Indexed OCR Text
Pages 541-560
٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٢٩) حديث قَالَ: لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلِ. وَلَا تُشِقُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ. وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، أَحَدُهُمَا غَائِبٌ، وَالآخَرُ نَاجِزٌ. وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ فَلَا تُنْظِرْهُ قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل) أي وزناً بوزن، ثم أكده بقوله: (ولا تُشِفُوا بعضها على بعض)، وتقدم قريباً هذا مرفوعاً من حديث أبي سعيد الخدري (ولا تبيعوا الورق بالورق) أي الفضة بالفضة (إلا مثلاً بمثل ولا تُشِفّوا بعضها على بعض)، وذلك لحرمة ربا الفضل بينهما مع اتحاد الجنس، ثم ذكر حرمة ربا النساء أيضاً فيهما مع اختلاف الجنس بقوله: (ولا تبيعوا الورق بالذهب) وكذا العكس. (أحدهما غائب) عن المجلس (والآخر ناجز)، وهذا أيضاً تقدم مرفوعاً في حديث أبي سعيد. قال الباجي(١): منع من تأخر أحد العوضين في الصرف عن حال النقد، وذلك يمنع الأجل في الصرف، والعقد على تأخير قبضه؛ لأن الناجز ما نجز القبض فيه حال العقد، والغائب يصحّ أن يراد به ما غاب عن المشاهدة حال العقد، مثل أن يكون في كم الصيرفي أو في تابوته. ويحتمل أن يراد به ما غاب عن الحضور وقت العقد، وهذا هو الأظهر لمقابلته بالناجز، ولو أراد المشاهدة لقال: ولا تبيعوا منها غائباً بمشاهد، وقد كره مالك أن يعقد مع الصيرفي على دينار بدراهم، فيدفع إليه الدينار، فيخلطه بذهبه أو في تابوته، ثم يخرج الدراهم، اهـ. (وإن استنظرك) أي استمهلك الصيرفي (إلى أن يلج) أي يدخل (بيته فلا تُنْظره) بضم أوله أي لا تمهله، ولا تؤخره يريد المنع من التفريق قبل التقابض. (١) نفس المصدر (٢٦٣/٤). ٥٤١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٠) حديث إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ. وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا . تقدم هذا مرفوعاً عن أبي سعيد. وذكر هذا الموقوف إشارة لاستمرار العمل به، ولذكر الزيادة. ٣٦/١٣٣٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا تَبِيعُوا الذّهَبَ بِالذَّهَبِ. إِلَّا مِثْلاً بِمِثْلِ. وَلَا تُشِقُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ. إِلَّا مِثْلاً بِمِثْل. وَلَا تُشِفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعَضِ، وَلَا تَبِيعُوا شَيْئاً مِنْهَا غَائِياً بِنَاجِزٍ . (إني أخاف عليكم الرماء) بفتح الراء والميم والمد (والرماء هو الربا). وفي ((التعليق الممجد))(١) تبعاً للزرقاني: هو تفسير من ابن عمر - رضي الله عنه - على ما هو الظاهر لاتفاق نافع وابن عمر - رضي الله عنه - عليه . قلت: هذا واضح في رواية يحيى، لكنه مشكل في رواية محمد، إذ ليس فيها التفسير في سياق عبد الله بن دينار، وسيأتي أثر عبد الله بن دينار، قال الزرقاني(٢): وفي رواية: الإرماء يقال: أرمى على الشيء وأربى إذا زاد عليه. ٣٦/١٣٣٠ - (مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قال: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تُشِفُوا بعضَها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُوا بعضها على بعض) وليس في رواية محمد لفظ ((ولا تشفوا بعضها على بعض)) في هذا الأثر، لا في طريق نافع، ولا في طريق عبد الله بن دينار. (ولا تبيعوا منها) أي الذهب والفضة. (شيئاً غائباً بناجز) قال الزرقاني: (١) (٢٨٦/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٧٩/٣). ٥٤٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣١) حديث وَإِنِ اسْتَنْظَرَكَ إِلَى أَنْ يَلِجَ بَيْتَهُ. فَلَا تُنْظِرْهُ. إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ. وَالرَّمَاءُ هُوَ الرِّبَا . ٣٧/١٣٣١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الْقَاسِمَ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ. وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ. وَالصَّاعُ بِالصَّاعِ. أعاده الإمام لإفادة أنه رواه عن شيخين، ولم يجمعهما لاختلاف لفظهما في قوله: (ولا تبيعوا منها شيئاً غائباً)) فإن نافعاً قال: ولا تبيعوا الورق إلخ، ومالك - رحمه الله - يحافظ على ألفاظ شيوخه وإن اتّحد معناها، اهـ. (وإن استنظرك إلى أن يلج بيته، فلا تُنظِره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء، هو الربا) ولفظ محمد في أثر ابن دينار، إني أخاف