Indexed OCR Text
Pages 181-200
٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَانْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصْلُحُ. حِينَ قَالَ: انْقُدْ عَنِّي وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ. وَإِنَّمَا ذُلِكَ سَلَفٌ يُسْلِفُهُ إِيَّاهُ. عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لَهُ. وَلَوْ أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ هَلَكَتْ. أَوْ فَاتَتْ. أَخَذَ ذُلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي نَقَدَ الثَّمَنَ. مِنْ شَرِيكِهِ مَا نَقَدَ عَنْهُ. فَهْذَا مِنَ السَّلَفِ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً. (أشتري) بصيغة المتكلم في النسخ الهندية، وبصيغة الخطاب في النسخ المصرية، ولا يختلف الحكم في الصورتين (هذه السلعة) مشتركاً (بيني وبينك وانقد) بصيغة الخطاب (عني) أي أعط أنت ثمن حصتي أيضاً (وأنا أبيعها لك) يعني أنا أكفيك بيعها أي بيع نصيبك أيضاً (إن ذلك) العقد (لا يصلح) ولا يجوز (حين قال: انقد عني وأنا أبيعها لك) وهذا وجه عدم وجه الجواز، ثم فسر عدم الجواز بقوله: (وإنما) صار (ذلك) أي نقد عمرو الثمن (سلفٌ يسلفه إياه) أي يقرض عمرو زيداً (على) شرط (أن يبيعها) زيد (له) أي لعمرو (ولو أن تلك السلعة هلكت) بعد ذلك (أو فاتت) أي تغيرت بحوالة الأسواق وغيرها (أخذ ذلك الرجل) عمرو (الذي نقد الثمن من شريكه) أي من زيد (ما نقد عنه) مفعول أخذ (فهذا من السلف الذي يجر منفعة) لعمرو، فلذا منع. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: لأن قوله: انقد عني، اشتراط سلف يسلفه ثمنها، ليكفيه هو مؤنة بيعها، ويتولى ذلك دونه فقد جعل جعله في الانفراد ببيع السلعة الانتفاع بما يُسْلِفُه الآخر من ثمنها إلى أن يبيعها، ويردُّ عليه بما أسلفه، واستدل مالك على أن معنى هذا السلف، بأن السلعة لو هلكت لرجع المسلف على شريكه بما أسلفه من ثمنها، فإذا ثبت أن معناه السلف لم يجز ذلك، لأن من حكم القرض أن يكون على غير عوض ولا مقارضة، وهذا يمنع صحة هذا العقد، ويدخله مع ذلك غير ما وجه من وجوه الفساد. (١) ((المنتقى)) (٧٩/٥). ١٨١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث فإن وقع هذا العقد، فالسلعة بينهما، وللمسلف على صاحبه ماأسلفه نقداً، فإن لم يكن باع السلعة لم يكن بيعها؛ إلا أن العقد الذي وجب به عليه بيعها قد نقض، وإن كان المسلف قد باع السلعة، فله أجرة مثله فيما باع من نصيب المتسلف، وذلك أن الشراء قد وقع صحيحا لهما، وإنما وقع الفساد في الإجارة من أجل السلف، فالسلف مردود، وللعامل أجر عمله فيما عمل لشريكه، وله ربح حصة من السلعة. وقال الزرقاني(١): قال أبو عمر: اختلف قول مالك فيمن أسلف رجلًا سلفاً ليشاركه، وذلك على وجه الرفق، والمعروف، فكرهه مرة وأجازه مرة، واختاره ابن القاسم، فإن كان لنفاد بصيرته بالتجارة امتنع؛ لأنه سلف جر نفعاً، انتهى. قال الموفق(٢): أما المضاربة التي فيها شركة، وهي أن يشترك مالان وبدن صاحب أحدهما، مثل أن يخرج كل واحد منهما ألفاً، ويأذن أحدهما للآخر في التجارة بهما، فمهما شرطا للعامل من الربح إذا زاد على النصف جاز؛ لأنه مضارب لصاحبه في ألف، ولعامل المضاربة ما اتفقا عليه بغير خلاف، وإن شرطا له دون نصف الربح لم يجز؛ لأن الربح يستحق بمال وعمل، وهذا الجزء الزائد على النصف المشروط لغير العامل لا مقابل له، فبطل شرطه . وإن جعلا الربح بينهما نصفين، فليس هذا شركة ولا مضاربة؛ لأن شركة العنان تقتضي أن يشتركا في المال والعمل، والمضاربة تقتضي أن للعامل نصيباً من الربح في مقابلة عمله، ولم يجعلا له ههنا في مقابلة عمله شيئاً، وإنما (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٩/٣). (٢) ((المغني)) (١٣٩/٧). ١٨٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً ابْتَاعَ سِلْعَةً. فَوَجَبَتْ لَهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَشْرِكْنِي بِنِصْفِ هَّذِهِ السِّلْعَةِ، وَأَنَا أَبِيعُهَا لَكَ جَمِيعاً. كَانَ ذُلِكَ حَلالاً لَا بَأُسَ بِهِ. وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ: أَنَّ هُذَا بَيْعٌ جَدِيدٌ بَاعَهُ نِصْفَ السِّلْعَةِ. عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَّهُ النِّصْفَ الآخَرَ. جعلا الربح على قدر المالين، وعمله في نصيب صاحبه تَبَرٌُّ، فيكون ذلك إيضاعاً، وهو جائز إن لم يكن ذلك عوضا عن قرض، فإن كان العامل اقترض الألف أو بعضها من صاحبه لم يجز؛ لأنه جعل عمله في مال صاحبه عوضاً عن قرضه، وذلك غير جائز، انتهى. (قال مالك: ولو أن رجلاً ابتاع سلعة فوجبت له) أي للمشتري السلعة (ثم قال له رجل) آخر (أشركني) في سلعتك (بنصف هذه السلعة، وأنا أبيعها لك جميعاً، كان ذلك) العقد (حلالاً) يعني (لا بأس به، وتفسير ذلك) يعني توضيح الجواز (أن هذا بيعٌ جديدٌ باعه نصف السلعة على أن يبيع له النصف الآخر). قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن من اشترى سلعة وثبت له ملكها، ثم أتاه رجل، فقال له: أشركني في نصف هذه السلعة وأنا أبيعها لك جميعها، فإنه جائز، وذلك أنه باعه النصف الذي أشركه بنصف الثمن الذي ابتاعها به وبعمله في النصف الباقي له، فلم يدخل في ذلك شيء من الجهالة؛ لأن الثمن معلوم، والسلعة معلومة، وعمل الشريك في بيعها معلوم، وإنما يتعلق به من وجوه الاعتراض أنه جمع بين البيع والإجارة في عقد واحد، وذلك جائز عند مالك؛ لأنهما عقدان مبنيان على اللزوم، ومقصودهما واحد، فلا يتنافيان. قال الزرقاني(٢): واجتماع البيع والإجارة جائز عند مالك وأصحابه، وممنوع عند الشافعي والكوفيين؛ لأن الثمن عندهم مجهول لا يعلم مبلغه من (١) ((المنتقى)) (٨٠/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٩/٣). ١٨٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (٤٢) باب ما جاء في إفلاس الغريم مبلغ ثمن الإجارة حين العقد، ولأن الإجارة بيع منافع، فصار بيعتين في بيعة، انتھی . قال ابن رشد(١): الإجارة والبيع، أجازه مالك، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة، ولم يجز مالك أن يقترن بالبيع إلا الإجارة فقط، انتهى. (٤٢) ما جاء في إفلاس الغريم قال الزرقاني(٢): يقال: أفلس الرجل، كأنه صار إلى حال ليس له فلوس، وبعضهم يقول: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير فهو مفلس، والجمع مفاليس، وحقيقته الانتقال من حالة اليسر إلى العسر، كذا في ((المصباح)). وفي ((المفهم)): المفلس لغةً: من لا عين له ولا عرض، وشرعاً: من قصر ما بيده عما عليه من الديون وبنحوه. قال الحافظ في ((الفتح))(٣): وزاد في الأول فالهمزة على هذا في أفلس للسلب، انتهى. وفي ((المرقاة)) عن ((النهاية)): أفلس الرجل إذا لم يبق له مال، أو معناه صارت دراهمه فلوساً، وقيل: صار إلى حال يقال: ليس معه فلس، انتهى. قال الموفق(٤): المفلس هو الذي لا مال له ولا ما يدفع به حاجته، ولذا لما قال النبي ول# لأصحابه: ((أتدرون من المفلس؟» قالوا: يا رسول الله، المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: ((ليس ذلك المفلس، ولكن (١) ((بداية المجتهد)) (٢٢٧/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٠/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٦٣/٥). (٤) ((المغني)) (٥٣٦/٦). ١٨٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، ولطم هذا، وأخذ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء أخذ من سيآتهم، فَرُدّ عليه))، الحديث أخرجه مسلم (١) بمعناه، وإنما سمي هذا مُفْلِساً؛ لأنه لا مال له إلا الفلوس، وهي أدنى أنواع المال. والمفلس في عرف الفقهاء مَنْ دَيْنُه أكثر من ماله، وخرجُه أكثر من دخله، وسَمَّوْه مفلساً، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصرف في جهة دينه، فكأنه معدوم، وقد دل عليه تفسير النبي وَّ ر مفلس الآخرة، فأخبر أن له حسنات أمثال الجبال، لكنها كانت دون ما عليه، فقسمت بين الغرماء، وبقي لا شيء له، ويجوز أن يكون سُمِّي بذلك لما يؤول إليه من عدم ماله بعد وفاء دينه، ويجوز أن يكون سمي بذلك؛ لأنه يمنع من التصرف في ماله إلا الشيء التافه الذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها، انتهى. ثم قال: ومتى لزم الإنسان ديون حالةٌ لا يفي ماله بها، فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم، ويستحب أن يظهر الحجر عليه لتجتنب معاملته، فإذا حجر عليه ثبت بذلك أربعة أحكام، أحدها: تعلق حقوق الغرماء بعين ماله، والثاني: منع تصرفه في عين ماله، الثالث: أن من وجد عين ماله عنده، فهو أحق بها من سائر الغرماء، إذا وجدت الشروط، الرابع: أن للحاكم بيع ماله، وإيفاءه الغرماء، والأصل فيه ما روى كعب بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ حجر على معاذ بن جبل وباع ماله، رواه الخلال بإسناده، انتھی. وفي ((الشرح الكبير)) (٢): لا يجوز الحجر عليه بغير سؤال غرمائه؛ لأنه لا (١) أخرجه مسلم (٢٥٨١) (١٩٩٧/٤). (٢) (٤ /٤٦٢). ١٨٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٣) حديث ٨٧/١٣٨٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ولاية له في ذلك، إنما يفعله لحق الغرماء، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: ليس للحاكم الحجر عليه، فإذا أدى اجتهاده إلى الحجر عليه ثبت، لأنه فصل مجتهد فيه، ولنا، أن النبي وب لر حجر على معاذ، وباع ماله في دينه، رواه الخلال