Indexed OCR Text

Pages 61-80

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
أبوه، فيكون حكمه مع أبيه حكم عبدين للسيد، جمعهما عقد الكتابة، وأما إن
كان الابن للعبد من زوجة، فإن كانت أمه حرة، فهو حرٌّ؛ لأن الولد تبع للأم
في الحرية والرقّ، وإن كانت أمه أمة، فهو عبد لسيدها، وإنما الذي ذكره
مالك في هذه المسألة ولد المكاتب من أمته، اهـ.
وقال الموفق(١): للعبد أن يتسرَّى بإذن سيده، هذا هو المنصوص عن
أحمد في رواية الجماعة، وهو قولُ ابن عمر وابن عباس والشعبي والنخعي
والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبي ثور، وكره ذلك ابن سيرين،
وحماد بن أبي سليمان، والثوري، وأصحاب الرأي.
وللشافعي قولان مبنيان على أن العبد هل يملك بتمليك سيده أو لا؟
وقال أبو يعلى: يجب أن يكون في مذهب أحمد في تسرّي العبد وجهان مبنيان
على الروايتين في ثبوت الملك له بتمليك سيده، واحتجّ من منع ذلك بأن العبد
لا يملك المال، ولا يجوز الوطء إلا في نكاح أو ملك يمين.
ولنا، قول ابن عمر وابن عباس، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفاً،
وإذا ثبت هذا، فلا يجوز له التسري إلا بإذن سيده، ولو ملكه سيده جارية لم
يبح له وطؤها حتى يأذن له فيه؛ لأن ملكه ناقص، ولسيده نزعه منه متى شاء،
فلم يكن له التصرف فيه إلا بإذن سيده، فإن أذن له أبيح له وما ولد له من
التسري فحكمه حكم ملكه؛ لأن الجارية مملوكة له، فكذلك ولدها، وإن
تسری بغير إذن سیده، فالولد ملك سيده، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٢): ولا يتسرَّىُ العبدُ وإن أذن له المولى، قال
ابن عابدين: لأنه مبنيٌّ على ملك الرقبة والعبد لا يملك، وإن ملك، اهـ.
(١) («المغني)) (٤٧٤/٩).
(٢) (٢٧٥/٩).
٦١

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قَالَ يَحْيَى: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ، فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ
جَارِيَةٌ بِهَا حَبَلٌ مِنْهُ. لَمْ يَعْلَمْ بِهِ هُوَ وَلَا سَيِّدُهُ يَوْمَ كِتَابَتِهِ. فَإِنَّهُ لَا
يَتْبَعُهُ ذُلِكَ الْوَلَدُ. لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ وَهُوَ لِسَيِّدِهِ. فَأَمَّا
الْجَارِيَةُ فَإِنَّا لِلْمُكَاتَبِ لَأَنَّهَا مِنْ مَالِهِ.
وفيه أيضاً في ((أحكام المكاتب))(١): إن ولد له من أمته ولد فادّعاه
تكاتب عليه تبعاً له، قال ابن عابدين: اعترض بأن المكاتب لا يملك وطء
أمته، وأجيب بأن النسب لا يتوقف على الحل كما في وطء أمة ابنه، أو أمة
مشتركة فيثبت لشبهة ملك اليد، كما في شروح ((الهداية)).
(قال مالك في المكاتب يكاتبه سيده)، وفي النسخ الهندية: يكاتب سيده،
وكلاهما صحيح، فإن الكتابة وإن كان من السيد، يقال: كاتب العبد إذا كتب
السيد على العبد بثمنه، فإذا أدّاه صار حراً، لكنه يطلق على العبد أيضاً، ففي
رواية للبخاري عن عائشة: ((جاءت بريرة فقالت: إني كاتبت أهلي على تسع
أواق)) الحدیث.