عليكم الربا، وهكذا أخرجه البيهقي برواية سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار: وليس في سياقهما الرماء، ثم تفسيره بالربا، وتقدم قريباً ما قال الزرقاني: إن الظاهر أن التفسير من ابن عمر - رضي الله عنه -، وهو كذلك من ظاهر صنيع ((الموطأ)). لكن أخرج البيهقي(١) بسنده إلى جرير بن حازم قال: سمعت نافعاً يقول: كان ابن عمر يُحَدِّثُ عن عمر - رضي الله عنه - في الصرف، ولم يسمع فيه من النبي وَ ل﴿ شيئاً، قال: قال عمر - رضي الله عنه -: لا تبايعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تُشِفُوا بعضَها على بعض، إني أخاف عليكم الرماء، قال: قلت لنافع: ما الرماءُ؟ قال: الربا. الحديث. ٣٧/١٣٣١ - (مالك أنه بلغه عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - (أنه قال: قال عمر بن الخطاب: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم والصاع) المكيال المعروف (بالصاع) من الجنس الواحد، ويحتمل الجنسين أيضاً إذا جمعتهما علة الربا عند القائلين بها، وقال صاحب (١) ((السنن الكبرى)) (٢٧٩/٥). ٥٤٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٢) حدیث وَلَا يُبَاعُ كَالِىٌ بِنَاجِزٍ . ٣٨/١٣٣٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: لَا رِباً إِلَّا فِي ذَهَبٍ أَوْ فِي فِضَّةٍ. أَوْ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، بِمَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ. ٣٩/١٣٣٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: قَطْعُ الذّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ . ٥ ٤ ((المحلى)): المراد من الصاع ما يحلّه من المكيل، وفيه دليل لأبي حنيفة على التعليل بالكيل (ولا يباع كالىّ) بالهمزة أي مؤجلٌ (بناجز) أي حاضر من الربويات. ٣٨/١٣٣٢ - (مالك عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: لا ربا إلا في ذهب أو فضة) وفيهما الربا إجماعاً، تبرُها وعينُها سواءٌ (أو ما يكال أو يوزن) أي ما يكون كيلياً أو وزنياً (مما يؤكل أو يشرب) قال الباجي(١): هذا يقتضي أن علة الربوا عنده في المطعوم أنه مطعوم مكيل أو موزون، فعلى هذا يثبت الربا عنده في الخضر الموزونة، والفواكه الرطبة المكيلة أيضاً. ٣٩/١٣٣٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض) قال الباجي(٢): يريد قطع الدنانير الصحاح والدراهم الصحاح من الفساد في الأرض، وذلك على ضربين: أحدهما: أن يقطعها ليبيعها مقطعة، فإنه من الفساد؛ لأنه يتسبب إلى إدخال الغش في الذهب والورق؛ لأنه إذا قطعت صغاراً أدخل بينها المغشوش، وتسامح الناس بإنفاق اليسير منه في الجملة، وخفي على كثير من الناس تمييزه من غيره. (١)(٢) ((المنتقى)) (٢٦٤/٤). ٥٤٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٢) حديث والضرب الثاني: قرضها في البلد الذي يجري فيه عدداً لمنفقها عدداً، فتبقى عنده ما قد قرض منها حبة من كل مثقال، فيستعضل ذلك، فهذا لا يجوز؛ لأنه من الغش، ووجه ذلك أن الذي يأخذ منه إنما يأخذه على أنه وازن، ولا فرق بين أن يغش بنقصه أو يغش بإدخال الداخل في جودته. وقد قال الشيخ أبو إسحاق: يُؤَدَّبُ كاسر الدنانير والدراهم، وقال الله تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤْأَ﴾(١)، قال: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم، وقال ابن المسيب: هو من الفساد في الأرض، ولذلك قطع عبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز من فعل ذلك، وذلك غير لازم؛ لأنه خيانة وغشٌ، فلم يجب فيه قطع کسائر ما یغش فيه، انتهى. وترجم محمد في ((موطئه)) على أثر الباب ((ما يكره من قطع الدراهم والدنانير))، وقال بعد ذكر الأثر: قال محمد: لا ينبغي قطع الدراهم والدنانير بغير منفعة، وفي ((التعليق الممجد))(٢): والظاهر أن المراد من قطعهما نقص شيءٍ منهما لتصير أخفَّ وزناً من الدراهم المتعارفة، وفي معناه غشّهما؛ لأنه نوع سرقة، بل أكبر لسراية ضررها إلى العامة. وكأنه أشار إلى أن فاعله من قُطّاع الطريق الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿إِنَّمَا جَزَاؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾(٣) الآية، كذا ذكره القاري في ((شرحه))، وقال أيضاً: مراد محمد من قطعهما كسرهما وإبطال صورهما وجعلهما مصنوعاً وظروفاً . (١) سورة هود: الآية ٨٧. (٢) (٣٠٥/٣ - ٣٠٦). (٣) سورة المائدة: الآية ٣٣. ٥٤٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٢) حديث وقال بيري زاده في ((شرحه)): لم نعلم ما المراد