بإسناده، انتهى. وسيأتي شيء من ذلك في أبواب الأقضية. ٨٧/١٣٨٣ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) القرشي المخزومي (أن رسول الله وَالت) قال ابن عبد البر(١): هكذا في جميع ((الموطآت)) ولجميع الرواة عن مالك مرسلاً، إلا عبد الرزاق بخلف عنه، فوصله عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر عن أبي هريرة. وكذا اختلف أصحاب الزهري عنه في إرساله ووصله، ورواية من وصله صحيحة، فقد رواه عمر بن عبد العزيز عن أبي بكر عن أبي هريرة مرفوعاً، وبشير بن نهيك وهشام بن يحيى كلاهما عن أبي هريرة مرفوعاً، الثلاثة في الفلس دون ذكر الموت، والحديث محفوظ لأبي هريرة لا يرويه غيره فيما علمت، انتهى. كذا في ((الزرقاني))(٢). وفي ((المحلى)): لم يروه عن مالك موصولاً إلا عبد الرزاق، فزاد فيه عن أبي هريرة، انتهى. قلت: حديث عمر بن عبد العزيز أخرجه البخاري في ((صحيحه)) بدون ذكر البيع فيه، وسيأتي عند المصنف، قال الحافظ: هذا الحديث وإن كان مرسلاً، فقد وصله عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن مالك، لكن المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزهري. (١) ((التمهيد)) (٤٠٦/٨). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٠/٣). ١٨٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٣) حديث قَالَ: ((أيُّمَا رَجُلِ بَاعَ مَتَاعاً. فَأَقْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْهُ. وَلَمْ يَقْبِضِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْ ثَمَنِهِ شَيْئاً. فَوَجَدَهُ بِعَيْنِهِ . (قال: أيما) مركبة من أيّ وهي اسم ينوب مناب حرف الشرط، ومن ما المبهمة المزيدة، قال الطيبي: من المقحمات التي يستغنى بها عن تفصيل غير حاصر أو عن تطويل غير ممل (رجل) بجر بإضافة أي إليه، ورفعه بدل من أي، وليس المبدل منه على نية الطرح وما زائدة، وذكر الرجل باعتبار الغالب، والمراد إنسان رجلاً كان أو غيره (باع متاعاً) سلعة (فأفلس) أي صار مفلساً وتَبَيَّنَ إفلاسه (الذي ابتاعه) فاعل أفلس (منه) كذا ليحيى وسقط لغيره، والضمير للبائع (ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً). قال الحافظ(١): مفهومه أنه إذا قبض شيئاً من ثمنه كان أُسْوَةً للغُرْماء، وبه صرح ابن شهاب فيما رواه عبد الرزاق عن معمر عنه، وهذا وإن كان مرسلاً، فقد وصله عبد الرزاق في ((مصنفه))، عن مالك، ولابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز أحد رواة هذا الحديث، قال: قضى رسول الله وَالل أنه أحق به من الغرماء إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئاً، فهو أسوة للغرماء، وإليه يشير اختيار البخاري لاستشهاده بأثر عثمان، وكذا رواه عبد الرزاق عن طاووس وعطاء صحيحاً، وبذلك قال جمهور من أخذ بعموم حديث الباب إلا أن للشافعي قولاً، وهو الراجح في مذهبه أن لا فرق بين تغير السلعة أو بقائها، ولا بين قبض بعض ثمنها أو عدم قبض شيء منه، انتهى. (فوجده) أي وجد البائع متاعه (بعينه) أي لم يتغير. قال الحافظ: استدل به على أن شرط استحقاق صاحب المال أن يجده بعينه لم يتغير ولم يتبدل، وإلا فإن تغيرت العين في ذاتها بالنقص مثلاً أو في صفة من صفاتها فهي أسوة للغرماء، وأصرح منه رواية ابن أبي حسين عن أبي بكر بن محمد عن أبي هريرة عند مسلم بلفظ ((إذا وجد عنده المتاع ولم يفرقه))، وتقدم قريباً في كلام (١) ((فتح الباري)) (٦٣/٥). ١٨٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٣) حديث فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِنْ مَاتَ الَّذِي ابْتَاعَهُ، فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ فِيهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ)). الحافظ أن الجمهور فَرَّقُوا في ذلك بين التغير وعدمه والراجح في مذهب الشافعي أن لا فرق بين تغير السلعة وإبقائها (فهو) أي البائع (أحق به) من غيره أي كائناً من كان وارثاً أو غريماً. (وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيه) أي في متاعه (أسوة الغرماء) بضم الهمزة وسكون السين أي مساو لهم وأحد الشركاء معهم يأخذ مثل ما يأخذون، ويحرم عما يحرمون، قال الباجي(١): يريد أن حكم الموت في ذلك حكم الفلس؛ لأنه في فلس المبتاع البائع أحق بسلعته، وفي موت المبتاع البائع أسوة للغرماء، وقال الشافعي: صاحب السلعة أحق بها في الفلس والموت، وهما سواء، والدليل على ما نقوله حديث الباب، ومن جهة المعنى أن حظ تقديمه على غيره بعين ماله لإسقاط حق الغرماء وانفراده، والفرق بين الفلس والموت أن في الفلس الذمة باقية، يرجع الغرماء إليها، وينتظرون الاقتضاء منها، وفي الموت تبطل الذمة، فيكون ذلك إسقاطاً لحق باقي الغرماء عن مال قد