(وله) أي للمكاتب والجملة حالية (جارية) أي أمة (بها حبل) بفتح الحاء
وسكون الموحدة أي حمل (منه) أي من المكاتب أذن له السيد في التسري بها
(لم يعلم به) أي بالحمل (هو) أي المكاتب (ولا سيده يوم كاتبه) فإن علم به
وشرط المكاتب دخوله في الكتابة دخل، وإن لم يشترط لم يدخل، كما تقدم
في القول الماضي، (فإنه لا يتبعه ذلك الولد) الذي يتولد من هذا الحمل.
(لأنه لم يكن دخل في كتابته، وهو) أي الولد يكون (السيده، فأما الجارية
فإنها للمكاتب لأنها من ماله)، قال الشيخ أبو القاسم: فينتظر وضعها، فإذا
وضعت فالولد للسيد، والأمة للمكاتب على ما كانت عليه قبل الكتابة، وأما ما
حملت به أمته منه بعد الكتابة، فإنه تبع له، وحكمه حكم أبيه في الكتابة، يعتق
(١) (١٧٧/٩).
٦٢

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلِ وَرِثَ مُكَاتَباً، مِنِ امْرَأَتِهِ هُوَ وَابْنُهَا : إِنَّ
الْمُكَاتَبَ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ كِتَابَتَهُ، اقْتَسَمَا مِيرَاثَهُ عَلَى
كِتَابِ اللَّهِ، وَإِنْ أَذَّى كِتَابَتَهُ ثُمَّ مَاتَ، فَمِيرَاتُهُ لِابْنِ الْمَرْأَةِ. وَلَيْسَ
لِلزَّوْجِ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْءٌ .
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُكَاتَبِ يُكَاتِبُ عَبْدَهُ
بعتقه، ويرق برقه، كذا في ((المنتقى))(١)، وكذلك عند الحنفية: المولود في مدة
الكتابة يدخل فيها تبعاً، كما تقدم قريباً عن ((الدر المختار)).
(قال مالك، في رجل ورث مكاتباً من امرأته) متعلق بورث (هو) أي
الزوج (وابنها) يعني ماتت المرأة، وتركت مكاتباً في الميراث، وتركت وارثين:
الزوج والابن، (إن المكاتب)، هذا قول مالك، في حكم المتوفاة المذكورة (إن
مات قبل أن يقضي) أي يؤدي (كتابته اقتسما) أي الزوج والابن (ميراثه) أي
ميراث المكاتب، وهو ما ترك المكاتب من المال (على كتاب الله) للزوج
الربع، وثلاثة الأرباع للابن للعصوبة؛ لأن المكاتب إذا مات قبل أداء الكتابة،
فإنه مال المیت، وهما وارثان.
(وإن أدّى كتابته ثم مات) فمات حراً (فميراثه) أي المال الذي تركه
(لابن المرأة) لأن الميراث حينئذ للولاء، وهو لأقرب العصبات، كما تقدم في
ميراث الولاء (ليس للزوج من ميراثه شيء) لأنه ليس بعصبة للميت، وعلى ذلك
فقهاء الأمصار.
(قال مالك في مكاتب يكاتب عبده) قال الموفق(٢): ليس له إعتاق رقيقه
إلا بإذن سيده، وبهذا قال الحسن ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة؛
لأن فيه ضرراً على سيده بتفويت ماله فيما لا يحصل له به مال، فأشبه الهبة،
(١) (٨/٧).
(٢) («المغني)) (٤٨٠/١٤).
٦٣

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ إِنَّمَا أَرَادَ الْمُحَابَاَ لِعَبْدِهِ، وَعُرِفَ ذُلِكَ
مِنْهُ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُ. فَلَا يَجُوزُ ذُلِكَ.
فإن أعتق لم يصحّ إعتاقه، ويتخرج أن يصحّ، ويقف على إذن سيده، وقال
أبو بكر: هو موقوف على آخر أمر المكاتب، فإن أدَّى عتق معتقه، وإن لم يُؤَدِّ
رَقَّ، قال القاضي: هذا قياس المذهب. ولنا، أنه تَبَرَّعَ بماله بغير إذن سيده،
فكان باطلاً كالهبة.