من القطع في قول ابن المسيب، غير أن ابن الأثير قال: كانت المعاملة بها في صدر الإسلام عدداً لا وزناً، فكان بعضهم يقصُّ أطرافها، فنهوا عنه. وقال شارح ((المسند)): أظن أن قول ابن المسيب قطع الورق بكسر القاف وفتح الطاء المهملة جمع قطعة، وهي التي تُتَّخَذُ من الذهب والفضة فلوساً صغيرة ليرفق التعامل بها، كما هو الرائج في زماننا، كالدواوين في الحرمين والخماسيات في اليمن، وإنما عَدَّها من الفساد في الأرض؛ لأنه ربما لا يلاحظ المتعامل بها أموراً واجبة في التقابض والتماثل، انتهى. قال الزرقاني(١): وجاء عن ابن المسيب وعطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿وَكَنَ فِى الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ﴾ (٢) أن إفسادهم كان قطع الذهب والفضة، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَكَؤُاْ﴾(٣)، قال: قطع الدنانير والدراهم، وقال غيره: هو البخس الذي كانوا يفعلونه، وروى ابن أبي شيبة أنه وَلقر نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس، قال أبو عمر: إسناده لين، انتهى. قلت: أخرجه أبو داود من حديث علقمة بن عبد الله عن أبيه مرفوعاً بهذا اللفظ، وحكى الشيخ في ((البذل))(٤) عن ((فتح الودود)) قيل: أراد الدراهم والدنانير المضروبة، يُسَمَّى كلُّ واحدة منهما سكة؛ لأنه طبع بسكة الحديد أي لا تكسر إلا من مقتضى كردائتها أو لشك في صحة نقدها، وإنما كره ذلك لما (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/٣). (٢) سورة النمل: الآية ٤٨. (٣) سورة هود: الآية ٨٧. (٤) ((بذل المجهود)) (١٢٢/١٥). ٥٤٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ. وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ. جِزَافاً. إِذَا كَانَ تِبْراً أَوْ حَلْياً قَدْ صِيغَ. فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الْمَعْدُودَةُ. وَالدَّنَانِيرُ الْمَعْدُودَةُ. فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَرِي شَيْئاً مِنْ ذُلِك جِزَافاً. حَتَّى يُعْلَمَ وَيُعَدَّ. فَإِنِ اشْتُرِيَ ذلِكَ جِزَافاً، فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْغَرَرُ، حِينَ يُتْرَكُ عَدُّهُ وَيُشْتَرَى جِزَافاً. وَلَيْسَ هُذَا مِنْ بُيُوعِ الْمُسْلِمِينَ. فيهما من اسم الله تعالى، أو لأن فيه إضاعة المال، وقيل: إنما نهى أن يعاد تبراً، وأما للمنفعة فلا، وقيل: كان بعضهم يقص أطرافها حين كانت المعاملة عدداً لا وزناً، فنهوا عن ذلك، انتهى مختصراً. والبسط في ((هامش أبي داود)). وحكى الوالد المرحوم عن تقرير شيخه الگنگوهي - نور الله مرقدهما ۔ الصحيح من معانيه أنه إن كسره أصلاً، ففيه إضاعة؛ لأن المسكوك يروج ما لا يروج غير المسكوك مع أن إنفاق المسكوك لا يفتقر فيه إلى وزنه لكونه معلوم المقدار، فيأخذه كل أحد من غير تردد أو ريبة، وأما إذا كسر شيئاً منه، فإما أن يكسر ما يحسّ به أنه مكسور، فهو داخل في الأول؛ لأنه لا ينفق نفاق الصحيح، وإن أخذ منه شيئاً غير معلوم للرأي في بادئ نظره، كما يفعله البعض بإلقائه في أدوية حادة، ففيه تغرير وخديعة، انتهى. (قال مالك: ولا بأس أن يشتري الرجل) أو المرأة (الذهب بالفضة والفضة بالذهب جزافاً) الجزاف بتثليث الجيم التخمين (إذا كان تبرأ) أي غير مضروب (أو حلياً) بفتح فسكون مفرد حُلِيٍّ بضم فكسر (قد صيغ) صفة حلي (فأما الدراهم المعدودة) أي التي تروج عدداً (والدنانير المعدودة) كذلك (فلا ينبغي) أي لا يجوز (لأحد أن يشتري شيئاً من ذلك) أي من الدراهم والدنانير بخلاف الجنس أيضاً (جزافاً حتى يعلم) مقداره (ويُعَدُّ) كل واحد منهما (فإن اشترى ذلك) أي الدراهم والدنانير (جزافاً فإنما يراد به) أي بالجزاف (الغرر حين ترك عدده) أي لا يعده، وفي النسخ المصرية ((حين يترك عَدُّه)) (ويشترى جزافاً) توضيح لقوله: يترك عَدّه (وليس هذا من بيوع المسلمين). ٥٤٧ ٣٣ - کتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث فَأَمَّا مَا كَانَ يُوزَن مِنَ التِّبْرِ وَالْحِلْي. فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ ذُلِكَ جِزَافاً، وَإِنَّمَا ابْتَيَاعُ ذُلِكَ جِزَافاً، كَهَيْئَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ الَّتِي تُبَاعُ جِزَافَاً، وَمِثْلُهَا يُكَالُ، فَلَيْسَ بِابْتِيَاعِ ذُلِكَ جِزَافَاَ، بَأُسٌ. قال الزرقاني(١): فيحرم لحصول الغرر من جهتي الكمية والآحاد؛ لأنه يرغب في كثرة آحاده ليسهل الشراء بها، هكذا عَلَّلَه الأبهري وعبد الوهاب، وعَلَّلَه ابن مسلمة بكثرة ثمن العين، فيكثر