Indexed OCR Text
Pages 621-640
٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث الْمَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى. وغيره (الموصوف) قال الباجي(١): يقتضي أن يكون المسلم فيه موصوفاً، لأن السلف يكون بمعنى القرض، ويكون بمعنى السلم، فأما القرض فلا يحتاج إلى وصف؛ لأنه لا يجوز أن يشترط إلا مثل ما أعطى، فلا يصحُّ أن يريد به ههنا القرض، وأما السلم فلا بد أن يكون المسلم فيه موصوفاً؛ لأنه لا يصحُّ أن يعرف إلا بالوصف؛ لأنه لا يجوز أن يكون معيناً، وإنما يكون متعلقاً بالذمة، وهذا لا خلاف فيه، انتهى. وتقدم في بيان الشروط أيضاً أن السلم في المعين لا يجوز (بسعر معلوم) يعني يتعين سعره، بالكسر، وهو مؤدى ما تقدم في بيان الشروط، الشرط الثالث: معرفة مقدار المسلم فيه، وهو إجماعيّ، لا خلاف فيه لأحد من العلماء (إلى أجل مسمى) وهو الشرط الرابع المتقدم في بيان الشروط. وقد عرفت أن الأئمة الثلاثة قالوا باشتراط التأجيل، خلافاً للشافعي، إذ أباح السلم الحالّ، ولذا أوّله النووي بأن معناه إن أسلم في مؤجل فليكن أجله معلوماً، ولا يلزم منه اشتراط التأجيل، بل يجوز حالاً؛ لأنه إذا جاء مؤجلاً مع الغرر، فجواز الحال أولى. قال الموفق(٢): ولنا قوله وَ﴾: ((من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم))(٣) فأمر بالأجل، وأمره يقتضي الوجوب، ولأنه أمر بهذه الأمور تبييناً لشروط السلم ومنعاً منه بدونها، فكما لا يصحّ إذا انتفى الكيل والوزن، فكذلك الأجل، ولأن السلم إنما جاز رخصة للرفق، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، فإذا انتفى الأجل انتفى الرفق، ولأن الحلول يخرجه (١) ((المنتقى)) (٢٩٢/٤). (٢) («المغني)) (٤٠٢/٦). (٣) أخرجه البخاري (١١٣/١١١/٣)، ومسلم (١٢٢٧/٣)، وأبو داود (٢٤٦/٢). ٦٢١ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حدیث مَا لَمْ يَكُنْ فِي زَرْع لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، أَوْ تَمْرِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ. عن اسمه ومعناه، أما الاسم فلأنه يسمى سلماً وسلفاً لتعجل أحد العوضين وتأخر الآخر، والشارع أرخص فيه للحاجة الداعية إليه، وهي أن أرباب الزروع والثمار والتجارات يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم، وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم، ليرتفقوا، أو يرتفق المسلم بالاسترخاص، فمع حضور ما يبيعه حالاً لا حاجة إلى السلم، فلا يثبت، ويفارق تنوع الأعيان، فإنها لم تثبت على خلاف الأصل لمعنى يختص بالتأجيل، انتهى. (ما لم يكن) السلم (في زرع لم يبد) أي لم يظهر (صلاحه أو) في (تمر لم يبد صلاحه) هكذا في جميع النسخ المصرية والهندية، لكن رقم في النسخ الهندية على قوله: أو تمر معلوم علامة النسخة، وهو مشعر إلى أن هذا ليس في بعض النسخ. قال الباجي(١): يريد أنه لا يجوز تعليق السلم بزرع لم يبدُ صلاحه، ولا بثمر لم يبدُ صلاحه، وذلك أن السلم على ضربين: مطلق في الذمة، ومضاف إلى بلدة، فأما المطلق في الذمة، فمثل أن يسلم إليه في قمح أو تمر، ويصفه بصفة، ولا يشترط من تمر موضع من المواضع. والثاني: أن يضيفه إلى بلدة، فيقول: من قمح مصر أو الشام، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يضيف ذلك إلى موضع صغيرٍ لا يُؤْمَن انقطاع ثمرته، فإنه لا يجوز ذلك على وجه السلم، ولا يجوز إلا على وجه البيع بعد أن يبدو صلاح ذلك الحائط، ومن شرطه أن يكون الحائط لبائع التمر، والثاني: أن يُضِيف ذلك إلى موضع كبير كثير التمر والزرع يؤمن انقطاعه من بين أيدي الناس، مثل خيبر، فهذا يجوز عقد السلم فيه من أيّ وقت شاء بعد بدو الصلاح، وقبل ذلك لمن له في ذلك الموضع زرع أو ثمر ، أو لمن ليس له فيه شيء. (١) ((المنتقى)) (٣٠١/٤). ٦٢٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حدیث والأصل فيه ما روى ابن أبي المجالد سألت ابن أبي أوفى عن السلف؟ فقال: كنا نُسْلِفُ على عهد رسول الله وَلَّ وأبي بكر وعمر في البر والشعير والتمر إلى قوم، لا ندري أعندهم أو لا؟ وابن أبزى قال مثل ذلك، انتهى. قلت: وحديث ابن أبي المجالد أخرجه البخاري في ((صحيحه))(١)، وترجم عليه ((باب السلم إلى من ليس عنده أصل)). وأثر الباب أخرجه محمد في (موطئه))(٢) بلفظ: لا بأس بأن يبتاع الرجل طعاماً إلى أجل معلوم بسعر معلوم، إن كان لصاحبه طعام أو لم يكن ما لم يكن في زرع لم يبد صلاحها أو في تمر لم يبد صلاحُها، فإن رسول الله وَ له نهى عن بيع الثمار، وعن شرائها، حتى يبدو صلاحها، قال محمد: هذا عندنا لا بأس به، وهو السلم يسلم الرجل في طعام إلى أجل معلوم بكيل معلوم من صنف معلوم، ولا خير في أن يشترط ذلك من زرع معلوم أو من نخل معلوم، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله -، انتهى. وظاهر كلام الباجي ومحمد أنهم لم يشترطوا في ذلك بدو الصلاح، وهو الظاهر من المذاهب؛ لأن الشرط عندهم وجود المسلم فيه عند الحلول، وسواء في ذلك بدو الصلاح عند العقد وغير البدو، وكذلك الشرط عند الحنفية وجود المسلم فيه في السوق من العقد إلى وقت الحلول، ويمكن حمل شرط البدو في الأثر على فرع خاص يظهر من كلام صاحب ((الدر المختار))، وهو السلم في الجديد من الحنطة والتمر، إذ قال(٣): لا يصح في حنطة حديثة قبل حلولها؛ لأنها منقطعة في الحال، وكونها موجوداً وقت العقد إلى وقت المحل شرط . (١) ((صحيح البخاري)) (٢٢٤٤) ((فتح الباري)) (٤٣٠/٤). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٢١٢/٣). (٣) (رد المحتار)) (٤٨٦/٧). ٦٢٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِيمَنْ سَلَّفَ فِي طَعَام بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ. إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى. فَحَلَّ الْأَجَلُ. فَلَمْ يَجِدِ الْمُبْتَاعُ عِنْدَ الْبَائِعِ وَفَّاءً مِمَّا ابْتَاعَ مِنْهُ فَأَقَالَهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ إِلَّا وَرِقَهُ أَوْ ذَهَبَهُ. أَوِ الثَّمَنَ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ. وفي ((الجوهرة)): أسلم في حنطة جديدة لم يجز؛ لأنه لا يدرى أن يكون في تلك السنة شيء أم لا؟ وعليه فما يكتب في وثيقة السلم من قوله: جديد عامه مفسد له يعني قبل وجود الجديد، أما بعده فيصحُّ، كما لا يخفى، انتهى. وعلى هذا فتقييد بدو الصلاح يصحُّ في الجديد، ويحتمل الأثر توجيهاً آخر، أشار إليه صاحب ((الممجد))(١) إذ قال: وبه أخذ أصحابنا، حيث شرطوا في جواز السلم كون المسلم فيه موجوداً من حين العقد إلى محل الأجل، انتھی . وإليه أشار شيخنا في ((البذل))(٢) حيث قال في حديث ابن عمر المرفوع: ((لا تسلفوا في النخل، حتى يبدو صلاحه)): فيه إشارة إلى أن يكون المسلم فيه موجوداً من حين العقد إلى وقت حلول الأجل، انتهى، وعلى هذا، فمعنى بدو الصلاح وجوده لعله قبل ذلك، كأنه لم يتحقق الوجود. (قال مالك: الأمر عندنا فيمن سلف في طعام) مثلاً (بسعر معلوم) يعني بشرائطه، وأشار إليها بذكر بعض الشروط اكتفاء بذكر البعض عن الكل (إلى أجل مسمى) كما هو المشهور في شرائطه عند الجمهور (فَحَلَّ الأجلُ) أي حان أداء المسلم فيه (فلم يجد المبتاع) أي رب السلم (عند البائع) أي المسلم إليه (وفاءً) بالمد، أي المسلم بكماله (مما ابتاع منه) بيان لوفاء ومتعلق له (فأقاله) أي أراد الإقالة (فإنه لا ينبغي له) أي لا يجوز لرب السلم (أن يأخذ منه) من المسلم إليه (إلا ورقه) أي فضته (أو ذهبه أو الثمن الذي دفع إليه بعينه). (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٢١٣/٣). (٢) ((بذل المجهود)) (١٤٦/١٥). ٦٢٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حدیث وإِنَّهُ لَا يَشْتَرِي مِنْهُ بِذْلِكَ الثَّمَنِ شَيْئاً. حَتَّى يَقْبِضَهُ مِنْهُ وَذُلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَخَذَ غَيْرَ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إِلَيْهِ. أَوْ صَرَفَهُ فِي سِلْعَةٍ غَيْرِ الطَّعَامِ الَّذِي ابْتَاعَ مِنْهُ. فَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. قَالَ مَالِكٌ: قال الباجي(١): يحتمل أن يريد بقوله: ذهبه أو ورقه نفس ثمنه بعينه، إن كان موجوداً عنده على قولنا: إن الدنانير تتعين بالعقد، أو يكون الثمن تبراً أو حلياً مصوغاً، فيتعين بالعقد، ولا يجوز في الحلي أن يقيله إلا بنفس ما دفع، ويحتمل أن يريد بقوله: بذهبه أو ورقه، من جنس ذلك، وسكته على قول: إن الدنانير لا تتعين بالعقد. وقد قال في ((المدونة)) فيمن سلم إلى رجل دنانير في طعام فأقاله، ودنانيره في يده، وشرط عليه أن يرد إليه تلك الدنانير بأعيانها: إن للمسلم إليه أن يدفع إليه غيرها، وقوله بعد ذلك: أو ثمنه بعينه، يريد - والله أعلم - أن يكون الثمن من غير العين، كالعروض والطعام، فهذا لا تصح الإقالة إلا بنفس ذلك الثمن دون ما كان من جنسه؛ لأن ذلك کله يؤدي إلى بيع الطعام قبل استيفائه، انتهى. (وإنه لا يشتري منه) أي من المسلم إليه (بذلك الثمن) الذي عجله إليه (شيئاً) آخر غير المسلم فيه (حتى يقبضه منه) أي حتى يقبض الثمن من المسلم إليه أولاً، ثم يشتري به ما شاء (وذلك) أي سبب عدم الجواز (أنه إذا أخذ) رب السلم (غير الثمن الذي دفع إليه) أي المسلم إليه (أو صرفه) أي الثمن (في سلعة) أخرى (غير الطعام الذي ابتاع منه) يعني غير الطعام الذي سَلَّفَ فيه (فهو) حينئذ يكون (بيع الطعام) المسلم فيه (قبل أن يستوفى) أي قبل أن يقبض؛ لأن البيع في المسلم فيه قد انعقد وقت السلم. (قال مالك) هذا اللفظ موجود في النسخ الهندية وأكثر المصرية(٢)، (١) ((المنتقى)) (٣٠٢/٤). (٢) في نسخة ((الاستذكار)) (٢٤/٢٠) هذا اللفظ موجود. ٦٢٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ بَلَّهَ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ نَدِمَ الْمُشْتَرِي فَقَالَ لِلْبَائِعُ: أقِلْنِي