Indexed OCR Text
Pages 601-620
٣٣ - كتاب البيوع (٢٠) باب (١٣٤٤) حديث ٥٠/١٣٤٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ؛ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: المخالف، قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وكره بعض أصحاب النبي ◌َّ وغيرهم ذلك. قال ابن الهمام: وكان القياس ذلك أيضاً في المبيع، إلا أنه منع بالنص الغرر الانفساخ، وليس في الثمن ذلك؛ لأنه إذا هلك الثمن المعين لا ينفسخ البيع، ويلزمه قيمته، انتهى. قلت: وما يظهر لي أن مسألة الباب ليست من باب التصرف في الثمن فقط، بل من باب الذريعة للربا، كما سيأتي في كلامه نصاً قريباً. أما اقتضاء أحد النقدين بالآخر جائز عند الأئمة الأربعة. قال الموفق(١): يجوز اقتضاء أحد النقدين من الآخر، ويكون صرفاً بعين وذمة، في قول أكثر أهل العلم، ومنع منه ابن عباس، وأبو سلمة، وابن شبرمة؛ لأن القبض شرط، وقد تَخَلّف. واستدل بحديث ابن عمر المذكور في كلام صاحب ((المحلى))، ثم قال: فإن كان المقضي الذي في الذمة مؤجلاً، فقد توقف فيه أحمد، وقال القاضي: يحتمل وجهين، أحدهما: المنع، وهو قول مالك، ومشهور قولَي الشافعي؛ لأن ما في الذمة لا يستحق قبضه، فكان القبض ناجزاً في أحدهما، والآخر: الجواز، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه ثابت في الذمة بمنزلة المقبوض، فكأنه رضي بتعجيل المؤجل، والصحيح الجواز، انتهى. ٥٠/١٣٤٤ - (مالك عن كثير) (٢) بلفظ ضد قليل (ابن فرقد) بفتح الفاء وإسكان الراء وقاف فدال مهملة، مدني، سكن مصر، ثقة من رواة البخاري وأبي داود وغيرهما، (أنه سأل أبا بكر بن محمد بن عمرو) بفتح العين (ابن حزم) (١) (المغني)) (١٠٧/٦). (٢) انظر ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) (٤٢٤/٨). ٦٠١ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٠) باب (١٣٤٤) حديث عَنِ الرَّجُلِ يَبِيعُ الطَّعَامِ مِنَ الرَّجُلِ بِذَهَبٍ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَشْتَرِي بِالذَّهَبِ تَمْرَاً قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ؟ فَكَرِهَ ذُلِكَ، وَنَهَىَّ عَنْهُ. وحدّثني عَنْ مالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِمِثْلِ ذُلِك. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا نَهَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَنْ لَا يَبِيعَ الرَّجُلُ حِنْطَةً بِذَهَبٍ. ثُمَّ يَشْتَرِي الرَّجُلُ بِالذَّهَبِ تَمْراً. قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ مِنْ بَيِّعِهِ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الْحِنْطَةَ. فَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِي بِالذَّهَبِ الَّتِي بَاعَ بِهَا الْحِنْطَةَ، بالزاي (عن) حكم (الرجل يبيع الطعام من الرجل) الآخر أي يبيع إليه (بذهب إلى أجل ثم يشتري) منه أي من المشتري (بالذهب) أي الثمن الواجب عليه (تمرأ قبل أن يقبض الذهب فكره) أبو بكر (ذلك ونهى عنه) أي منعه. (مالك عن ابن شهاب) الزهري (بمثل ذلك) يعني أنه أيضاً كره، ومنع عن هذا البيع المذكور. (قال مالك: وإنما نهى) في الآثار المذكورة (سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وابن شهاب عن أن لا) لفظ لا زائدة للتأكيد، نحو ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمْتُكَّ﴾(١) (يبيع الرجل حنطة بذهب) مثلاً (ثم يشتري الرجل) البائع (بالذهب) الذي على المشتري (تمراً قبل أن يقبض الذهب من بائعه) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية بدله: من بيعه(٢)، بتشديد الياء، المشتري، وكلاهما صحیح، فإن كل واحد منهما بائع ومشترٍ أيضاً (الذي اشترى منه) صفة كاشفة للبيع (الحنطة) مفعول اشترى. (فأما أن يشتري) البائع (بالذهب التي باع بها الحنطة) ووجبت على (١) سورة الأعراف: الآية ١٢. (٢) كذا في ((الاستذكار)) (٨/٢٠). ٦٠٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٢٠) باب (١٣٤٤) حديث إِلَى أَجَلٍ، تَمْراً مِنْ غَيْرِ بَائِعِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الذَّهَبَ، وَيُحِيلَ الَّذِي اشْتَرَى مِنْهُ الثَّمْرَ عَلَى غَرِيمِهِ الَّذِي بَاعَ مِنْهُ الْحِنْطَةَ بِالذَّهَبِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِ. فِي ثَمَرِ الثَّمْرِ. فَلَا بَأُسَ بِذُلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْ ذُلِكَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْساً. المشتري (إلى أجل) فيشتري بها (تمراً من غير بائعه) متعلق بيشتري، وعَبَّره بالبائع؛ لأنه بائع التمر الذي أراد البائع الأول شراءه (الذي باع منه) أي بيده (الحنطة بالذهب) صفة لبائعه (قبل أن يقبض الذهب) ظرف ليشتري (ويُحيل) بائع الحنطة (الذي اشترى منه التمر) مفعول يحيل، وهو بائع التمر (على غريمه) متعلق يحيل (الذي باع منه الحنطة) صفة للغريم، وهو مشتري الحنطة (بالذهب التي له) أي لبائع التمر (عليه) أي على مشتري التمر، وهو بائع الحنطة أولاً وجبت عليه حينئذ الذهب (في ثمن(١) التمر فلا بأس بذلك) البيع. (قال مالك: وقد سألت عن ذلك) الحكم، والرأي الذي اختاره الإمام مالك (غير واحد من أهل العلم فلم يروا بذلك بأساً) قال الباجي: (٢) ترجم المصنف. ((ما يكره من بيع الطعام إلى أجل))، ثم أدخل بعد ذلك حديث ابن المسيب وغيره، وليس فيه كراهية بيع الطعام إلى أجل، وإنما فيه كراهية أخذ المطعوم من ثمنه، لما في ذلك من النسأ في بيع الطعام بالطعام. وأما بيعه بالنسيئة، فلا كراهية فيه، ولكنه يحتمل ذلك وجهين، أحدهما : على قولنا: إن عقدَي الذريعة إذا منع منهما؛ لأنهما في صورة العقد الواحد المحرم، فإنه يجب نقضهما، إذا باع حنطة بدراهم إلى أجل، ثم أخذ بثمن (١) كذا في نسخة الشارح والزرقاني، أما في نسخة ((الاستذكار)) (٨/٢٠)، و((التنوير)) وف، ففيها: ((ثمر التمر)). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٩/٤). ٦٠٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (٢١) باب السلفة في الطعام الحنطة تمراً، فهو في صورة بيع الحنطة بالتمر إلى أجل، وذلك مفسد، فهذا بيع الطعام إلى أجل على وجه مكروه، والوجه الثاني: أن يريد بذلك أن بيوع الطعام مختلفة، منها ما يجوز، ومنها ما لا يجوز، وأن هذا مما لا يجوز، انتھی . قلت: وظاهر كلام الإمام مالك أنه نهى عن ذلك، وكرهه؛ لأنه أدخله في بيع الذريعة، ولذا أباح إذ شرى البائع التمر من غير المشتري، وتقدم سابقاً أن بيوع الذريعة محرمة عند مالك وأحمد، خلافاً للحنفية والشافعية، ولذا قال محمد، كما تقدم في أول الباب: لا بأس بذلك. (٢١) السلفة في الطعام قال صاحب ((المحلى)) تبعاً لـ((المجمع)): يقال سلَّف وأسلف تسليفاً وإسلافاً، والاسم السلف محركاً، وهو على وجهين، أحدهما: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض غير الأجر والشكر، والثاني: السلم، وهو المراد ههنا، وهو أن يعطي مالاً في سلعة إلى أجل معلوم بزيادة في السعر الموجود، عند السلم، ويسمى سلماً لتسليم رأس المال، وسلفاً لتقديم رأس المال، انتهى. يعني يكون حينئذ من سلف الإنسان من تقدمه بالموت، ولذا سمي الصدر الأول: السلف الصالح، كما في ((المجمع))، وفيه أيضاً: أن السلف والسلم واحد، إلا أن السلف يكون قرضاً أيضاً. قال الأبي(١): عن عمر وابنه - رضي الله عنهما -: أنه كره تسميته سلماً، قال: وهو الإسلام لله، كأنه ضمن بالاسم أن يمتهن في غير هذا، يعني أن لفظ السلم لما كان قريباً من لفظ الإسلام، والإسلام الدين، والدين لله، كره اللفظ أن يستعمل في أمر الدنيا، ولذلك - والله أعلم - لم يستعمل مالك في (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٩٦/٤). ٦٠٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب ((الموطأ)) لفظ السلم بحالٍ، وإنما يستعمل السلف بالفاء، والسلم أخص بهذا الباب، وبالفاء يصدق على القرض أيضاً، انتهى. وقال الحافظ(١): السلم بفتحتين: السلف، وزناً ومعنى، وذكر الماوردي: أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز، وقيل: السلف تقديم رأس المال. والسلم تسليمه في المجلس. فالسلف أعم. والسلم شرعاً: بيع موصوف في الذمة. ومن قيده بلفظ السلم زاده في الحد. ومن زاد فيه ببدل معجل فيه نظر؛ لأنه ليس داخلاً في حقيقته. وقال الأبي: حدّ السلم أصحابُنَا بأنه بيع معلوم في الذمة، محصورٌ بالصفة بعينٍ حاضرةٍ، أو ما هو في حكم الحاضرة إلى أجل معلوم، فمعلوم احتراز عن المجهول. وفي الذمة احتراز من السلم في معين، كالسلم في تمر حائط بعينه، فإنه لا يجوز للغرر، ومحصور بصفة، إذ لا يجوز دون الحصر بها، وبعينٍ حاضرةٍ احترازٌ من الدين بالدين، أو ما هو في حكم الحاضرة، ليدخل