ملكه غريمهم، لا رجوع لهم منه بشيء، انتهى. قال الزرقاني(٢): وبهذا قال مالك وأحمد، لنصه ◌َ لّ على الفرق بين الفلس والموت، وهو قاطع لموضع الخلاف، وقال الكوفيون: ليس هو أحق به فيهما، وقال الشافعي: هو أحق به فيهما، لحديث أبي داود وابن ماجه(٣) وغيرهما. عن أبي المعتمر عمرو بن نافع عن عمر بن خلدة الزرقي قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال: ((قضى رسول الله وَالر: أيما رجل مات أو أفلس، فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه)). (١) ((المنتقى)) (٩١/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٠/٣). (٣) أخرجه أبو داود (٣٥٢٣)، وابن ماجه (٢٣٦٠). ١٨٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث ٨٨/١٣٨٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ عَنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وأجيب بأن أبا المعتمر ليس بمعروف بحمل العلم، وقد قال أبو داود عقب روايته: من يأخذ بهذا، أبو المعتمر من هو؟ يعني أنه لا يعرفه، وفي ((التقريب)) أنه مجهول الحال، فحديث التفريق أرجح، فوجب العمل به وتقدیمه، انتھی. قال الحافظ(١): حديث عمر بن خلدة حديث حسن يحتجّ بمثله، أخرجه أحمد وأبو داود، وصححه الحاكم، وزاد بعضهم إلا أن يترك صاحبه وفاء، ورجحه الشافعي على المرسل، وقال: يحتمل أن يكون آخره من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن؛ لأن الذين وصلوا عنه لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووا عن أبي هريرة وغيره لم يذكروا ذلك، بل صرح ابن خلدة عن أبي هريرة بالتسوية بين الإفلاس والموت، فتعين المصير إليه؛ لأنها زيادة من ثقة، وجزم ابن العربي المالكي بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي، انتھی . قال الزرقاني(٢): ولو سُلِّم صلاحيتُه للحُجِّية، فقد قال المازري: إنه لم يذكر فيه بيعاً، فيحمل على أنه في الودائع أو غصباً أو تعدياً، وأيضاً فإنه لم يذكر فيه لفظه ◌َله، ولو ذكره لأمكن فيه التأويل، انتهى. قلت: وهكذا حملت الحنفية الروايات الخالية عن ذكر البيع على الودائع وغيرها . ٨٨/١٣٨٤ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي بكر بن محمد بن عمرو) بفتح العين (ابن حزم) بالزاي (عن عمر بن عبد العزيز) بن مروان الخليفة العادل. (١) ((فتح الباري)) (٦٤/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٣٠/٣). ١٨٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لَ قَالَ: ((أيُّمَا رَجُلِ أَفَلَسَ. فَأَدْرَكَ الرَّجُلُ مَالَهُ بِعَيْنِهِ. فَهُو أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ)). أخرجه البخاريّ في: ٤٣ - كتاب الاستقراض وأداء الديون، ١٤ - باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ٥ - باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس، حديث ٢٢. (عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي، وفي هذا السند أربعة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض. (عن أبي هريرة) - رضي الله عنه - (أن رسول الله وسلم قال: أيما رجل أفلس فأدرك) أي وجد (الرجل) الذي باعه أو أقرضه، قاله الزرقاني، وهذا يخالف ما سيأتي في كلام الحافظ أن المشهور عند مالك التفرقة بين البيع والقرض، وهذا مبني على أحد القولين في المذهب، واختلفت المالكية في الترجيح، كما بسطه الدردير(١) والدسوقي (مالَه بعينه فهو أحق به من غيره). وترجم البخاري في (صحيحه)) على حديث الباب ((باب إذا وجد ماله عند مفلس في البيع والقرض والوديعة فهو أحق به))، قال الحافظ (٢): في البيع إشارة إلى ما ورد في بعض طرقه نصاً، والقرض بالقياس عليه أو لدخوله في عموم الخبر، وهو قول الشافعي في آخرين، والمشهور عن المالكية التفرقة بين القرض والبيع، وقوله: في الوديعة هو بالإجماع، انتهى. قال العيني: (٣) صورة القرض، أن يقرض لرجل مما يصح فيه القرض، ثم أفلس المستقرض، فوجد المقرض ما أقرضه عنده، فهو أحق به من غيره، انتھی . (١) ((الشرح الكبير)) (٢٦٢/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٦٣/٥). (٣) ((عمدة القاري)) (١١٦/٩). ١٩٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حدیث قال ابن عبد البر: هذا الحديث صحيح ثابت من رواية الحجازيين والبصريين، وأجمع على القول بجملته فقهاء المدينة والحجاز والبصرة والشام. وإن اختلفوا في بعض فروعه، انتهى. قلت: وجملة اختلافهم في فروعه ما قال الموفق(١): إن المفلس متى حجر عليه، فوجد بعضُ غرمائه سلعتَه التي باعها بعينها، بالشروط التي يَذْكُرِها، مَلَكَ فَسْخَ البيعِ، وأَخَذَ سِلْعَته، رُوي ذلك عن عثمان وعلي وأبي هريرة - رضي الله عنهم -، وبه قال عروة ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر. وقال الحسن والنخعي وابن شبرمة وأبو حنيفة: هو أسوة الغرماء، وزاد العيني فيهم الشعبي في رواية، ووكيع بن الجراح وأبا يوسف ومحمداً وزفر، قال: وروي عن علي - رضي الله عنه - نحو ما ذهب إليه هؤلاء. قال الموفق(٢): والبائع إنما يستحق الرجوع في السلعة بخمس شرائط؛ أحدها: أن تكون السلعة باقية بعينها لم يتلف بعضها، فإن تلف جزء منها لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوة الغرماء، وبهذا قال إسحاق، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء بحصة التالف . الثاني: أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلة، كالسمن، والكبر، وتعلم الصناعة أو الكتابة ونحو ذلك، واختلف المذهب في هذا، فذهب الخرقي إلى أنها تمنع الرجوع، وروى الميموني أنها لا تمنع، وهو مذهب مالك والشافعي، إلا أن مالكاً يُخَيِّر الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به. (١) ((المغني)) (٥٣٨/٦). (٢) (٥٤٣/٦ - ٥٨٩). ١٩١ . ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث الثالث: أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً، فإن كان قد قبض بعض الثمن سقط حق الرجوع، وبهذا قال إسحاق والشافعي في القديم، وقال في الجديد: له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن، وقال مالك: هو مُخَيَّرٌ إن شاء ردّ ما قبضه، ورجع في جميع العين، وإن شاء حاصَّ الغُرَماءَ ولم يرجع. الرابع: أن لا يكون تعلق بها حق الغير، فإن رهنها المشتري أو وهبها، ثم أفلس لم يملك البائع الرجوع، كما لو باعها أو أعتقها، ولا نعلم في هذا خلافاً . الخامس: أن يكون المفلس حياً، فإن مات فالبائع أسوة الغرماء، سواء علم بفلسه قبل الموت أو مات، فتبين فلسه، وبهذا قال مالك وإسحاق، وقال الشافعي: له الفسخ واسترجاع العين، انتهى مختصراً، وتقدم الخلاف في الموت قريباً في الحديث السابق. وقد عرفت أن القائلين بالعمل على حديث الباب اختلفوا في محمل الحديث جداً، ولم يتعين عندهم محملُ قوله وَله: ((وجد ماله بعينه))، فحمله بعضهم على محمل لم يحمل عليه غيره، وكذا ما ورد في طرقه من قبض المتاع وزيادة الموت، قبله بعضهم، وتكلم عليه آخرون فأيُّ ضيرٍ في أن الحنفية ومن معهم جعلوا للحديث محملاً غير ما حمل عليه هؤلاء الفحول أو تكلموا على الحديث؛ لكونه خبر آحاد يخالف الأصول أو النصوص الأخر. وكيف عَدُّوا عليهم ردَّ السنة الصحيحة الثابتة بغير حجة، وحاشاهم أن يردُوا سنة ولو ضعيفة بغير حجة. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اَللّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًّا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾(١) . قال ابن عبد البر: وحجتهم أن السلعة مال المشتري وثمنها في ذمته، فغرماؤه أحق بها كسائر ماله، وهذا ما لا يخفى على أحد، لولا أن صاحب (١) سورة الأحزاب: الآية ٣٦. ١٩٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث الشريعة جعل لصاحب السلعة إذا وجدها بعينها أخذها، وقالت الحنفية: إنه كالغرماء، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةُ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾(١) فاستحق النظرة إليها بالآية، وليس له الطلب قبلها . قال العيني(٢): وأجاب الطحاوي عن حديث الباب أن المذكور فيه ((من أدرك ماله بعينه)) والمبيع ليس هو عين ماله، وإنما هو عين مال قد كان له، وإنما ماله بعينه يقع على المغصوب، والعواري، والودائع، وما أشبه ذلك، فذلك ماله بعينه فهو أحق به من سائر الغرماء. وفي ذلك جاء الحديث عن سمرة أن رسول الله وَ ل ير قال: ((من سرق له متاع أو ضاع، فوجده عند رجل بعينه فهو أحق بعينه، ويرجع المشتري على البائع بالثمن)) فهذا يبين أن المراد من حديث أبي هريرة أنه على الودائع ونحوها، وأن صاحب المتاع أحق به إذا وجده في يد رجل بعينه، وليس للغرماء فيه نصيب؛ لأنّه باقٍ على ملكه، بخلاف ما إذا باعه وسلَّمه إلى المشتري، فإنه يخرج عن ملكه، وإن لم يقبض الثمن. وفي ((المحلى)): قال بعضهم: حملنا الحديث على العقد بالخيار، أي إذا كان الخيار للبائع، وظهر له في مدته أن المشتري مفلسٌ، فالأنسب له أن يختار الفسخ، وقال محمد في ((موطئه))(٣) بعد حديث الباب: قال محمد: إذا مات، وقد قبضه، فصاحبه فيه أسوة للغرماء، وإن كان لم يقبض المشتري، فهو أحق به من بقية الغرماء حتى يستوفي حقه، وكذلك إن أفلس المشتري ولم يقبض ما يشتري، فالبائع أحق بما باع حتى يستوفي حقه، انتهى. (١) سورة البقرة: الآية ٢٨٠. (٢) ((عمدة القاري)) (١٢٠/٩). (٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢٤٦/٣). ١٩٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ بَاعَ مِنْ رَجُلِ مَتَاعاً. فَأَفْلَسَ الْمُبْتَاعُ. فَإِنَّ الْبَائِعَ إِذَا وَجَدَ شَيْئاً مِنْ مَتَاعِه بِعَيْنِهِ، أَخَذَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ بَعْضَهُ، وَفَرَّقَهُ. فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْغُرَمَاءِ. لَا يَمْنَعُهُ مَا فَرَّقَ الْمُبْتَاعُ مِنْهُ، أَنْ يَأْخُذَ مَا وَجَدَ بِعَيْنِهِ، والبحث فيه طويل الذيل، وأجاد الشيخ في ((البذل))(١) فيما حكاه عن تقرير القطب الكنكوهي من الفرق بين الروايات التي ورد فيها لفظ البيع، إذ حملها على المبيع الذي لم يقبض، والروايات الخالية عن ذلك اللفظ إذ حملها على العواري ونحوها، فإنه تقرير أنيق، فارجع إليه لو شئت. (قال مالك في رجل باع من رجل متاعاً) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (أو طعاماً) وليس هذا في النسخ المصرية (فأفلس المبتاع) أي المشتري (فإن البائع إذا وجد شيئاً من متاعه بعينه) يعني لم يفرقه المشتري (أخذه) البائع إذا وجده كله (فإن كان المشتري قد باع بعضه) أي بعض المتاع (وفرقه فصاحب المتاع أحق به) أي أحق بما بقي من المتاع (من الغرماء) متعلق بأحق. و(لا يمنعه) أي البائع (ما فرّق المبتاع منه) أي من المتاع (أن يأخذ ما وجد) بنصيبه من الثمن (بعينه) لصدق الحديث على هذا الموجود، ويحاصص الغرماء بنصيب الغائب، وإن شاء سلّم ما وجد من المبيع، وحاص الغرماء بالثمن كله، وهذا هو الشرط الأول من الشرائط الخمسة المذكورة فيما سبق. قال الموفق(٢) في الشرائط: أحدها: أن تكون السلعة باقية بعينها لم يتلف بعضُها، فإن تَلِفَ جزءٌ منها كبعض أطراف العبد أو تلف بعض الثوب أو انهدم بعض الدار، لم يكن للبائع الرجوع، وكان أسوةَ الغرماء، وبهذا قال إسحاق، وقال مالك والشافعي: له الرجوع في الباقي، ويضرب مع الغرماء (١) ((بذل المجهود)) (٢٠٣/١٥). (٢) ((المغني)) (٦/ ٥٤٣). ١٩٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث فَإِنِ اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِ الْمُبْتَاعِ شَيْئاً. فَأَحَبَّ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَقْبِضَ مَا وَجَدَ مِنْ مَتَاعِهِ. وَيَكُونَ فِيمَا لَمْ يَجِدْ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ، فَذْلِكَ لَهُ. بحصة التالف؛ لأنها عين يملك الرجوع في جميعها، فملك الرجوع في بعضها. ولنا، قوله وَج: ((من أدرك متاعه بعينه)) فشرط أن يجده بعينه ولم يجده بعينه، وإن باع بعض المبيع، أو وهبه، أو وقفه فهو بمنزلة تلفه؛ لأن البائع ما أدرك مالَه بعينه. (فإن اقتضى) البائع (من ثمن المتاع) هكذا في النسخ الهندية، وهو الأوجه مما في النسخ المصرية(١) من لفظ ((ثمن المبتاع)) (شيئاً) قبل الفلس (فأحب) بصيغة الماضي والضمير للبائع (أن يردّه) أي يردّ البائع ما أخذ من ثمن السلعة (ويقبض ما وجد من متاعه ويكون) البائع (فيما لم يجد أسوة الغرماء فذلك له) جائز، وإن شاء أن لا يأخذ ما وجد، ويحاص الغرماء ما بقي له من الثمن، فذلك أيضاً جائز، وهذا هو الشرط الثالث من الشرائط الخمسة المذكورة . قال الموفق(٢): الشرط الثالث، أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئاً، فإن كان قد قبض بعض ثمنها، سقط حق الرجوع، وبهذا قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد: له أن يرجع في قدر ما بقي من الثمن؛ لأنه سبب ترجع به العين كلها إلى العاقد، فجاز أن يرجع به بعضها، وقال مالك: هو مُخَيَّر إن شاء ردّ ما قبضه ورجع في جميع العين، وإن شاء حاص الغرماء ولم يرجع. ولنا، ما روى أبو هريرة، فذكر حديث الإفلاس، وفيه: ولم يكن قبض من ثمنها شيئاً، فهي له، وإن كان قد قبض من ثمنها شيئاً، فهو أسوة الغرماء، (١) هكذا في نسخة: ((الاستذكار)) (٢٦/٢١) أيضاً. (٢) ((المغني)) (٦/ ٥٦١). ١٩٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ. غَزْلاً أَوْ مَتَاعاً أَوْ بُقْعَةً مِنَ الْأَرْضِ. ثُمَّ أَحْدَثَ فِي ذُلِكَ الْمُشْتَرَىَ عَمَلاً. بَنَى الْبُقْعَةَ دَاراً. أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ ثَوْباً. ثُمَّ أَفْلَسَ الَّذِي ابْتَاعَ ذُلِكَ. فَقَالَ رَبُّ الْبُقْعَةِ: أَنَا آخُذُ الْبُفْعَةَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْبُنْيَانِ: إِنَّ ذُلِكَ لَيْسَ لَهُ. وَلَكِنْ تُقَوَّمُ الْبُقْعَةُ وَمَا فِيهَا مِمَّا أَصْلَحَ الْمُشْتَرِي. ثُمَّ يُنْظَرُ كَمْ ثَمَنُ الْبُقْعَةِ؟ وَكَمْ ثَمَنُ الْبُنْيَانِ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ؟ ثُمَّ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي ذُلِكَ. رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني(١)، وتقدم في ((الموطأ)) أيضاً بمعناه. (قال مالك: ومن اشترى سلعة من) أنواع (السلع) جمع سلعة، ثم مَثَّلَ بعض الأنواع بقوله (غزلاً أو متاعاً) آخر (أو بقعة) بضم الموحدة أي قطعة (من الأرض، ثم أحدث في ذلك) المشترى بالفتح (المشتري) بكسر الراء، فاعل أحدث (عملاً) كما إذا (بنى البقعة داراً) مثلاً (أو نسج الغزل ثوباً، ثم أفلس الذي ابتاع فقال رب البقعة) أي البائع: (أنا آخذ البقعة وما فيها من البنيان) وهكذا إن قال رب الغزل: أنا آخذ هذا الثوب المنسوج. فقال مالك في الصورة المذكورة: (إن ذلك ليس له) أي لا يجوز له أخذ المعمول (ولكن تُقَوَّمُ) ببناء المجهول من التقويم (البقعة) نائب الفاعل (وما فيها) أي البقعة عطف على البقعة (مما أصلح المشتري) بيان لما يعني تقوم البقعة مع البناء، فيكون قيمتها مثلاً ألف دينار. (ثم يُنْظَرُكم ثمنُ البقعة) بدون البناء، فيكون مائتا دينار مثلاً (وكم ثمن البنيان) الذي بناه المشتري (من تلك القيمة) أي من مجموع القيمة، فيكون ثمانمائة دينار، وسيأتي مثاله في تفسير المصنف قريباً (ثم يكونان) أي صاحب البقعة والمفلس ويكون حصة المفلس منصرفاً إلى الغرماء لإفلاسه (شريكين في ذلك) (١) أخرجه أبو داود (٣٥٢٠)، وابن ماجه (٢٣٥٩)، والدارقطني في ((سننه)) (٣٠/٣). ١٩٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث لِصَاحِبِ الْبُقْعَةِ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ. وَيَكُونُ لِلْغُرَمَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْبُنْيَانِ. قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ ذُلِكَ كُلِّهِ أَلْفَ دِرْهَم وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَتَكُونُ قِيمَةُ الْبُفْعَةِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَم وَقِيمَةُ الْبُنْيَانِّ أَلْفَ دِرْهَمٍ. فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْبُفْعَةِ الثُّلُثُ. وَيَكُونُ لِلْغُرَّمَاءِ الثُّلْنَانِ. قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ الْغَزْلُ. وَغَيْرُهُ. مِمَّا أَشْبَهَهُ. إِذَا دَخَلَهُ هذَا. وَلَحِقَ الْمُشْتَرِيَ دَيْنٌ. لَا وَفَاءَ لَهُ عِنْدَهُ. وَهُذَا، الْعَمَلُ فِيهِ. البناء مع البقعة، وتفصيل الشركة أن (لصاحب البقعة بقدر حصته) أي بقدر البقعة (ويكون للغرماء بقدر حصة البنيان). ثم أوضح المصنف المسألة المذكورة بالمثال فقال: (قال مالك: وتفسير ذلك) المذكور سابقاً من المسألة (أن تكون قيمة ذلك كله) أي قيمة البقعة مع البنيان (ألف درهم وخمسمائة درهم) مثلاً (فتكون) بعد تقويم البقعة برأسها وتقويم البنيان برأسه (قيمة البقعة) بدون البناء (خمسمائة درهم) مثلاً (وقيمة البنيان ألف درهم) مثلاً (فيكون) حينئذٍ بعد تقويم الكل (لصاحب البقعة الثلث) لأن قيمة البقعة ثلث الكل (ويكون للغرماء الثلثان) لأن حقهم في البنيان فقط. والبقعة وجدها صاحب المتاع بعينه. (قال مالك: وكذلك) أي مثل البقعة والبنيان (الغزل) إذا اشتراه أحد ثم عمل فيه الثوب ثم أفلس، وكذلك الحكم في غير الغزل، وهو المراد بقوله: (وما أشبهه) أي أشبه الغزل في أن المشتري اشتراه ثم عمل فيه عملاً (إذا دخله هذا) أي دخل في المشترى عمل من المشتري (ولحق المشتري دين لا وفاء له) حتى صار مفلساً (وهذا العمل فيه) وهو أن يقوم الشيء قبل العمل وبعد العمل، ثم يقسم مثل ما تقدم في البقعة. قال الباجي(١): وهذا على ما قال في الذي يبني في البقعة، وينسخ (١) ((المنتقى)) (٥/ ٩٢). ١٩٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث الغزل، ثم يفلس إنما ينظر إلى قيمة ذلك كله يوم الحكم فيه، رواه ابن عيسى عن ابن القاسم في ((المدنية))، وقال: يقوم جميع البنيان جملة ولا يقوم جداراً أو خشبة خشبة، وإنما يقال: كم قيمة هذه الدار مبنية؟ فتعرف قيمتها، ثم يقال: ما قيمة البقعة براحاً، لا بناء فيها؟ فيكونان فيه شركاء صاحب البقعة بقيمة بقعته، وصاحب البنيان بقيمة بنيانه، ورواه عيسى عن يحيى عن ابن نافع. وفي ((المبسوط)): شرطان: أحدهما: أن يكون العمل زيادة في المبيع، والثاني: أن يكون العمل لا يفيته، وذلك أن يبيع جلوداً، فيدبغها المبتاع أو ثياباً فيصبغها أو يقصرها، فإن البائع يكون له أن يأخذ سلعته، ويشارك الغرماء بقيمتها، وروى أصبغ عن ابن وهب أنه قال: إن ذلك فوت، ثم رجع إلى هذا . وجه القول الأول أن العين قد تغيرت تغيراً لا سبيل أن تعود إلى صفتها الأولى، فكان ذلك فوتاً فيها، ووجه القول الثاني أن العين على ما كانت عليه، وإنما زيد فيها عمل، وأضيف إليها معنى كالنسج، انتهى. وقال الموفق(١): إن كان المبيع أرضاً، فبناها المشتري أو غرسها، ثم أفلس، فأراد البائع الرجوعَ في الأرض نَظَرْتَ، فإن اتفق المفلسُ والغرماء على قلع الغراس