Indexed OCR Text

Pages 81-100

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
والشافعي، وإسحاق، وقال أبو بكر: يتوجَّهُ لأبي عبد الله قولٌ آخر، أن
العوض بينهم على عدد رؤوسهم، فيتساوون فيه كما لو أقَرَّ لهم بشيء.
ولنا، أن هذا عوض فيُقَسَّطُ على المُعَوِّض، فأيهم أدّى حصته عتق،
وهذا قول الشافعي، وقال ابن أبي موسى: لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي
جميع الكتابة، وحكي ذلك عن أبي بكر، وهو قول مالك، وحكي عنه أنه إذا
امتنع أحدهم عن الكسب مع القدرة عليه أجبر عليه الباقون، واحتجّوا بأن
الكتابة واحدة، ولا يحصل العتق إلا بأداء جميع الكتابة، كما لو كان المكاتب
واحداً، وقال أبو حنيفة: إن لم يقل السيد: إن أديتم عتقتم، فأيهم أدّى حصته
عتق، وإن أدّى جميعها عتقوا كلهم، ولم يرجع على صاحبيه بشيء، وإن قال:
إن أديتم عتقتم لم يعتق واحد منهم حتى تؤدى الكتابة كلها، ويكون بعضهم
حميلاً عن بعضهم، وأيهم أداها عتقوا كلهم، ورجع على صاحبيه بحصتها، اهـ.
وقال أيضاً: فإن شرط عليهم في العقد أن كل واحد منهم ضامنٌ عن
الباقين، فالشرط فاسد، والعقد صحيح، وقال أبو الخطاب: في الشرط رواية
أخرى أنه صحيح، وخَرَّجه ابنُ حامد وجهاً بناءً على الروايتين في ضمان الحر
لمال الكتابة، وقال الشافعي: العقد والشرط فاسدان؛ لأن الشرط فاسد، ولا
يمكن تصحيح العقد بدونه؛ لأن السيد إنما رضي بالعقد بهذا الشرط، فإذا لم
يثبت، لم يكن راضياً بالعقد، وقال مالك وأبو حنيفة: العقد والشرط
صحيحان؛ لأنه مقتضى العقد عندهما، اهـ.
وقال ابن رشد(١): هل يجمع في الكتابة الواحدة أكثر من عبد واحد؟،
فالعلماء اختلفوا في ذلك، والجمهور على جوازه، ومنعه قوم، وهو أحد قولي
الشافعي، وهل يكون بعضهم حملاء عن بعض؟ ففيه لمن أجاز الجمع ثلاثة
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٧٦/٢).
٨١
٠

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
أقوال: فقالت طائفة: ذلك أي حمالة بعضهم عن بعض واجب بمطلق العقد،
وبه قال مالك وسفيان، وقال آخرون: لا يلزم ذلك إلا بالشرط، وبه قال
أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي: لا يجوز ذلك لا بالشرط ولا بمطلق
العقد، ويعتق كل واحد منهم إذا أدى قدر حصته.
وفي ((البدائع)) (١): لو كاتب الرجل عبدين له مكاتبة واحدة، فهذه المسألة
على ثلاثة أوجه، إما أن كاتبهما على مال، وجعل كل واحد منهما كفيلاً على
صاحبه، وإما أن كاتبهما على مال، ولم يجعل كل واحد منهما كفيلاً عن
صاحبه، ولكن قال: إن أديا عتقا، وإن عجزا ردّا في الرق، وإما أن كاتبهما
على مال، ولم يكفل كل واحد منهما عن صاحبه، ولم يقل أيضاً إن أديا عتقا،
وإن عجزا ردا في الرق.
أما الأول: فالقياس أن لا تجوز هذه الكتابة، وفي الاستحسان تجوز إذا
قبلا .
وجه القياس أن هذه كتابة بشرط الكفالة، وكفالة المكاتب عن غير
المولى لا تصحّ، ولأنه كفالة ببدل الكتابة. والكفالة ببدل الكتابة باطلة.
وجه الاستحسان أن هذا ليس بكفالة حقيقية، بل هو تعليق العتق بالأداء
والمولى يملك تعليق عتقهما بأداء كل واحد منهما .
وأما الثاني: فكذلك الجواب في قول علمائنا الثلاثة، وعند زفر كل
واحد منهما مكاتبٌ على حدة، فأيهما أدّى حصته يعتق، وجه قوله أن كل
واحد منهما يلزمه كتابة نفسه خاصة، فلا يجب عليه كتابة غيره ما لم يشترطا،
ولم يوجد الشرط .
(١) ((بدائع الصنائع)) (٦١٤/٣).
٨٢

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا؛ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَاتَبَهُ
سَيِّدُهُ. لَمْ يَنْبَغ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ لَهُ، بِكَتِابَةِ عَبْدِهِ، أَحَدٌ، إِنْ مَاتَ
الْعَبْدُ أَوْ عَجَزَ،َ وَلَيْسَ هُذَا مِنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ.
ولنا، أن المولى علق عتقهما بأداء الألف، فما لم يوجد لا يقع العتق، كما
إذا قال لعبدين له: إن دخلتما الدار، فأنتما حران، فدخل أحدهما لا يعتق ما لم
يدخلا جميعاً، فكذلك ههنا لا يعتق واحد منهما إلا بأداء الألف. وإذا لم يعتق
واحد منهما، إلا بأداء الألف، صار جميع الألف على كل واحد منهما .
وأما في الثالث: فأيهما أدّى حصته يعتق في قولهم جميعاً؛ لأنّه لم
يعلق عتقهما بأدائهما جميعاً، فانصرف نصيب كل واحد منهما إليه خاصة،
وصار كل واحد منهما مكاتباً على حدة، ثم إذا كاتبهما كتابة واحدة، فأدَّى
أحدهما شيئاً منه، كان له أن يرجع على صاحبه بنصفه، بخلاف ما إذا كان
الدين على رجلين، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فأدّى أحدهما شيئاً لا
يرجع على صاحبه، ما لم يجاوز النصف، فإذا جاوز النصف، يرجع على
صاحبه بالزيادة، اهـ. وسيأتي شيء من الكلام على ذلك في سعي المكاتب من
الرجوع على المدفوع عنه وغيره.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن العبد إذا كاتبه سيده لم ينبغ) أي
لا ينبغي، ولا يجوز (لسيده أن يتحمل له) أي يتكفل للسيد (بكتابة عبده أحد)
فاعل يتحمل، (إن مات العبد، أو عجز)، يعني لا يجوز الكفالة في الموت ولا
في العجز (وليس هذا) أي التكفل (من سنة المسلمين) أي الصحابة والتابعين.
قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن الكتابة لا تجوز بالحمالة، فإذا
دخلتها الحمالة، فلا يخلو أن يكون ذلك في أصل العقد، أو يكون بعد العقد،
فإن كانت الكتابة انعقدت بشرط الحمالة، ففي ((الموازية)): لا تجوز الكتابة
(١) ((المنتقى)) (١٥/٧).
٨٣