وَأُنْظِرُكَ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعْتُ إِلَيْكَ فَإِنَّ. وليس في بعضها هذا اللفظ، والأوجه حذفه، لأن الكلام الآتي مرتبط بما سبق (وقد نهى رسول الله (وَّةَ) في الأحاديث المشهورة (عن بيع الطعام قبل أن يستوفى) فإذا أخذ رب السلم في الإقالة شيئاً آخر غير المسلم فيه، يدخل في المنهي عنه، وفي ((المحلى)): روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه قال: إذا أسلمت في شيء، فلا تأخذ إلا رأس مالك أو الذي أسلفت. وروى أبو داود عن الخدري مرفوعاً: ((إذا أسلفت في شيء، فلا تصرفه إلى غيره))، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. في ((الهداية)) (١): وإن تقايلا السلم لم يكن له أن يشتري من المسلم إليه برأس المال شيئاً حتى يقبضه كله، لحديث، ((لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك))، وفي ((المنهاج)): ولا يصحُّ بيع المسلم فيه قبل قبضه ولا الاعتياض عنه، انتهى. قال الخرقي: بيع المسلم فيه من بائعه أو من غيره قبل قبضه فاسد، وكذلك الشركة والتولية والحوالة به، طعاماً كان أو غيره، انتهى. قال الموفق(٢): أما بيع المسلم فيه قبل قبضه، فلا نعلم في تحريمه خلافاً، وقد نهى النبي ◌َّ عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضْمَنْ، ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه فلم يجز بيعه، كالطعام قبل قبضه، وأما الشركة والتولية فلا يجوز أيضاً عند أكثر العلماء، وحُكِيَ عن مالك جواز الشركة والتولية، انتهى. (قال مالك: فإن ندم المشتري فقال البائع: أقِلْني) السلم (وأنظرك) بضم الهمزة وسكون النون وكسر المعجمة أؤخرك (بالثمن الذي دفعت إليك، فإن (١) (٧٤/٢) . (٢) ((المغني)) (٤١٥/٦). ٦٢٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث ذُلِكَ لَا يَصْلُحُ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَنْهَوْنَ عَنْهُ. وَذُلِكَ أَنَّهُ لَمَّا حَلَّ الطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، أَخَّرَ عَنْهُ حَقَّهُ، عَلَى أَنْ يُقِيلَهُ. فَكَانَ ذُلِكَ بَيْعَ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلِ، قَبَّلَ أَنْ يُسْتَوْفَى. قَالَ مَالِكٌ: وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ، أَنَّ الْمُشْتَرِيَ حِينَ حَلَّ الْأَجَلُ. وَكَرِهَ الطَّعَامَ. أَخَذَ بِهِ دِينَاراً إِلَى أَجَلِ. ولَيْسَ ذُلِكَ بِالْإِقَالَةِ. وَإِنَّمَا الْإِقَالَةُ مَا لَمْ يَزْدَدْ فِيهِ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي. فَإِذا وَقَعَتْ فِيهِ الزِّيَادَةُ بِنَسِيئَةٍ إِلَى أَجَلِ. أَوْ بِشَيْءٍ يَزْدَادُهُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. أَوْ بِشَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ أَحَدُهُمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْإِقَالَةِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ الْإِقَالَةُ، إِذَا فَعَلَا ذُلِكَ بَيْعاً . ذلك لا يصلح) أي لا يجوز (وأهل العلم ينهون عنه وذلك) أي وجه عدم الجواز (أنه لما حل الطعام للمشتري) أي حان وقت الأداء (على البائع أخّر) المشتري (عنه) أي عن البائع (حقه على) شرط (أن يقيله) البائع (فكان ذلك) أي تأخيره الثمن (بيع الطعام إلى أجل) من المشتري (قبل أن يستوفى) فكان المشتري يبيع هذا الطعام الواجب له بيد البائع بثمن مؤجل. (قال مالك: وتفسير ذلك) المذكور، وتوضيحه (أن المشتري حين حل الأجل) أي جاء وقت استيفائه الطعام (وكره) المشتري (الطعام) إذ طلب الإقالة، فكأنه (أخذ به ديناراً) وهو ثمن السلم (إلى أجل) وهو الأجل الذي يمهل إليه البائع (وليس ذلك بالإقالة) حقيقة (وإنما) يكون (الإقالة ما لم يزدد فيه) أي في الإقالة (البائع ولا المشتري) شيئاً زائداً. (فإذا وقعت فيه) أي في الإقالة (الزيادة بنسيئة) أي بتأخير (إلى أجل أو) وقعت الزيادة (بشيء) آخر من الدراهم وغيرها (يزداده أحدهما) أي المشتري أو البائع (على صاحبه) أي على الآخر منهما (أو) وقعت الزيادة (بشيء ينتفع به أحدهما) فإن انتفاع أحدهما أيضاً زيادة على الإقالة (فإن ذلك ليس بالإقالة) حقيقة (وإنما تصير الإقالة إذا فعلا ذلك بيعاً) سابقاً بدون شرط آخر. ٦٢٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث وَإِنَّمَا أُرْخِصَ فِي الْإِقَالَةِ، وَالشِّرْكِ، وَالتَّوْلِيَةِ؛ مَا لَمْ يَدْخُلْ شَيْئاً مِنْ ذُلِكَ زِيَادَةٌ، أَوْ نُقْصَانٌ، أَوْ نَظِرَةٌ. فَإِنْ دَخَلَ ذُلِكَ، زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ، أَوْ نَظِرَةٌ، صَارَ بَيْعاً. يُحِلُّهُ مَا يُحِلُّ الْبَيْعَ. وَيُحَرِّمُهُ مَا يُحَرِّمُ الْبَيْعَ. قال الموفق(١): أما الإقالة في المسلم فيه فجائزة؛ لأنها فسخ، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأن الإقالة فسخ للعقد، ورفع له من أصله، وليست بيعاً، انتھی. (وإنما أرخص) ببناء