والبناء، فلهم ذلك؛ لأن الحق لهم، لا يخرج عنهم، فإذا قلعوه فللبائع الرجوع في أرضه؛ لأنه وجد متاعه بعينه، قال أصحابنا: ويستحق الرجوع قبل القلع، وهو مذهب الشافعي، ويحتمل أن لا يستحقه حتى يوجد القلع؛ لأنه قبل القلع لم يدرك متاعه إلا مشغولاً بملك المشتري. وقال أيضاً (٢): وإن اشترى حنطة فطحنها، أو ثوباً فقطعه قميصاً، أو (١) ((المغني)) (٦/ ٥٥٧). (٢) (٥٤٦/٦). ١٩٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حدیث قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا مَا بِيعَ مِنَ السِّلَعِ الَّتِي لَمْ يُحْدِثْ فِيهَا الْمُبْتَاعُ شَيْئاً. إِلَّا أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ نَفَقَتْ وَارْتَفَعَ ثَمَنُهَا. فَصَاحِبُهَا يَرْغَبُ فِيهَا وَالْغُرَمَاءُ يُرِيدُونَ إِمْسَاكَهَا. فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يُخَيَّرُونَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوا رَبَّ السِّلْعَةِ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ. وَلَا يُنَقِّصُوهُ شَيْئاً، وَبَيْنَ أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ سِلْعَتَهُ. غزلاً فنسجه ثوباً، أو شيئاً فعمل به ما أزال اسمه سقط حقُّ الرجوع، وقال الشافعي: فيه قولان، أحدهما، به أقول(١)، يأخذ عين ماله، ويُعْطِي قيمةَ عمل المفلس فيها، لأن عين ماله موجودة، وإنما تَغَيَّرَ اسمها، ولنا، أنه لم يجد متاعه بعينه فلم يكن له الرجوع كما لو تَلِفَ، ولأنه غَيَّرَ اسمه وصفته، فلم يكن له الرجوع، كما لو كان نوىً فنبت شجراً، انتهى. (قال مالك: فأما ما بيع) ببناء المجهول، يعني من باع سلعته، فأفلس المشتري (من السلع) جمع سلعة، ((ومن)) بيان لما (التي لم يُحدِث فيها المبتاع شيئاً) يعني وجده البائع بعينه صورة (إلا أنّ تلك السلعة نفقت) أي راجت، وفسره بقوله: (وارتفع ثمنها) أي زادت قيمتها لغلائها (فصاحبها يرغب فيها) أي صاحب السلعة، وهو البائع يرغب فيها لغلائها (والغرماء يريدون إمساكها) لغلائها (فإن الغرماء يخيّرون) ببناء المجهول من التخيير (بين أن يعطوا ربَّ السلعة الثمن الذي باعها به ولا ينقصوه شيئاً) من الثمن، فتكون لهم الزيادة الحاصلة للغلاء (وبين أن يسلموا إليه) أي إلى صاحب السلعة، وهو البائع (سلعته). قال الموفق (٢): الشرط الثاني لرجوع البائع، أن لا يكون المبيع زاد زيادة متصلة، كالسمن والكبر، وتعلّم الصناعة، واختلف المذهب في هذا، (١) كذا في الأصل وكذا في ((الشرح الكبير))، والظاهر فيه تحريف من الناسخ، ((ش)). (٢) («المغني)) (٥٤٩/٦). ١٩٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٢) باب (١٣٨٤) حديث وَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَدْ نَقَصَ ثَمَنُهَا، فَالَّذِي بَاعَهَا بِالْخِيَارِ. إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ سِلْعَتَهُ وَلَا تِبَاعَةَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ. فَذَلِكَ لَهُ. وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ غَرِيماً مِنَ الْغُرَمَاءِ، يُخَاصُّ بِحَقِّهِ، وَلَا يَأْخُذُ سِلْعَتَهُ. فَذْلِكَ لَهُ. وَقَالَ مَالِكٌ، فِيمَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً أَوْ دَابَّةً. فَوَلَدَتْ عِنْدَهُ. ثُمَّ أَقْلَسَ الْمُشْتَرِي : فذهب الخرقي إلى أنها تمنع الرجوع، وروى الميموني عن أحمد أنها لا تمنع، وهو مذهب مالك والشافعي إلا أن مالكاً يخير الغرماء بين أن يعطوه السلعة أو ثمنها الذي باعها به (وإن كانت السلعة قد نقص ثمنها) أي ثمن السلعة لرخص الأسواق (فالذي باعها) أي رب السلعة (بالخيار إن شاء أن يأخذ سلعته) (و) الحال أن (لا تِبَاعَة) بكسر المثناة الفوقية بزنة كتابة أي لا بقية (له في شيء من مال غريمه) يعني يعطى السلعة فقط لا شيء آخر معها (فذلك له) جائز (وإن شاء) رب السلعة (أن يكون غريماً من الغرماء) وشريكاً لهم له ذلك أيضاً وعلى هذا (بحاص) بتشديد الصاد أي يشترك مع الغرماء (بحقه) يصل إليه من مال الغريم بنحو ما يصل إليهم (ولا يأخذ) حينئذ (سلعته فذلك له) جائز. وقال الموفق (١): إن نقصت مالية المبيع لذهاب بعض صفته مع بقاء عينه، كعبد هُزِلَ، أو كان ثوباً فَخَلَقَ، لم يمنع الرجوع؛ لأن فَقْد الصفة لا يُخرجه عن كونه عين ماله، لكنه يتخيّر بين أخذه ناقصاً بجميع حقه، وبين أن يضرب مع الغرماء بكمال ثمنه؛ لأن الثمن لا يتقَسَّطُ على صِفَةِ السِّلعة من سِمنٍ أو هُزَالٍ، فيصير كنقصه لتغيّر الأسعار، انتهى. (قال مالك، فيمن اشترى جارية أو دابة فولدت) الجارية أو الدابة (عنده) أي عند المشتري (ثم أفلس المشتري) بعد النتاج، فأراد البائع أخذ سلعته (١) ((المغني)) (٥٤٤/٦). ٢٠٠