وليس للمكاتب أن يكاتب إلا بإذن سيده، وهذا قول الحسن والشافعي؛
لأن الكتابة نوع إعتاق، فلم تجز من المكاتب كالمنجز، واختار القاضي جواز
الكتابة، وهو الذي ذكره أبو الخطاب في ((رؤوس المسائل)) وهو قول مالك
وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي؛ لأنه نوع معاوضة، فأشبه البيع، وقال
أبو بكر: هو موقوف كقوله في العتق المنجز، فإن أذن فيها السيد صحت،
وقال الشافعي: فيها قولان، اهـ.
وفي ((الهداية)) (١): جاز أن يكاتب المكاتب عبده استحساناً، والقياس أن
لا يجوز، وهو قول زفر، والشافعي، وعَلَّل ذلك في ((شرح المنهاج)) بأنه يعقب
الولاء، والمكاتب ليس أهلاً له، وفي قول: يَصِحّ، ويوقف الولاء، اهـ.
(قال) أي مالك: (ينظر) ببناء المجهول (في ذلك) في أمر الكتابة وبدلها
(فإن كان إنما أراد المحاباة) أي المسامحة والرفق بعبده، مأخوذ من حبوته إذا
أعطيته (لعبده وعرف ذلك) أي المحاباة (منه) أي من السيد (بالتخفيف عنه) أي
عن العبد في قدر الكتابة والباء سببية، وهكذا سياق النسخ الهندية، وأكثر
المصرية، وفي بعضها ((بالتحقيق عنه)) بدل ((بالتخفيف عنه))، وعلى هذا يكون
ضمير المجرور إلى السيد (فلا يجوز ذلك) لأن المكاتب محجور عن العطايا.
قال الموفق(٢): المكاتب محجورٌ عليه في ماله، فليس له استهلاكه، ولا
(١) (٢٥٤/٢).
(٢) («المغني)) (١٤ / ٤٨١).
٦٤

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا كَاتَبَهُ عَلَى وَجْهِ الرَّغْبَةِ وَطَلَبِ الْمَالِ، وَابْتِغَاءِ الْفَضْلِ
وَالْعَوْنِ عَلَى كِتَابَتِهِ. فَذْلِكَ جَائِرٌ لَهُ.
هبته، وبهذا قال الحسن ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، ولا أعلم
فيه مخالفاً؛ لأن حق سيده لم ينقطع عنه؛ لأنه قد يعجز، فيعود إليه، وإن أجاز
فيه السيد يجوز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأنه يفوت المقصود بالكتابة،
وعن الشافعي كالمذهبين. ولا يُحَابِي في البيع، ولا يزيد في الثمن الذي
اشترى به، ولا يُعِيْرُ دابةً، ولا يُهْدِي هدية، وأجاز ذلك أصحاب الرأي،
ويحتمل جواز إعارة دابته، وهَدِيَّة المأكول ودعائِه إليه؛ لأن ذلك يجوز
للمأذون له، ولا ينحطّ المكاتب عن درجته، ووجه الأول أنه تبرع بماله فلم
يجز كالهبة، اهـ.
وفي ((الهداية))(١): ويملك البيع بالمحاباة، لأنه من صنيع التجارِ، فإن
التاجر قد يحابي في صفقة ليربح في الأخرى، ولا يهب ولا يتصدق إلا
بالشيء اليسير؛ لأن الهبة والصدقة تبرع، وهو غير مالك ليملكه إلا أن الشيء
اليسير من ضروريات التجارة، اهـ.
(وإن كان إنما كاتبه على وجه الرغبة وطلب المال وابتغاء) أي طلب
(الفضل) أي الزيادة (والعون على كتابته) بأخذ المال عن مكاتبه (فذلك جائز له)
لأنه إعانة على أداء كتابته، وتقدم قريباً اختلاف العلماء في ذلك.
