Indexed OCR Text
Pages 161-180
٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حديث ١٣٨١/ ٨٥ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ أَبِيعُ بِالدَّيْنِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تَبَعْ إِلَّا مَا آوَيْتَ إِلَى رَحْلِكَ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنَ الرَّجُلِ. عَلَى أَنْ يُوَفِيَهُ تِلْكَ السِّلْعَةَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى. إِمَّا لِسُوقٍ يَرْجُو نَفَاقَهَا فِيهِ. وَإِمَّا لِحَاجَةٍ فِي ذُلِكَ الزَّمَانِ الجمهور إلى عدم الرجوع مطلقاً، انتهى. وسيأتي شيء من ذلك في أبواب القضاء. ٨٥/١٣٨١ - (مالك عن موسى بن ميسرة) الديلي (أنه سمع رجلاً يسأل سعيد بن المسيب فقال) السائل المذكور: (إنّي رجل أبيع بالدين) يعني أداينُ الناس، فأبيع منهم قبل القبض (فقال سعيد) بن المسيب: (لا تبع) بصيغة النهي (إلا ما آويت إلى رحلك). قال الزرقاني(١): قال الباجي: لما علم أنه يُدِاينُ الناسَ خاف عليه العِيْنَةَ للذريعة أن يبيع ما لم يملكه أو يشتريه بعد موافقة المبتاع منه على بيعه بثمن يتفقان عليه، وربما يولي قبضه هذا المبتاع الأخير، فيكون كأنه أسلفه ثمنه الذي ابتاعه به في ثمنه الذي باعه منه به وهو أكثر منه، انتهى. (قال مالك في الرجل يشتري من الرجل السلعة) هكذا سياق النسخ الهندية، ولفظ النسخ المصرية: قال مالك في الذي يشتري السلعة من الرجل، والمؤدى واحد، أي اشترى زيد مثلاً من عمرو سلعة (على أن يُوفّيه) أي أن يُوَفِّي عمرو زيداً (تلك السلعة إلى أجل مسمى) أي بعد شهرين مثلاً (إما لِسُوقٍ يرجو) زيد (نفاقَه) بفتح النون، أي رواجه ليربح زيد في هذه السلعة إذ ذاك، وفي نسخة ((نفاقها)) أي نفاق السلعة (وإما لحاجة) أخرى لزيد (في ذلك الزمان (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٦/٣). ١٦١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حديث الَّذِي اشْتَرَطَ عَلَيْهِ. ثُمَّ يُخْلِفُهُ الْبَائِعُ عَنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ. فَيُرِيدُ الْمُشْتَرِي رَدَّ تِلْكَ السِّلْعَةِ عَلَى الْبَائِعِ: إِنَّ ذُلِكَ لَيْسَ لِلْمُشْتَرِي. وَإِنَّ الْبَيْعَ لَازِمٌ لَهُ. وَإِنَّ الْبَائِعَ لَوْ جَاءَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ لَمْ يُكْرَهِ الْمُشْتَرِي عَلَى أَخْذِهَا . الذي اشترط عليه) وهو الشهران في مثالنا، يعني يحتاج زيد إلى هذه السلعة بعد شهرین. (ثم يُخْلِفُهُ) أي زيداً (البائع) عمرو فاعل يخلف (عن ذلك الأجل) المذكور، فلا يُوَفِيه في الوقت المشترط (فيريد المشتري) زيد (ردَّ تلك السلعة) التي جاء بها البائع بعد الوقت (على البائع) عمرو (إن ذلك ليس للمشتري) أي لا يجوز لزيد ردُّه (وإن البيع لازم له) للمشتري؛ لأن ذلك المبيع بمنزلة الدين على عمرو (وإن البائع) أي عمراً (لو جاء بتلك السلعة قبل محل الأجل) أي قبل الشهرين (لم يُكْرَه) أي لم يجبر (المشتري) زيد (على أخذها) لأن له غرضاً في التأخير الذي وقع البيع عليه. قال الباجي(١): وهذا على ما قال في الذي يشتري السلعة من الرجل يريد بالشراء ههنا السلم، فمن أسلم في سلعة إلى أجل مسمّى لغرض كان له فيها عند ذلك الأجل، فيخلفه البائع عند ذلك الأجل، ويأتي بها عند استغناء المسلم عنها، فإنها تلزم المسلم، وليس له رَدُّها؛ لأنها بمنزلة المدين على البائع، فإذا أخّر الدين عن محله، لم تجب بذلك استحالة جنس الدين، ولا نقله إلى غيره، ولا نقض العقد الذي كان سبب ثبوته في ذمة. وقد قال مالك في الرجل يكتري الدابة ليخرج بها من الغد إلى موضع اضطرّ إليه، فيخلف الكرى، ويفِرُّ بدابته. ويكريها من غيره، ثم يعود إليه بعد مدة، وقد استغنى المكتري عنها: إنه ليس له إلا ركوب الدابة، وعليه الكراء (١) ((المنتقى)) (٧٢/٥). ١٦٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حدیث الذي عقد به، انتهى. وفي مسألة الكراء تفصيل عند المالكية، بسطه الباجي، لیس هذا محله. قال الموفق(١): إذا تعذر تسليمُ المسلَم فيه عند المحل، إما لغَيْبَةِ المُسْلَمِ إليه أو عَجْزه عن التسليم، حتى عدم المسلم فيه، فالمُسْلِمُ بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد، فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد، ويرجع بالثمن إن كان موجوداً، وبمثله إن كان مثلياً، وإلا قيمته، وبه قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر، وفيه وجه آخر أنه ينفسخ العقد بنفس التعذر، والأول الصحيح، انتھی . وفي ((الهداية)) (٢): ولو انقطع بعد المحل، فرب السلم بالخيار إن شاء فسخ السَّلَم، وإن شاء انتظر وجوده؛ لأن السلم قد صح والعجز الطارئ على شرف الزوال، فصار