Indexed OCR Text
Pages 21-40
٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٦) حديث بِالرَّبَذَةِ. وصرفه صاحب ((التعليق الممجد)) إلى ابن عمر إذ قال: أي ثابتة في ذمة ابن عمر إلى أجل، وعلى هذا يكون هذا صفة أبعرة، ولفظ محمد في ((موطئه)) مضمونة عليه يوفيها إياه بالربذة، قال صاحب ((التعليق)) (١): من التوفية أو الإيفاء أي يعطي ابن عمر تلك الأبعرة إياه، أي البائع بالربذة، انتهى. (بالربذة) أي في الربذة، بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة في آخره تاء، قرية معروفة قرب المدينة، بها قبر أبي ذر الغفاري، قال ابن قرقول: هي على ثلاث مراحل من المدينة قريب من ذات عرق، كذا في ((العيني))(٢)، والحديث علّقه البخاري بلفظ مالك. قال الحافظ(٣): وصله مالك والشافعي عنه عن نافع عن ابن عمر بهذا، ورواه ابن أبي شيبة من طريق أبي بشر عن نافع، أن ابن عمر اشترى ناقة بأربعة أبعِرَة بالربذة، فقال لصاحب الناقة: اذهب فانظر، فإن رضيت فقد وجب البيع، وقال أيضاً في ((التلخيص)) (٤): وروي عنه ما يعارض هذا، رواه عبد الرزاق(٥) عن معمر، عن ابن طاؤوس، عن أبيه أنه سأل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن بعير ببعيرين فكرهه، ورواه ابن أبي شيبة عن ابن أبي زائدة عن ابن عون عن ابن سيرين قلت لابن عمر: البعير بالبعيرين إلى أجل فكرهه، ويمكن الجمع بأنه كان يرى فيه الجواز، وإن كان مكروهاً على التنزيه لا على التحريم، انتهى. (١) (٢٦٥/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٥٦/٨). (٣) ((فتح الباري)) (٤١٩/٤). (٤) (٩٩٥/٣). (٥) ((مصنف عبد الرزاق)) (١٤١٤٠). ٢١ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حديث ٦١/١٣٥٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ، اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلِ؟ فَقَالَ: لَا بَأُسَ بِذَلِكَ. ٦١/١٣٥٧ - (مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن بيع الحيوان) بأن يبيع (اثنين) منه (بواحدٍ إلى أجل) أي نسيئة (فقال) الزهري: (لا بأس بذلك) أي يجوز، قال الباجي(١): يحتمل به أن يريد جنسين مختلفين في الخلقة والاسم، وهذا لا خلاف في جوازه، ويحتمل أن يريد به من جنس واحد في الخلقة والتسمية، ولكنهما يختلفان في المنفعة المقصودة من ذلك الجنس، انتهى. قال صاحب ((المحلى)): وفي الآثار دليل على أن الجنس بانفراده لا يحرم النساء ولا ربا في الحيوان، وهو قول الشافعي، واستدل له من المرفوع بما رواه أبو داود(٢) أنه وَال﴾ أمره أن يجهز جيشاً، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، وصححه الحاكم على شرط مسلم، لكن قال ابن القطان: هذا حديث ضعيف مضطرب الإسناد، وقد بسط ابن الهمام، قال: ولو صحّ يحمل هذا على أنه كان قبل تحريم الربا، وقال أبو حنيفة: إذا تحقق أحد جزئي العلة، وهما القدر والجنس حرم النساء. واستدل لذلك بأنه وَ لو ((نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة))، أخرجه ابن حبان(٣) عن عكرمة عن ابن عباس وأصحاب ((السنن الأربعة)) عن الحسن عن سمرة، ورواه الترمذي (٤) عن جابر مرفوعاً: ((الحيوان اثنين بواحد، لا يصح نساءً، ولا بأس يداً بيد))، وقال: هذا حديث حسن، وروى الطبراني عن ابن عمر نحوه. (١) ((المنتقى)) (١٩/٥). (٢) أخرجه أبو داود (٣٣٥٧). (٣) ((صحيح ابن حبان)) (٥٠٢٨). (٤) ((سنن الترمذي)) (٥٣٩/٣). ٢٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجَمَل بِالْجمَلِ مِثْلِهِ. وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ. يَداً بِيَدٍ. وَلَا بَأْسَ بِالْجَمَلِ بِالْجَمَل مِثْلِهِ. وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ. الْجَمَلُ بِالْجَمَلِ وعند أحمد عن ابن عمر أنهم قالوا: يا رسول الله أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: ((لا بأس إذا كان يداً بيد))، قال الترمذي: إنه حديث حسن صحيح، وسماع الحسن من سمرة صحيح، هكذا قال علي بن المديني وغيره، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي * وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وبه يقول أحمد، ورخّص بعض أهل العلم من أصحاب النبي صَّىالله وَسَام وغيرهم في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو قول الشافعي وإسحاق. وقال الخطابي: حديث سمرة محمول على ما إذا كان النساء عن الطرفين، وقال ابن الهمام: هذا الحمل ليس بصحيح، فإنه أعم من ذلك، فلا يجوز المصیر إليه. قال صاحب ((المحلى)): لكنه يَرِدُ على الحنفية ههنا إشكالٌ، وهو أنه قد تقرر عندهم أن عمل الراوي بخلاف روايته يدُلُّ على النسخ، وقد صح في (الموطأ)) عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وهو من رواة حديث النهي، أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونة، انتهى. قلت: لكنه روي عنه في فتياه بخلاف ذلك، كما تقدم قريباً، والقول مقدم. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا بأس بالجمل) أي يجوز بيع الجمل (بالجمل) وهو ذكر الإبل (مثله) بالجر صفة لجمل، يعني لا يتفاوت الجملان في الصفات والمنافع المقصودة، كما تقدم من مسلك الإمام مالك (وزيادة دراهم) يعني يكون في أحد الجانبين الدراهم أيضاً مع الجمل، وفي النسخ الهندية بلفظ ((زيادة درهم)) بالإفراد (يداً بيد) أي مناجزة (ولا بأس) أيضاً (بالجمل) أي ببيعه (بالجمل مثله وزيادة دراهم) بأن يكون (الجمل بالجمل) ٢٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حديث يَدَأَ بِيَدٍ. وَالدَّرَاهِمُ إِلَى أَجَلِ. قَالَ: وَلَا خَيْرَ فِي الْجَمَلِ بِالْجَمَلِ مِثْلِهِ. وَزِيَادَةِ دَرَاهِمَ. الدَّرَاهِمُ نَقْداً، وَالْجَمَلُ إِلَى أَجَلٍ وَإِنْ أَخَّرْتَ الْجَمَلَ وَالدَّرَاهِمَ، لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ أَيْضاً. بالرفع على الابتداء، أي يكون بيعهما (يداً بيد) أي مناجزة (و) يكون (الدراهم إلى أجل) نسيئة. (قال مالك: ولا خير) أي لا يجوز (في الجمل بالجمل مثله وزيادة دراهم) بأن يكون (الدراهم نقداً و) يكون (الجمل إلى أجل) برفع الدراهم والجمل، ووجه عدم الجواز ظاهر، وهو النسيئة في المتجانسين (وإن أخرت الجمل والدراهم) معاً بأن يكون كلاهما نسيئة (فلا خير في ذلك أيضاً) يعني لا تجوز هذه الصورة أيضاً. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن ما يجوز فيه التفاضل نقداً من غير المقتات الذهب والفضة، فإن من باع بعضه ببعض يداً بيد، فلا يفسد ذلك ما كان معه من زيادة، من غير ذلك الجنس نقداً أو إلى أجل، بعد أن يتعجَّلَ المتجانسان، فإن تأجل شيء من جنسهما لم يجز ذلك بوجه، انتهى. قال الخرقي: وما كان مما لا يُكَال ولا يُوزن فجائز التفاضل فيه يداً بيد، ولا يجوز نسيئة، انتهى. وقال الموفق(٢): اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في تحريم النَّساءِ في غير المكيل والموزون على أربع رواياتٍ؛ إحداهن: لا يَحْرُمُ النَّساءُ في شيء من ذلك سواء بيعَ بجنسه أو بغيره متساوياً أو متفاضلاً، وهذا مذهب الشافعي، لرواية أبي داود(٣) في تجهيز الجيش، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة. (١) ((المنتقى)) (٢٠/٥). (٢) («المغني)) (٦٤/٦). (٣) ((سنن أبي داود)) (٢٢٥/٢). ٢٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَاعَ الْبَعِيرَ النَّجِيبَ بِالْبَعِيرَيْنِ أَوْ بِالْأَبْعِرَةِ مِنَ الْحُمولَةِ مِنْ مَاشِيةِ الْإِبِلِ والرواية الثانية: يحرُمُ النَّساءُ في كل مالٍ بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، ولا يحرم في غير ذلك، وهذا مذهب أبي حنيفة، وممن كره بيع الحيوان بالحيوان نساءً ابنُ الحنفيّة وعبد الله بن عُمير وعطاء وعكرمة بن خالد وابن سيرين والثوري، وروي ذلك عن عمار وابن عمر، لرواية سمرة المذكورة. والرواية الثالثة: لا يحرم النساء إلا فيما بيع بجنسه متفاضلاً، فأما مع التماثل فلا، لرواية جابر الحيوان اثنين بواحد لا يصلُّحُ نَساءً، ولا بأس به يداً بيد، وهذا يدل على إباحة النساء مع التماثل بمفهومه. والرابعة: يحرم النساء في كل مال بيع بمال آخر، سواء كان من جنسه أو من غير جنسه، وهذا ظاهر كلام الخرقي، ويحتمل أنه أراد الرواية الثالثة؛ لأنه بيع عرض بعرض، فَحَرُمَ النَّساءُ بينهما كالجنسين من أموال الربا، قال القاضي: فعلى هذا لو باع عرضاً بعرض، ومع أحدهما دراهم، العروض نقداً والدراهم نسيئة جاز، وإن كانت الدراهم نقداً والعروض نسيئة لم يجز؛ لأنه يفضي إلى النسيئة في العروض، وهذه الرواية ضعيفة جداً؛ لأنه إثبات حكم يخالف الأصل بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، وأصح الروايات هي الأولى لموافقتها الأصل، انتهى. (قال مالك: ولا بأس) بـ(أن يبتاع) أي يشتري (البعير النجيب) بجيم على وزن كريم ومعناه (بالبعيرين) مثلاً (أو بالأبعرة) جمع بعير (من الحمولة) بفتح الحاء ما يُحْمَل عليه من بعير أو فرس أو بغل أو حمار، وبالضم الأحمال، كذا في ((المجمع)) (من حاشية(١) الإبل) حاشية كل شيء جانبه وطرفه، وجمعها الحواشي، هي صغار الإبل كابن مخاض واللبون كذا في ((المجمع)). (١) وفي نسخة ((ف)) ماشية. ٢٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حدیث وَإِنْ كَانَتْ مِنْ نَعَم وَاحِدَةٍ. فَلَا بَأُسَ أَنْ يُشْتَرَى مِنْهَا اثْنَانٍ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجلِ. إِذَا اخْتَلَفَتْ فَبَانَ اخْتِلَافُهَا. وَإِنْ أَشْبَهَ بَعْضُهَا