وقال الباجي(٢): هذا على ما قال: إن المكاتب إذا كاتب عبداً لم يخلُ
أن يقصد به الرفق بالمكاتب، فذلك لا يجوز له إلا بإذن السيد؛ لأن حق السيد
متعلق بماله، فلا يجوز له تفويته في وجه، ولا غيره، كما لا يجوز له أن
يتصدق بماله، وأما الكتابة فلما كانت عقد معاوضة، فإن لم يرد ذلك بها،
(١) (٢٥٤/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٩/٧).
٦٥

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ وَطِئَ مُكَاتَبَةً لَهُ:
وإنما أراد اكتساب المال والجمع له والازدياد من الربح جازت كتابته، وإن لم
يرد ذلك سيده؛ لأنه ليس للسيد منعه من التصرف الذي يرجو فيه الربح،
ويقصد به النماء والازدياد، اهـ.
٤
(قال مالك، في رجل وطئ مكاتبة له) هكذا في رواية يحيى، وقال غير
يحيى، قال مالك: لا ينبغي أن يطأ الرجلُ مكاتبتَه، فإن جهل ووطئ مكاتبة
له، قال الباجي: ليس للسيد أن يطأ مكاتبته، وبه قال الشافعي؛ لأن عتقها
متعلق بأجل كتابتها، فكانت كالمعتقة إلى أجل، ووجه آخر، أن الوطء لا يحلّ
إلا بزوجية أو ملك يمين تستحق به النفقة، وهذان معدومان في مسألتنا، فلم
يكن له وطؤها، وهي على كتابتها ما لم تحمل، ووجه ذلك أن مجرد الوطء،
لا يغير حكم الكتابة، ولا يوجب فيها عتقاً، ولا حدّ عليه سواء علم بالتحريم
أو لم يعلم به، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، خلافاً لما روي عن الحسن،
والزهري أن عليهما الحد، والدليل على ما نقوله أنه وطء صادف شبهةً ملك،
فلم يجب به الحدّ، كما لو وطئ جاريةً بينه وبين شريكه، اهـ.
وقال ((الخرقي)): ليس له أن يطأ مكاتبته إلا أن يشترط عليه، قال
الموفق(١): الكلام في هذا في فصلين:
أحدهما: في وطئها بغير شرط، وهو حرام في قول أكثر أهل العلم،
منهم سعيد بن المسيب والحسن والزهري ومالك والليث والثوري والأوزاعي
والشافعي وأصحاب الرأي، وقيل: له وطؤها في الوقت الذي لا يشغلها الوطء
عن السعي عما هي فيه؛ لأنها ملك يمينه، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ
مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾(٢) .
(١) («المغني)) (٤/ ٤٨٧).
(٢) سورة المؤمنون: الآية ٦.
٦٦

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
إِنَّهَا إِنْ حَمَلَتْ فَهِيَ بِالْخِيَارِ. إِنْ شَاءَتْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ. وَإِنْ شَاءَتْ
قَرَّتْ عَلَى كِتَابَتِهَا. فَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ، فَهِيَ عَلَى كِتَابَتِهَا .
وثانيهما: إذا شرط وطأها فله ذلك، وبه قال سعيد بن المسيب، وقال
سائر من ذكرنا: ليس له وطؤها؛ لأنه لا يملكه مع إطلاق العقد، فلم يملكه
بالشرط، وقال الشافعي - رحمه الله -: إذا شرط ذلك في عقد الكتابة فسد؛
لأنه شرط فاسد، فأفسد العقد، كما لو شرط عوضاً فاسداً، وقال مالك: لا
يفسد العقد به؛ لأنه لا يخل بركن العقد، فإن وطئها مع الشرط فلا حدَّ عليه
ولا تعزير ولا مهر؛ لأنه وطء مباح، وإن وطئها من غير شرط فقد أساء وعليه
التعزير، لأنه وطء محرم، ولا حدّ عليه في قول عامة الفقهاء، ولا نعلم فيه
خلافاً إلا عن الحسن والزهري، فإنهما قالا: عليه الحد، اهـ. قال
الزرقاني(١): ويؤدب السيد في الوطء إلا أن يعذر بجهل، كما في ((المدونة)).