كاباق المبيع قبل الزوال، انتهى. وقال ابن رشد(٣): اختلف العلماء فيمن أسلم في شيء من الثمر، فلما حلّ الأجل تعذّر تسليمه حتى عدم ذلك المسلم فيه، وخرج زمانه، فقال الجمهور: إذا وقع ذلك كان المسلم بالخيار بين أن يأخذ الثمن أو يصبر إلى العام القابل، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وابن القاسم، وحجتهم أن العقد وقع على موصوف في الذمة، فهو باقٍ على أصله، وليس من شرط جوازه أن يكون من ثمار هذه السنة، وإنما هو شيء شرطه المسلم، فهو في ذلك بالخيار. وقال أشهب من أصحاب مالك: ينفسخ السلم ضرورةً، ولا يجوز (١) ((المغني) (٦/ ٤٠٧). (٢) (٧١/٢). (٣) ((بداية المجتهد)) (٢٠٥/٢). ١٦٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ فَيَكْتَالُهُ. ثُمَّ يَأْتِيهِ مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنْهُ. فَيُخْبِرُ الَّذِي يَأْتِيهِ أَنَّهُ قَدِ اكْتَالَهُ لِنَفْسِهِ وَاسْتَوْفَاهُ. فَيُرِيدُ الْمُبْتَاعُ أَنْ يُصَدِّقَهُ وَيَأْخُذَهُ بِكَيْلِهِ: إِنَّ مَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِنَقْدٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَمَا بِيعَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى أَجَلٍ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ. حَتَّى يَكْتَالَهُ الْمُشْتَرِي الآخَرُ لِنَفْسِهِ. وَإِنَّمَا كُرِهَ الَّذِي إِلَى أَجَلٍ. لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرِّبَا. التأخير، وكأنه رآه من باب الكالئ بالكالئ، وقال سحنون: ليس له أخذ الثمن، وإنما له أن يصبر إلى القابل، واضطرب قول مالك في هذا، والمعتمد عليه في هذه المسألة ما رواه أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم، وهو الذي اختاره أبو بكر الطرطوشي، والكالئ بالكالئ المنهيّ عنه إنما هو المقصود لا الذي يدخل اضطراراً، انتهى. (قال مالك في الذي يشتري الطعام من رجل) أي اشترى زيد من عمرو مثلاً (فيكتاله) أي زيد لنفسه (ثم يأتيه) أي زيداً (من يشتريه) أي الطعام، وهو بكر مثلاً (منه) أي من زيد (فيخبر) أي يعلم زيد (الذي يأتيه) أي بكراً (أنّه) أي زيد (قد اكتاله) أي الطعام (لنفسه) عند الشراء من عمرو، (واستوفاه) أي قبضه كاملاً (فيريد المبتاع) أي بكر (أن يصدقه) أي زيداً (ويأخذه) أي يأخذ بكر الطعام (بکیله) أي بکیل زيد. فقال مالك في هذه المسألة: (إنه ما بِيْعَ) ببناء المجهول (على هذه الصفة) أي على كيل زيد (بنقد) أي معجلاً (فلا بأس به) أي يجوز، ومثل الكيل في هذا الحكم الوزن (وما بيع على هذه الصفة إلى أجل) أي نسيئة (فإنه) أي البيع (مكروه) لا يجوز (حتى يكتاله المشتري الآخر) وهو بكر (لنفسه). ثم بَيَّن وجه الكراهة، فقال: (وإنما كره الذي) أي البيع المذكور الذي بيع (إلى أجل، لأنه) أي البيع المذكور (ذريعة) بذال معجمة أي وسيلة (إلى الربا) يريد أنه لم يصدقه إلا من أجل الأجل، فكأنه أخذ للأجل ثمناً، قاله ١٦٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حدیث وَتَخَوُّفٌ أَنْ يُدَارَ ذُلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِغَيْرِ كَيْلِ وَلَا وَزْدٍ. فَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا . أبو عمر، كذا في ((الزرقاني)) (١). وقال الباجي(٢): فإن الذي يظهر إلينا من جهة المنع أن يكون المبتاع تَجَوَّز في بعض الكيل لما عليه من الدين رجاء التأخير بعد الأجل، فيكون ذلك من وجه هدية المديان، ومن ابتاع بنقد فقد سلم من ذلك، وأما قوله: فهو ذريعة إلى الربا فلعله يريد ما ذكرناه؛ لأن ما يترك للبائع من نقص الكيل زيادة ازدادها من مال المبتاع، انتهى. (ويتخوف) ببناء المجهول من المضارع في النسخ الهندية، وفي المصرية (تخوف)) بالمصدر، قال الزرقاني: بالرفع عطف على ذريعة (أن يدار) ببناء المجهول من الإدارة (ذلك) البيع (على هذا الوجه) أي بالتصديق (بغير كيل ولا وزن) . قال الزرقاني: فيؤدي إلى تعداد البيع قبل القبض (فإن كان إلى أجل، فهو مكروه) أعاد هذا الكلام تأكيداً أو تمهيداً لقوله: (ولا اختلاف فيه) أي في كراهة هذا البيع (عندنا) بالمدينة المنورة. قال الموفق(٣): إن أخبره البائع بكيله، ثم باعه بذلك الكيل، فالبيع صحيح، فإن قبضه باكتياله تم البيع والقبض، وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافاً، فإن كان المبيع باقياً كاله عليه، فإن كان قدر حقه الذي أخبره به فقد استوفاه، وإن كان زائداً رد الفضل، وإن كان ناقصاً أخذ النقص، وإن كان قد تلف، فالقول قول القابض في قدره مع يمينه، وليس للمشتري التصرف في الجمیع قبل کیله، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٧/٣). (٢) ((المنتقى)) (٧٥/٥). (٣) ((المغني)) (٢٠٥/٦). ١٦٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حديث . ... قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُشْتَرَى دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ وقال ابن رشد: يجوز عند مالك أن يصدق المشتري البائع في كيلها إذا لم يكن البيع نسيئة؛ لأنه يَتِّهِمُه أن يكون صدقه لينظره بالثمن، وعند غيره لا يجوز ذلك، حتى يكتالها المشتري، لنهيه وقليل عن بيع الطعام، حتى يجري فيه الصاعان، وأجازه قوم على الإطلاق، وممن منعه أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وممن أجازه بإطلاق عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة، انتهى. وقال أيضاً في موضع آخر(١): اختلف العلماء فيمن أسلم إلى آخر، أو باع منه طعاماً على مكيلةٍ ما، فأخبر البائع أو المسلم إليه المشتري بكيل الطعام، هل للمشتري أن يقبضه منه دون أن يكيله، وأن يعمل في ذلك على تصديقه؟ فقال مالك: ذلك جائز في السلم، وفي البيع بشرط النقد، وإلا خيف أن يكون من باب الربا، كأنه إنما صدقه في الكيل لمكان أنه أنظره بالثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري والأوزاعي والليث: لا يجوز ذلك، حتى يكيله البائع للمشتري مرة ثانية بعد أن كاله لنفسه بحضرة البائع، واحتجوا بأنه ◌ّ نهى عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري . واختلفوا إذا هلك الطعام في يد المشتري قبل الكيل، فاختلفا في الكيل، فقال الشافعي: القول قول المشتري، وبه قال أبو ثور، وقال مالك: القول قول البائع؛ لأنه قد صَدَّقه المشتري عند قبضه إياه، وهذا مبنيٌ عنده على أن البيع یجوز بنفس تصدیقه، انتھی. (قال مالك: لا ينبغي) أي لا يجوز (أن يشترى) ببناء المجهول (دين) يكون (على رجل غائب) قال الزرقاني(٢): إن لم يكن به بَيِّنة؛ لأنه غرر، كشراء (١) ((بداية المجتهد)) (٢٠٧/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٧/٣). ١٦٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حدیث وَلَا حَاضِرٍ. إِلَّ بِإِقْرَارٍ مِنَ الَّذِي عَلَيْهِ الذَّيْنُ. وَلَا عَلَى مَيِّتٍ، وَإِنْ عَلِمَ الَّذِي تَرَكَ الْمَيِّتُ، اوَذُلِكَ أَنَّ اشْتِرَاءَ ذُلِكَ غَرَرٌ. لَا يُدْرَى أَيَتِمُّ أَمْ لَا يَتِمُّ. الآبق، ولعله ينكر فيبطل، وإن نقد كان أشدّ؛ لأنه يكون تارة بيعاً، وتارة سلفاً، قاله الباجي. قلت: ونص كلام الباجي في ((المنتقى)):(١) هذا على ما قال: لا يجوز أن يشترى دَيْنٌ على غائب، وذلك أن الدين الذي على الغائب لا يخلو أن یکون یثبت عليه بشهود عدول، أو لا يثبت عليه ذلك إلا بدعوى البائع له، وعلى الثاني لا خلاف في المنع منه، لما فيه من الغرر والخطر؛ لجواز أن ينكر من هو عليه، فيبطل ذلك كشراء الآبق، وإن نقد فيه دخله وجه آخر من الفساد؛ لأنه إن أنكره من هو عليه رجع بما نقد فيه، وإن نقد البيع فيه، كان ثمناً لما اشتراه، فيكون تارة بيعاً وتارة سلفاً. وإن ثبت ذلك بِبَيِّنَةِ عدول، فهل يجوز شراؤه والذي عليه الدين غائب؟ روى داود عن مالك إذا ثبت الدين ببينة، وعلم أن الذي عليه الحق حيٌّ فلا بأس بذلك، وروى عيسى عن ابن القاسم ثبتت له البيِّنة أو لم تثبت، لا أحبه، انتھی . (ولا) يشترى دين على رجل (حاضر إلا بإقرار) مصدر منكر في النسخ المصرية، ومعرف في النسخ الهندية (من الذي عليه الدين) حرف الجر يتعلق بالإقرار (ولا) يشترى دين (على ميت وإن) وصلية (علم) المشتري (الذي ترك الميت) من المال (وذلك) أي وجه الكراهة (أن اشتراء ذلك) المذكور من دين الغائب ودين الميت (غرر) ظاهر؛ لأنه (لا يدرى أيتم أم لا يتم) أي يحصل له المبيع أم لا . (١) (٧٦/٥). ١٦٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حديث قَالَ: وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذُلِكَ، أَنَّهُ إِذَا اشْتَرَى دَيْناً عَلَى غَائِبِ، أَوْ مَيِّتٍ. أَنَّهُ لَا يُدْرَى مَا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنَ الدَّيْنِ، الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ بِهِ. فَإِنْ لَحِقَ الْمَيتَ دَيْنٌ، ذَهَبَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى الْمُبْتَاعُ بَاطِلاً . قَالَ مَالِكٌ: وَفِي ذَلِكَ أَيْضاً عَيْبٌ آخَرُ. أَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئاً لَيْسَ بِمَضْمُونٍ لَهُ. وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ ذَهَبَ ثَمَنُهُ بَاطِلاً. فَهَذَا غَرَرٌ لَا يَصْلُحُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنما فُرِقَ بَيْنَ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ إِلَّا مَا عِنْدَهُ. (قال مالك) ليس هذا اللفظ في بعض النسخ المصرية (١)، والكلام الآتي