المجهول (في الإقالة) وهي المسألة التي نحن فيها (والشركة، والتولية) وهي المسألة التي تقدمت في كلام الموفق أن مالكاً أباح التولية والشركة في المسلم فيه قبل القبض (ما لم يدخل في شيء) وفي النسخ المصرية: شيئاً (من ذلك) المذكور أي الإقالة والتولية والشركة (الزيادة) فاعل يدخل (أو النقصان أو النظرة) أي التأخير والإمهال (فإن دخل ذلك) أي دخل فيه (زيادة أو نقصان أو نظرة صار) ذلك (بيعاً) مستأنفاً (يُحِلُّه) أي يحل هذا البيع المستأنف (ما يحل البيع ويحرمه ما يحرم البيع) يعني يشترط له شروط البيع من الإباحة والتحريم. قال الزرقاني(٢): الإقالة في الطعام بشرطه جائزة، باتفاق مالك وأبي حنيفة والشافعي، ومشهور قول مالك جواز التولية والشركة، ومنعهما الشافعي وأبو حنيفة، ولمالك قول بمنع الشركة، واتفق المذهب على جواز التولية؛ لأنها معروف كالإقالة، ولقوله وَله: ((من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه إلا أن يشرك فيه أو يوليه أو یقیله»، رواه أبو داود وغيره، انتهى. قلت: لم أجده في أبي داود، وقال الزيلعي (٣): روى عبد الرزاق في (١) ((المغني)) (٤١٧/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٢/٣). (٣) ((نصب الراية)) (٣١/٤). ٦٢٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَنْ سَلَّفَ فِي حِنْطَةٍ شَامِيَّةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مَحْمُولَةً، ((مصنفه)) أخبرنا معمر عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب عن النبي ◌َّ﴾ قال: التولية والإقالة سواء، لا بأس به، أخبرنا ابن جريج عن ربيعة عن النبي ◌َّ حديثاً مستفاضاً بالمدينة، قال: من ابتاع طعاماً فلا يبعه، حتى يقبضه ويستوفيه، إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله، انتهى. وذكره الحافظ في ((الدراية)» وسكت علیه. وقال الموفق(١): أما الشركة، والتولية، فلا تجوز أيضاً، لأنهما بيع، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وحكي عن مالك جواز الشركة والتولية، لما روي عن النبي ◌َّير: أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وأرخص في الشركة والتولية، ولنا، أنها معاوضة في المسلم فيه قبل القبض، فلم يجز، كما لو كانت بلفظ البيع، ولأنهما نوعا بيع، فلم يجوزا في السلم قبل قبضه، كالنوع الآخر، والخبر لا نعرفه، وهو حجة لنا؛ لأنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، والشركة والتولية بيع، فيدخلان فيه، ويحمل قوله: ((أرخص)) على أنه أرخص فيهما في الجملة، لا في هذا الموضع، وأما الإقالة فإنها فسخ، وليست بيعاً، انتھی . قلت: ما ذكر الموفق من التوجيه لا يتمشى في ألفاظ، ذكرها الزرقاني والزيلعي، والاعتذار عن الجمهور بأن التولية والشركة بيعٌ، والنهي عن البيع قبل القبض معروف، بعدة روايات، بطرق عديدة، لا يقاومها هذا الحديث ظاهر . (قال مالك: من سَلَّف) بتشديد اللام (في حنطةٍ شاميةٍ) مثلاً (فلا بأس) أي يجوز (أن يأخذ) بدلها حنطة (محمولة) هي أردأ من الشامية، وفي (١) ((المغني)) (٤١٥/٦). ٦٢٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ . قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ مَنْ سَلَّفَ فِي صِنْفٍ مِنَ الْأَصْنَافِ. فَلَا بَأُسَ أَنْ يَأْخُذَ خَيْراً مِمَّا سَلَّفَ فِيهِ. أَوْ أَذْنَى بَعْدَ مَحِلِّ الْأَجَلِ. وَتَفْسِيرُ ذُلِكَ: أَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ فِي حِنْطَةٍ مَحْمُوْلَةٍ. فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ شَعِيراً أَوْ شَامِيَّةً. وَإِنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ عَجْوَةٍ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ صَيْحَانِيًّا (القاموس)): المحمولة: حنطة غير كبيرة الحب، كذا في ((المحلى)) (بعد محل) بفتح ميم وكسر حاء أي بعد حلول (الأجل) لا قبله. (قال: وكذلك من سَلّف في صنفٍ) خاص (من الأصناف) في كل الأشياء (فلا بأس أن يأخذ) صنفاً (خيراً) أي أحسن (مما سلّف فيه) لأنه حسن قضاء من المسلم إليه (أو) يأخذ صنفاً (أدنى) مما سلّف فيه؛ لأنه حسن اقتضاء من رب السلم، لكن بشرط الاقتضاء (بعد محل الأجل) في كلتا الصورتين لا قبله. (وتفسير ذلك) وتوضيحه (أن يُسَلِّف) بتشديد اللام المكسورة (الرجل في حنطة محمولة) مثلاً (فلا بأس أن يأخذ) بدلها (شعيراً) وهذا مبني على مسلك الإمام مالك - رحمه الله -، أن الحنطة والشعير عنده جنس واحد، فلا بأس أن يأخذ أحدهما بدل الآخر لاتحاد الجنس، بخلاف الجمهور، إذ هما عندهم جنسان، كما تقدم مبسوطاً في آخر ما يكره من بيع الثمر، فلا يجوز عندهم أخذ أحدهما محل الآخر (أو) يأخذ بدلها حنطةً (شامية) فإن المحمولة والشامية كلتيهما جنس واحد. (وإن أسلف في تمر عجوة) مثلاً، وتقدم قريباً أن العجوة من أجود أنواع التمر (فلا بأس أن يأخذ) بدلها (صيحانياً) وهو أجودُ من العجوة، كذا في ((المحلى))، قال المجد: صاحت النخلة