(إنها) أي المكاتبة (إن حملت) بهذا الوطء في الكتابة (فهي بالخيار إن
شاءت كانت) صارت (أم ولد)، وإن كان لها مال كثير، فتعجز نفسها عن
الكتابة (وإن شاءت قَرَّت) بتشديد الراء أي استمرت (على كتابتها) لأنها مكاتبة
قبل الوطء، (فإن لم تحمل فهي) باقية (على كتابتها)، ولا تصير أم ولد بمجرد
الوطء .
قال الباجي(٢): إن حملت، فإنها مخيرة بين أن تعجز نفسها، فتصير أم
ولد بذلك الحمل، وبه قال الشافعي، وقال سحنون: وتعجز نفسها إذا لم يكن
معها في كتابتها أحد، وإن كان لها المال الكثير؛ لأن حق أم الولد في الحرية
أثبتُ من حق المكاتبة؛ لأن عتق أم الولد أمر متحقق، وعتق المكاتبة غير
متحقق، وإنما يكون لها أن تختار كونها أم ولد، ما لم يكن معها في كتابتها
(١) (شرح الزرقاني) (١٠٤/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٩/٧).
٦٧

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
غيرها، فإن كان معها غيرها، ففي ((الموازية)) عن ابن القاسم: ليس لها ذلك
إلا برضا من معها، فإن رضوا بذلك، فقد قال محمد: يحط عنه حصتها،
وتصير أم ولد يطؤها .
ووجه ذلك، تعلق حق من شركه في الكتابة بذلك، قال سحنون: وإن
بقيت على كتابتها، فنفقة حملها على السيد كالمبتوتة الحامل، ورواه عن
أصحاب مالك، وقاله ابن حبيب، وروي عن أصبغ: لا نفقة لها عليه، وجه
الأول، أنه حمل لاحِقٌ لواطئٍ حُرِّ، لا ملك لأحد، فكانت عليه نفقته، ووجه
الثاني، أنها رضيت بالبقاء على حكم الكتابة، وذلك ينفي الإنفاق عليها؛ لأن
المكاتبة لا نفقة لها، وتركت ما يوجب الإنفاق عليها باختيارها، وهو كونها أم
ولد، اهـ.
وقال الخرقي: فإن علقت منه فهي مخيّرة بين العجز وتكون أم ولد، وبين
المضي على كتابتها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت عتقت بموته، قال
الموفق(١): جملته أن السيد إذا استولد مكاتبته فالولد حرٌّ؛ لأنه من مملوكته،
ونسبه لاحق به، ولا تجب قيمته لذلك، وتصير أم ولد له؛ لذلك، ولا تبطل
كتابتها؛ لأنه عقد لازم من جهة سيدها، وقد اجتمع لها سببان يقتضيان العتق
أيهما سبق صاحبه ثبت حكمه، هذا قول الزهري ومالك والثوري والليث
والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال ابن الحكم: تبطل كتابتها؛ لأنها
سبب للعتق، فتبطل بالاستيلاد كالتدبير، اهـ.
وحكى الزرقاني هذا القول عن ابن المسيب فقال: قال ابن المسيب إذا .
حملت بطلت كتابتها وصارت أم ولد، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): إذا ولدت المكاتبة من المولى، فهي بالخيار إن شاءت
(١) ((المغني)) (١٤ / ٤٩١).
(٢) (٢٥٧/٢).