ملحق بما سبق (وتفسير ما كره من ذلك) أي توضيح الكراهة في البيع المذكور (أنه إذا اشترى ديناً) كائناً (على غائب أو) على (ميت أنه) المشتري (لا يدري ما يلحق الميت) المذكور (من الدين الذي لم يعلم به) بيان لما (فإن لحق الميت دين) آخر أيضاً (ذهب الثمن الذي أعطى المبتاع باطلاً) وذلك واضح؛ لأن المتروك يقسم على الديون. (قال مالك: وفي ذلك) أي البيع المذكور (أيضاً عيب آخر) وهو (أنه) أي المشتري (اشترى شيئاً ليس بمضمون له) لأن الميت سقط ضمانه بموته، والغائب لا يدرى هل يقر أم لا (وإن لم يتم) القبض (ذهب ثمنه باطلاً) كما هو ظاهر (فهذا غرر لا يصلح) ولا يجوز هذا البيع للغرر. قال الموفق(٢): إذا كان لرجل في ذمة آخر طعام من قرض لم يجز أن يبيعه من غيره قبل قبضه؛ لأنه غير قادر على تسليمه، ويجوز بيعه ممن هو في ذمته في الصحيح من المذهب، وهذا مذهب الشافعي، وروي أنه لا يصح، كما لا يصح في السلم، والأول أولى، انتهى. (قال مالك: وإنما فُرِقَ) ببناء المجهول (بين أن لا يبيع الرجل إلا ما عنده) (١) كذلك ليس هذا اللفظ في نسخة ((الاستذكار)) (٢٧٧/٢٠) أيضاً. (٢) («المغني)) (١٩٨/٦). ١٦٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤٠) باب (١٣٨١) حديث وَأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي شَيْءٍ لَيْسَ عِنْدَهُ أَضْلُهُ. أَنَّ صَاحِبَ الْعِينَةِ إِنَّمَا يَحْمِلُ ذَهَبَهُ الَّتِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا. فَيَقُولُ: هُذِهِ عَشَرَةُ دَنِانِيرَ. فَمَا تُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ لَكَ بِهَا؟ فَكَأَنَّهُ يَبِيعُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ نَقْداً. بِخَمْسَةَ عَشَرَ دِينَاراً إِلَى أَجَلٍ. فَلِهْذَا، كُرِهَ هذَا. ولا يجوز له أن يبيع ما ليس عنده (و) بين (أن يسلف) أي يسلم (الرجل في شيء ليس عنده أصله) الظاهر عندي أن لفظ ((أصله)) اسم ليس، و((عنده)) خبره، والضمير إلى الموصول، أي ليس عند المسلم إليه أصل المسلم فيه، وجعل العلامة الزرقاني لفظ ((أصله)) ابتداء الكلام الآتي إذ فَسَّره بقوله: أي بناؤه الذي بنی علیه، انتهى. وأيًّا ما كان مقصود الإمام مالك بيان وجه الفرق بين جواز السلم مع كون المسلم فيه غير موجود عند المسلم إليه، وبين عدم جواز بيع ما ليس بموجود عند البائع . (أن صاحب العينة) بكسر العين وسكون التحتية، وإطلاق العينة عليه مجاز، إذ العينة بيع السلعة بثمنٍ مؤجل، ثم شراؤه بأنقص منه حالاً، كما تقدم في بابه، وهذا الرجل كأنه يبيعه مؤجلاً، ثم يشتريه بأقل من الثمن الذي باع به حالاً . (إنما يحمل ذهبه التي يريد أن يبتاع بها) أي بالذهب (فيقول) لرجل آخر مثاله أن زيداً يقول لعمرو: (هذه عشرة دنانير) عندي (فما تريد أن أشتري لك بها؟) أي بهذه العشرة وأبيعه منك بخمسة عشر ديناراً (فكأنه) أي زيداً (يبيع عشرة دنانير) التي عنده (نقداً) إذ يشتري بها شيئاً مرغوباً لعمرو (بخمسة عشر ديناراً) التي يشتري بها عمرو بعد ذلك (إلى أجل) لأن زيداً يشتريه حالاً، وعمرو يشتري منه بعد ذلك، فكأن زيداً باع العشرة بخمسة عشر التي يأخذ من عمرو بعد ذلك (فلهذا كره هذا) أي بيع ما ليس عند البائع سدّاً للذريعة، إذ هو يكون شبيهاً بالعينة، بخلاف السلم إذ ليس فيه شبه العينة. ١٦٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب وَإِنَّمَا تِلْكَ الدِخْلَةُ وَالدُّلْسَةُ. (٤١) باب ما جاء في الشركة والتولية والإقالة (وإنما تلك) الصورة (الدِخْلَةُ) مثلث الدال المهملة وسكون الخاء المعجمة، كما في ((القاموس)) أي النية إلى التوصل إلى الربا (والدُّلْسَةَ) بضم الدال المهملة أي التدليس والغرر، قال الباجي(١): هذا على حسب ما ذكره أن من وجوه فساد بيع ما ليس عنده، وإن جاز ذلك في السلم، إن عمل أهل العينة إنما يقصدون بذلك إلى سلف درهم في درهم ونصف؛ لأنه يقول له: هذه عشرة دنانير أشتري لك بها ما شئت، أبيعه منك بخمسة عشر ديناراً إلى أجل، فكأنه باع عشرة نقداً بخمسة عشر إلى أجل، وهذا الذي ذكره وجهٌ من وجوه المنع من بيع ما ليس عندك بسبب الذريعة، وإنما قصد لما كان يتكرر قصده، وإلا فبيع ما ليس عندك ممنوع، وقد روي عن حكيم بن حزام سألت رسول الله وَ﴾، فقلت: يا رسول الله يأتيني الرجل، يسألني البيع، ليس عندي أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق؟ قال: فقال: ((لا تبع ما ليس عندك))، انتهى. (٤١) ما جاء في الشركة قال المجد: الشرك والشركة بكسرهما، وضم الثاني بمعنىً، وقد اشتركا وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، والشرك بكسر، وكأمير: المشارك، والجمع أشراك وشركاء، وهي شريكة، جمعها شرائك، وشَرِكَه في البيع والميراث، كعلمه، شِرْكَةً بالكسر، قاله الزرقاني (٢) . وقال الموفق(٣): الشركة الاجتماع في استحقاق أو تصرف، وهي ثابتة (١) ((المنتقى)) (٧٧/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٨/٣). (٣) («المغني)) (١٠٩/٧). ١٧٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب بالكتاب والسنة، وأجمع المسلمون على جوازها في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها، وهي على ضربين: شركة أملاك، وشركة عقود، وهي أنواع خمسة، شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة، انتهى. وقال ابن رشد(١): الشركة في الجملة عند فقهاء الأمصار على أربعة أنواع، شركة العنان، والأبدان، والمفاوضة، والوجوه، وواحدة منها متفق عليها، وهي شركة العنان، وإن كان بعضهم لم يُعَرِّف هذا اللفظ، وإن كانوا اختلفوا في بعض شروطها، والثلاثة مختلف فيها، ومختلف في بعض شروطها أيضاً . والتولية قال صاحب ((الدر المختار))(٢): هو مصدر ولَّى غيره، أي جعله والياً، وشرعاً: بيعه بثمنه الأول ولو حكماً، قال ابن عابدين: قوله: جعله والياً، فكأن البائع جعل المشتري والياً فيما اشتراه أي جعل له ولاية عليه، وهذا إبداء مناسبة المعنى الشرعي للمعنى اللغوي، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) (٣) لابن قدامة: التولية البيع برأس المال، فيقول: ولّيتكه أي بعتكه برأس ماله أو بما اشتريته أو برقمه، انتهى. وفي ((الهداية))(٤): المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح، والتولية نقل ما ملكه بالعقد الأول، بالثمن الأول من غير زيادة ربح، والبيعان جائزان لاستجماع شرائط الجواز، والحاجة ماسّةٌ إلى هذا النوع (١) ((بداية المجتهد)) (٢٥١/٢). (٢) (٢٥٧/٥). (٣) (١٠٠/٤). (٤) (٥٦/٢). ١٧١ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب من البيع؛ لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد على فعل الزكي المهتدي، ويطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح، فوجب القول بجوازهما . ولهذا كان مبناهما على الأمانة والاحتراز عن الخيانة وعن شبهتها، وقد صحَّ أن النبي ◌َّ لما أراد الهجرة ابتاع أبو بكر بعيرين، فقال له النبي قليل : ولِّني أحدهما، فقال: هو لك بغير شيء، فقال عليه الصلاة والسلام: أما بغير ثمن فلا، انتهى. والإقالة قال صاحب ((الدر المختار)) (١): هي لغة الرفع، من أقال، أجوف يائي، وشرعا: رفع البيع، وعمم في ((الجوهرة)) فَعَبَّرَ بالعقد، قال ابن عابدين: قوله: من أقال، ويأتي ثلاثياً، يقال: قاله قيلاً من باب باع إلا أنه قليل، وفي قوله: أجوف يائي ردٌّ على من قال: إنه أجوف واوي من القول، والهمزة للسلب، فأقال بمعنى أزال القول، أي القول الأول، وهو البيع، كأشكاه أزال شكايته، ودفع بثلاثة أوجه، ذكرها في ((الفتح))(٢)، الأول: قولهم: قِلْتَه بالكسر، فهو يدل على أن عينه ياء لا واو، الثاني: أنه ذكر الإقالة في ((الصحاح)) من القاف مع الياء لا مع الواو، الثالث: أنه ذكر في ((مجمع اللغة)) قال البيع قيلاً وإقالة: فسخه، انتھی. قال الموفق(٣): اختلفت الرواية في الإقالة، فعن الإمام أحمد أنها فسخ وهو الصحيح، وهو مذهب الشافعي، والثانية: أنها بيع، وهي مذهب مالك؛ (١) (٢٤٢/٥). (٢) ((فتح القدير)) (٢٥٥/٥). (٣) («المغني)) (١٩٩/٦). ١٧٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث ٨٦/١٣٨٢ - قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْبَزَّ الْمُصَنَّفَ، وَيَسْتَثْنِي ثِيَاباً بِرُقُومِهَا: إِنَّهُ إِنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَخْتَارَ مِنْ ذُلِكَ، الرَّقْمَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِظْ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ حِينَ اسْتَثْنَى، فَإِنِّي أَرَاهُ شَرِيكاً فِي عَدَدِ الْبَزِّ الَّذِي اشْتُرِيَ مِنْهُ. لأن المبيع عاد إلى البائع على الجهة التي خرج عليها منه، فلما كان الأول بيعاً كذلك الثاني، ولأنه نقل الملك بعوض على وجه التراضي فكان بيعاً كالأول، وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق العاقدين، بيع في حق غيرهما، فلا تثبت أحكام البيع في حقهما، بل تجوز في السلم، وفي المبيع قبل قبضه، ويثبت حكم البيع في حق الشفيع، حتى يجوز له أخذ الشقص الذي تقايلا فيه. ولنا، أن الإقالة هي الدفع والإزالة، قال النبي وقال: ((من أقال نادماً أقاله الله عثرته يوم القيامة))(١) قال ابن المنذر: وفي إجماعهم أن رسول الله وَله نهى عن بيع الطعام قبل قبضه مع إجماعهم على أن له أن يقيل المسلم جميع المسلم فيه دليل على أن الإقالة ليست بيعاً، انتهى. ٨٦/١٣٨٢ - (قال مالك في الرجل يبيع البز) أي الثوب (المصنف) بضم الميم وفتح الصاد المهملة والنون الثقيلة، أي