طالت، والصيحاني من تمر المدينة، نسب إلى صيحانٍ لكبش كان يربط إليها، أواسم الكبش الصياح، وهو من تغيرات النسب كصنعاني، انتهى. قلت: أو سُمّيَت لطولها من صاحت النخل، فإن الصيحاني يكون أطول. ٦٣٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث أَوْ جَمْعاً. وَإِنْ سَلَّفَ فِي زَبِيب أَحْمَرَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْوَدَ. إِذَا كَانَ ذُلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ. إِذَا كَانَتْ مَكِيلَةُ ذُلِكَ سَوَاءً. بِمِثْلِ كَيْلِ مَا سَلَّفَ فِيهِ. (أو) يأخذ محلها تمراً (جمعاً) بسكون الميم، رديئاً من التمر (وإن سلّف في زبيب أحمر مثلاً فلا بأس أن يأخذ) بدله زبيباً (أسود إذا كان ذلك كله) أي أخذ نوعاً آخر أفضل أو أدنى من المسلم فيه (بعد محل) مصدر ميمي أي حلول (الأجل) أي في زمان أداء المسلم فيه (إذا كانت مكيلة ذلك) الذي أخذ (سواءً) أي مساوياً (بمثل كيل ما سلّف فيه) فالجواز مقيد بشرطين؛ أحدهما: أن يكون الأداء عند الأجل لا قبله ولا بعده، والثاني: أن يكون المؤدى والمسلم متساوي الوزن فهذين الشرطين لا يضر اختلاف الوصف، وفي ((المحلى)): هو قول أبي حنيفة والشافعي. ففي ((فتح القدير))(١): لو دفع المسلم إليه ما هو أردأ من المشروط فقبله رب السلم أو أجود، فإنه يجوز ولا يكون له حكم الاستبدال، فإنه جنس حقه فهو كترك بعض حقه وإسقاطه في حق رب السلم، ومن حسن القضاء في حق المسلم إليه، وفي ((المنهاج)): يجوز أردأ من المشروط ولا يجب قبوله، ويجوز أجود منه، ويجب له قبوله في الأصح، اهـ. وقال الموفق(٢): لا يخلو إما أن يُحْضِر المسلم فيه على صفته أو دونها أو أجودَ منها، فإن أحضره على صفته لزم قبولُه؛ لأن حقه وإن أتى به دون صفته لم يلزمه قبولُه؛ لأن فيه إسقاط حقه، فإن تراضيا على ذلك، وكان من جنسه جاز، وإن كان من غير جنسه لم يجز، وإن أتى به أجود من الموصوف، فيُنْظَر، فإن أتى به من نوعه لزمه قبولُه، لأنه أتى بما تناوله العقد، وزيادةً تابعةً له، فينفعه ولا یضُرُّه، إذ لا يفوته غرضٌ. (١) ((فتح القدير)) (٢٣٠/٦). (٢) ((المغني)) (٤٢١/٦). ٦٣١ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٦) حديث (٢٢) باب بيع الطعام بالطعام لا فضل بينهما ٥٢/١٣٤٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ قَالَ: فَنِيَ عَلَفُ حِمَارٍ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. فَقَالَ لِغُلَامِهِ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ . فإن أتى به من نوع آخر لم يلزمه قبوله؛ لأن العقد تناول على ما وصفاه، وقد فات بعض الصفات، فإن النوع صفة، وقد فات، وقال القاضي: يلزمُه قبولُه؛ لأنهما جنسٌ واحدٌ يُضَمُّ أحدُهما إلى الآخر في الزكاة، فأشبه الزيادة في الصفة مع اتفاق النوع، والأوَّلُ أجودُ؛ لأن أحدهما يصلُحَ ما لا يصلح له الآخر، فإذا فَوَّتَه عليه فَوَّتَ عليه الغرض المتعلق به، فلم يلزمه قبوله كما لو فَوَّتَ عليه صفة الجودة، وهذا مذهب الشافعي، اهـ. (٢٢) بيع الطعام بالطعام لا فضل بينهما يعني بيع الطعام بالطعام إذا كانا من جنس واحد يجب أن يكون بالتساوي بينهما، لا يجوز التفاضل بينهما، أما إذا كانا من جنسين، كالحنطة مع التمر فيجوز الفضل أيضاً كما سيأتي في الباب. ٥٢/١٣٤٦ - (مالك أنه بلغه عن) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية بلفظ ((أن)) بدل ((عن)) (سليمان بن يسار) أحد الفقهاء السبعة (قال: فني) بفتح الفاء وكسر نون أي نفد وعدم (علف) بفتحتين (حمار سعد بن أبي وقاص) الصحابي الشهير (فقال) سعد (لغلامه: خذ من حنطة أهلك) أي من حنطة بيتنا كما هو الظاهر، والنسبة إلى الغلام مجازيٌ. وقال الباجي(١): يحتمل أن يريد به أهل الغلام إذا كان قوتهم من عند سعد بن أبي وقاص، إما لأنهم رقيق له أو لأنهم ممن ينفق عليهم غلامه على (١) ((المنتقى)) (٢/٥). ٦٣٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٧ - ١٣٤٨) حديث فَابْتَعْ بِهَا شَعِيراً. وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ. ٥٣/١٣٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارِ؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِّ عَبْدِ يَغُوثَ. فَنِيَ عَلَفُ دَابَّتِهِ. فَقَالَ لِغُلَامِهِ: خُذْ مِنْ حِنْطَةِ أَهْلِكَ طَعَاماً. فَابْتَعْ بِهَا شَعِيراً. وَلَا تَأْخُذْ إِلَّا مِثْلَهُ. ٥٤/١٣٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ مُعَيْقِيبِ الدَّوْسِيِّ، ما يجب عليه، أو على ما جرت به العادة، فأمره أن يأخذ منها على وجه الإقتراض حتى يعيد عليه مثل ذلك، ويحتمل أن يريد بأهله أهل سعد بن أبي وقاص، وهم موالي نفقته، ووصفهم بأنهم أهل للغلام، بمعنى أنهم ممن يسعى عليهم وينضوي إليهم، اهـ. (فابتع) أي اشتر (بها شعيراً) للحمار (ولا تأخذ) الشعير (إلا مثله) أي مثل البر سواء بدون زيادة الشعير على الحنطة. ٥٣/١٣٤٧ - (مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث) بن وهب ولد على عهد النبي وَل9، واختلف في صحبته ذكره جماعة في الصحابة، وأنكرها الآخرون، وكان أبوه من المستهزئين برسول الله صل﴾، ومات قبل الهجرة، كذا في ((الممجد))(١)، وهو من رواة البخاري وغيره (فَنِيَ علفُ دابَّته، فقال) أيضاً (لغلامه: خُذْ من حنطة أهلك طعاماً) فإنهم يُطلقون لفظ الطعام على الحنطة غالباً (فابتع بها شعيراً، ولا تأخذ إلا مثله) سواء. ٥٤/١٣٤٨ - (مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر (عن ابن معيقيب) بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون التحتية وكسر القاف، فتحتية ساكنة آخره موحدة ابن أبي فاطمة (الدوسي) حليف بني شمس، ذكره الحافظ (١) ((التعليق الممجد)) (٢٠٤/٣). ٦٣٣ ، ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٨) حديث مِثْلُ ذُلِكَ. في ((التعجيل)) (١)، وتبعه السيوطي في ((الإسعاف)) فقالا: الحارث بن معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي يأتي في ابن معيقيب في المبهمات، ثم لم يذكراه في الكنى ولا في المبهمات، ورقم له الحافظ لمالك، فالظاهر أن المراد بابنه الحارث، وله ابن آخر يسمى محمداً. قال الزرقاني (٢): له ولدان الحارث ومحمد رويا عنه، اهـ. قلت: والظاهر مما سبق أن المراد ههنا الحارث، وقال ابن عبد البر: كذا رواه يحيى وابن عفير وابن بكير عن ابن معيقيب، ورواه القعنبي وطائفة، فقالوا: عن معيقيب، اهـ. يعني رووه عن والده، وهو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي من رواة الستة أسلم قديماً بمكة، وهاجر الهجرتين، وكان على خاتم النبيِ وَل﴾، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، وتوفي في خلافة عثمان، وقيل: بل في خلافة عليّ سنة أربعين، كذا في ((تهذيب (٣) الحافظ)). قلت: فرواية القاسم عنه لو صحّت كانت مرسلة، فإن القاسم تُؤُفِّي على الصحيح سنة ١٠٦ هـ كما في ((التقريب))، وابن سبعين سنة كما في ((التهذيب))، فيكون مولده سنة ٣٦هـ أو قريب من ذلك، على الأقوال الأخر، فلو كان وفاة معيقيب في خلافة عليّ، فلم يدركه، ولو كانت سنة ٤٠هـ كان القاسم إذ ذاك صغيراً جداً، والموجود في نسخة الباجي ابن معيقيب، وما سيأتي من كلامه يدل على أنه معيقيب، وذكر الموفق في بيان المذاهب القائل بهذا ابن معيقيب (مثل ذلك) أي مثل الذي روي عن سعد وعبد الرحمن من شراء الشعير بالحنطة سواءً . (١) (ص ٨٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٣/٣). (٣) (٢٥٤/١٠). ٦٣٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٨) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. (قال مالك: وهو الأمر) المرجح (عندنا) بالمدينة، ذكر ذلك تأكيداً لاختيار ما ذكر من الآثار في أن بيع الحنطة والشعير سواءٌ بسواءٍ لا تفاضلَ بينهما، بناءً على ما تقدم في (باب ما يكره من بيع الثمر))، أن مذهب مالك ومن معه أن البر والشعير جنس واحد. قال الزرقاني(١): وبهذا قال أكثر الشاميين أيضاً، فلم ينفرد بذلك مالك حتى يُشَنِّع عليه بعضُ أهل الظاهر، والله حسيبه، ويقول: القط أفقه من مالك، فإنه إذا رُمِيت له لقمتان إحداهما من شعير، فإنه يذهب عنها، ويُقْبِل على لقمة البر. قال الأبي: وما حكاه ابن رشد عن السيوري وغيره، عن عبد الحميد الصائغ أنه حلف بالمشي إلى مكة ليخالفن مالكاً في المسألة فمبالغة، ولا يرد أن حلفه على غلبة الظن، وهو من الغموس؛ لأنه إنما حلف على أن يخالفه وقد فعل، اهـ. قال الباجي(٢): وقولُ سعد ومعيقيبٍ: ((لا تأخذ إلا مثله)) يقتضي النهي عن التفاضل بين الحنطة والشعير، ولا يُعْلَمُ لهما في ذلك مخالفٌ من الصحابة إلا ما روي عن عبادة بن الصامت حديثاً مرفوعاً، وليس بالثابت مع ما يحتمل من التأويل، اهـ. قلت: ما قال إن حديث عبادة ليس بثابت مشكلٌ، فإن حديث عبادة أخرجه الجماعة غير البخاري، فهو من رواية مسلم. وقال ابن رشد في ((البداية))(٣): وفي بعض طرق حديث عبادة ((بيعوا البر (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (٣/٥). (٣) ((بداية المجتهد)) (١٣٥/٢). ٦٣٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، أَنْ لَا تُبَاعَ الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ. وَلَا التَّمْرُ بِالتَّمْرِ. وَلَا الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ. وَلَا التَّمْرُ بِالزَّبِيبِ. وَلَا الْحِنْطَةُ بِالزَّبِيبِ. وَلَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَام كُلِّهِ، إِلَّا يَدأَ بِيَدِ. فَإِنْ دَخَلَ، شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، الْأَجَلُ. لَمْ يَصْلُحْ. وَكَانَ حَرَاماً. وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأُدْمِ كُلِّهَا، إِلَّا يَداً بِيَدٍ . بالشعير كيف شئتم)) ذكره عبد الرزاق، ووكيع عن الثوري، وصَحَّحَ هذه الزيادة الترمذيُّ، اهـ. قلت: وروي أيضاً من بلال والخدري وأبي هريرة عند