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
وَذُلِكَ أَنَّهُ إِنْ تَحَمَّلَ رَجُلٌ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، بِمَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ. ثُمَّ
اتَّبَعَ ذُلِكَ سَيِّدُ الْمُكَانَبِ قِبَلَ
على الحمالة، إذ ليس من سنتها أن تكون في الذمم، ومعنى ذلك - والله أعلم -
أنه لم تتعلق الكتابة بذمته تعلقاً لازماً، إنما تعلقت بالتصرف والكسب، وروي
عن عيسى وأصبغ تمضي الكتابة وتبطل الحمالة، وقال الشيخ أبو القاسم: لا
تجوز الحمالة بالكتابة، ومن تحمل بذلك لم تلزمه حمالته، اهـ.
وقال الموفق(١): لا يصح ضمان الحرِّ لمال الكتابة، وذكر القاضي فيه
روايتين؛ إحداهما: يصح ضمانه، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: ولا يصح
ضمان مال الكتابة في إحدى الروايتين، وهو قول الشافعي، وأكثر أهل العلم،
والأخرى: يصح؛ لأنه دين على المكاتب فصح ضمانه، كسائر الديون عليه،
والأولى أصح؛ لأنه ليس بلازم، ولا مآله إلى اللزوم، فإن للمكاتب تعجيز
نفسه والامتناع عن أدائه، فإذا لم يلزم الأصيل فالضمين أولى، اهـ.
وفي ((الهداية)) (٢): ولا تجوز الكفالة بمال الكتابة حر تكفل به أو عبد؛
لأنه دين ثبت مع المنافي، فلا يظهر في حق صحة الكفالة، ولأنه لو عجز نفسه
سقط، اهـ. وقال السرخسي: إن أخذ كفيلاً بالمكاتبة عن المكاتب، لم يجز
عندنا، وقال ابن أبي ليلى: يجوز؛ لأنه دين مطلوب في نفسه، وهو كالدين
الثابت في ذمة الحر، ولكنا نقول: المكاتب عبد له، وليس للعبد ذمة قوية في
وجوب الدين عليها للمولى، ولأنه يملك أن يعجز نفسه فتبرأ ذمته بذلك، اهـ.
(وذلك) هذا بمنزلة الدليل على ما سبق وتعليل لعدم جواز الكفالة (أنه إن
تحمل) أي ضمن (رجل لسيد المكاتب بما عليه من) مال الكتابة (ثم اتبع)
بصيغة الماضي من الاتباع (ذلك) المال (سيد المكاتب) فاعل اتبع (قبل) بكسر
(١) ((المغني)) (١٤ /٥٦٨).
(٢) (٩٨/٢).
٨٤

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
الَّذِي تَحَمَّلَ لَهُ. أَخَذَ مَالهُ بَاطِلًا. لَا هُوَ ابْتَاعَ الْمُكَاتَبَ، فَيَكُونَ مَا
أَخِذَ مِنْهُ مِنْ ثَمَنِ شَيْءٍ هُوَ لَهُ. وَلَا الْمُكَاتَبُ عَتَقَ، فَيَكُونَ فِي ثَمَنٍ
حُرمَةٍ ثَبَتَتْ لَهُ. فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ رَجَعَ إِلَى سَيِّدِهِ. وَكَانَ عَبْداً
مَمْلُوكاً لَهُ. وَذُلِكَ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَيْسَتْ بِدَيْنِ ثَابِتٍ يُتَحَمَّلُ لِسَيِّدِ
الْمُكَاتَبِ بِهَا. إِنَّمَا هِيَ شَيْءٌ. إِنْ أَدَّاهُ الْمُكَاتَبُ عَتَقَ. وَإِنْ مَاتَ
الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، لَمْ يُخَاصَّ الْغُرَمَاءَ سَيِّدُهُ بِكِتَابَتِهِ. وَكَانَ الْغُرَمَاءُ
أَوْلَى بِذْلِكَ مِنْ سَيِّدِهِ.
القاف وفتح الموحدة أي جانب (الذي تحمل له) أي للسيد (أخذ) جزاء (ماله) أي
مال الكفيل (باطلاً) وبين وجه البطلان بقوله: (لا هو) أي الكفيل (ابتاع) أي اشترى
(المكاتب فيكون ما أخذ منه) اسم يكون أي ما أخذ السيد من مال الكفيل (من ثمن
شيء هو له) ضمير المرفوع إلى الشيء والمجرور للكفيل، والجملة صفة لشيء
و((من ثمن)) خبر يكون (ولا المكاتب عتق) بعد (فيكون) ما أخذ السيد من الكفيل
(في ثمن حرية) بالتحتية بعد الراء الثقيلة المكسورة في النسخ الهندية، وفي جميع
النسخ المصرية في ثمن حرمة بالميم بعد الراء الساكنة، والمراد حرمة العتق (ثبتت
له) أي المكاتب أي لم يعتق المكاتب بعد حتى يُعَدُّ هذا من ثمن العتق.
(فإن عجز المكاتب) عن أداء بدل الكتابة (رجع إلى سيده) لا محالة (وكان
عبداً مملوكاً له، وذلك) الظاهر أنه وجه آخر (أن الكتابة ليست بدينٍ ثابتٍ) أي لازم
(فَيْتَحَمَّلُ) ببناء المجهول (لسيد المكاتب بها) أي بالكتابة، والمراد بدل الكتابة (إنما
هي شيء إن أدّاه المكاتب عتق) وإن لم يؤدِّ رُدَّ إلى الرقّ، وإنما الكفالة في الديون
اللازمة (وإن مات المكاتب، وعليه دين) جملة حالية (لم يحاصّ) بالإدغام، والحصة
النصيب، وتحاصّ القوم اقتسموا حصصاً، وكذا المحاصّة، وكذا في ((مختار
الصحاح)) (الغرماء) مفعوله (سيده) فاعله (بكتابته) أي بما بقي من بدل الكتابة، يعني
لا يجعل نصيب السيد مع الغرماء؛ لأنها ليست بدين لازم (وكان الغرماء أولى بذلك)
أي بما ترك (من سيده) ولو كانت الكتابة ديناً لازماً لحاصَّهم السيدُ.
٨٥