المجموع من أصناف (ويستثني) منه (ثياباً) أي عدة أثواب (برقومها) جمع رقم (إنه) أي البائع (إن اشترط أن يختار من ذلك الرقم) كذا في النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي أكثرها من ذلك الرقيم على وزن فعيل بمعنى المرقوم (فلا بأس به) أي يجوز إن لم يكن المستثنى أكثر، كما هو المعروف من مذهب الإمام مالك أن استثناء الأكثر لا يجوز (وإن لم يشترط) البائع (أن يختار منه) أي من الرقم (حين استثنى) أي حين شرط الاستثناء (فإني أراه) أي البائع (شريكاً) للمشتري (في عدد البز الذي اشتري منه) المشتري . (١) أخرجه أبو داود (٢٤٦/٢). ١٧٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث وَذُلِكَ أَنَّ الثَّوْبَيْنِ يَكُونُ رَقْمُهُمَا سَوَاءً وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ فِي الثَّمَنِ. قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن الرجل إذا باع أصنافاً من البز، واستثنى منها ثياباً بما رقم عليها من الثمن، أو بما كان عليه رقم جنس ما، والأول أظهر، فإنه لا يخلو إذا استثنى بعض النوع الذي استثنى منه أن يستثني الاختيار أو لا يشترط شيئاً، فإن استثنى الاختيار، فإن له ذلك، ولا يجوز ذلك إذا استثنى اختيار الأكثر منه، وهو بائع، وقد تقدم ذكره، وإن لم يشترط شيئاً، فهو شريك ذلك النوع بقدر ما استثنى منه من جميع عدده، وذلك مثل أن يكون ذلك النوع الذي استثنى منه ثلثين ثوباً، فيستثني منها عشرة أثواب، فإنه يكون شريكاً في ذلك النوع من الثياب بالثلث ولمن ابتاع منه ثلثاه. (وذلك) أي سبب الاشتراك إذا لم يشترط الخيار (أن الثوبين) طالما (يكون رقمهما سواء و) يكون (بينهما تفاوت) ظاهر (في الثمن) قال الباجي: يريد أن لا يكون أفضلهما ولا أدناهما لتفاوت أثمان النوع الواحد من الثياب مع تساويهما في الرقوم، إما لأن الرقم بمعنى النوع، وإما لغلاء أو رخص، وإما أن البائع قد رقمها على المشتري بثمن واحد، يتحمل بعضها بعضاً، فإذا لم يشترط تعييناً ولا اختياراً فلم يبق إلا أن يكون شريكاً بعدد ما استثناه، انتهى. قلت: ولعل هذا مبني على أصل الإمام مالك أنه يُبيح استثناء شيء من المبيع يختاره البائع بعد البيع. قال الموفق(٢): إن باع قطيعاً واستثنى منه شاةً بعينها صحَّ، وإن استثنى شاةً غير معينة لم يصح، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقال مالك: يصحُّ أن يبيعَ مائةَ شاةٍ إلا شاة يختارها أو يبيع ثمرة حائطه، ويستثني ثمرة نخلات يَعُدُّها، انتهى. وتقدم البسط في ذلك في جامع بيع الثمر. (١) ((المنتقى)) (٧٨/٥). (٢) («المغني)) (١٧٤/٦). ١٧٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا، أَنَّهُ لَا بَأُسَ بِالشِّرْكِ وَالتَّوْلِيَةِ وَالْإِقَالَةِ مِنْهُ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ. قَبَضَ ذُلِكَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ. إِذَا كَانَ ذُلِكَ بِالنَّقْدِ. وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ وَلَا وَضِيعَةٌ وَلَا تَأْخِيرٌ لِلثَّمَنِ. فَإِنْ دَخَلَ ذُلِكَ رِبْحٌ أَوْ وَضِيعَةٌ أَوْ تَأْخِيرٌ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، صَارَ بَيْعاً يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ. وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ. وَلَيْسَ بِشِرْكٍ وَلَا تَوْلِيَةٍ وَلَا إِقَالَةٍ . (قال مالك: والأمر) المختار (عندنا) في المدينة المنورة (أنه لا بأس بالشرك) بكسر شين وسكون راء من إطلاق اسم المصدر على المعنى الحاصل به، أي التشريك لغيره فيما اشتراه (والتولية) لغيره فيما اشتراه بما اشتراه (والإقالة) زاد في بعض النسخ المصرية بعد ذلك لفظ ((منه))، فالضمير إلى البائع (في الطعام وغيره) أي لا فرق في ذلك بين الطعام وغيره. (قبض) المشتري (ذلك) المبيع (أو لم يقبض) يعني قبل القبض وبعده في ذلك سواء (إذا كان ذلك) الشرك وغيره (بالنقد) أي معجلاً بدون النسيئة (ولم يكن فيه) أي في المذكور من الشرك وغيره (ربح) أي زيادة (ولا وضيعة) أي نقص من الثمن الأول (ولا تأخير للثمن) تأكيد لقوله: نقداً، فكان هذا مستثنى من بيع الطعام قبل قبضه. (فإن دخل) في (ذلك ربح أو وضيعة أو تأخير من واحد منهما) أي البائع أو المشتري (صار) هذا العقد (بيعاً) مستقلاً (يحله ما يحل البيع ويحرمه ما يحرم البيع) يعني يجري عليه أحكام البيوع مما يجوز في البيع، ولا يجوز فيه، (وليس بشرك ولا تولية ولا إقالة) أي لم يبق في حكم الشرك وغيره بعد دخول الربح وغيره؛ لأن شرط هذه العقود الثلاثة أن يتساوى البيع الأول، والثاني في الثمن معجلاً . قال الباجي(١): وهذا على ما ذكر أن من ابتاع طعاماً على كيل أو وزن (١) ((المنتقى)) (٧٨/٥). ١٧٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث أو عدد، فلا يجوز أن يبيعه حتى يستوفيه لنهي النبي ◌َّ عن ذلك، ويجوز له أن يشرك فيه، بأن يولي أحداً جزءاً منه، أو يوليه جميعه، أو يقيل البائع منه، وذلك كله قبل استيفائه، والأصل في ذلك ما روى ربيعة عن سعيد بن المسيب أن رسول الله وَّ نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى، وأرخص في الشركة والتولية والإقالة. ومن جهة المعنى أن هذا من عقود المكارمة، فاستثنى من بيع الطعام قبل استيفائه، كما استثنى بيع العرية من النهي عن بيع الرطب بالتمر. وقوله: إذا كان في ذلك النقد، يريد أن يكون البيع على النقد، وتكون على ذلك الشركة أو التولية أو الإقالة، ولو كان النقد الأول على التأجيل لم يجز ذلك. وإن كانت الشركة والتولية والإقالة إلى ذلك الأجل؛ لأن من سنة هذه العقود أن تكون مساوية لما تقدمها من البيع، ولا يكون في شيء من العوضين نقص ولا زيادة، غير ما انعقد به البيع الأول، ولا يكاد الرقم يتساوى، ولا تصح في ذلك شركة ولا تولية ولا إقالة لعدم تساوي الرقم، فإذا كان البيع الأول بالنقد جازت الشركة والتولية والإقالة بالنقد دون تأخير ولا زيادة في الثمن ولا نقص منه؛ لأن ذلك يخرجه عن حكم الشركة والتولية والإقالة إلى حكم البيع المحض المنافي للمكارمة، المبني على المغابنة، والمكايسة. فلو كان من أحدهما تأخير بأن يؤخر المسلم إليه برأس مال المسلم أو يكون المبيع منه الطعام، ثم قد أخّر بثمنه، ثم أقال منه على التعجيل، أو اشترك، أو ولّى على التعجيل، فإن ذلك كله يخرجه عن عقود المكارمة إلى المبايعة المحضة، انتهى. قال ابن رشد (١): أما العقود التي تتردد بين قصد الرفق والمغابنة، وهي (١) ((بداية المجتهد)) (١٤٦/٢). ١٧٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث التولية والشركة والإقالة، فإذا وقعت على وجه الرفق من غير أن تكون الإقالة أو التولية بزيادة أو نقصان، فلا خلاف أعلمه في المذهب أن ذلك جائز قبل القبض وبعده، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تجوز الشركة ولا التولية قبل القبض، وتجوز الإقالة عندهما؛ لأنها قبل القبض فسخُ بيعٍ لا بيعٌ. فعمدة من اشترط القبض في جميع المعاوضات أنها في معنى البيع المنهي عنه، وإنما استثنى مالك من ذلك هذه الثلاثة للأثر، والمعنى، أما الأثر فما روي عن سعيد بن المسيب مرسلاً، تقدم قريبا، وأما المعنى فإن هذه يراد بها الرفق، لا المغابنة إذا لم تدخلها زيادة ولا نقصان، وإنما استثنى من ذلك أبو حنيفة الصداق والخلع والجُعل، لأن العوض في ذلك ليس بَيِّناً إذا لم يكن عیناً، انتهى. وقال الخرقي: من اشترى ما يحتاج إلى قبضه لم يجز بيعه حتى يقبضه، والشركة فيه والتولية والحوالة به كالبيع، وليس كذلك الإقالة؛ لأنها فسخ، وعن أبي عبد الله أنها بيع، قال الموفق (١): وجملته أن ما يحتاج إلى القبض لا تجوز الشركة فيه، ولا توليته، ولا الحوالة به قبل قبضه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز، هذا كله في الطعام قبل قبضه؛ لأنها تختص بالثمن الأول، فجازت قبل القبض كالإقالة. ولنا، أن هذه أنواع بيع، فتدخل في عموم النهي عن بيع الطعام قبل أن يستوفيه، واختلفت الرواية في الإقالة، فعن الإمام أحمد أنها فسخ، وهو الصحيح، وهو مذهب الشافعي، والثانية، أنها بيع، وهي مذهب مالك، وحكي عن أبي حنيفة أنها فسخ في حق المتعاقدين بيعٌ في حق غيرهما، فلا تثبت أحكام البيع في حقهما، بل تجوز في السلم وفي المبيع قبل قبضه. (١) («المغني)) (١٩٤/٦ وما بعدها). ١٧٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بَزَّا أَوْ رَقِيقاً. فَبَتَّ بِهِ. ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ أَنْ يُشَرِّكَهُ فَفَعَلَ. وَنَقَدَا الثَّمَنَ صَاحِبَ السِّلْعَةِ قال ابن المنذر: وفي إجماعهم أن رسول الله و ◌ّ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، مع إجماعهم على أن له أن يُقيل المُسلمَ جميع المسلم فيه دليل على أن الإقالة ليست بيعاً، فإن قلنا: هي فسخ جازت قبل القبض وبعده، وقال أبو بكر: لا بد فيها من كيلٍ ثانٍ، ويقوم الفسخُ مقامَ البيع في إيجاب كيلٍ ثانٍ، كقيام فسخ النكاح مقام الطلاق في العدة. ولنا، أنه فسخ للبيع، فجاز قبل القبض، كالرد بالعيب والفسخ بالخيار، وفارق العدة؛ لأنها اعتبرت للاستبراء، والحاجة داعية إليه في كل فُرقة بعد الدخول، بخلاف مسألتنا، فإن قلنا: هي بيع لم يجز قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض؛ لأن بيعه من بائعه قبل قبضه لا يجوز، كما لا يجوز من غيره، انتهى. وفي ((شرح الإقناع))(١): لا يصح بيع ما ابتاعه، ولا الإشراك فيه ولا التولية حتى يقبضه، سواء كان منقولاً أو عقاراً، وبيعه للبائع