٦٨

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا فِي الْعَبْدِ يَكُونُ بَيْنَ
الرَّجُلَيْنِ؛ إِنَّ أَحَدَهُمَا لَا يُكَاتِبُ نَصِيبَهُ مِنْهُ. أَذِنَ لَهُ بِذْلِكَ صَاحِبُهُ أَوْ
لَمْ يَأْذَنْ. إِلَّا أَنْ يُكَاتِبَاهُ جَمِيعاً. لِأَنَّ ذُلِكَ يَعْقِدُ لَهُ عِتْقاً. وَيَصِيرُ إِذَا
أَدَّى الْعَبْدُ مَا كُوتِبَ عَلَيْهِ. إِلَى أَنْ يَعْتِقَ نِصْفُهُ. وَلَا يَكُونُ عَلَى الَّذِي
كَاتَبَ بَعْضَهُ، أَنْ يَسْتَتِمَّ عِثْقَهُ. فَذَلِكَ خِلَافُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ:
مضت على الكتابة، وإن شاءت عجزت نفسها، وصارت أم ولد له؛ لأنها
تلقتها جهتا حرية، عاجلة ببدل، وآجلة بغير بدل، فتخير بينهما، ونسب ولدها
ثابت من المولى وهو حر، وإذا مضت على كتابتها أخذت العقر من مولاها،
لاختصاصها بنفسها ومنافعها، ثم إن مات المولى عتقت بالاستيلاد، وسقط
عنها بدل الكتابة، اهـ.
(قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا في العبد يكون) مشتركاً (بين
الرجلين؛ إن أحدهما لا يكاتب نصيبه) أي حصته (منه) أي من العبد المشترك
سواء (أذن له بذلك صاحبه) أي شريكه (أو لم يأذن له) وفي ((المدونة)): قال
مالك في العبد بين رجلين: إنه لا يجوز لأحدهما أن يكاتبه دون شريكه أذن له
أو لم يأذن، فإن فعل فسخت الكتابة، وكان ما أخذ هذا منه بينه وبين شريكه
نصفين (إلا أن يكاتباه جميعاً) فيجوز الكتابة حينئذ.
وعلل ما قبل الاستثناء، يعني عدم جواز كتابته أحدهما نصيبه دون الآخر
بقوله: (لأن ذلك) أي الكتابة (يعقد له) أي للعبد (عتقاً) يعني أن الكتابة عقد
عتق (ويصير) أي يرجع في المآل أنه (إذا أَدَّى العبدُ ما كُؤْتب عليه) من المال
يعني إذا أدى الكتابة (إلى أن يعتق نصفه) متعلق ليصير أي يكون مرجع هذه
الكتابة عتق نصف العبد، وحكم عتق النصف استكماله بالتقويم، وهو لا يمكن
ههنا، وبَيَّنَه الإمام مالك (ولا يكون على الذي كاتب بعضه) أي لا يقدر هذا
الشريك الذي كاتب حصته على (أن يستتم) ويستكمل (عتقه) أي عتق جميعه
بالتقويم؛ لأن السراية بالتقويم إنما يكون في العتق المحض لا في الكتابة.
(فذلك) الفعل يعني عتق الشريك نصيبه بالكتابة (خلاف لما قال
٦٩

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً لَهُ فِي عَبْدٍ قُوَّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ)).
رسول الله وَ﴾: من أعتق شِركاً) بكسر فسكون أي نصيباً (له في عبد قوم) ببناء
المجهول من التقويم (عليه قيمة العدل) وتقدم قوله 18 هذا في محله، فلو أبيح
كتابة نصف العبد يلزم مخالفة قوله وسر هذا؛ لأن مؤدى هذا القول التقويم،
وهو لا يمكن في الكتابة.