الغرر، ورَدَّ بجواز بيع الحلي واللؤلؤ وغيرهم جزافاً، انتهى. (وأما ما كان يوزن) أي يباع بالوزن (من التبر والحلي) كما تقدم، أعاده توضيحاً وتأكيداً (فلا بأس بأن يباع ذلك جزافاً) ثم ذكر نظيره، فقال: (وإنما ابتياع ذلك) أي التبر والحلي (جزافاً كهيئة الحنطة والتمر ونحوهما من الأطعمة التي تباع جزافاً) أي يبيعها أحد جزافاً (ومثلها) أي حال كونها مما (يكال) أي يباع مثلها كيلاً (فليس بابتياع ذلك) المذكور من الحنطة ونحوها (جزافاً بأس) اسم لیس. قال صاحب ((المحلى)): حاصله أن لا يباع الدراهم والدنانير جزافاً، وأما نضار(٢) الذهب والفضة فذلك فيهما جائز كسائر المكيلات والموزونات، وأما سائر الثياب والرقيق فلا يجوز جزافاً عنده، وكذا في ((الرسالة)). وعند أبي حنيفة لا يضر الجزاف لا في النقدين ولا في غيره، إلا في الجنس بالجنس في الأموال الربوية، انتهى. وفي ((الشرح الكبير)) (٣) لابن قدامة: يصح بيع الصبرة جزافاً مع جهل (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/٣). (٢) هكذا في الأصل، والظاهر: نِقار الذهب إلخ بكسر النون، كما في ((المحلى)) لابن حزم (٤٣٦/٧). (٣) (٢٢٨/٤). ٥٤٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث المتبايعين بقدرها، لا نعلم فيه خلافاً، ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافاً، وقال مالك: لا يجوز في الأثمان، انتهى. قلت: هذا إذا جهل قدرها بصبرة، أما إذا علم قدرها، ثم باعها جزافاً، ففيه خلاف عندهم، كما يأتي في محله. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه لا يجوز بيع الدنانير والدراهم جزافاً، وإن كان يجوز أن يباع تبر الذهب والفضة جزافاً، وقد اختلف أصحابنا المتأخرون في تأويل قول مالك في ذلك، فقال محمد بن مسلمة: إن كان معدوداً مما له قدر وقيمة كثيرة، فإنه لا يجوز فيه الجزاف، كالحيوان والثياب، وإنما يجوز الجزاف فيما لا قدر له، كالقّاء والجوز وصغار الحيتان، وما قاله ينتقض بصبر الحنطة وجزاف التبر والحُلِي والمسك. وأيضاً فإن الدراهم ليست بمعدودة، وإنما هي موزونة، وذهب القاضي أبو الحسن وعدة من أصحابنا إلى أن ذلك على الكراهة، وتحتاج الكراهة إلى دليل، كما يحتاج إليه التحريم، وقال أبو بكر والقاضي أبو محمد: هو على التحريم، وعَلَّلَا ذلك بأن هذا بحيث يحرم الدنانير والدراهم عدداً، فيرغب في الخفاف؛ لأنه يدخل في المائة بالوزن منها مائة وعشرة عدداً، وتنفق مفردة، فتجوز بجواز الوزانة، وينفق منها الواحد في الجملة، فيرغب الناس في خفافها لهذا المعنى. فإذا بيعت جزافاً دخله الغرر من جهتين: أحدهما: من جهة المبلغ في الوزن، والثاني: من جهة المبلغ في العدد، فلم يجز ذلك لكثرة الغرر، وأما الجزاف في سائر المكيلات والموزونات، فإنما يدخل الغرر فيه من وجه واحد، وهو المبلغ في الكيل أو الوزن، فلما قَلّ الغرر فيها جاز، وهذا الذي (١) ((المنتقى)) (٤/ ٢٦٧). ٥٤٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث قَالَ مَالِكٌ: مَن اشْتَرَى مُصْحَفاً أَوْ سَيْفاً أَوْ خَاتَماً. وَفِي شَيْءٍ مِنْ ذُلِكَ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ. فَإِنَّ مَا اشْتُرِيَ مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ الذَّهَبُ بِدَنَانِيرَ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى قِيمَتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ ذُلِكَ قالاه يقتضي جوازها جزافاً بحيث لا يجوز عدداً، ولا يجوز إلا بالوزن خاصة . والمسألة عندي مبنية على قول مالك: إن الدراهم لا تتعين بالعقد، وقد اختلف في هذا الأصل قول ابن القاسم وأشهب، ثم ذكر الباجي قولهما، ومقتضى قول ابن القاسم التعيين، ومقتضى قول أشهب عدم التعيين، وقال: قال الشافعي: تتعين بالعقد إذا ثبت ذلك، فإن قلنا: إن الدنانير والدراهم لا تتعين بالعقد، فإنه لا يجوز بيعها جزافاً؛ لأن العقد عليها إنما يتناول ما في الذمة. والجزاف لا يصلح أن يثبت في الذمة بعقد، وإنما يثبت منه المقدر بکیل أو وزن أو عدد .. ألا ترى أن ما يجوز فيه الجزاف من القمح والشعير وغيرهما لا يصلح أن يثبت في الذمة منه الجزاف، وإنما يثبت منه في الذمة المقدر بالكيل والوزن، وإن قلنا: إن الدنانير والدراهم تتعين بالعقد، فإنه يجوز بيعها جزافاً، كسائر الموزون والمكيل الذي يتعين بالعقد، انتهى. وسيأتي توضيح مذهب الإمام مالك في الجزاف في ((جامع البيوع)). (قال مالك: من اشترى مصحفاً) مُحَلَّى بالذهب أو بالفضة (أو) اشترى (سيفاً أو خاتماً وفي شيء من ذلك) المذكور (ذهب أو فضة) أي يتعلق به (بدنانير أو دراهم) متعلق باشترى أي اشتراها بعوض الدراهم أو الدنانير (فإن ما اشترى من ذلك وفيه الذهب) مثلاً (بدنانير) أي اشترى بعوضها (فإنه ينظر إلى قيمته) أي قيمة المحلَّى بالذهب (فإن كان(١) قيمة ذلك) الشيء بغير التحلية (١) في نسخة ((كانت)). ٥٥٠ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث الثُّلْثَيْنِ، وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ الثُّلُثَ، فَذَلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ. إِذَا كَانَ ذُلِكَ يَداً بِيَدٍ. وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَأْخِيرٌ. وَمَا اشْتُرِيَ مِنْ ذُلِكَ بِالْوَرِقِ، مِمَّ فِيهِ الْوَرِقُ، نُظِرَ إِلَى قِيمَتِهِ. فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ ذَلِكَ الُلَيْنِ. وَقِيمَةُ مَا فِيهِ مِنَ الْوَرِقِ الثُّلُثَ. فَذُلِكَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ. إِذَا كَانَ ذُلِكَ يَداً بِيَدٍ. وَلَمْ يَزَلْ ذلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ عِنْدَنَا . (الثلثين) من قيمة المحلّى. (وقيمة ما فيه من الذهب الثلث) يعني يكون قيمة الحلي ثلث الكل (فذلك) البيع (جائز) يعني (لا بأس به إذا كان ذلك يداً بيد)، وأوضح، وأكد قوله: يداً بيد بقوله: (ولا يكون فيه تأخير) أي نساءٌ. قال الزرقاني(١): ظاهره أنه ينظر في الثلث وغيره إلى قيمة المحلّى مصوغاً، وكذا هو ظاهر ((الموازية))، وقال الباجي: ظاهر المذهب أن النظر في ذلك بالوزن (وما اشتُرِي من ذلك بالورق) مثلاً يعني حكم الذهب بالدينار، وحكم الورق بالدرهم واحد، فذكر أولاً حكم الذهب، وهذا حكم الفضة منفرداً توضيحاً (مما فيه الورق) أي الفضة (نظر إلى قيمته) مصوغاً (فإن كان قيمة ذلك الثلثين وقيمة ما فيه من الورق الثلث فذلك) أيضاً (جائز لا بأس به) كما تقدم في مسألة الذهب. (إذا كان ذلك) البيع (يداً بيد) ولا يكون فيه نساء، قال الباجي: هذا يقتضي التناجز، ومنع دخول التأخير في ذلك، فالمشهور من المذهب منعه، رواه ابن القاسم عن مالك، خلافاً لربيعة في تجويزه ذلك، انتهى. (ولم يزل على ذلك) الحكم (من أمر الناس عندنا) بالمدينة المنورة، وهذا الذي بنيت عليه سياق النسخ المصرية، وسياق النسخ الهندية في ذلك مختصر، ليس فيها ذكر الورق، بل فيها «وقيمة ما فيه من الذهب الثلث فذلك جائز لا بأس به إذا كان ذلك يداً بيد، ولم يزل ذلك من أمر الناس عندنا)). (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٨٠/٣). ٥٥١ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من اشترى مصحفاً أو سيفاً أو خاتماً، وفي شيء من ذلك ذهب أو فضة بجنس ما هو حلي به، فإنه يجوز ذلك بثلاثة شروط، أحدها: أن يكون ذلك النوع من الحلي مباحاً في الشرع استعماله واتخاذه، كالسيف، والمصحف، وخاتم الرجل يكون فيه حلية الفضة، وحلي النساء يكون فيه الذهب، أو الفضة، فهذا لا خلاف فيه أنه مباح اتخاذه . والشرط الثاني: أن يكون ما فيه من الذهب أو الفضة تبعاً لقيمة المحلّى، وبما تكون الموازنة من الحلي بقيمته أو وزن ما فيه الظاهر من المذهب أن الموازنة بوزن الحلي وقيمة المحلى، وقد رأيته نصاً لبعض شيوخ القرويين، ولفظ ((الموطأ)) ثابت، فإن كان قيمة ذلك الثلث وقيمة ما فيه من الذهب الثلثين، فهذا يقتضي اعتبار قيمة الحلي دون وزنه، فإن لم يكن تجوّزاً في عبارة، فهذا خلاف ما قدمناه. والصواب في ذلك الاعتبار بالوزن؛ لأن كل حكم يعتبر في تحليل بيع الذهب وتحريمه، فإنما يعتبر فيه بوزنه دون قيمته، كالتساوي والتفاضل وكم المقدار الذي إذا بلغه كان تبعاً، وإذا تجاوزه لم يكن تبعاً، لم يختلف أصحابنا في النص على هذه المسألة في أن الثلث وما دونه في حكم التبع، وما زاد على ذلك فليس بتبع. وفي ((العتبية)) من سماع أشهب عن مالك فيمن أعطى درهماً وأخذ نصفه درهماً صغيراً، قد كنا نكرهه، ونحن نجيزه الآن، فعلى هذه الرواية يجب أن يكون التبع النصف، فأقل، وبالزيادة على النصف يخرج عن حد التبع، ومن أصحابنا العراقيين من يذهب إلى أن النصف في حَيِّز القليل. (١) ((المنتقى)) (٢٦٨/٤). ٥٥٢ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث والشرط الثالث: أن يكون الحلي مرتبطاً بالمحلى ارتباطاً في إزالته مضرةٌ، فلا يقدر على إزالته من المبيع وتمييزه إلا بمضرة لاحقة، وأما إن كان من القلائد التي لا يفسد غير نظمها بتميز قلائدها، فالظاهر من المذهب أنه لا تأثير لها في الإباحة، وبه قال ابن حبيب، وذكر الخلاف فيه في كتاب الزكاة من ((المنتقى))، وقريب منه ما سيأتي