تأخير رأس المال اليومين، والثلاث جائز بشرط، وبغير شرط. وقولنا: إلى أجل احتراز من السلم الحال، فإنه لا يجوز علی المشهور، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٢): ويسمى صاحب الدراهم رب السلم، والمسلم بكسر اللام، ويسمى الآخر المسلم إليه، والحنطة مثلاً المسلم فيه، والثمن رأس المال، انتهى. وحكى غير واحد من نقلة المذاهب الإجماع على مشروعيته. منهم الموفق، وحكي أيضاً عن ابن المنذر أنه قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز، انتهى. ومع ذلك فيه خلاف لبعض السلف. ولعل نقلة الإجماع لم يلتفتوا إلى خلافهم. (١) «فتح الباري)) (٤٢٨/٤). (٢) (٣٣٧/٥ -٣٣٨). ٦٠۵ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب قال الحافظ (١): اتفق العلماء على مشروعيته، إلا ما حكي عن ابن المسيب، انتهى. وزاد العيني عن ((التلويح)): وكرهت طائفة السلم، روي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، أنه كان يكره السلم، انتهى. ولجوازه شرائط مخصوصة عند الأئمة الأربعة، ونقدم الكلام أولاً على شروطه عند الأئمة، لتكون على بصيرة على اختلافهم في أحاديث الباب، قال الموفق(٢): وجملة ذلك، أن السلم لا يصح إلا بشروط ستة: الشرط الأول: أن يكون المُسلم فيه، مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمنُ باختلافها ظاهراً، فيصحّ في الحبوب، والثمار، والثياب، والكاغذ، والحديد، والنحاس، والأدهان، والألبان، وكل مكيل، أو موزون، أو مزروع، كذا في ((المغني)). قال ابن رشد (٣): فإنهم أجمعوا على جوازه في كل ما يكال أو يوزن. والجمهور على أنه جائز في العروض التي تنضبط بالصفة والعدد، واختلفوا من ذلك فيما ينضبط مما لا ينضبط بالصفة، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (٤): يصح فيما أمكن ضبط صفته ومعرفة قدره، کمکیل وموزون، انتھی. قال الموفق(٥): وجاء الحديث عن ابن عباس في الثمار، وعن ابن أبي أوفى في الحنطة والشعير والزبيب والزيت، وأجمع أهل العلم على أن السلم (١) ((فتح الباري)) (٤٢٨/٤). (٢) ((المغني)) (٣٨٥/٦). (٣) ((بداية المجتهد)) (٢٠١/٢). (٤) انظر: ((رد المحتار)) (٤٧٩/٧). (٥) انظر: ((المغني)) (٣٨٥/٦ وما بعدها). ٦٠٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب في الطعام جائز، قاله ابنُ المنذر. وأجمعوا على جوازه في الثياب، ولا يصحُ فيما لا يضبط بالصفة، كالجواهر من اللؤلؤ والياقوت والعقيق والبلور؛ لأن أثمانها تختلف اختلافاً متبايناً بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة الضوء، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي. وحُكِي عن مالك صحةُ السلم فيها، إذا اشترط منها شيئاً معلوماً، واختلفوا في السلم في الخبز وغيره من كل معمول بالنار. وكذا اختلفوا في الحيوان وغيره مما لا يكال ولا يوزن ولا يزرع، كالرُّمَّان والبيض وغيرها والرؤوس والأطراف والجلود. وكذا في اللحم وغيره، كما بسطه الموفق وغيره. قال الباجي(١): لا خلاف أن ما لا يُضْبَطُ بصفةٍ، فإنه لا يجوز السلم فيه، وفي (العيني))(٢): قال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في كل مكيل أو موزون فقط. ولا يجوز في مزروع ولا معدود ولا شيءٍ غير ما ذكر في النص. كأنه قصر السلم على ما ذكر في الحديث، انتهى. وقال الأبي(٣): قال عياض: ليس من شرط السلم أن يكون المسلم إليه يملكه، خلافاً لبعض السلف. ولا أن يكون مما لا ينقطع من أيدي الناس، خلافاً لشارطي ذلك، ولا أن يكون موجوداً من حين العقد إلى الأجل، خلافاً لأبي حنيفة، ولا أن يذكر موضع القبض؛ لأنه إن لم يشترط فموضع العقد موضع القبض، ولا أن يكون رأس المال غير جزاف، بل يصحّ أن يكون جزافاً مما يصح الجزاف فيه، خلافاً لأبي حنيفة في منعه أن يكون رأس المال جزافاً (١) ((المنتقى)) (٢٩٣/٤). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٧٩/٨). (٣) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤/ ٣٠٣). ٦٠٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب في كل شيء، ولا أن يكون (كذا في الأصل وصوابه: ((لا أن لا يكون))) المسلم فيه حيواناً، خلافاً لأبي حنيفة في اشتراط ذلك؛ لأن الحيوان عنده لا ينضبط بالصفة، ولا أن لا يكون المسلم فيه جوهراً ولا من الأحجار، كالياقوت. خلافاً للشافعي في منعه السلم في ذلك؛ لأنه رأى الجواهر والأحجار مما لا يضبط بالصفة، انتهى. الشرط الثاني: ما قال الموفق (١): أن يضبطه بصفاته التي يختلف الثمن بها ظاهراً، فإن المسلم فيه عوضٌ في الذمة، فلا بد من كونه معلوماً بالوصف، كالثمن. والأوصاف على ضربين: متفق على اشتراطها، ومختلف فيها، فالمتفق عليها ثلاثة أوصاف؛ الجنس، والنوع، والجودة والرداءة، فهذه لا بد منها في كل مسلم فيه، ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في اشتراطها، وبه يقول أبو حنيفة ومالك والشافعي، الضرب الثاني: ما عدا هذه الثلاثة مما يختلف الثمن باختلافه. وذكرها شرط في السلم عند إمامنا والشافعي. وقال أبو حنيفة: يكفي ذكر الثلاثة، لأنها تشتمل على ما وراءها من الصفات، ولنا أنه يبقى من الأوصاف اللون والبلد وغيرهما، لا يختلف الثمن لأجلها، ولا يجب استقصاء كل الصفات؛ لأن ذلك يتعذر، وقد ينتهي الحال فيها إلى أمر يتعذر تسليم المسلم فيه، إذ يبعد وجود المسلم فيه عند المَحَلّ بتلك الصفات كلها، فيجب الاكتفاء بالأوصاف الظاهرة التي يختلف الثمن بها ظاهراً . والشرط الثالث: معرفةٌ مقدارِ المسلم فيه، بالكيل، إن كان مَكِيلاً، وبالوزن إن كان موزوناً، وبالعدد إن كان معدوداً، ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافاً، ويجب أن يُقَدِّرَهُ بمكيال معلومة عند العامة، فإن قَدَّرَه بإناء (١) («المغني)) (٣٩١/٦). ٦٠٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب معلوم لم يصحّ؛ لأنه يهلك، فيتعذّر معرفة قَدْرِ المسلم فيه، وهذا غررٌ لا يحتاج إليه العقد. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم في الطعام لا يجوز بقفيز لا يُعْلَمُ عِيَارُه، ولا في ثوب بذرع فلانٍ؛ لأن المعيار لو تلف، أو مات فلانٌ، بطل السلم، منهم: الثوري، والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه، وأبو ثور، ولا بد من تقدير المزروع بالذرع بغير خلاف نعلمه. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن السلم جائزٌ في الثياب بذرع معلوم، وما عدا المكيل والموزون والمذروع، فعلى ضربين: معدود، وغيره، فالمعدود نوعان، أحدهما: لا يتباين كثيراً، كالجوز والبيض ونحوهما، فيسلم فيه عدداً، وهو قول أبي حنيفة والأوزاعي، وقال الشافعي: يسلم فيهما وزناً أو كيلاً، ولا يجوز عدداً؛ لأن ذلك يتباين، ولنا أن التفاوت يسير. والنوع الثاني: ما يتفاوت، كالرُّمَّان والخيار، ففيه وجهان: أحدهما، يسلم عدداً، ويضبطه بالصغر والكبر، والثاني، لا يسلم فيه إلا وزناً، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وفي رواية لأحمد: لا يجوز السلم في غير الحيوان، مما لا يكال ولا يوزن، ولا يزرع كالرمّان، وغيره، كذا في ((المغني))(١). قال الباجي(٢): فما كان من المكيل يُقدّرُ بالكيل، والموزون بالوزن، والمعدود بالعدد، وما يَتَقَدَّرُ بالذرع، كالثياب، يقدر بالذرع، والبيض لا يتقدر بوزن ولا كيل، فلا يسلم فيه إلا بالعدد، حكى ذلك ابن حبيب، وأما الرمان والسفرجل، فروى ابن القاسم عن مالك تباع عدداً، وقال ابن القاسم: إن كان (١) انظر: ((المغني)) (٦/ ٤٠١). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٦/٤). ٦٠٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب الكيل فيها معروفاً، فلا بأس بذلك، وقال ابن حبيب: يسلم فيها عدداً أو كيلاً، ولا يسلم فيها وزناً، وكذا الجوز اختلف فيه قول مالك وابن القاسم وابن حبيب، كاختلافهم في الرُمّان، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): يصح السلم في عددي متقارب، كجوز وبيض وفلس، يعني عدداً، ولا يصحّ في عدد متفاوت، كبطّيخ ورُمَّان عدداً بلا مميز، يعني بلا ضابط غير مجرد العدد، كطول وغلظ، وما جاز عدًّا جاز كيلاً ووزناً، انتهى. وعَدّ عياض في الشرائط كونه معلوم القدر بكيل أو وزن أو عددٍ أو تحر أو مساحة أو ذرع، انتهى. والشرط الرابع: أن يكون مؤجلاً بأجل معلوم، وفيه فصول. الأول: يشترط لصحة السلم كونه مؤجلاً، ولا يصحّ السلم الحالُّ. جزم بذلك أحمد، كما حكاه عنه المروزي، وبه قال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي، وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر: يجوز السلم حالاً، كذا في ((المغني)). الثاني: أنه لا بد من كون الأجل معلوماً، ولا نعلم في اشتراط العلم في الجملة اختلافاً، فأما كيفيته، فإنه يحتاج