كغيره لعموم الأخبار ولضعف الملك، انتهى. (قال مالك: من اشترى) أي زيد مثلاً (سلعة) من عمرو (بزّاً أو رقيقاً) أو غير ذلك (فبتَّ به) بتشديد التاء، أي قطع الشراءَ بدون الخيار وغيره، وفي نسخة: بتَّ شراءه، وفي أخرى: بيعه، والمؤدى واحدٌ (ثم سأله) أي زيداً (رجل) آخر بكر مثلًا (أن يُشْركه) من الإفعال أو التفعيل، أي يشرك زيدٌ بكراً في سلعته (ففعل ونقدا) بصيغة التثنية ضبطه الزرقاني، وهو الأوجه، أي نقد المشتري ومن شركه، وفي النسخ الهندية وأكثر المصرية بالإفراد، أي نقد كلُّ واحدٍ منهما أي من زيد وبكر، أو الضمير إلى زيد فقط، فإنه وحده كان المشتري أصالة (الثمن) المفعول الأول (صاحب السلعة) عمراً مفعول ثانٍ (١) (٢٢/٣). ١٧٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث جَمِيعاً. ثُمَّ أَدْرَكَ السِّلْعَةَ شَيْءٌ يَنْتَزِعُهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا. فَإِنَّ الْمُشَرَّكَ يَأْخُذُ مِنَ الَّذِي أَشْرَكَهُ الثَّمَنَ. وَيَطْلُبُ الَّذِي أَشْرَكَ بَيِّعَهُ الذي بَاعَهُ السِّلْعَةَ بِالثَّمَنِ كُلِّهِ. إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُشَرِّكَ عَلَى الَّذِي أَشْرَكَ بِحَضْرَةِ الْبَيْعِ. وَعِنْدَ مُبَايَعَةِ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَاوَتَ ذَلِكَ. أَنَّ ◌ُهْدَتَكَ عَلَى الَّذِي ابْتَعْتُ مِنْهُ. وَإِنْ تَفَاوَتَ ذُلِكَ. وَفَاتَ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ. فَشَرْطُ الآخَرِ بَاطِلٌ. وَعَلَيْهِ الْعُهْدَةُ. (جميعا) تأكيد لضمير التثنية (ثم أدرك السلعة) مفعول (شيء) فاعله المؤخر (ينتزعها) أي السلعة (من أيديهما) أي من أيدي زيد وبكر، بأن استحقت لرجل آخر (فإن المُشْرَك) بصيغة المفعول وهو بكر في مثالنا (يأخذ من الذي أشركه) أي من زيد (الثمن) الذي أدى إلى زيد أو عمرو، لأن زيداً هو الذي أخذ الثمن من بكر، فعليه العهدة. (ويطلب) زيد (الذي أشرك) بكراً ثمنه (بَيِّعَه) بكسر التحتية الثقيلة فسَّره بقوله (الذي باعه) أي باع زيداً (السلعة) هو عمرو يعني يطلب زيد الثمن عن عمرو، وهذا الذي اخترنا من السياق، هو سياق النسخ المصرية، وهو أوضح من سياق النسخ الهندية، ففيها ((ويطلب الذي باعه السلعة))، فيكون ضمير الفاعل في يطلب إلى زيد والذي باعه مفعوله (إلا أن يشترط المشرك) بكسر الراء، وهو زيد (على الذي أشركه) أي على بكر (بحضرة البيع) الأول (وعند مبايعة البائع الأول) أي عمرو (وقبل أن يتفاوت ذلك) أي قبل أن يتبدل مجلس البيع (أن عهدتك على الذي ابتعت) بصيغة المتكلم (منه) الضمير للموصول، وهو عمرو، وهذا بيان الشرط يعني إلا أن يشترط زيد من بكر أن عهدتك على عمرو (وإن تفاوت ذلك) أي تغير مجلس العقد الأول (وفات البائع الأول) أي ذهب عمرو بعد البيع (فشرط الآخر) أي شرط زيد بعد ذهاب عمرو (باطل) لا يعبأ به (وعليه) أي على زيد (العهدة) لبكر. ١٧٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٤١) باب (١٣٨٢) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: قال الزرقاني(١): ووافق الإمامَ على هذا أصبغُ، وقال عيسى عن ابن القاسم: العهدة في الشركة والتولية إذا كانت بحضرة البيع أنها أبداً على البائع الأول، وقيل: غير ذلك، انتهى. قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن من اشترى بزاً أو رقيقاً فبت شراءه، يعني اشتراه على القطع دون الخيار، ثم أشرك فيه رجلاً بأن باعه نصفه أو جزءاً منه، ونقد الثاني صاحب السلعة يريد البائع جميع الثمن ثم استحقت، فإن دافع الثمن إلى البائع يرجع على المبتاع الأول بجيمع الثمن، ويرجع المبتاع الأول بذلك على بائعه، ووجه ذلك، أنه بيع مستأنف، وكونه على صفة مخصوصة لا يخرجه عن أن تكون فيه العهدة على البائع، ومعنى ذلك كله أن عهدة الشريك على من أشركه على الإطلاق وعدم الشرط. وقوله: إلا أن يشترط إلخ، يريد أن الشرط يصحُّ في الوقتين، روى عيسى عن ابن القاسم أنه إن اشترط عليه ذلك بحضرة البيع، وقبل أن يفترقا مفارقة بَيِّنَةً، ويقطع ما كانا فيه من البيع ومذاكرته، وقبض منه حقه أو أخَّره به، فانبتَّ الأمرُ بينهما، ثم أشركه بعد ذلك، فإن اشترط البيع قبل هذا أن تكون العهدة على البائع صحَّ ما شرطه، وإن اشترط بعد ذلك، فالعهدة على المشترط، ولا ينتفع بشرطه، وروى يحيى بن يحيى عن ابن نافع مثله، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٣): ولو استحق من يد المشتري الأخير كان قضاءً على جميع الباعة، ولكلٍ أن يرجع على بائعه بالثمن، انتهى. (قال مالك في الرجل) أي في زيد مثلًا (يقول للرجل) الآخر أي لعمرو (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٩/٣). (٢) ((المنتقى)) (٧٩/٥). (٣) (٤٧٦/٧). ١٨٠