مسلم وغيره كما خَرَّجَها الزيلعيّ، فالحكم عليه بعدم الثبوت مشكلٌ جداً. (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن لا تُبَاع الحنطةُ بالحنطة ولا التمر بالتمر ولا الحنطة بالتمر) مع اختلاف الجنس (ولا التمر بالزبيب) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك ((ولا الحنطة بالزبيب))، وليس هذا في النسخ الهندية (ولا شيء من الطعام كله إلا يداً بيد) أي مناجزةً، وإن جاز التفاضل في بعض الأمثلة لاختلاف الجنس (فإن دخل شيئاً) أي في شيء (من ذلك) المذكور من الأمثلة (الأجل) بالرفع فاعل دخل (لم يصلُح) أي لا يجوز، وأكده بقوله: (وكان حراماً) لحرمة النَسَاء فيها (ولا) يباع (شيء من الأدم) بضمتين جمع إدام (كلها) أي جميع أنواع الأدم (إلا يداً بيد). قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه لا يباع مطعوم بمطعوم من جنسه أو غير جنسه إلا يداً بيد، والأصل في ذلك أن هذا مطعوم، فلم يجز فيه التفرق قبل القبض. قال الزرقاني(٢): للإجماع على حرمة ربا النَسَاء، قال عياض: وشذّ ابن عُلَية وبعض السلف، فأجازوا النسيئة مع الاختلاف، ولو بلغتهم السُّنّة ما خالفوها لفضلهم وعلمهم، وقد انعقد الإجماع بعد ذلك على المنع، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٣/٥). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٤/٣). ٦٣٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ وَالْأَدْمِ إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ، اثْنَانِ بِوَاحِدٍ. فَلَا يُبَاعُ مُدُّ حِنْطَةٍ بِمُدَّي حِنْطَةٍ. وَلَا مُدُّ تَمْرٍ بِمُدَّي تَمْرٍ. وَلَا مُدُّ زَبِيبٍ بِمُدَّي زَبِيبٍ. وَلَا مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْخُّبُوَبِ وَالْأُدْمِ كُلِّهَا. إِذَا كَانَ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ كَانَ يَداً بِيَدٍ . إِنَّمَا ذُلِكَ بِمَنْزِلَّةِ الْوَرِقِ بِالْوَرِقِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ. لَا يَحِلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ الْفَضْلُ. وَلَا يَحِلُّ إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلِ. يَدأَ بِيَدِ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا اخْتَلَفَ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، قلت: وتقدم الكلام على علتي ربا التفاضل والنَسَاء في محله، فكل ما وجد فيه عند أحد من الأئمة علة ربا الفضل أو النَسَاء يحرم ذلك. (قال مالك: ولا يباع شيء من الطعام) بجميع أنواعه (والأدم) جمع إدام؛ لأن الأدم أيضاً من الطعام (إذا كان من صنف واحد) لأن شرط حرمة التفاضل كون البدلين من جنس واحد (اثنان بواحد) نائب فاعل لا يباع، ثم ذكر بعض أمثلته فقال: (ولا يباع مد حنطة بمدي حنطة) بتثنية المد (ولا يباع مُدُّ تمر، بمدَّي تمر، ولا مد زبيب بمدي زبيب، ولا ما أشبه ذلك) المذكور (من الحبوب) الأخر (والأدمُ كلَّها إذا كان من صنف واحد، وإن كان) وصلية (يداً بيد) مبالغة في حرمة ربا الفضل (إنما ذلك) أي بيع الحبوب والأدم المذكورة في حرمة ربا الفضل (بمنزلة) بيع (الورق بالورق) وبيع (الذهب بالذهب، لا يحل في شيء من ذلك) أي الورق والذهب (الفضلُ) أي الزيادة. ولو قلت: فكذلك في الحبوب المذكورة (ولا يحلُّ) البيع (فيهما إلا مثلاً بمثل) أي متساوياً (ويداً بيد) أي مناجزة، فكذلك في الأشياء المذكورة، قال الباجي: وهذا كما قال: إن ما كان شيئاً واحداً من الطعام يريد به الجنس الواحد، فإنه لا يجوز فيه التفاضل، اهـ. قلت: وهذا واضح لوجدان علة ربا الفضل فيه . (قال مالك: وإذا اختلف) جنس (ما يكال أو يوزن) ببناء المجهول فيهما ٦٣٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٨) حديث مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ، فَبَانَ اخْتِلَافُهُ. فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ اثْنَانٍ بِوَاحِدٍ. يَدَأَ بِيَدٍ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْخَذَ صَاعٌ مِنْ تَمْرِ بِصَاعَيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. وَصَاعٌ مِنْ تَمْرٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ زَبِيبٍ. وَصَاعٌ مِنْ حِنْطَةٍ بِصَاعَيْنِ مِنْ سَمْنٍ. فَإِذَا كَانَ الصِّنْفَانِ مِنْ هُذَا مُخْتَلِفَيْنِ. فَلَا بَأْسَ بِاثْنَيْنِ مِنْهُ بِوَاحِدٍ. أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ. يَداً بِيَدٍ. فَإِنْ دَخَلَ ذُلِكَ، الْأَجَلُ، فَلَا يَحِلُّ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا تَحِلُّ صُبْرَةُ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ. (مما يؤكل أو يشرب) ببناء المجهول أيضاً (فبان) أي ظهر (اختلافه) أي يكون اختلاف الجنسية فيهما بيناً واضحاً (فلا بأس أن يؤخذ منه اثنان بواحد) يعني بالتفاضل لعدم وجود علة ربا الفضل، وهي اتحاد الجنس (يداً