أن يعلمه بزمان بعينه لا يختلف، ولا يصحّ أن يؤجله بالحصاد والجزاز، وما أشبهه، وكذلك قال ابن عباس وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى أنه قال: أرجو أن لا يكون به بأس، وبه قال مالك وأبو ثور، وعن ابن عمر أنه كان يبتاع إلى العطاء، وبه قال ابن أبي ليلى، كذا في ((المغني))(٢). وقال الباجي(٣): يجوز السلم إلى الحصاد، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، انتهى. (١) (٣٣٩/٥). (٢) («المغني)) (٤٠٣/٦). (٣) ((المنتقى)) (٢٩٨/٤). ٦١٠ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب الثالث: أنهم اختلفوا في حد الأجل؛ قال ابن حزم: الأجل ساعة فما فوقها، وعند بعض أصحابنا لا يكون أقل من نصف يوم، وعند بعضهم لا يكون أقل من ثلاثة أيام، وقالت المالكية: يكره أقل من يومين، وقال الليث: خمسة عشر يوماً، كذا في ((العيني))(١). وقال الموفق(٢): من شرط الأجل أن يكون مدة لها وقع في الثمن، كالشهر وما قاربه، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لو قدره بنصف يوم جاز، وقدره بعضهم بثلاثة أيام، وهو قول الأوزاعي. وقال آخرون: إنما اعتبر التأجيل؛ لأن المسلم فيه معدوم في الأصل، لكون السلم، إنما ثبت رخصة في حق المفاليس، فلا بد من الأجل، ليحصل ويسلم ويتحقق بأقل مدة يتصور تحصیلہ فیھا، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٣): يعتبر أن يكون الأجل له وقع في الثمن عادةً، كشهر، فلا يصحّ حالاً، ولا إلى أجل مجهول، كالحصاد والجذاذ، ولا إلى أجل قريب، كيوم ونحوه، إلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة، كخبز وغيره من كل ما يصح السلم فيه، إذا الحاجة داعية إلى ذلك، انتھی . قال الباجي(٤): الشرط الرابع أن يكون مؤجلاً، وظاهر مذهب مالك أن السلم لا يجوز، إلا في مؤجل، وروى ابن وهب وغيره عن مالك يجوز أن يسلم إلى يومين أو ثلاثة، قال القاضي أبو محمد: واختلف أصحابنا في (١) ((عمدة القاري)) (٨/ ٥٨١). (٢) ((المغني)) (٤٠٤/٦). (٣) (١٤٣/٢). (٤) ((المنتقى)) (٢٩٧/٤). ٦١١ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب تخريج ذلك على المذهب، فمنهم من قال: إن ذلك رواية في جواز السلم الحالِّ، ومنهم من قال: إن الأجل شرط في السلم قولاً واحداً، وإنما تختلف الرواية عنه في مقدار الأجل، وإذا ثبت ذلك، فالمبيع على ضربين: ضربٌ يقضى ببلد السلم، وضربٌ يقضى بغيره. أما الأول، فاختلف فيه أصحابنا في مقدار أجل السلم، فقال ابن القاسم في ((المدونة)): لا يجوز إلا إلى الأجل الذي تختلف فيه الأسواق الخمسة عشر يوماً والعشرين يوماً، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس باليوم الواحد، وروى ابن وهب عن مالك إلى اليومين والثلاثة، وقال القاضي أبو محمد: فيه روايتان، إحداهما: أنه يجوز إلى أي أجل كان قرب أو بعد، والثاني: لا يجوز إلا إلى الأجل الذي تختلف في مثله الأسواق، وأما ما يقضى بغير بلد السلم، فإنه يستغني عن ذكر الأجل، قال محمد: يجوز ذلك، وإن كان حالاً، وهذا تجوز في العبارة؛ لأن قطع تلك المسافة أجل، وإنما أراد به أنه يجوز، وإن لم يذكر الأجل، وحكى ابن المواز عن مالك فيمن أسلم في طعام حال يؤجل بالريف مسيرة يومين أو أكثر أنه جائز، ووجه ذلك ما احتجوا به من أن اختلاف الأسواق باختلاف البلدان، كاختلافهما . وقال الدردير(١): الشرط الثالث: أن يؤجل المسلم فيه بأجلٍ معلوم للمتعاقدين، أقله نصف شهر، ولا حد لأكثره إلا أن يشترط أن يقبض المسلم فيه ببلد غير بلد العقد على مسافة كيومين أو أكثر، فلا يشترط نصف شهر، بخلاف ما إذا كانت المسافة أقل من يومين، انتهى. وفي (الدر المختار))(٢): أقل الأجل في السلم شهر، به يُفْتَى، قال ابن (١) ((الشرح الكبير)) (٢٠٥/٣). (٢) ((الدر المختار)) (٣٤٣/٥). ٦١٢ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب عابدين: وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: أكثر من نصف يوم، وقيل: ينظر إلى العرف في تأجيل مثله، وما في المتن أصحّ، وبه يفتى ((زيلعي))، وهو المعتمد ((بحر))، وهو المذهب ((نهر))، انتهى. وفي ((المحلى)): الأجل أدناه شهر عند أبي حنيفة وثلاثة أيام عند الطحاوي، انتهى. الشرط الخامس: كون المسلم فيه عام الوجود في محله، ولا نعلم في ذلك خلافاً؛ لأنه إذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه، فلا يصحّ أن يسلم في العنب والرطب إلى زمان، لا يعلم وجوده فيه، كزمان أول العنب أو آخره الذي لا يوجد فيه إلا نادراً، ولا يجوز أن يسلم في ثمر بستان بعينه، ولا قرية صغيرة، لكونه لا يؤمن تلفه وانقطاعه. قال ابن المنذر: إبطال السلم، إذا أسلم في ثمر بستان بعينه، كالإجماع من أهل العلم، وممن حفظنا عنه ذلك الثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وإسحاق، ولا يشترط كون المسلم فيه موجوداً حال السلم، بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء، وفي كل يوم معدوم، إذا كان موجوداً في المحل، وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يجوز، حتى يكون جنسه موجوداً حال العقد إلى حين المحل، انتهى. وهكذا قال الباجي(١): إن الشرط الخامس: كون المسلم فيه موجوداً حين الأجل، ولا خلاف أن ذلك شرط في صحة السلم، وليس من شرطه أن يكون موجوداً عند العقد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: من شرطه أن يكون جنس المسلم فيه موجوداً عند السلم، والدليل على ما نقوله أنه وقت لا يستحق فيه التسليم، فلم يستحق وجود المسلم فيه، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٣٠٠/٤). ٦١٣ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب وفي ((الدر المختار))(١): وكونها موجودة وقت العقد إلى وقت المحل شرط. ويبطل الأجل بموت المسلم إليه لا بموت رب السلم، يعني صاحب الدراهم، فيؤخذ المسلم فيه من تركته حالاً، لبطلان الأجل بموت المديون لا الدائن، ولذا شرط دوام وجوده لتدوم القدرة على تسليمه بموته، انتهى. الشرط السادس: أن يقبض رأس المال في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين وثلاثة وأكثر، ما لم يكن ذلك شرطاً، كذا في ((المغني)). وقال الباجي(٢): الشرط السادس: أن يكون الثمن نقداً أو في حكم النقد، وقبضه في مجلس السلم أفضل، وليس بشرط في صحة السلم، ويجوز أن يتأخر قبضه يوماً ويومين بالشرط لا أكثر من ذلك، انتهى. وقال الدردير(٣): يجوز تأخيره بعد العقد ثلاثاً من الأيام، ولو بشرط لخِفَّةِ الأمر؛ لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وهذا إذا لم يكن أجل السلم كيومين، وذلك فيما شرط قبضه ببلد آخر؛ وإلا فلا يجوز تأخيره هذه المدة؛ لأنه عين الكاليء بالكاليء، فيجب أن يقبض بالمجلس، أو ما يقرب منه، ولا يؤخر بشرط فوق ثلاث، قال الدسوقي: حاصل ما في المقام إن كان التأخير عن الثلاثة بشرط فسد السلم اتفاقاً، كان التأخير كثيراً أو لا يكون، وإن كان التأخير بلا شرط، فقولان في ((المدونة)) لمالك، فساد السلم وعدمه، انتهى. الشرط السابع: كون المسلم فيه واجباً على الذمة، ذكره أكثرهم في الشروط، وهو مجمع عليه، ومع ذلك لم يذكره بعضهم اكتفاءً بحد السلم، إذ (١) انظر: ((رد المحتار)) (٤٨٦/٧). (٢) ((المنتقى)) (٣٠٠/٤). (٣) ((الشرح الكبير)) (١٩٥/٣). ٦١٤ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب هو داخل فيه، كما تقدم، قال الباجي(١): الشرط الأول: كون المسلم فيه متعلقاً في الذمة، وهذا لاخلاف فيه، انتهى. وحكى الأبي(٢) عن القاضي عياض شروطه التي لا يصح إلا بها خمسة، وذكر الأول منها كونه مضموناً، قال: ونعني بكونه مضموناً أن يكون شيء في الذمة، فلا يجوز السلم في معين، انتهى. وقال الدردير (٣): الشرط السادس: كون المسلم فيه ديناً في الذمة، وإلا كان مُعَيناً، وهو مؤدٍ لبيع معين يتأخر قبضه، وهو ممنوع، والذمة معنى شرعي مقدرٌ في المكلف، قابلٌ للالتزام واللزوم، قال الدسوقي: قوله: وهو مؤدٍ أي إذا كان ذلك المعين عند المسلم إليه، فإن كان عند غيره أدّى لبيع ما ليس عند الإنسان، وهو منهي عنه، وقوله: وهو ممنوع؛ لأنه قد يهلك قبل قبضه، فيتردد الثمن بين السلفية إن هلك وبين الثمنية إن لم يهلك، انتهى. وبهذا ظهر أن ما حكى الحافظان ابن حجر والعيني في ((شرحي البخاري)) عن مذهب المالكية، من جواز السلم في النخل المعين من البستان المعين بعد بدو صلاحه ليس بصحيح، اللَّهم إلا أن يقال: إن ما حكياه قول في مذهبهم، وقد تقدم في الشرط الخامس من كلام الموفق وابن المنذر أن إبطال السلم إذا أسلم في ثمر بستان بعينه كالإجماع، وبه قالت الأئمة الأربعة وغيرهم. الثامن: معرفة صفات الثمن، ذكره أكثرهم، ولم يذكره بعضهم، قال الموفق(٤) بعد ذكر الشروط الستة: اختلفت الرواية يعني عن الإمام أحمد في (١) ((المنتقى)) (٢٩٢/٤). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٩٩/٤). (٣) ((الشرح الكبير)) (٣١٠/٣). (٤) ((المغني)) (٤١١/٦). ٦١٥ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب شرطين آخرَين: أحدهما: معرفة صفة الثمن المعين، ولا خلاف في اشتراط معرفة صفته، إذا كان في الذمة؛ لأنه أحد عوضي السلم، فإذا لم يكن معيناً اشترط معرفة صفته كالمسلم فيه، أما إذا كان الثمن معيناً، فقال أبو الخَطَّاب: لا بد من معرفة وصفه، وهذا قول مالك وأبي حنيفة؛ لأنه عقد لا يملك إتمامه في الحال، ولا يؤمن انفساخه، فوجب معرفة رأس المسلم فيه ليردّ بدله، وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط؛ لأنه لم يذكره في الشرائط، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأنه عوض مشاهد، فلم يحتج إلى معرفة قدره، كبيوع الأعيان، انتھی . وفي شروط ((الدر المختار))(١): وبيان قدر رأس المال أن تعلق العقد بمقدار، كما في مكيل وموزون ومعدود غير متفاوت، واكتفيا بالإشارة، كما في مذروع، قلنا: ربما لا يحصل المسلم فيه، فيحتاج إلى رد رأس المال، قال ابن عابدين: قوله: اكتفيا، فلو قال: أسلمت إليك هذه الدراهم في كُرِّبُرّ، ولم يدر وزن الدراهم، لا يصحُّ عنده، ويصح عندهما، وأجمعوا على أن رأس المال إذا كان ثوباً مثلا يصير معلوماً بالإشارة، انتهى. التاسع: تعيين مكان الإيفاء، قال الموفق: الشرط الثاني: المختلف فيه تعيينه، قال القاضي: ليس بشرط، وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق وطائفةٍ من أهل الحديث، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهو أحد قولَي الشافعي؛ لأنه لم يذكر في الأحاديث، وقال الثوري: يشترط فيه ذكر مكان الإيفاء، وهو القول الثاني للشافعي، وقال الأوزاعي: هو مكروه؛ لأن القبض يجب بحلوله، ولا يعلم موضعه حينئذ. وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: إن كان لحمله مؤنةٌ وجب (١) انظر: ((الدر المختار)) (٣٤٣/٥). ٦١٦ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب شرطه، وإلا لا، وقال ابن أبي موسى: إن كانا في بَرِّيّة لزم ذكر مكان الإيفاء، وإن لم يكونا في بَرِّيّة، فذكر مكان الإيفاء حسن. وذكر ابن أبي موسى روايةً أخرى أنه لا يصح؛ لأنه شرط خلاف العقد، انتهى. ولم يذكر هذا الشرط في كتب المالكية، بل نفاه عياض، كما حكى عنه الأبي، إذ قال: قال عياض: ليس من شرطه أن يكون المسلم إليه يملكه فلاناً لبعض السلف، ولا أن يذكر موضع القبض، قال الأبي: أما أنه ليس من شرطه موضع القبض، هي طريقة الأكثر، والطريق الثاني: قال ابن الحارث: إن لم يذكر موضع القبض، فسد السلم اتفاقاً، انتهى(١). العاشر: خُلُوُّه عن الربا، لم يذكر هذا الشرط أكثرهم، وذكره بعضهم في الشروط، لكنه مشروط عندهم، قال الدردير(٢): الشرط الثاني من شروط السلم ما اشتمل على نفي خمسة أشياء، أن لا يكونا أي رأس المال والمسلم فيه طعامين، ولا نقدين، ولا شيئاً في أكثر منه أو أجود، كالعكس، انتهى. وفي ((الدر المختار))(٣): في جملة الشروط أن لا يشمل البدلين إحدى علّتي الربا، وهو القدر المتفق أو الجنس، قال ابن عابدين: احترز بالمتفق عن القدر المختلف كإسلام نقود في حنطة. فإن الوزن وإن تحقق، لكن الكيفية مختلفة، وفي ((الدر المختار)): واستُثْني يعني من الربا في ((المجمع)) و((الدر)) إسلام منقودٍ في موزونٍ كي لا ينسدّ أكثر أبواب السلم، انتهى. وقال الموفق(٤): وكل مالَين حُرِّمَ النسأ فيهما، لا يجوز إسلام أحدهما (١) انظر: ((المغني)) (٤١٤/٦). (٢) ((الشرح الكبير)) (٢٠٠/٣). (٣) (٣٤٦/٥). (٤) ((المغني)) (٤١٢/٦). ٦١٧ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب في الآخر، لأن السَّلَم من شرطه النسأُ والتأجيلُ، والخِرَقيُّ منع بيعَ العروض بعضها ببعض، فعلى قوله لا يجوز إسلامُ بعضها في بعض، وقال ابنُ أبي موسى: لا يجوز أن يكون رأس مال السلم إلا عيناً أو ورقاً، وقال القاضي: وهو ظاهر كلام أحمد ههنا . وعلى هذا لا يجوز أن يكون المسلم فيه ثمناً، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنها لا تثبت في الذمة إلا ثمناً، فلا تكون مثمنة، وقال الشريف أبو جعفر: يجوز السلم في الدراهم والدنانير، وهو مذهب مالك والشافعي؛ لأنها تثبت في الذمة صداقاً، فتثبت سلماً، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): لا