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
وَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِلنَّاس. رُدَّ عَبْداً مَمْلُوكاً لِسَيِّدِهِ.
وَكَانَتْ دُيُونُ النَّاسِ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ.
قال الموفق(١): وإذا مات المكاتب، وعليه ديون، وأروشُ جنايات، ولم
يكن ملك ما يؤدّي في كتابته، انفسخت كتابته، وسقط أرشُ الجنايات؛ لأنها
متعلقة برقبته، وقد تلِفَت، ويُسْتوفى دينُه مما كان في يده، فإن لم يفِ بها سقط
الباقي، قال أحمد: ليس على سيده قضاء دينه، هذا كان يسعى لنفسه، وإن
كان قد ملك ما يؤدي في كتابته، انبنى ذلك على الروايتين في عتق المكاتب
بملك ما يؤدیه، وقد ذكرنا .
والظاهر منهما؛ أنه لا يعتق بذلك، فتفسخ الكتابة أيضاً، ويبدأ بقضاء
الدين على ما ذكرنا في الحال الأول، وهذا قول زيد بن ثابت، وسعيد بن
المسيب، والحسن، وشريح، وعطاء، وعمرو بن دينار، وأبي الزناد، ويحيى
الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشافعي.
والرواية الثانيةُ: أنه إذا ملك ما يؤدّي فقد صار حراً، فعلى هذا يضرب
السيد مع الغرماء بما حَلَّ من نجومه، ورُوي نحوُ هذا عن شريح، والنخعي،
والشعبي، والحكم، وحماد، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح؛
لأنه دین له حالٌّ، فیضرب به کسائر الدیون.
وروى سعيد في ((سننه)) عن قتادة قال: ذكرت لسعيد بن المسيب قول
شريح في المكاتب إذا مات وعليه دين، وبقيةٌ من كتابته، فقلت: إن شريحاً
قضى أن مولاه يضرب مع الغرماء، فقال سعيد: أخطأ شريح، قضى زيد بالدين
قبل المكاتبة، اهـ.
(وإن عجز المكاتب وعليه) الواو حالية (دين للناس رُدَّ) ببناء المجهول.
(عبداً مملوكاً لسيده وكانت ديون الناس) أي الغرماء (في ذمة المكاتب) ويتبعونه
(١) ((المغني)) (١٤/ ٥٢٤).
٨٦

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
لَا يَدْخُلُونَ مَعَ سَيِّدِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ثَمَنِ رَقَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَاتَبَ الْقَوْمُ جَمِيعاً كِتَابَةً وَاحِدَةً. وَلَا رَحِمَ
بَيْنَهُمْ يَتَوَارَثُوْنَ بِهَا، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ وَلَا يَعْتِقُ بَعْضُهُمْ
دُونَ بَعْض حَتَّى يُؤَدُّوا الْكِتَابَةَ كُلَّها .
إذا عتق (لا يدخلون) أي الغرماء (مع سيده في شيء من ثمن رقبته) قال
أبو عمر (١): على قول مالك: إن الحمالة لا تصحّ عن المكاتب الجمهور
وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأحسن مالك في احتجاجه لذلك.
(قال مالك: وإذا كاتب) أحد (القوم) بالنصب مفعول به وفي النسخ
المصرية أعرب الرفع بناء على الفاعل، ولا ضير في ذلك، فإن الكتابة من
الجانبين، ويصحّ نسبتها إلى كل واحد من السيد والأرقاء، والمعنى واحد، أي
كاتب أحدٌ جماعة من العبيد (جميعاً) حال من القوم (كتابة واحدة، ولا رحم
بينهم) أي بين القوم المكاتبين (يتوارثون بها) أي بالرحم (فإن بعضهم حملاء)
وكفلاء (عن بعض) وإن لم يكن بينهم التوارث والرحم (ولا يعتق بعضهم دون
بعض حتى يؤدوا الكتابة كلها) وهذه أي المسألة المتقدمة قريباً أعادها تمهيداً
لما سيأتي من الكلام.
قال الباجي(٢): وهذا على ما قال: إن المكاتبين إذا لم يكن بينهم رحم،
فإنهم حملاء بعضهم عن بعض، ولا تأثير في ذلك؛ لكونهم لا رحم بينهم،
فإن هذا حكم ذوي الأرحام وأشدّ، وإنما يؤثر ذلك في التراجع، وأما
اجتماعهم في الكتابة فعلى حد واحد، لا بد أن يكون بعضهم حملاء عن
بعض، ولا نقول: يجوز ذلك بينهم فقط، بل نقول: إن حكم الكتابة لا بد
منه، خلافاً للشافعي، وقد تقدم ذكره، اهـ.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧٩/٢٣).
(٢) ((المنتقى)) (١٦/٧).
٨٧