قال الباجي(١): وهذا على ما قال: فإن العبد بين شريكين لا يجوز
لأحدهما أن يكاتبه دون صاحبه، أذن له صاحبه في ذلك أو لم يأذن، وهو
أحد قولي الشافعي، وروي عن الحكم بن عيينة وابن أبي ليلى؛ تصح الكتابة
بغير إذن شريكه، وقال الشافعي في أحد قوليه: تصح الكتابة إذا أذن في ذلك
شريكُهُ، وبه قال أبو حنيفة، ونسبه أبو حامد الإسفرائيني إلى مالك، والصحيح
ما قدمناه.
والدليل على ذلك أن عقد الكتابة لا يتبعَّضُ، ولذلك لا يجوز لأحد أن
يكاتب بعض عبده، فإذا لم يجز ذلك في بعض عبد له جميعه، وإن وقع فسخ،
فكذلك في بعض عبد لغيره سائره.
واحتجّ مالك في ذلك بأن الكتابة عقدُ عتق، ويؤدي ذلك إلى تبعيض
العتق على الشريك دون تقويم، لأن التقويم يختص فيما باشره عتق عري عن
عوض، وهذا لم يباشره عتق، واقترن به العوض فمنع ذلك التقويم، فوجب أن
یکون هو ممنوعاً في نفسه، اهـ.
قال الدردير (٢): جاز مكاتبة شريكين في عبد صفقة واحدة بمالٍ واحدٍ أي
متحد قدراً وصفةً وأجلاً واقتضاءً وإلا منع، فإن شرط كل واحد أن يقتضي
لنفسه دون صاحبه فسد الشرط، أي والعقد صحيح، وما قبضه بينهما على قدر
(١) ((المنتقى)) (١٠/٧).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٩٣/٤).
٧٠

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حدیث
نصيبهما فلا يجوز كتابة أحدهما دون شريكه، ولو أذن له شريكه، ولا كتابتهما
بمالين بأن غاير أحدهما صاحبه في القدر أو الجنس أو الصفة والعقد متحدٍّ،
ولا بمال متحدٍ بعقدين، وإذا لم يجز، فيُفْسَخُ في المسائل الثلاثة؛ لأنه يُؤَدِّي
لعتق بعض العبد دون تقويم لبقيته على من أعتق نصيبه؛ لأن التقويم إنما يكون
على من أنشأ العتق دون ما أنشأ سببه، وهو الكتابة، وجاز رضا أحدهما
بتقديم الآخر بنجم حلَّ، على أن يأخذ الآخر نظير حصته فيه مما بعده، من
غير اشتراط ذلك في صلب العقد.
فالمضر الدخول على ذلك، أما الرضاء به بعد العقد فلا ضرر فيه؛ لأنه
من باب المعروف، فإن وفى العبد فواضحٌ، وإن عجز رجع من رضى بتقديم
صاحبه بحصته، على صاحبه الذي قبضه، وكان العبد مشتركاً بينهما، انتهى
بتغیر .
وقال الموفق(١): إن الرجل إذا كان له نصف عبد كانت له مكاتبته،
وتصح منه، سواء كان باقيه حراً أو مملوكاً لغيره، وسواء أذن فيه الشريك أو
لم يأذن، هذا ظاهر كلام الخرقي وأبي بكر، وقول الحكم، وابن أبي ليلى،
وحُكِي ذلك عن الحسن البصري والحسن بن صالح ومالك والعنبري، وكره
الثوري وحماد كتابته بغير إذن شريكه، وقال الثوري: إن فعل رددته إلا أن
يكون نقده، فيضمن لشريكه نصف ما في يده.
وقال أبو حنيفة: تصحّ بإذن الشريك، ولا تصح بغير إذنه، وهو أحد
قولي الشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إذنه في ذلك يقتضي الإذن في تأدية مال
الكتابة من جميع كسبه، ولا يرجع الآذن بشيء منه، وقال أبو يوسف ومحمد:
يكون جميعه مكاتباً .
(١) انظر: ((المغني)) (١٤/ ٥٠٢).