يجوز السلم في الدراهم والدنانير؛ لأنها أثمان، خلافاً لمالك، قال ابن عابدين: لكن إذا كان رأس المال دراهم أو دنانير أيضاً، كان العقد باطلاً اتفاقاً، انتهى. هذا، وقد اختلفوا في تعديد شروط السلم اختلافاً كثيراً، منهم من اختصر ونقص في العدد، ومنهم من أكثر جداً في تعديدها، وفيما ذكرنا كفاية إجمالاً . ونشير ههنا إلى أقوالهم المختلفة في ذلك، فقال عياض، كما حكاه الأبيّ: إن شروطه التي لا يصحّ إلا بها خمسةٌ، أن يكون مضموناً مما تضبطه الصفة لأجل معلوم القدر، وأن يكون رأس المال معجّلاً، وبسطه الأبي هذه الشروط، وتقدم في أول البحث ما قال الموفق: إن السلم لا يصحّ إلا بشروط ستة، ثم عدّها مفصلاً، وهي المذكورة في كلامنا إلى السادس. وهكذا قال الباجي: إن للسلم ستة شروط، الأول: أن يكون متعلقاً بالذمة، الثاني: أن يكون موصوفاً، الثالث: التقدير، الرابع: التأجيل، الخامس: وجوده عند الأجل، السادس: أن يكون الثمن نقداً، فكأنه وافق (١) ((رد المحتار)) (٤٧٩/٧). ٦١٨ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب الموفق في الكل، إلا أنه ذكر كونه موصوفاً بالذمة، ولم يذكر شرط الموفق الأول كونه مما ينضبط بالصفات. وقال صاحب ((الروض)) (١): إنه يصح بشروط سبعة زائدة على شروط البيع، الأول: انضباط صفاته، الثاني: ذكر الجنس والنوع والوصف، الثالث: القدر، الرابع: الأجل، الخامس: وجوده في المحل، السادس: قبض الثمن تاماً معلوماً قدره ووصفه قبل التفريق، السابع: أن يسلم في الذمة، فلا يصحّ في عین، کدار وشجر. وقال صاحب ((المحلى)): يصحّ بستة شروط: جنس معلوم كَبُرٍّ، ونوع معلوم كسقية، وصفة معلومةٍ كجيد ورديء، ومقدار معلوم، وأجل معلوم، ومعرفة مقدار رأس المال. وزاد أبو حنيفة والشافعي شرطاً سابعاً، وهو تسمية مكان التسليم، إذا كان لحمله مؤنة، ويجوز السلم، ولو لم يذكر مكان القبض عند أحمد وإسحاق وأبي ثور، وبه قال مالك، زاد ويقبضه في مكان السلم، ويشترط تسليم رأس المال في المجلس عند أبي حنيفة والشافعي، خلافاً لمالك، انتهى. قلت: ما حكي من مذهب مالك من القبض في مكان السلم، يخالفه ما تقدم في بيان الشرط الرابع، من كلام المالكية. وقال الدردير(٢): شروط سبعة زيادة على شروط البيع؛ الأول: قبض رأس المال أو تأخيره ثلاثاً، الثاني: أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه طعامين نحو سمن في بُرّ، ولا نقدين، ولا شيئاً في أكثر منه، كثوب في ثوبين، ولا أجود منه، ولا عكسه، الثالث: التأجيل بمعلوم، الرابع: الضبط بعادة أهل (١) ((الروض المربع)) (١٣٧/٢). (٢) ((الشرح الكبير)) (١٩٥/٣). ٦١٩ ٣٣ - كتاب البيوع (٢١) باب (١٣٤٥) حديث ٥١/١٣٤٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأُسَ بِأَنْ يُسَلِّفَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الطَّعَام محل العقد من كيل أو وزن أو غيرهما، الخامس: بيان صفاته التي تختلف بها القيمة عادةً، السادس: كون المسلم فيه ديناً في الذمة، السابع: وجود المسلم فيه عند حلول الأجل. وفي ((الدر المختار))(١): وشروط صحته التي تذكر في العقد سبعة، بيان جنس، ونوع، وصفة، وقدر، وأجل، وبيان قدر رأس المال، والسابع بيان مكان الإيفاء فيما له حمل أو مؤنة، قال: وبقي من الشروط قبض رأس المال قبل الافتراق، وهو شرط بقائه على الصحة لا شرط الانعقاد، فينعقد، ثم يبطل بالافتراق بلا قبض، وبقي من الشروط كون رأس المال منقوداً، وعدم الخيار، وأن لا يشمل البدلين إحدى ◌ِلَّتي الربا، وعدّها العيني تبعاً للغاية سبعة عشر، وزاد المصنف وغيره القدرة على تحصيل المسلم فيه. قال ابن عابدين: قوله: سبعة عشر، ستة في رأس المال، وهي بيان جنسه، ونوعه، وصفته، وقدره، ونقده، وقبضه، قبل الافتراق، وأحد عشر في المسلم فيه. وهي الأربعة الأول، وبيان مكان إيفائه، وأجله، وعدم انقطاعه، وكونه مما يتعين بالتعيين، وكونه مضبوطاً بالوصف، كالأجناس الأربعة: المكيل والموزون والمذروع والمعدود المتقارب، وواحد يرجع إلى العقد، وهو كونه باتًّا. ليس فيه خيار الشرط. وواحد بالنظر إلى البدلين، وهو عدم شمول إحدى عِلَّتي الربا البدلين، انتهى. وعَدَّها ابن نجيم أيضاً ثمانية عشر شرطاً . ٥١/١٣٤٥ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أنه قال: لا بأس بأن يُسْلِف) بضم أوله (الرجل الرجل) فاعل ومفعول (في الطعام) (١) (٣٤٣/٥). ٦٢٠