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حدیث
فَإِنْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَتَرَكَ مَالَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ جَمِيعِ مَا عَلَيْهِمْ. أُدِّيَ
عَنْهُمْ جَمِيعُ مَا عَلَيْهِمْ. وَكَانَ فَضْلُ الْمَالِ لِسَيِّدِهِ. وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ
كَاتَبَ مَعَهُ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ شَيْءٌ. وَيَتْبَعُهُمُ السَّيِّدُ بِحِصَصِهِمْ الَّتِي
بَقِيَتْ عَلَيْهِمْ. مِنَ الْكِتَابَةِ الَّتِي قُضِيَتْ مِنْ مَالِ الْهَالِكِ. لِأَنَّ الْهَالِكَ
إِنَّمَا كَانَ حَمَلَ عَنْهُمْ. فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا مَا عَتَقُوا بِهِ مِنْ مَالِهِ.
(فإن مات أحد منهم) أي من جماعة المكاتبين الذين لا رحم بينهم (وترك
مالاً هو أكثر من جميع ما عليهم) كلهم من بدل الكتابة (أدّي) ببناء المجهول
أي أدّي من هذا المال المتروك (عنهم) أي عن كلهم (جميع ما عليهم) نائب
الفاعل (وكان فضل المال) أي ما بقي من مال هذا الميت (السيده) لأنه مال
السيد، فإن هذا المكاتب الميت لم يعتق حتى مات، ومن اشترك معه في
الكتابة لا توارث معهم، فيكون المال للسيد؛ لأن الذي لا يشترك مع المكاتب
الميت في الكتابة لا يرث عند مالك، كما تقدم في أول الكتابة.
وأما عندنا الحنفية؛ إن كان له وارث، يرث هذا المال، وإلا فيرثه
المولى للولاء؛ لأنه مات حراً عندنا، عتق في آخر جزء من حياته، كما تقدم.
(ولم يكن لمن كاتب معه) يعني لم يكن لمن اشترك مع الميت في الكتابة
(من فضل المال) أي من مال الميت الباقي بعد أداء الكتابة (شيء) لأنهم لا
توارث بينهم (ويتبعهم) هذا أوجه مما في النسخ الهندية من قوله: تبعهم بصيغة
الماضي أي يأخذ من المكاتبين الباقين (السيد بحصصهم) أي من الأنصباء التي
تُوَزَّعُ عليهم (التي بقيت عليهم من) بدل (الكتابة التي قُضِيَتْ) ببناء المجهول (من
مال الهالك) الميت، فإنهم وإن عتقوا بمال الميت، لكن بدل الكتابة دين عليهم
للميت (لأن الهالك إنما كان حمل عنهم) يعني عتقوا بمال الميت، لكون الكتابة
واحدة، ولذلك كان كل واحد منهم كفيلاً عن الآخر، وللكفالة عتقوا بمال
الميت، لأنه أيضاً كان كفيلاً عن الآخرين، فماله دين عليهم (فعليهم أن يؤدوا
ما عتقوا به) الضمير لما (من ماله) أي مال الميت ومن بيان لما.
٨٨

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
وَإِنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ الْهَالِكِ وَلَدٌ حُرٌّ لَمْ يُولَدْ فِي الْكِتَابَةِ. وَلَمْ يُكَاتَبْ
عَلَيْهِ. لَمْ يَرِثُهُ. لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى مَاتَ.
(٣) باب القطاعة في الكتابة
قال الباجي(١): قوله: وإن مات أحدهم، وترك أكثر مما عليهم من
الكتابة، أدّي عنهم جميع ما عليهم، ووجه ذلك ما قدمناه من ضمان بعضهم
عن بعض، فإذا مات أحدهم حلّت النجوم كلها في حصته، فإذا وُجد له مالٌ
أدي ذلك كله منه، وكان فضل المال للسيد، ولم يكن لمن معه في الكتابة
شيء منه؛ لأنهم ليسوا بذوي أرحام له، وإنما اختلف في تراجع ذوي
الأرحام، اهـ.
(وإن كان للمكاتب الهالك) المذكور الميت (ولد حرِّ، لم يولد في الكتابة
ولم يكاتب عليه)، أي على الولد يعني لم يكن عبداً، فلم يدخله الأب في
مكاتبته (لم يرثه) أي لم يرث هذا الولد الحر أباه المكاتب الميت شيئاً (لأن
المكاتب لم يعتق حتى مات) وفي بعض النسخ حين مات.
قال الزرقاني(٢): حتى مات وهو عبد، فماله لسيده، اهـ. قلت: هذا
مذهب الإمام مالك: أن من لم يولد في الكتابة، ومن لم يكاتب عليه، لا يرث
من مال الميت شيئاً، سواء كان ولداً أو غيره، حراً كان أو عبداً، والمسألة
خلافية، تقدم في أول القضاء في المكاتب.
(٣) القطاعة في الكتابة
القطاعة بفتح القاف وكسرها، والكسر أفصح من الفتح، كما قاله
الدردير (٣) اسم مصدر قاطع، والمصدر المقاطعة، سميت بذلك؛ لأن العبد
(١) ((المنتقى)) (١٦/٧).
(٢) (شرح الزرقاني)) (١٠٧/٤).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٩٨/٤).
٨٩

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
قطع طلب سيده عنه بما أعطاه، أو لأن السيد قطع له بتمام حريته بذلك، أو
قطع له بعض ما كان له عنده، قاله عياض، كذا في ((الدسوقي))، وفي ((لسان
العرب)): قاطعه على كذا وكذا من الأجر والعمل ونحوه مقاطعة، وقال
المجد: القطعة طائفة تقطع من الشيء كالقطاعة بالضم، اهـ.
وقال الباجي(١): المقاطعة أن يجعل عتق المكاتب على شيء يقاطع عليه
معجل أو مؤجل، اهـ. وقال ابن رشد(٢): اختلفوا هل تجوز الكتابة حالَّةً،
وذلك أيضاً بعد اتفاقهم على أنها تجوز حالَّةً على مال موجودٍ عند العبد، وهي
التي يسمونها قطاعةً لا كتابة، اهـ.
والقطاعة في الكتابة جائزة عند جمهور العلماء.
قال الموفق(٣): إذا كاتبه على ألف في نجمين إلى سنة، ثم قال: عَجِّلْ
لي خمسمائة منه حتى أضع عنك الباقي، أو حتى أُبْرِئك من الباقي، أو قال:
صالحني منه على خمسمائة مُعَجَّلَةٍ جاز ذلك، وبه يقول طاووس، والزهري،
والنَخعي، وأبو حنيفة، وكرهه الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وقال
الشافعي: لا يجوز؛ لأن هذا بيع ألف بخمسمائة، وهو ربا الجاهلية، وهو أن
يزيد في الدين لأجل الأجل.
ولنا، أن مال الكتابة غير مستقرِّ، ولا هو دين صحيح، بدليل أنه لا يُجْبَرُ
على أدائه، وله أن يمتنع من أدائه، ولا تصحّ الكفالة به، وما يؤديه إلى سيده
كسبُ عبده، وإنما جعل الشرعُ هذا العقد وسيلة إلى العتق، وأوجب فيه
التأجيل مبالغةً في تحصيل العتق، وتخفيفاً عن المكاتب، فإذا أمكنه التعجيلُ
(١) ((المنتقى)) (٧٠/٧).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٧٥/٢).
(٣) («المغني)) (٥٥٧/١٤).
٩٠