في المراطلة من بيع ثلاثة أصوع من العجوة بصاعين من الكبيس وصاع من حشف، وسيأتي في بيع الطعام بالطعام بیع مد زبد ومد لبن بمدي لبن، فارجع إليهما . وقال الموفق(١): إن باع شيئاً فيه الربا بعضه ببعض، ومعهما، أو مع أحدهما من غير جنسه كَمُدِّ ودرهم، بمدّ ودرهم، أو بمدين أو بدرهمين، أو باع شيئاً محلى بجنس حليته، فهذه المسألة تسمى مسألة مُدِّ عجوةٍ، والمذهب أنه لا يجوز ذلك، نص عليه أحمد في مواضع كثيرة. وذكره قدماء الأصحاب، قال ابن أبي موسى في السيف المحلى والمنطقة، والمراكب المحلاة بجنس ما عليها: لا يجوز قولاً واحداً، وروي هذا عن سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وشريح، وابن سيرين، وبه قال الشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وعن أحمد رواية أخرى تدل على أنه يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غیر جنسه. وقال حماد بن أبي سليمان، وأبو حنيفة: يجوز، هذا كله إذا كان المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو كان مع كل واحد منهما من غير جنسه، وقال الحسن: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم، وبه قال الشعبي والنخعي، واحتجَّ من أجاز ذلك بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد. (١) ((المغني)) (٩٢/٦). ٥٥٣ ٣٣ - كتاب البيوع (١٦) باب (١٣٣٣) حديث . ولنا ما روى فضالة بن عبيد قال: أتى النبي وَلو بقلادة فيها ذهب، وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة، فقال النبي وَل جر: ((لا حتى تميز بينهما))، قال: فرده حتى ميز بينهما، رواه أبو داود(١)، وفي لفظ رواه مسلم، قال: فأمر رسول الله 8# بالذهب الذي في القلادة، فنُزع وحده، ثم قال لهم رسول الله ◌َ: ((الذهب بالذهب وزناً بوزن))، انتهى. وقال النووي(٢) في حديث القلادة: فيه أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره، حتى يفصل، فيباع الذهب بوزنه ذهباً، ويباع الآخر بما أراد، وكذا الفضة مع غيرها لا تباع بفضة، وكذا الحنطة وسائر الربويات لا بد من فصلها، وسواء كان الذهب في الصورة المذكورة قليلاً أو كثيراً، وكذلك باقي الربويات، وهذه هي المسألة المشهورة في كتب الشافعي وغيره بمسألة مد عجوة، فهو لا يجوز، وهو منقول عن عمر - رضي الله عنه - وابنه وجماعة من السلف، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وإسحاق، ومحمد بن عبد الحكم المالكي. وقال أبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح: يجوز بيعه بأكثر مما فيه من الذهب ولا يجوز بمثله ولا بدونه، وقال مالك وأصحابه وآخرون: يجوز بيع السيف المحلَّى بذهب وغيره مما هو في معناه بالذهب إذا كان تابعاً لغيره، وقد رده بالثلث فما دونه. وقال حماد بن أبي سليمان: يجوز بيعه بالذهب مطلقاً، سواء باعه بمثله من الذهب أو أقل أو أكثر، وهذا غلط مخالف لصريح الحديث، واحتجّ أصحابنا بحديث القلادة، وأجابت الحنفية بأن الذهب كان فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، وقد اشتراها باثني عشر ديناراً، وقالوا: لا نجيز هذا، وإنما نجيز (١) أخرجه أبو داود (٣٣٥١)، ومسلم (١٥٩١). (٢) ((شرح النووي على صحيح مسلم)) (١٧/١١ - ١٨). ٥٥٤ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٧) باب ما جاء في الصرف البيع إذا باعها بذهب أكثر مما فيها، فيكون ما زاد من الذهب في مقابلة الخرز. وأجاب الطحاوي(١) بأنه إنما نهي عنه، لأنه كان في بيع الغنائم لئلا يغبن المسلمون في بيعهم، قال أصحابنا: هذان الجوابان ضعيفان لا سيما جواب الطحاوي، انتهى. قلت: لا ضعف في الجواب الأول، وهو نص رواية مسلم وغيره أن الذهب الذي كان في القلادة كان أكثر من الثمن. (١٧) ما جاء في الصرف قال صاحب ((المحلى)): هو بيع الذهب بالفضة أو عكسه، ويُسَمَّى صرفاً لصريفها، وهو تسويتها في الميزان، وقيل: يسمى صرفاً لصرفه عن مقتضى البيوع من جواز التصرف قبل القبض، وقال الجوهري: الصرف الفضل، يقال: صرفت الدراهم بالدنانير، وبينَ الدرهمين صَرْفٌ أي فضلٌ لجودة فضة أحدهما على الآخر. وفي ((الهداية)) (٢): الصرف هو البيع إذا كان كل واحد من عوضيه من جنس الأثمان، سُمّي به للحاجة إلى النقل في بدليه من يد إلى يد، والصرف هو النقل والردُّ لغةً، أو لأنه لا يطلب منه إلا الزيادة إذ لا ينتفع بعينه، والصرف هو الزيادة لغةً، كذا قاله الخليل، ومنه سميت العبادة النافلة صرفاً، انتھی . ٠ ومعنى قوله: ((لا يطلب منه إلا الزيادة)) أي لا يطلب بهذا العقد إلا الزيادة تحصل فيما يقابلها من الجودة والصياغة، إذ النقود لا ينتفع