بَعْضاً. وَاخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا أَوْ لَمْ تَخْتَلِفْ. قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بالنجيب جنساً من الإبل يختصّ بهذا الاسم، وأكثرها يركب بالسروج؛ لأنها للمشي السريع وليست للحمل، فهو نوع من الإبل، يقال لها: البخت، كما يقال لغيرها: الهجن، ويقال: البخت والعراب، ويحتمل أن يريد بالنجيب الفاره القوي على الحمل، كما يقال: رجل نجيب وفرس نجيب، إذا كان متقدماً في جنسه، فيكون هذا وصفاً لذلك الجمل، دون وصف نوعه ولا جنسه، فالحمولة من الإبل هو ما يحمل عليه منها دون ما يراد للدر والنسل خاصة وحواشيها أدونها، إلى آخر ما بسطه. (وإن كانت) الجملة من البدلين (من نعم واحدة) قال الباجي: يحتمل أن يريد به من قطيع واحد ومن نسل فحل واحد، ويحتمل أن يريد به وإن كان نوعها واحداً، فإذا اختلفت بما ذكرناه من القوة على الحمل، فبان اختلافها جاز أن يباع منها واحد باثنين إلى أجل (فلا بأس) أي يجوز (أن يشترى منها) أي من الحواشي (اثنان بواحد) من النجيب (إلى أجل) أي نسيئة (إذا اختلفا) وفي النسخ المصرية: ((اختلفت)) أي أنواعهما باعتبار الأوصاف (فبان) أي ظهر (اختلافهما) أي يكون اختلاف النوعين ظاهراً. (وإن أشبه بعضُها بعضاً) في الوصف المقصود منها (واختلفت أجناسهما أو لم تختلف) قال الباجي(٢): يريد أنها إذا اشتبهت في المنفعة المقصودة وتقاربت فيها، وهي القوة على الحمل فسواء كان جنسها واحداً، بأن تكون هجناً كلها أو عراباً كلها أو بختا كلها، أو اختلفت أجناسها، فكان بعضها (١) ((المنتقى)) (٢٠/٥). (٢) ((المنتقى)) (٢١/٥). ٢٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حديث فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ مَا كُرِهَ مِنْ ذُلِكَ، أَنْ يُؤْخَذَ الْبَعِيرُ بِالْبَعِيرَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاضُلٌ فِي نَجَابَةٍ وَلَا رِحْلَةٍ. فَإِذَا كَانَ هُذَا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ، فَلَا يُشْتَرَى مِنْهُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ إِلَى أَجَلٍ . هجناً، وبعضها عراباً. أو على غير ذلك من الأجناس، فإنه لا يجوز منها واحد باثنین، انتهى. قلت: والأشبه بمذهب الإمام مالك أن يمثل اختلاف الجنس بالبغال والحمير، فإنهما وإن كانا جنسين في الحقيقة، إلا أنه لما كانت المنفعة المقصودة منهما واحدة دخلا فيما أشبه بعضها بعضاً، كما تقدم في بيع العربان (فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل) أي نسيئة لما تقدم أن الإمام مالكاً - رحمه الله - أنزل اختلاف الصفات المقصودة بمنزلة اختلاف الجنس، واتفاق الصفات بمنزلة اتحاد الجنس، وإن اختلفت الأسماء، بخلاف الأئمة الثلاثة إذ أداروا الحكم على اختلاف الجنس واتفاقه. (قال مالك: وتفسير) أي توضيح (ما كره من ذلك) أي مثال المكروه (أن يؤخذ البعير بالبعيرين ليس بينهما) أي بين البدلين (تفاضل في نجابة ولا رحلة) قال الباجي: يريد نهاية التساوي، وهو أن يكونا متساويين في جنس الخلقة ونوعها، والصبر على طول السير، والقوة على الحمولة، وهي الرحلة، وإنما أراد أن يبين علة منع التفاضل بأبلغ ذلك، وذكر - رحمه الله - كل ما له تأثير في المنع من ذلك، وقد تقدم أن جنس الخلقة وتمامها مؤكد للقوة على الحمل، كالفصاحة في العبد. (فإذا كان هذا على ما وصفتُ) بصيغة المتكلم (لك) من التساوي في المعنيين المذكورين (فلا يُشترى) ببناء المجهول (منه) أي مما ذكر (اثنان) بالرفع نائب الفاعل، وفي النسخ الهندية ((اثنين)) بالنصب، فيكون فلا يشتري ببناء الفاعل، والضمير إلى مشتري (بواحدٍ إلى أجل) أي نسيئة. ٢٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حدیث وَلَا بَأْسَ أَنْ تَبِيعَ مَا اشْتَرَيْتَ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ، مِنْ غَيْرِ الَّذِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ، إِذَا انْتَقَدْتَ ثَمَنَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ سَلَّفَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانِ إِلَى أَجْلٍ مُسَمِّى، فَوَصَفَهُ وَحَلَّاهُ، وَنَقَدَ ثَمَنَهُ، فَذْلِكَ جَائِزٌ. وَهُوَ لَازِمٌ لِلْبَائِعِ (ولا بأس بأن تبيع ما اشتريتَ) بصيغة الخطاب (منها قبل أن تستوفيه) أي قبل الاستيفاء والقبض (من غير الذي) أي بيد غير من (اشتريته منه) يريد أنه وإن كان مطعوماً بعد الذبح، فيدخل في منع بيع الطعام قبل القبض، لكنه قبل الذبح ليس حكمه حكم المطعومات في المنع من بيعه قبل القبض، وفي الكراهية من بيع الجزاف، وفي التحريم في المكيل والموزون، وقوله: ((من غير الذي اشتريته)) تحقيق لمعنى البيع؛ لأنه قد يكون