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
على وجهٍ يسقط عنه بعض ما عليه، كان أبلغ في حصول العتق، وهذا يخالف
ربا الجاهلية، فإنه إسقاط لبعض الدين، وربا الجاهلية زيادة في الدين.
فإن اتفقا على الزيادة في الأجل والدين، مثل أن يكاتبه على ألف في
نجمين إلى سنة، فيجعلانها إلى سنتين بألف ومائتين، في كل سنة ستمائة، أو
مثل أن يَخُلَّ عليه نجم، فيقول: أخّرْنِي به إلى كذا، وأزيدك كذا، فيحتمل أنه
لا يجوز؛ لأنه يشبه ربا الجاهلية المحرم، وهو زيادة في الدين للزيادة في
الأجل، ويفارق المسألة الأولى.
فإن قيل: كما أن الأجل لا يتأخر، كذلك لا يتعجل، فلِمَ جاز في
المسألة الأولى؟ قلنا: إنما جاز في المسألة الأولى بالتعجيل فعلاً، فإنه إذا دفع
إليه الدين المؤجل قبل محله جاز، وجاز للسيد إسقاط باقي حقه عليه، وفي
هذا العقد يأخذ أكثر مما وقع عليه العقد، فهو ضد المسألة الأولى، ويحتمل
أن يصح ذلك كما في المسألة الأولى.
فإن صالح المكاتب سيده عما في ذمته بغير جنسه، مثل أن يُصالحه عن
النقود بحنطة أو شعير، جاز، إلا أنه لا يجوز له أن يصالحه على شيء مؤجل؛
لأنه يكون بيع دين بدين، وإن صالحه عن الدراهم بالدنانير، أو عن الحنطة
بشعير لم يجز التصرف قبل القبض؛ لأن هذا بيع في الحقيقة، فيشترط له
القبض في المجلس.
وقال القاضي: يحتمل أن لا تصح هذه المصالحة مطلقاً؛ لأن هذا دين
من شرطه التأجيل، فلم تجز المصالحة عليه بغيره، وقال ابن أبي موسى: لا
يجري الربا بين المكاتب وسيده، فعلى قوله تجوز المصالحة كيفما كانت، اهـ.
وقال أيضاً في موضع آخر: إن الربا يجري بين العبد - أي المكاتب -
وسيده، فلم يجز أن يبيعه درهماً بدرهمين كالأجنبيين، وقال ابن أبي موسى:
لا ربا بينهما؛ لأنه عبدٌ، ولا ربا بين العبد وسيده، ووجه الأول أن السيد مع
٩١

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
مكاتبه في باب المعاملة، كالأجنبي، بدليل أن لكل واحد منهما الشفعة على
صاحبه، ولا يملك كل واحد منهما التصرف فيما في يد صاحبه، وإنما يتعلق
لسيده حق فيما بيده؛ لكونه بعرضية أن يعجزه، فيعود إليه، وهذا لا يمنع
جريان الربا بينهما، اهـ.
وقال ابن رشد (١): مالكٌ يجيز بين العبد وسيده من جنس الربا ما لا
يجوز من الأجنبي والأجنبي من مثل بيع الطعام قبل قبضه، وفسخ الدين في
الدين، وضع وتعجل، ومنع ذلك الشافعي وأحمد، وعن أبي حنيفة القولان
جميعاً، وعمدة من أجازه أنه ليس ربا؛ لأنه وماله له، وإنما الكتابة سنة على
حدة، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): إن كاتبه على ألف درهم إلى سنة، فصالحه على
خمسمائة معجلة فهو جائز استحساناً، وفي القياس لا يجوز؛ لأنه اعتياض عن
الأجل، وهو ليس بمال، والدين مال، فكان ربا، ولذا لا يجوز مثله في الحر
ومكاتب الغير.
ووجه الاستحسان أن الأجل في حق المكاتب مالٌ من وجه؛ لأنه لا
يقدر على الأداء إلا به، فأعطي له حكم المال، وبدل الكتابة مال من وجه
حتی لا تصح الكفالة، فاعتدلا ، فلا یکون ربا .
وقال أيضاً: لا ربا بين المولى وعبده؛ لأن ما في يده ملك لمولاه، هذا
إذا كان مأذوناً له، ولم يكن عليه دين، وإن كان عليه دين لا يجوز بالاتفاق؛
لأن ما في يده ليس ملك المولى عند أبي حنيفة، وعندهما يتعلق به حق
الغرماء، فصار كالأجنبي، فيتحقق الربا كما يتحقق بينه وبين مكاتبه، اهـ.
٠
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٧٥/٢).
(٢) (٢٥٨/٢).
٩٢
٠٠.

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
(١٢٧٦) حديث
٥/١٢٧٦ - حدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ
النّبِيِّ وََّ كَانَتْ تُقَاطِعُ مُكَاتَبِيهَا بِالذَّهَبِ وَالْوَرِقِ.
٥/١٢٧٦ - (مالك أنه بلغه) ولفظ محمد في ((موطئه)) (١) أخبرني مُخْبر (أن
أم سلمة) أم المؤمنين (زوج النبي ◌َّر كانت تقاطع) قال صاحب ((المجمع)) (٢):
تقاطع مكاتبتها بالذهب، المقاطعة ضرب القطيعة، وهي الخراج على العبد أو
الأرض، والمراد به المكاتبة التي تقرر على الأرض، اهـ. كذا قال، والظاهر
عندي أنه وقع فيه الغلط من الناسخ، والمراد بالمقاطعة ما تقدم في ترجمة
الباب من وضع بعض ما على المكاتب لتعجيل الأداء والعتق.
(مكاتبيها) بكسر الموحدة جمع مكاتب، وكَاتَبَتْ عدةً، منهم سلیمان،
وعطاء، وعبد الله، وعبد الملك، الأربعة أولاد يسار، وكلهم أخذ عنه العلم،
وعطاء أكثرهم حديثاً وسليمان أفقههم كما في ((التمهيد))، وكاتبت أيضاً نبهان،
ونفيعاً، قاله الزرقاني (بالذهب والورق).
قال أبو عمر: ذكره مالك هذا عن أم سلمة؛ لأن ابن عمر - رضي الله
عنهما - كان ينهى عن القطاعة إلا بالعروض، ويراه من باب ضَعْ وتعَجَّلْ، قاله
(٣)
الزرقاني (٣) .
وقال الباجي(٤): يحتمل أن يكون فعل أم سلمة أصل الكتابة بالذهب،
فيقاطعه بالذهب، أو بالورق مقاطعة بالورق، فهذا اتفق العلماء على جوازه،
إلا أنه روي عن ابن عمر: لا يقاطع المكاتب إلا بعروض، قال ابن القاسم:
لم يأخذ به الناس، وقال الزهري: لا أعلم أحداً قاله غير ابن عمر، وقال
(١) (ص٣٠٦).
(٢) («مجمع بحار الأنوار)) (٢٩٨/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٠٨/٤).
(٤) ((المنتقى)) (١٧/٧).
٩٣