بعينها كما (١) ((شرح معاني الآثار)) (٢٣٦/٢). (٢) (٨١/٢). ٥٥٥ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث ٤٠/١٣٣٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيِّ؛ ينتفع بغيرها مما يقابلها من الطعوم واللبوس، فلو لم يطلب الزيادة، والعين حاصلة في يده ما كان فيه فائدة أصلاً، فلا يكون مشروعاً، كذا في ((الهامش)). وقال الأبي(١): بيع العين بالعين منه صرف، ومنه مراطلة، فالصرف هو بيع الذهب بالفضة يعني أو بالعكس أو بيع أحدهما بفلوس لقوله في ((المدونة)): من صرف دراهم بفلوس فأطلق على ذلك اسم الصرف، وأما المراطلة، هو بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة وزناً، تخرج الفلوس، وإن أريد إدخالها على القول بأنها كالعين، فيزاد في الحدِّ أن يقال: أو فلساً بمثله عدداً لا وزناً؛ لأن العدد في الفلوس بمنزلة الوزن في العين، انتهى. قلت: واشتهر استعمال الصرف على بيع العين بالعين، سواء كان بجنسه أو بخلاف جنسه، ولذا حده في ((الهداية)): هو البيع إذا كان كل واحد من عوضيه من جنس الأثمان. وفي ((الدر المختار)) (٢): هو بيع الثمن بالثمن، أي ما خلق للثمنية، ومنه المصوغ جنساً بجنس أو بغير جنس، كذهب بفضة، انتهى. وفي ((الروض المربع)» (٣): الصرف بيع نقد بنقد، انتهى. ٤٠/١٣٣٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن مالك بن أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو آخره سين مهملة (ابن الحدثان) بفتح المهملتين والمثلثة ابن عوف (النصري) بفتح النون وإسكان المهملة أبو سعيد المدني مختلف في صحبته، قال ابن عبد البر: الأكثر على إثباتها، وقال ابن منده: لا يثبت، كذا (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٦٣/٤). (٢) (٥٥٢/٧). (٣) (١٠٧/٢). ٥٥٦ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفاً بِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى اصْطَرَفَ مَنِّي. في ((التعليق الممجد))(١). وفي ((العيني)): تابعي عند الجمهور، وقيل: إنه رأى أبا بكر - رضي الله عنه -، وروى عنه ◌َ﴿ مرسلاً، انتهى. ورواياته عن عمر - رضي الله عنه - أشهر. قال الزرقاني(٢): له رؤية وأبوه صحابي، وقال أحمد بن صالح: إن لمالك صحبة، وقال ابن حبان: من زعم أن له صحبة فقد وهم، مات سنة ٩٢هـ، في قول الجمهور، وقيل سنة ٩١هـ. وهو ابن أربع وتسعين. (أنه التمس صرفاً) بفتح الصاد وإسكان الراء أي من الدراهم، وفي رواية للبخاري أنه قال: من عنده صرفٌ، فقال طلحة: أنا، ولمسلم من يصطرف الدراهم (بمائة دينار) كانت عنده يعني أراد بيع مائة دينار كانت معه بعوض الدراهم. (قال) مالك: (فدعاني طلحة بن عبيد الله) بضم العين أحد العشرة المبشّرة، وقال: عندي صرفه (فتراوضنا) بإسكان الضاد المعجمة أي تجارينا الكلام في قدر العوض بالزيادة والنقصان؛ لأن كل واحد يروض صاحبه ويسهل خلقه، وقيل: المراوضة ههنا المواصفة بالسلعة، وهو أن يصف كل منهما سلعته لرفيقه، كذا في ((الفتح))(٣). وقال الباجي(٤): مراوضة متبايعهما في صرفهما واحداً بعد واحد طلباً للزيادة أو معرفة ما يستقر عليه العطاء (حتى اصطرف) طلحة (مني) أي أخذ (١) (٢٨٩/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٨١/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٣٧٨/٤). (٤) ((المنتقى)) (٢٧١/٤). ٥٥٧ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث وَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ. ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَنِي خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ . مني ما كان معي ليصرفه بالدراهم، قال الباجي: يقتضي جواز المصارفة لمن لم يتخذ ذلك متجراً. وأما من اتخذ ذلك متجراً أو صناعة، فقد كرهه جماعة من السلف، قال مالك في ((العتبية)): أكره للرجل أن يعمل بالصرف إلا أن يتقي الله. وقال الأبي: حكم الصرف أنه مباح الأصل كجنسه الذي هو البيع، وكره مالك العمل به إلا لمتقٍ. وقال ابن رشد: وقليل ما هم، وذكر العيني عن أصبغ أنه كره أن يستظل بحانوت صيرفي، وفي ((النوادر)): الصرف من الباعة أحبُّ إليّ من الصيارفة، انتهى. (وأخذ) طلحة (الذهب) أي مائة دينار كانت عندي (يقلبها) من التقليب (في يده) قال الحافظ: الذهب يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ويحمل على أنه ضمن الذهب معنى العدد المذكور، وهو المائة، فَأَنَّثَه لذلك (ثم قال) طلحة: اصبر (حتى يأتيني خازني) قال الحافظ(١): لم أقف على تسمية الخازن (من الغابة) بغين معجمة، فألف، فموحدة، موضع قرب المدينة كان لطلحة بها مال نخل وغيره، وإنما قال ذلك طلحة لظنه جوازه كسائر البيوع، وما كان بلغه بعد حكم المسألة فأبلغه عمر - رضي الله عنه -، وقال المازري: أو كان يرى جواز المواعدة في الصرف، كما هو قول عندنا، وإن قبضه لم يكن ليمسكها، بل ليقَلِّبها . قال الأبي(٢): الأقوال في المواعدة ثلاثة، المشهور: التحريم، وقيل: مكروهة، وحملت عليه ((المدونة))، وأجازها ابن عبد الحكم وابن نافع، وقال أصبغ: تفسخ، كمواعدة النكاح في العدة، وقال اللخمي: الجواز أحسن (١) ((فتح الباري)) (٣٧٨/٤). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٦٥/٤). ٥٥٨ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّه لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ. (وعمر بن الخطاب) أمير المؤمنين (يسمع) ذلك الكلام (فقال عمر) لمالك بن أوس (لا والله لا تفارقه) أي لا تُفارق طلحة (حتى تأخذ منه) الدراهم عوض الذهب، وفي رواية: ((والله لتُعْطِيَنَّه ورقه أو لترُدَّنَّ إليه ذهبه))، هذا خطاب لطلحة، وفيه تفقد عمر - رضي الله عنه - أحوال رعيته في دينهم والاهتمام بهم، وتأكيد الأمر باليمين، وأن الخليفة أو السلطان إذا سمع أو رأى ما لا يجوز وجب عليه النهي عنه. (ثم قال) عمر - رضي الله عنه - مستدلاً على المنع بالسُّنّةِ؛ لأنها الحجة عند التنازع (قال رسول الله وَالر: الذهب بالورق) بفتح الواو وكسر الراء أي الفضة، قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك فيه، وحمله عنه الحفاظ، وتابعه معمر والليث وغيرهما، وكذلك رواه الحفاظ عن ابن عيينة، وشَذَّ أبو نعيم عنه، فقال: الذهب بالذهب، وكذلك رواه ابن إسحاق عن الزهري، كذا في ((الفتح)» (١). وحديث ابن عيينة أخرجه البخاري في ((باب ما يذكر في الطعام)) بلفظ الذهب بالورق ربا، قال الحافظ: هكذا رواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه، وهي رواية أكثر أصحاب الزهري، وقال بعضهم: فيه الذهب بالذهب، انتهى. وأخرجه البيهقي(٢) برواية ابن أبي ذئب عن الزهري بلفظ: الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء، والذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء، وقال البيهقي: كذا في هذه الرواية الورق بالورق، والذهب بالذهب، ورواية الجماعة كما مضى يعني بلفظ ((الذهب بالورق)» (رباً إلا ها وها) بحذف الهمزة من الآخر في النسخ الهندية وبإثباتها في النسخ المصرية، وهكذا الاختلاف في الألفاظ الآتية في جميع المواضع من هذا الحديث. (١) ((فتح الباري)) (٣٧٨/٤). (٢) انظر: ((سنن البيهقي)) (٢٨٤/٥). ٥٥٩ ٣٣ - كتاب البيوع (١٧) باب (١٣٣٤) حديث وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ. وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِباً إِلَّ هاءَ وَهَاءَ. وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ)) . أخرجه البخاريّ في: ٣٤ - كتاب البيوع، ٧٦ - باب بيع الشعير بالشعير. ومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة، ١٥ - باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً، حدیث ٧٩. قال النووي: فيه لغتان المد والقصر والمد أفصح وأشهر، وأصله هاك، فأبدلت المدة من الكاف، ومعناه خذ هذا، ويقول صاحبه مثله، وبسط النووي والحافظ وغيرهما في تحقيق لغتها . وفي ((المحلى)): قيل: بكسر الهمزة معناه هات، وبفتحها معناه هات، وكذلك بالهمزة الساكنة مثل ضع، وفي ((المجمع)): قال الخطابي: يروونه ساكنة الألف، وصوابه مدها وفتحها؛ لأن أصلها هاك، أي خذ، فعوض عن الكاف الهمزة، يقال: ها هائماً هاؤم وغيره يجيز فيه السكون، وينزله منزلة ها التي للتنبيه، انتهى. قال الطيبي(١): محله النصب على الحال، والمستثنى منه مقدر، يعني بيع الذهب بالذهب رباً في جميع الحالات إلا حال التقابض، ويكنى عن التقابض بقوله: ((هاء وهاء))؛ لأنه لازمه، وعبّر بذلك؛ لأن المعطي قال: خذ بلسان الحال، سواء وجد معه لسان المقال، أو لا، فالاستثناء مفرغ، وقال الأبي: محله النصب على الظرفية (والبر بالبر) بضم الموحدة القمح، وهي الحنطة أي بيع أحدهما بالآخر (رباً إلا) مقولاً عنده من المتعاقدين، ولو بلسان الحال (هاء) من أحدهما (وهاء) من الآخر. (والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء والشعير بالشعير) بفتح الشين على المشهور، وقد تكسر، قال ابن مكي: كل فعيل وسطه حرف حلق مكسور، يجوز كسر ما قبله في لغة تميم، قال: وزعم الليث أن قوماً من العرب يقولون: ذلك إن لم تكن عينه حرف حلق نحو كبير وجليل وكريم (رباً إلا ها وها) (١) ((الكاشف)) (٢١٢٧/٧). ٥٦٠