من بائعه على وجه الإقالة، كذا في ((المنتقى))(١). (إذا انتقدت ثمنه) أي لا بمؤجل، قال الباجي: يريد أن لا يبيعه بدین، وذلك أنه لا يخلو أن يكون الحيوان والعرض مؤجلاً أو غير مؤجل، فإن كان مؤجلاً لم يجز بيعه بمؤجل ممن هو عليه ولا من غيره؛ لأنه يدخل في بيعه ممن هو عليه ((فسخ دين في دين))، ويدخله في بيعه من غيره ((الكالئ بالكالئ)) وكلاهما يمنع صحة العقد، انتهى. قلت: وهذا مبنيٌ على مسلك الإمام مالك في أن ما سوى الطعام يجوز بيعه قبل قبضه عنده، وتقدم اختلاف الأئمة في ذلك في ((باب بيع العربان)). (قال مالك: ومن سلَّف) بتشديد اللام أي أسلم (في شيء من الحيوان) أي في نوع من أنواعه (إلى أجل مسمى) كما هو شرط السلم عند الجمهور (فوصفه وحَلَّه) بتشديد اللام أي بَيَّنَ حليته، فهو عطف تفسير (ونقد ثمنه) معجلاً، فإن ذلك شرط لصحة السلم (فذلك) السلم (جائز وهو) البيع (لازم للبائع) أداء (١) (٢١/٥). ٢٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٥) باب (١٣٥٧) حدیث وَالْمُبْتَاعِ عَلَى مَا وَصَفَا وَحَلَّيًا. وَلَمْ يَزَلْ ذُلِكَ مِنْ عَمَلِ النَّاسِ الْجَائِزِ بَيْنَهُمْ. وَالَّذِي لَمْ يَزَلْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِبَلَدِنَا . (وللمبتاع) أي المشتري أخذاً وقبولاً (على ما وصفا) أي البائع والمشتري (وحلَّيا ولم يزل ذلك) السلم (من عمل الناس) أي ما دام التعامل بذلك (الجائز بينهم و) هو (الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا) في المدينة المنورة. قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الشافعي وأحمد؛ لأنه يصير معلوماً ببيان الجنس، والسن، والنوع، والصفة، والتفاوت بعد ذلك يسير، فَيُغْتَفَرُ بالإجماع، وقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم في الحيوان دابةً ورقيقاً، وهو قول الأوزاعي لما أخرج الحاكم والدارقطني، وقال: صحيح الإسناد، عن ابن عباس ((أنه وَّ: نهى عن السلم في الحيوان)). وقال محمد في ((الآثار))(١) أخبرنا أبو حنيفة ثنا حماد عن إبراهيم قال: دفع عبد الله بن مسعود إلى زيد بن خويلدة البكري مالاً مضاربةً، فأسلم زيد إلى عتريس بن عرقوب الشيباني في قلائص، فلما حلّت أخذ بعضاً، وبقي بعض، فأعسر عتريس، وبلغه أن المال لعبد الله، فأتاه يسترفقه، وقال عبد الله: أفعل زيد؟ قال: نعم، فأرسل إليه فسأله، فقال له عبد الله: اردد ما أخذت، وخذ رأس مالك، ولا تُسْلِمَنَّ مالَنا في شيء من الحيوان، قال محمد: وبهذا نأخذ، لا يجوز السلم في شيء من الحيوان، وهو قول أبي حنيفة، انتهى. وقال الموفق(٢): اختلفت الرواية يعني عن الإمام أحمد في السلم في الحيوان، فروي لا يصحّ السلم فيه، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود وحذيفة وسعيد بن جبير والشعبي والجُوْزجانيّ، لما رُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: إن من الربا أبواباً لا (١) ((كتاب الآثار)) (١٦٥). (٢) ((المغني)) (٣٨٨/٦). ٢٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٨) حديث (٢٦) باب ما لا يجوز من بيع الحيوان ٦٢/١٣٥٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ تخفى، وإن منها السَّلَمَ في السن، ولأن الحيوان يختلف اختلافاً بيناً، فلا يمكن ضبطه، وظاهر المذهب صحة السلم فيه. قال ابنُ المنذر: وممن روينا عنه، أنه لا بأس بالسلم في الحيوان ابنُ مسعود وابن عباس وابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن والشعبي ومجاهد والزهري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور، وحكاه الجوزجاني عن عطاء والحكم؛ لأن أبا رافع قال: استسلف النبي ◌َّ من رجل بكراً، رواه مسلم(١)، وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال: أمرني رسول الله وقيل أن أبتاع البعير بالبعيرين، وبالأبعرة إلى مجيء الصدقة(٢). فأما حديث عمر - رضي الله عنه - فلم يذكره أصحاب الاختلاف، ثم هو محمولٌ على أنهم يشترطون من ضِراب فَحْلِ بني فلان، قال الشعبيُّ: إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان؛ لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم، رواه سعيد، ولو ثبت قول عمر - رضي الله عنه - في تحريم السلم في الحيوان، فقد عارضه قول من سمينا، اهـ. وليت شعري أنهم كيف أباحوا السلم في الحيوان، وقد قالوا: لو غصب أحد حيواناً فأتلفه، تجب فيه القيمة، كما سيأتي في الأقضية. (٢٦) ما لا يجوز من بيع الحيوان يعني بيان البيوع التي لا تجوز في الحيوان. ٦٢/١٣٥٨ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أن (١) ((صحيح مسلم)) (١٢٢٤/٣). (٢) في نسخة: المصدق. ٣٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٨) حدیث رَسُولَ اللَّهِ بِ﴿ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَل الْحَبَلَةِ. رسول الله ( نهى) نهي تحريم (عن بيع حبل الحبلة) بالمهملة الموحدة المفتوحتين فيهما وروي بسكون الباء في الأول، قال عياض: هو غلط، قال العيني(١): حكى النووي إسكان الباء في الأول، وهو غلط، والصواب الفتح، سمي به المحبول، والتاء للمبالغة أو للإشعار بالأنوثة، قيل: والأول مصدر حبلت المرأة، والثاني جمع حابل كظلمة جمع ظالم، والحبل مختص بالآدميات، وإنما يقال في غيرهن الحمل، قال أبو عبيد: لا يقال في الحيوان حمل إلا ما جاء في هذا الحديث. قال الحافظ(٢): وأثبته صاحب ((المحكم)) قولاً، فقال: اختلف، فقال: أهي للإناث عامة أم للآدميات خاصة؟ وحكى العيني عن ((المحكم)) كل ذات ظفر حُبْلى، واختلفوا في المراد به المنهيّ عنه فقيل: هو البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة، ويلد ولدها، وهذا تفسير ابن عمر ومالك والشافعي وغيرهم، وقيل: هو بيع ولد الناقة الحامل في الحال، وبه قال أبو عبيد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهو أقرب إلى اللغة، والبيع فاسد على كلا المعنيين، كذا في ((تهذيب اللغات))(٣). وفي ((شرح المسند)): قال ابن التين: محصل الخلاف، هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول، هل المراد بالأجل ولادة الأم أو ولادة ولدها؟ وعلى الثاني، هل المراد بيع الجنين الأول أو بيع جنين الجنين؟ فصارت أربعة أقوال، وعلة النهي إما جهالة الأجل، أو أنه غير مقدور التسليم، أو أنه بيع المعدوم. (١) ((عمدة القاري)) (٤٣٧/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٣٥٧/٤). (٣) (٦١/٢). ٣١ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٨) حدیث وحكى صاحب ((المحكم)) في تفسيره قولاً خامساً، وهو بيع ما في بطون الأنعام، وهذا أيضاً من بيع الغرر، لكن هذا إنما فسر به ابن المسيب بيع المضامين، كما حكاه مالك، وفسر به غيره بيع الملاقيح، كذا في ((التعليق الممجد))(١) . قلت: ما حكي من القول الخامس، هو بعينه الاحتمال الأول من الاحتمال الثاني في كلام ((شرح المسند)) وإرادة الجنين الأول من لفظ حبل الحبلة بعيد. وفي ((المحلى)): اختلفوا في تفسير تلك البيع، فقال جماعة: هو بيع ولد ولد الناقة الحامل في الحال، وهو المعنى بنتاج النتاج، وهذا تفسير أبي عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبي عبيد القاسم بن سلّام وآخرين من أهل اللغة، وبه قال أحمد وإسحاق، وهو أقرب إلى اللغة، وقال عبد الله بن عمر، كما سيأتي في ((الموطأ)) يعني البيع بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها، وبهذا التفسير قال مالك والشافعي قالوا: هو أقوى، وإن كان الأول أقرب لفظاً؛ لأنه تفسير الراوي أعني ابن عمر - رضي الله عنهما -، وهو أعرف. قال النووي(٢): ومذهب الشافعي ومحققي الأصوليين أن تفسير الراوي مقدم إذا لم يخالف الظاهر، قال الطيبي: فإن قلت: تفسيره مخالف لظاهر الحديث، أجيب باحتمال أن يكون المراد بالظاهر الواقع، فإن هذا البيع كان في الجاهلية بهذا الأجل فليس التفسير حذاء اللفظ، بل بيان للواقع، انتهى. قلت: وبالأول فسّره فقهاء الحنفية، ففي ((الدر المختار))(٣) في بيان البيع (١) (٢٢١/٣). (٢) ((شرح صحيح مسلم للنووي)) (١٥٨/١٠/٥). (٣) (١٧٠/٥). ٣٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٨) حدیث وَكَانَ بَيْعاً يَتَبَايِعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ. كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ الباطل: النتاج بكسر النون حبل الحبلة أي نتاج النتاج لدابة أو آدمي، قال ابن عابدين: المراد به هنا المنتوج. وفسره الزيلعي والرازي ومسكين بحبل الحبلة، بالفتحتين فيهما، مصدر حبلت المرأة حبلاً فهي حبلى، سمي به المحمول، وإنما أدخل عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة؛ لأن معناه النهي عن بيع ما سوف يحمله الجنين إن كان أنثى، ومن روى الحبلة بكسر الباء فقد أخطأ، انتھی . قال الباجي(١): الحبل هو الحمل، والحبلة الجنين، فكأنه باعه إلى أن ينقضي حمل الجنين الذي في بطن الناقة ينتج، ثم تحمل، فيحلّ البيع بانقضاء حمله، وذلك على ضربين: أحدهما: أن يكون الأجل يتقدر به، والثاني: أن يكون المبيع هو الجنين الثاني، أما الأول فلا يجوز؛ لأن الأجل مقصود بالعقد، فيجب أن يكون معلوماً. والذي يدخل الفساد فيه أمران: أحدهما: الجهالة به، والثاني: أن يكون بعيداً يدخله الغرر لبعده، فأما الأول فعلى ما ذكرناه من البيع، إلى أن تنتج الناقة، أو ينتج ما في بطنها، أو إلى قدوم فلان، أو نزول المطر وغير ذلك مما يختلف اختلافاً متبايناً تختلف الأغراض باختلافه، وإن كان إلى أجل بعيد جداً، ففي ((المدونة)) عن مالك: يجوز شراء سلعة إلى عشرين سنة، وقال ابن القاسم في ((الموازية)): إنه جوَّز ذلك إلى عشر سنين وكرهه إلى عشرين، قال: ولا أفسخه إلى ستين أو تسعين سنة، انتهى. (وكان) بيع حبل الحبلة (بيعاً يتبايعه) من التفاعل (أهل الجاهلية) أي كان هذا البيع معروفاً عندهم، وصورته (كان الرجل) منهم (يبتاع) أي يشتري (الجزور) بفتح الجيم وضم الزاي، البعير ذكراً كان أو أنثى (إلى أن تنتج) بضم (١) ((المنتقى)) (٢١/٥). ٣٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٩) حدیث النَّاقَةُ. ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا . أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٦١ - باب بيع الغَرَر وحَبَلَ الحبلة. ومسلم في: ٢١ - كتاب البيوع، ٣ - باب تحريم بيع حَبَل الحبلة، حديث ٥ و٦. ٦٣/١٣٥٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ الفوقية وسكون النون وفتح الفوقية الثانية، أي تلد، وهو من الأفعال التي لم تسمع إلا مبنيةً للمفعول، نحو جُنَّ، وفي ((المحلى)): فعل لازم البناء للمفعول (الناقة) مرفوع بإسناد ((تنتج)) إليها أي تضع ولدها (ثم تنتج التي في بطنها) أي ثم تعیش المولودة حتی تکبر ثم تلد. قال الحافظ(١): كذا وقع هذا التفسير في ((الموطأ)) متصلاً بالحديث، قال الإسماعيلي: هو مدرج يعني أن التفسير من كلام نافع، وكذا ذكر الخطيب في ((المدرج))، وفي آخر السلم من ((البخاري)) عن جويرية التصريح بأن نافعاً هو الذي فسره، لكن لا يلزم من كون نافع فسره لجويرية أن لا يكون ذلك التفسير مما حمله عن مولاه ابن عمر. ففي أيام الجاهلية عند البخاري عن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها، ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم رسول الله صل# عن ذلك، فظاهر هذا السياق أن هذا التفسير من كلام ابن عمر، ولهذا جزم ابن عبد البر بأنه من تفسير ابن عمر، وقد أخرجه مسلم من رواية الليث، والترمذي، والنسائي من رواية أيوب كلاهما عن نافع بدون التفسير، وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عمر بدون التفسير أيضاً، انتهى. ٦٣/١٣٥٩ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب أنه (١) ((فتح الباري)) (٣٥٧/٤). ٣٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٩) حدیث قَالَ: لَا رِباً فِي الْحَيَوانِ. وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنَ الْحَيَوانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيح، وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ. وَالْمَضَامِينُ بَيْعُ مَا فِي بُطُونِ إِنَاثِ الْإِبِلِ. وَالْمَلَاقِيَحُ بَيْعُ مَا فِي ظُهُورِ الْجِمَالِ . قال: لا ربا في الحيوان) مطلقاً نقداً ونسيئة، وقال الباجي(١): معناه - والله أعلم - لا يثبت فيه حكم تحريم التفاضل يداً بيد، انتهى. قلت: لا تخصيص بالتفاضل، بل يجوز فيه عنده النسيئة أيضاً، فإن البخاري عَلَّق أثره بلفظ ((قال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان، البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل)). (وإنما نهي) ببناء المجهول، ويحتمل المعروف، فالضمير إلى رسول الله وَل المعهود في قلب كل مؤمن (من الحيوان عن ثلاثة) وهذا أخرجه البزار، والطبراني في ((الكبير)) عن ابن عباس، والبزار عن ابن عمر: ((أن النبي نَّ نهى عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة))، وإسناده قوي، وصححه بعضهم، قاله (٢) الزرقاني (٢). (عن المضامين) جمع مضمون، يقال: ضمن الشيء بمعنى تَضَمَّنه، ومنه قولهم: مضمون الكتاب كذا وكذا، وسيأتي تفسيره في المتن (والملاقيح) جمع ملقوح، هو جنين الناقة من ألقحت الناقة، وولدها ملقوح به، فحذفت الجار، كذا في ((المجمع)). (وحبل الحبلة) تقدم ضبطهما في الحديث السابق (فالمضامين) زاد في النسخ المصرية ههنا، وفي ما سيأتي من تفسير الملاقيح لفظ ((البيع))، وليس هذا في النسخ الهندية والأولى حذفه (ما في بطون إناث الإبل) لأن البطن قد ضمن ما فيه (والملاقيح ما في ظهور الجمال) جمع جمل، ذكر الإبل؛ لأنه الذي يلقح الناقة. قال الزرقاني(٣): وافق الإمام على هذا التفسير جماعة من الأصحاب، (١) ((المنتقى)) (٢٢/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٢/٣). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٠٢/٣). ٣٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٩) حدیث قَالَ مَالِكٌ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْتَرِي أَحَدٌ شَيْئاً مِنَ الْحَيَوانِ بِعَيْنِهِ إِذَا كَانَ غَائِباً عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ وَرَضِيَهُ، عَلَى أَنْ يَنْقُدَ ثَمَنَهُ، لَا قَرِيباً وَلَا بَعِيداً. وعكسه ابن حبيب فقال: المضامين ما في الظهور، والملاقيح ما في البطون، وزعم أن تفسير مالك مقلوب، وتعقب بأن مالكاً أعلم منه باللغة، انتهى. وقال الباجي(١): قول مالك هو أظهر وأكثر، وفي ((المحلى)) ما ذكره مالك، أرباب اللغة على عكس ذلك، وبسط صاحب (التعليق الممجد)) (٢) أقوال أهل اللغة في ذلك، ثم قال: ويظهر من هذا كله أنهم اختلفوا في تفسير المضامين، والملاقيح التي نهي عن بيعها في الحديث بعد ما اتفقوا على أن المراد بهما ما في البطون من الأجِنَّة، وما في أصلاب الفحول من النطف التي تكون مادةً للأولاد، ولم تقع بعد في الرحم، انتهى. وقال الحافظ في ((الدراية)): روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر عن النبي ◌ّير: ((أنه نهى عن بيع المضامين والملاقيح وحبل الحبلة))، قال: والمضامين ما في أصلاب الإبل، والملاقيح ما في بطونها، وحبل الحبلة ولد ولد هذه الناقة (وحبل الحبلة ما كان أهل الجاهلية يتبايعونه) هكذا في النسخ الهندية، وليس هذا في النسخ المصرية، وتقدم الكلام على حبل الحبلة قريباً. (قال مالك: ولا ينبغي) أي لا يجوز (أن يشتري أحد شيئاً من الحيوان بعينه) أي المعين، كجمل فلان مثلاً، والفرس الفلاني مثلاً (إذا كان) هذا الحيوان (غائباً عنه) أي عن المشتري (وإن كان) وصلية (قد رآه) قبل ذلك (ورضيه) عند الرؤية (على) شرط (أن ينقد ثمنه) في الحال، ويأخذ المبيع بعد ذلك (لا قريباً ولا بعيداً) يعني لا يجوز هذا البيع، سواء كان المبيع قريب الغيبة أو بعيدها، يعني يزول غيبته في زمان قريب أو بعيد. (١) ((المنتقى)) (٢٢/٥). (٢) (٢٢١/٣). ٣٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٩) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا كُرِهَ ذُلِكَ، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَنْتَفِعُ بِالثَّمَنِ، وَلَا يُذْرَى هَلْ تُوجَدُ تِلْكَ السِّلْعَةُ عَلَى مَا رَآهَا الْمُبْتَاعُ أَمْ لَا؟ فَلِذْلِكَ، كُرِهَ ذُلِكَ. وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذَا كَانَ مَضْمُوناً مَوْصُوفًاً . قال الباجي: هذه رواية ((الموطأ))، وروى عنه ابن عبد الحكم في الحيوان خاصة، والذي روي عنه في غير ((الموطأ)) في ((المدونة)) وغيرها أنه يجوز النقد فيما قَرُبَ دون ما بَعُدَ، فعلى هذه له روايتان في القرب، إحداهما : أنه لا يجوز ذلك، وهي رواية ((الموطأ))، ووجهه أنه مبيع غائب ينقل ويحول، فلا يجوز النقد فيه بشرط كالبعيد الغيبة. والرواية الثانية: أنه يجوز، ووجهها أن ما قرب يقلّ فيه الغرر لقرب إمكان قبضه، وإن دخله نقص عرف وقت نقصه، فكان ذلك كالحاضر؛ لأنه ليس من شرط صحة البيع، أن يكون المبيع حاضر البيع، بل قد يجوز ذلك، والمبيع غائب في دار البائع، ومخزنه، فإذا قلنا بالفرق بين القرب والبعد، فقد روى ابن المواز عن مالك يجوز النقد فيما كان على البريد والبريدين، ثم رجع، فقال: علی الیوم ونحوه، انتهى. (قال مالك:) هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وليس هذا اللفظ في بعض النسخ المصرية، والكلام الآتي ملحق بما سبق، وهو الأوجه (وإنما كره ذلك) البيع (لأن البائع ينتفع بالثمن) الذي أخذه عن المشتري (ولا يدري) المشتري (هل توجد تلك السلعة) وهو الحيوان بعينه فيما سبق (على) وفق (ما رآها المبتاع) قبل ذلك (أم لا) فيكون المبيع غير مرضيّ له (فلذلك كره ذلك) لتردد الثمن بين السلفية والثمنية (ولا بأس به) أي يجوز (إذا كان) المبيع (مضموناً) على البائع (موصوفاً) بالصفات التي تعتبر في الثمنية، كما تقدم قريباً في بيان السلم، فإنه مبنيٌّ على جواز السلم في الحيوان عند الإمام مالك، وتقدم خلاف الأئمة في ذلك. قال الباجي(١): قوله: وإن كانت تقدمت رؤية المشتري له، يريد أن (١) ((المنتقى)) (٢٤/٥). ٣٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٦) باب (١٣٥٩) حدیث للرؤية تأثيراً في بيع الأعيان الغائبة، فلا يجوز عند مالك بيعها إلا برؤية متقدمة أو صفة، خلافاً لأبي حنيفة في قوله: إن ذلك جائز، وللمبتاع خيار النظر، فأما بيع الغائب البعيدة الغيبة بصفة البائع أو غيره، فإنه جائز، فإن كانت الصفة على ما وصفت لزم المبتاع، وإلا كان له الخيار، ومنع الشافعي بيع ما لم ير. وقال الموفق(١): وفي بيع الغائب روايتان، أظهرهما، أن الغائب الذي لم يوصف، ولم تتقدم رؤيته لا يصحُّ بيعه، وبهذا قال الشعبي، والنخعي، والحسن، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وهو أحد قولي الشافعي، وفي رواية أخرى، أنه يصح، وهو مذهب أبي حنيفة، والقول الثاني للشافعي، وهل يثبت للمشتري خيار الرؤية؟ على روايتين، أشهرهما ثبوته، وهو قول أبي حنيفة، واحتجّ من أجازه بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ . ورُوي عن عثمان، وطلحة، أنهما تبايعا داريهما بالكوفة، والأخرى بالمدينة، فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: ما أبالي؛ لأني بعت ما لم أره، وقيل لطلحة، فقال: لي الخيار، لأنّني اشتريت ما لم أره. فتحاكما إلى جبير، فجعل الخيار لطلحة، وهذا اتفاق منهم على صحة البيع، ولأنه عقد معاوضة، فلم تفتقر صحته إلى رؤية المعقود عليه كالنكاح. ولنا، ما رُوي عن النبي ◌ِّ: ((أنه نهى عن بيع الغرر))، رواه مسلم، ولأنه نوعُ بيع، فلم يصحّ مع الجهل بصفة المبيع، كالسلم، والآية مخصوصة بالأصل الذي ذكرنا، وأما حديث عثمان وطلحة، فيحتمل أنهما تبايعا على الصفة على أنه قول صحابي، وفي كونه حجة خلاف، فلا يعارض به حديث رسول الله ، فإن قيل: فقد روي عن النبي ◌َليل أنه قال: ((من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه))(٢)، والخيار لا يثبت إلا في عقد صحيح، قلنا: هذا (١) ((المغني)) (٣١/٦). (٢) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٦٨/٥)، والدارقطني في ((سننه)) (٤/٣). ٣٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٧) باب (٢٧) باب بيع الحيوان باللحم يرويه عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متروك الحديث، انتهى. وفي ((المحلى)): قال الشافعي في أظهر قوليه: لا يجوز شراء شيء غائب، وإن سمى جنسه وصفته، وقال أبو حنيفة: صحَّ شراء ما لم يره، سواء ذكر صفته أو لم يذكر، فهو بالخيار إذا رآه، ولو رآه على الصفة التي وصفت له، وهو قول أحمد وقول الشافعي، انتهى. وفي ((الهداية)): (١) من اشترى شيئاً لم يره، فالبيع جائز، وله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده، وقال الشافعي: لا يصح العقد أصلاً، لأن المبيع مجهول، ولنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه»، ولأن الجهالة بعدم الرؤية لا تفضي إلى المنازعة؛ لأنه لو لم يوافقه یرده. قال ابن الهمام(٢): قوله: وإن شاء رده، سواء رآه على الصفة التي وصفت له أو على خلافها، وقوله: قال الشافعي، هو فيما لم يسم جنسه قولاً واحداً أنه لا يجوز، وأما فيما سمّي جنسه وصفته على ما نقل في ((شرح الوجيز)) و(الحلية)) أنه يجوز على قوله القديم، وعلى قوله الجديد لا يجوز، وعن مالك وأحمد مثل قولنا، واختاره كثير من أصحاب الشافعية، وهو قول عثمان وطلحة، ثم بسط ابن الهمام الكلام على الحديث المرفوع الذي استدل به صاحب ((الهداية)) فارجع إليه . (٢٧) بيع الحيوان باللحم قال ابن رشد(٣): اختلفوا في هذا الباب على ثلاثة أقوال: قول: إنه لا (١) (٣٤/٢). (٢) ((فتح القدير)) (٥٣١/٥). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٣٧/٢). ٣٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٧) باب يجوز بإطلاق، وهو قول الشافعي والليث، وقولٌ: إنه يجوز في الأجناس المختلفة التي يجوز فيها التفاضل، ولا يجوز ذلك في المتفقة، أعني الربوية، لمكان الجهل الذي فيها من طريق التفاضل، وذلك في التي المقصود منها الأكل، فلا يجوز شاة مذبوحة بشاة تراد للأكل، وذلك عنده في الحيوان المأكول، حتى إنه لا يجيز الحيّ بالحيّ، إذا كان المقصود الأكل بأحدهما، فهي عنده من جهة الربا والمزابنة، وقول ثالث: إنه يجوز مطلقاً، وبه قال أبو حنيفة، انتهى. قال الموفق(١): لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، وهو مذهب مالك والشافعي وقول فقهاء المدينة السبعة، وحُكِي عن مالك أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم، ويجوز بغيره، وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقاً؛ لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه أشبه بيع اللحم بالدراهم أو بلحم من غير جنسه، ولنا حديث زيد بن أسلم الآتي في ((الموطأ)) قال ابن عبد البر: هذا أحسن أسانيده، وروي عن النبي ◌َّر: ((أنه نهى أن يباع حي بميت))، ذكره الإمام أحمد، وروي عن ابن عباس أن جزوراً نحرت، فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءاً بهذا العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا. قال الشافعي: لا أعلم مخالفاً لأبي بكر - رضي الله عنه - في ذلك، وقال أبو الزناد: وكل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز، كبيع السمسم بالشيرج، وأما بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، فظاهر كلام أحمد والخرقي أنه لا يجوز، واختار القاضي جوازه، وللشافعي فيه قولان، واحتجّ من منعه بعموم الأخبار، وبأن اللحم كله جنس واحد، ومن أجازه قال: مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه، فجاز كما لو باعه بالأثمان، وإن باعه بحيوان بغير مأكول اللحم جاز (١) ((المغني)) (٩٠/٦). ٤٠