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
٠٠
(١٢٧٦) حديث
الشيخ أبو إسحاق: تأول بعض المتأولين في قوله تعالى: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ
الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ (١) أن ذلك قطاعة المكاتب على بعض ما عليه، وترك البعض له
على تعجيل العتق.
وقال القاضي أبو محمد: إذا بيعت كتابة المكاتب والعبد، فيجوز أن
يبيعهما سيده كيف شاء، فينقله من ذهب إلى ورق، ومن ورق إلى ذهب، ومن
عروض إلى عروض من جنسها، ومن غير جنسها؛ لأن تقدير بيعها من العبد
إنما هو ترك ما كاتب عليه، والعدول عنه إلى مال يعجل، وليس في قوله: إن
أم سلمة كانت تقاطع مكاتبيها بالذهب والورق، ما يدل على أصل الكتابة.
وفي ((الموازية)): لا بأس أن يقاطع المكاتب، ويعجل عتقه بشيء، يعجله
أو يؤخره إلى أبعد من أجل الكتابة أو أقرب كان طعاماً أو غيره، ومن اشترى
كتابة المكاتب، جاز أن يقاطعه بما يقاطعه به سيده، رواه ابن القاسم عن مالك
في العتبية، اهـ.
وترجم البيهقي في ((سننه))(٢): ((باب الوضع بشرط التعجيل وما جاء في
قطاعة المكاتب))، وأخرج بسنده عن ابن عمر أنه كان يقول في الرجل يكاتب
عبده بالذهب أو الورق، ينجمها عليه نجوماً، أنه كان يكره أن يقول: عجل لي
منها كذا وكذا، فما بقي فلك، وعن الحسن وابن سيرين، أنهما كرها في
المكاتب أن يقول: عجل لي وأضع عنك، وعن ابن عباس في رجل يقول
لمکاتبه: عجل وأضع عنك، لا بأس به.
قال أبو الوليد شيخ البيقهي: قال أصحابنا: معناه عَجِّلْ لي ما شئتَ،
وأعتقك عليه، وأضع عنك كتابتك، فلا بأس به، وأخرج عن القاسم بن محمد
(١) سورة النور: الآية ٣٣.
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣٣٥/١٠).
٩٤

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
(١٢٧٦) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ
الشَّرِيكَيْنِ. فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُقَاطِعَهُ عَلَى حِصَّتِهِ. إِلَّا بِإِذْنِ
شَرِيكِهِ. وَذُلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ بَيْنَهُمَا. فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَأْخُذَ
شَيْئاً مِنْ مَالِهِ إِلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِه. وَلَوْ قَاطَعَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ ثُمَّ
حَازَ ذُلِكَ. ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَلَهُ مَالٌ. أَوْ عَجَزَ. لَمْ يَكُنْ لِمَنْ
فَاطَعَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ مَا قَاطَعَهُ عَلَيْهِ. وَيَرْجِع
حَقَّهُ فِي رَقَبَتِهِ .
أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يكره قطاعة المكاتب الذي يكون
عليه الذهب والورق، ثم يقاطعه على ثلثه أو ربعه أو ما كان، ويقول: اجعلوا
ذلك في العرض على ما شئتم، وقال أبو الوليد: قال أصحابنا: لم نجوز للسيد
أن يأخذ بدل الدراهم أقل منه؛ لأنه ربا، اهـ.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في المكاتب يكون بين الشريكين)
أي يكون العبد مشتركاً بين الرجلين فكاتباه (فإنه لا يجوز لأحدهما أن يُقاطعه)
أي يُعجل عتقه بأخذ شيء عوضاً من بدل الكتابة (على حصته إلا بإذن شريكه،
وذلك) أي وجه عدم الجواز (أن العبد وماله) مشترك (بينهما) بقدر حصصهما
في العبد، فإذا كان مال العبد مشتركاً بين الشريكين (فلا يجوز لأحدهما أن
يأخذ شيئاً من ماله إلا بإذن شريكه) لاشتراكهما في المال (ولو قاطعه أحدهما)
بدون إذن صاحبه، أي لو وقعت وتحققت القطاعة من أحدهما (دون صاحبه)
مع عدم الجواز.
(ثم حاز) بحاء مهملة وزاي (ذلك) أي أخذ المقاطع ما وقع عليه القطاعة (ثم
مات المكاتب وله) الواو حالية (مال أو عجز) المكاتب ورُدَّ إلى الرقِّ لعجزه (لم
يكن لمن قاطعه شيء من ماله) لأنه أسقط حقه للمقاطعة (ولم يكن له) يعني لمن
أخذ بدل الكتابة بالمقاطعة (أن يردّ ما قاطعه) من المال (عليه) أي على العبد أو
الشريك (ويرجع حقه) أي ليس له أن يرجع حقه (في رقبته) بردّ المال.
٩٥

