجارات، ولا خلاف في مذهب مالك أن الجعل
لا يستحق شيء منه إلا بتمام العمل وأنه ليس بعقد لازم، واختلف الفقهاء في
كثير من المسائل هل هو جعل أو إجارة، اهـ.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٤٤/٣).
(٢) ((المنتقى)) (١١٠/٥).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٢٣٥/٢).
(٤) كذا في الأصل، ش.
٢٧٩

٣٣ - كتاب البيوع
(٤٦) باب
(١٣٩٦) حديث
قال الباجي(١): ولا يجوز الجعل في عمل إن ترك العمل بقي للجاعل فيه
ما ينتفع به، قال ابن حبيب: فلا يجوز أن يقول: إن عملت لي شهراً فلك
كذا، وإلا فلا شيء لك.
وما يعمل فيه المجعول له على ضربين؛ أحدهما: أن يعمل في غير ملك
الجاعل، والثاني: أن يعمل في ملكه، فإن كان يعمل في غير ملكه مثل أن
يجعل له جعلاً في رد عبده الآبق أو جمله الشارد، أو يحفر له بئراً في غير
أرضه، فقال ابن حبيب: يجوز الجعل في مثل هذا على ما قلّ وكثُر؛ لأن
العامل إذا ترك العمل لا يبقى بيد الجاعل من ذلك شيء.
وأما الضرب الثاني، وهو أن يعمل في ملك الجاعل، وذلك مثل أن
يجعل له جعلاً على أن يحفر له بئراً في أرضه فلا يجوز؛ لأن الجعل مبنيٌّ على
أنه لا يلزم العامل إتمام العمل لما فيه من الغرر، فإذا حفر في ملك الجاعل،
ثم تركه قبل أن يكمله انتفع الجاعل بما عمله دون عوض، فلم يجز ذلك، وقد
اختلف قول مالك في الجعل يجعل للخصم على إدراك ما يخاصم عنه فیه،
وللطبيب على إبراء العليل، فقال في ((المدونة)): لا يجوز، وقال سحنون: وقد
روي عنه أنه جائز، انتهى.
وقال الموفق(٢): يجوز أن يستأجر كحّالاً لِيَكْحَلَ عينه؛ لأنه عمل جائزٌ
ويحتاج أن يقدر ذلك بالمدة؛ لأن العمل غير مضبوط فَيُقَدَّرُ به، ويحتاج إلى
بيان قدر ما يحكله مرة في كل يوم أو مرتين، فأما إن قدرها بالبرء، فقال
القاضي: لا يجوز؛ لأنه غير معلوم، وقال ابن أبي موسى: لا بأس بمشارطة
الطبيب على البرء، لأن أبا سعيد حين رقى الرجل شارطه على البرء،
(١) ((المنتقى)) (١١٠/٥).
(٢) ((المغني)) (١٢٠/٨).
٢٨٠