بيد) يعني بشرط المناجزة بوجود علة ربا النَسَاء وهي الطعم. ثم ذكر بعض أمثلة هذا الأصل المذكور، فقال: (ولا بأس بأن يؤخذ صاع من تمر بصاعين من حنطة) ولا بأس أن يؤخذ (صاع من تمر بصاعين من زبيب و) يؤخذ (صاع من حنطة بصاعين من سمن) بالسين المهملة لاختلاف الجنس في الأمثلة المذكورة كلها (فإذا كان الصنفان من هذا مختلفين فلا بأس باثنين منه بواحد) أي ببيع الاثنين منهما بواحد (أو أكثر من ذلك) أي أكثر من الاثنين أيضاً مثل بأن يباع الثلاثة والأربعة أو أكثر بواحد (يداً بيد) يعني بشرط المناجزة (فإن دخل ذلك) أي دخل في مختلف الجنس (الأجلُ) فاعل دخل، فيكون البيع نسيئة (فلا يحلّ) بل يحرم، وهذا كله واضح. (قال مالك: ولا تحل صبرة) بضم الصاد المهملة وسكون الموحدة، هي الطعام المجتمع كالكومة (الحنطة بصبرة الحنطة) لاحتمال عدم المماثلة بينهما مع اتحاد الجنس. قال الموفق (١): لو باع بعضه ببعض جزافاً أو كان جزافاً من أحد الطرفين (١) («المغني)) (٧٠/٦). ٦٣٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٨) حديث وَلَا بَأْسَ بِصُبْرَةِ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةِ التَّمْرِ. يَدَأَ بِيَدٍ. وذُلِكَ أَنَّهُ لَا بَأُسَ أَنْ يُشْتَرَى الْحِنْطَةُ بِالتَّمْرِ جِزَافاً . قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ مَا اخْتَلَفَ منَ الطَّعَامِ وَالْأُدْمِ. فَبَانَ اخْتِلَافُهُ. فَلَا بَأْسَ أَنْ يُشْتَرِى بَعْضُهُ بِبَعْضِ. جِزَافاً. يَدَأَ بِيَدٍ. فَإِنْ دَخَلَهُ الْأَجَلُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. وَإِنَّمَا اشْتِرَاءُ ذُلِكَ جِزَافاً. كَاشْتِرَاءِ بَعْضٍ ذَلِكَ بِالذّهَبِ وَالْوَرِقِ جِزَافاً . قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ، أَنَّكَ تَشْتَرِي الْحِنْطَةَ بِالْوَرِقِ . لم يجز، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن ذلك غير جائز إذا كانا من صنف واحد، وذلك لما روى مسلم عن جابر قال: نهى رسول الله وَّل عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من التمر، وفي قول النبي وَلّ: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن)) إلى تمام الحديث دليل على أنه لا يجوز بيعه إلا كذلك، ولأن التماثل شرط والجهل به يُبْطِلُ البيع كحقيقة التفاضل، اهـ. (ولا بأس بصبرة الحنطة بصبرة التمر) أي بيع إحداهما بالأخرى لاختلاف الجنس (يداً بيد) أي بشرط المناجزة لعلة الطعم عند الإمام مالك، ولاتحاد الوزن عند الحنفية (وذلك) أي وجه الجواز (أنه لا بأس) أي يجوز (أن يشترى الحنطة بالتمر جزافاً)، مثلث الجيم، والكسر أفضل أي بالتخمين لعدم اشتراط المساواة بينهما . (قال مالك: وكل ما اختلف) جنسه (من الطعام والأدم) جمع إدام (فبان) أي ظهر (اختلافه) كقمح وتمر احترازٌ عما لم يظهر اختلافه كَسُلْتٍ، وبيضاء (فلا بأس أن يشترى بعضه ببعض جزافاً يداً بيد) أي بشرط المناجزة (فإن دخله الأجل) وصار البيع نسيئة (فلا خير فيه) بل يحرم (وإنما اشتراء ذلك) أي مختلف الجنس (جزافاً) بعضها ببعض (كاشتراء بعض ذلك بالذهب والورق جزافاً) فإنه جائز بلا ريب. (قال مالك: وذلك) أي مثال (أنك تشتري الحنطة) مثلاً (بالورق) أي ٦٣٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٢) باب (١٣٤٨) حديث جِزَّافاً. وَالتَّمْرَ بِالذَّهَبِ جِزَافاً. فَهْذَا حَلَالٌ. لَا بَأُسَ بِهِ. الفضة (جزافاً و)تشتري (التمر) مثلاً (بالذهب جزافاً فهذا) البيع (حلال) وأكّده بقوله: (لا بأس به) قال الموفق(١): يجوز بيع الصبرة جزافاً مع جهل البائع والمشتري بقدرها، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً، ودلّ عليه قولُ ابن عمر - رضي الله عنه -: ((كنا نشتري الطعام من الركبان جُزافاً، فنهانا رسولُ الله وَ لّ أن نبيعه حتى ننقله من مكانه))، متفق عليه، ولأنه معلومٌ بالرؤية فصحَّ بيعُه، كالثياب والحيوان، اهـ. قال النووي: قال الشافعي وأصحابه: بيع الصبرة من الحنطة والتمر وغيرهما جزافاً صحيح، وليس بحرام، وهل هو مكروه؟ قولان للشافعي؛ أصحهما: مكروه كراهة تنزيه، والثاني: ليس بمكروه، وقالوا: البيع بصبرة الدراهم جزافاً كذلك. وقال الباجي(٢): يجوز الجزاف في كل مكيل، أو موزون، أو معدود مما الغرض في مبلغه دون أعيانه ولا آحاده، وأما ما ليس بمكيل ولا موزون ولا معدود مما الغرض في أعيانه كالخيل والرقيق والثياب، فلا يجوز فيه الجزاف؛ لأن آحاده تحتاج إلى أن تفرد بالنظر، اهـ. وقال الموفق(٣): لا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافاً، وقال مالك: لا يجوز في الأثمان لأن لها خطراً، ولا يشق وزنها وعددها، فأشبه الثياب والرقيق، ولنا، أنه معلوم بالمشاهدة فأشبه المثمنات، والرقيق يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم، وكذلك الثياب إذا نشرها ورأى أجزاءها، اهـ. (١) ((المغني)) (٢٠١/٦). (٢) ((المنتقى)) (٨/٥). (٣) ((المغني)) (٢٠٢/٦). ٦٤٠