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
(١٢٧٦) حديث
وَلَكِنْ مَنْ قَاطَعَ مُكَاتَباً بِإِذْنِ شَرِيكِهِ. ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ فَإِنْ أَحَبَّ
الَّذِي قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ الَّذِي أَخَذَ منه مِنَ القِطَاعَةِ وَيَكُونُ عَلَى نَصِيبِهِ
مِنْ رَقَبَةِ المُكَاتَبٍ كَانَ ذُلِكَ لَهُ. وَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: إن من حكم الشريكين في المكاتب،
أن يتساويا في ماله، على حسب ما كان اشتراكهما فيه، ولا يجوز لأحدهما أن
يقاطعه على شيء، ينفرد بتعجيله دون شريكه، إلا أن يأذن له فيه، فإن فعل
وكملت مقاطعته له، صار ذلك رضا، بما أخذه عن حصته في المكاتبة، فإن
مات المكاتب كان المتمسك أحق بجميعه، وكذلك إن عجز المكاتب، فإنه
يكون أحق برقبته؛ لأن الذي قاطعه لم يبق له فيه شيء، وعتق المكاتب لا
يتبعّضُ، فكان المتمسك أحق بماله بعد موته، وبرقبته بعد عجزه - والله أعلم -
هذا معنى ما في ((الموطأ)).
وفي ((الموازية)): إن قبض المتمسك مثل ما قبض الذي قاطعه، فلا حجة
للمتمسك في موته، إن لم يدع شيئاً ولا في عجزه؛ لأنهما في العجز يتساويان
في رقبته، كذلك إن ترك الميت مالاً يأخذ منه المتمسك، مثل ما أخذ
المقاطع، قال ابن المواز: لا اختلاف في هذا عن ابن القاسم وأشهب،
واختلف إذا عجز، ولم يقبض المتمسك إلا أقل من الآخر لاختلاف قول مالك
فيه، ثم بسط الباجي الاختلاف فيه، وسيأتي كلام الدسوقي في ذلك قريباً.
(ولكن من قاطع مكاتباً بإذن شريكه) فحاز ما قطعه (ثم عجز المكاتب)
عن أداء ما بقي عليه (فإن أحبَّ الذي قاطعه) أي يكون الخيار للمقاطع إن شاء
(أن يَرُدَّ الذي أخذ منه)، أي من العبد (من القطاعة) بيان للموصول (ويكون)
المقاطع (على نصيبه من رقبة المكاتب كان ذلك له) جزاء لقوله: إن أحب،
وإن أحبّ لم يَرُدَّ، ولا شيء له في المكاتب (وإن مات المكاتب) في هذه
(١) ((المنتقى)) (١٧/٧).
٩٦

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
(١٢٧٦) حديث
وَتَرَكَ مَالًا. اسْتَوْفَى الَّذِي بَقِيَتْ لَهُ الْكِتَابَةُ. حَقَّهُ الَّذِي بَقِيَ لَهُ عَلَى
الْمُكَاتَبِ مِنْ مَالِهِ. ثُمَّ كَانَ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمُكَاتَبِ بَيْنَ الَّذِي
قَاطَعَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ. عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمَا فِي الْمُكَاتَبِ. وَإِنْ كَانَ
أحَدُهُمَا قَاطَعَهُ وَتَمَاسَكَ صَاحِبُهُ بِالْكِتَابَةِ. ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ. قِيلَ
لِلَّذِي قَاطَعَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَرُدَّ عَلَى صَاحِبِكَ نِصْفَ الَّذِي أَخَذْتَ،
وَيَكُونُ الْعَبْدُ بَيْنَكُمَا شَظْرَيْنِ. وَإِنْ أَبَيْتَ، فَجَمِيعُ الْعَبْدِ لِلَّذِي تَمَسَّكَ
بالرِّقّ خَالِصاً.
٠
الصورة (وترك مالاً استوفى) فاعله (الذي بقيت له الكتابة) وهو الذي لم يقاطع
(حقه) مفعول استوفى (الذي بقي له على المكاتب من ماله) أي مال المكاتب.
(ثم كان ما بقي من مال المكاتب) بعد أداء نصيب المتماسك (بين الذي
قاطعه وبين شريكه) المتماسك (على قدر حصصهما في المكاتب) أي على قدر
شركتها في المكاتب من النصف والثلث وغيرهما (وإن) بسكون النون (أحدهما
قاطعه وتماسك صاحبه) أي شريكه الآخر (بالكتابة) متعلق بتماسك يعني لم
يقاطعه (ثم عجز المكاتب) عن أداء ما بقي عليه (قيل للذي قاطعه: إن شئت أن
تردّ على صاحبك) أي الشريك المتماسك (نصف الذي أخذت) بصيغة
الخطاب، والجملة مفعول ترد (ويكون العبد) إذ ذاك مشتركاً (بينكما شطرين)
يعني على ما كان قبل الكتابة، وصورة المسألة على التنصيف على التمثيل،
ولذا قال: ترد النصف (وإن أبيتَ) بصيغة الخطاب، أي تأبى ردّ النصف
(فجميع العبد) يكون (للذي تمسك بالرق خالصاً) له، لا شركة لك فيه، فإنك
أخذت حقك الذي فيه.
قال الباجي(١): قوله: ولكن من قاطع مكاتباً بإذن شريكه إلخ، وذلك أن
شريكه لما أذن له في ذلك لم يكن له رجوع عليه فيما قبض بإذنه، ولكن الذي
(١) ((المنتقى)) (١٨/٧).
٩٧

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
(١٢٧٦) حديث
قاطعه إنما أخذ ذلك ليؤدي المكاتب، ويعتق، فإذا عجز، كان له أن يرجع في
حصته منه، وشاركه المتمسك فيما أخذ، أو يتمسك بما أخذ، وسلم جميع
العبد إلى شريكه، ولو لزمه ذلك للزمه العتق، وهذا إنما هو إذا قبض الذي
تمسك أقل مما قبض شریکه.
وأما إذا قبض مثل ذلك أو أكثر، ففي ((الموازية)): العبد بينهما بنصفين،
ومعنى ذلك أن شريكه قد أخذ مثل الذي أخذ هو، فلا حجة له عليه في
التمسك، ولو أخذ صاحبه أكثر منه، لم يرجع عليه الذي قاطع؛ لأنه قد رضي
ببيع نصيبه بأقل مما كان عقد عليه الكتابة، اهـ.
وقال الموفق(١): ليس للمكاتب أن يؤدِّي إلى أحدهما أكثر من الآخر،
ولا يُقَدِّمَ أحدُهما على الآخر، ذكره القاضي، وهو مذهب أبي حنيفة
والشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً؛ لأنهما سواء، فيستويان في كسبه، وحقهما
متعلق بما في يده تعلقاً واحداً، فلم يكن له أن يخص أحدهما بشيء منه دون
الآخر، ولأنه ربما عجز، فيعود إلى الرقّ، ويتساويان في كسبه، فيرجع
أحدهما على الآخر، بما في يده من الفضل، بعد انتفاعه به مدة، فإن قبض
أحدهما دون الآخر شيئاً، لم يصح القبض.
وللآخر أن يأخذ من حصته، إذا لم يكن أذن في القبض، وإن أذن، ففيه
وجهان، أحدهما: يصح؛ لأن المنع لحقه، فجاز بإذنه، كما أذنا للمكاتب في
التبرع، والثاني: لا يجوز، وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة، وأحد
قولي الشافعي، واختيار المزني؛ لأن ما في يد المكاتب ملك له، فلا ينفذ إذن
غيره فيه، والأول أصحُّ؛ لأن الحق لهم لا يخرج عنهم، فإذا اتفقوا على
شيء، فلا وجه للمنع، فعلى هذا، إذا دفع إلى أحدهما مال الكتابة بإذن
(١) ((المغني)) (١٤ / ٥٠٦).
٩٨

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
(١٢٧٦) حديث
صاحبه، عتق نصيبه من المكاتب؛ لأنه استوفى حقه، ويسري العتق إلى باقيه،
وعليه قيمة حصة شريكه؛ لأن عتقه بسببه، هذا قول الخرقي بخلاف ما اختار
الموفق، كما تقدم قريباً .
ثم قال: وإن عجز وفسخت كتابته قُوِّم على الذي أدى إليه، وكان ولاؤه
جميعه له، وتنفسخ الكتابة في نصفه، وإن مات، فقد مات ونصفه حر، ونصفه
رقيق، ولسيده الذي لم يعتق نصيبه، أن يأخذ مما خلف، مثل ما أخذه شريكه
من مال الكتابة، وله نصف ما يبقى، والباقي لورثة العبد، فإن لم يكن له
وارثٌ من نسبه، فهو الذي أَدَّى إليه بالولاء.
وإن قلنا: لا يصحُّ القبض، فما أخذه القابض بينه وبين شريكه، ولا تعتق
حصته من المكاتب؛ لأنه لم يستوف عوضه، ولغير القابض مطالبة القابض
بنصيبه مما قبضه، كما لو قبضه بغير الإذن سواء، وإن مات العبد قبل استيفاء
الآخر حقه، فقد مات عبداً، ويستوفي الذي لم يقبض من كسبه، بقدر ما أخذه
صاحبه والباقي بينهما، اهـ.
وفي ((البدائع)) (١): عبد بين رجلين، كاتب كل واحدٍ منهما نصيبه على
الانفراد، بأن كاتب أحدهما نصيبه على ألف درهم، وكاتب الآخر نصيبه على
مائة دينار، صار نصيب كل واحد منهما مكاتباً له، فإذا أَدَّى إليهما جميعاً
عتق، وإن أدى إلى أحدهما، عتق نصيبه، ولا يشاركه الآخر فيما قبض؛ لأنه
لما كاتب صار راضياً بكتابته، وللمكاتب أن يقضي غريماً دون غريم، ونصيب
الآخر مكاتب على حاله، فإذا أدى نصيب الآخر عتق، والولاء لهما.
وإن لم يؤد نصيب الآخر، ولكنه عجز، صار كعبدٍ بين اثنين أعتقه
أحدهما، والجواب فيه معروفٌ، ولو كان عبد بين اثنين، فكاتباه جميعاً مكاتبة
(١) ((بدائع الصنائع)) (٦١٩/٣).
٩٩

٣١ - كتاب المكاتب
(٣) باب
(١٢٧٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُكَاتَبِ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَيُقَاطِعُهُ أَحَدُهُمَا
بِإِذْنِ صَاحِبِهِ. ثُمَّ يَقْتَضِيْ الَّذِي تَمَسَّكَ بِالرِّقِّ مِثْلَ مَا قَاطَعَ عَلَيْهِ
صَاحِبُهُ. أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ. ثُمَّ يَعْجِزُ الْمُكَاتَبُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ. وَإِنِ
اقْتَضَى أَقَلَّ مِمَّا أَخَذَ الَّذِي قَاطَعَهُ، ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، فَأَحَبَّ الَّذِي
قَاطَعَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى صَاحِهِ
واحدة، فأدّى إلى أحدهما حصته لم يعتق حصته منه، ما لم يؤد جميع الكتابة
إليهما؛ لأنهما جعلا شرط عتقه أداء جميع المكاتبة، فلا يعتق إلا بوجود
الشرط ، اهـ.
(قال مالك في المكاتب يكون بين الرجلين) بأن كاتباه (فيقاطعه) أي العبد
(أحدهما بإذن صاحبه) أي شريكه، بأن يأخذ شيئاً معَجَّلاً من عوض الكتابة (ثم
يقبض(١) الذي تمسك بالرق) من نجوم الكتابة (مثل ما قاطع عليه صاحبه أو)
أخذ (أكثر من ذلك) أي أكثر من الذي أخذ المقاطع، وجملة مثل ما مفعولٌ
ليقبض، والمعنى أن الرجلين كاتباه على ألف ألف مثلاً، ثم قاطعه أحدهما
نصيبه على خمسمائة، ثم قبض الآخر المتماسك من نصيبه خمسمائة أو أكثر.
(ثم يعجز المكاتب) من أداء ما بقي عليه من نصيب المتماسك (قال
مالك) في الصورة المذكورة: (فهو) أي المكاتب عبد مشترك (بينهما لأنه) أي
المقاطع (إنما اقتضى الذي له عليه) فلا يرجع على المتمسك فيما أخذ
المتمسك زائداً .
(وإن اقتضى) المتمسك (أقل مما أخذ الذي قاطعه) يعني أخذ أقلّ من
خمسمائة في الصورة المذكورة، (ثم عجز المكاتب فأحبَّ) بشد الموحدة بصيغة
الماضي فاعله (الذي قاطعه أن يَرُدَّ) مفعول أحبَّ (على صاحبه) أي شريكهِ
(١) وفي نسخة ف ((ثم يقتضي)).
١٠٠