٧١

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حدیث
وقال الشافعي في أحد قوليه: إن كان باقيه حراً صحت كتابته، وإن كان
باقيه مِلْكاً لم تصح كتابته، سواء أذن فيه الشريك أو لم يأذن، إذا ثبت هذا،
فإنه إذا كاتب نصيبه لم تسر الكتابة؛ ولم يتعدَّ الجزء الذي كاتبه؛ لأن الكتابة
عقد معاوضة، فلم يسر كالبيع، وليس للعبد أن يؤدي إلى مكاتبه شيئاً حتى
يُؤدّي إلى شريكه مثله، سواء أذن الشريك في الكتابة أو لم يأذن؛ لأن نصيبه
باقٍ على الرق، هذا إذا كان الكسب بجميعه.
فإن أَدَّى الكتابة من جميع كسبه، لم يعتق؛ لأن الكتابة تقتضي العتق
ببراءته من العوض، وذلك لا يحصل بدفع ما ليس له، وإن أدى إليهما جميعاً
عتق كله؛ لأن نصفه يعتق بالأداء، فإذا عتق سرى إلى سائره، إن كان الذي
أعتقه موسراً؛ لأن عتقه بسببه، فلزمته قيمته، كما لو باشره بالعتق، ويرجع
الشريك على المكاتب بنصف قيمته كما لو باشره بالعتق.
أما إن ملك العبد شيئاً بجزئه المكاتب، مثل أن هَايَأَهُ سَيِّدُه، فكسب شيئاً
في نَوْبَتِه، أو أعطي من الصدقة من سهم الرقاب، أو من غيره، فلا حق لسيده
فيه، وله أداء جميعه في الكتابة، فإذا كان الذي كاتبه معسراً لم يسر العتق،
ولم يتعدَّ نصيبُه، كما إذا واجهه بالعتق، إلا على الرواية التي نقول فيها
بالاستسعاء، فإنه يُسْتسعى في نصيب الذي لم يُكاتب، وإن كان موسراً سرى
إلی باقیه، اهـ.
وفي ((الهداية)) (١): إذا كان العبد بين رجلين أذن أحدهما لصاحبه أن
يُكاتب نصيبه بألف درهم، ويقبض بدل الكتابة، فكاتب، وقبض بعض الألف،
ثم عجز. فالمال للذي قبض عند أبي حنيفة، وقالا: هو مكاتب بينهما، وما
أدى فهو بينهما، والأصل أن الكتابة تَتَجَزَّأ عنده، خلافاً لهما بمنزلة العتق،
(١) (٣٧٨/٦/٣) ط. باكستان.
٧٢

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ جَهِلَ ذُلِكَ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبُ. أَوْ قَبْلَ أَنْ
يُؤَدِّيَ. رَدَّ إِلَيْهِ الَّذِي كَاتَبَهُ. مَا قَبَضَ مِنَ الْمُكَانَبِ. فَاقْتَسَمَ هُوَ
وَشَرِيكُهُ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمَا. وَبَطَلَتْ كِتَابتُهُ. وَكَانَ عَبْدَاً لَهُمَا عَلَى
حَالِهِ الْأُوْلَى.
فتقتصر على نصيبه عنده للتجزِّئ، وفائدة الإذن أن لا يكون له حق الفسخ، كما
يكون له إذا لم يأذن، وإذنه له بقبض البدل إذن للعبد بالأداء، فيكون متبرعاً
بنصيبه عليه، فلذا كان كل المقبوض له، وعندهما الإذن بكتابة نصيبه إذن بكتابة
الكل لعدم التجزئ، فهو أصيل في النصف، وكيل في النصف، فهو أي البدل
بينهما، والمقبوض مشترك بينهما، اهـ.
(قال مالك: فإن جهل ذلك) أي لم يعلم بكتابة أحد الشريكين نصيبه (حتى
يؤدي المكاتب) مال الكتابة إلى الذي كاتبه بتمامه (أو) علم ذلك (قبل أن يؤدي)
العبد مال الكتابة (رد) ببناء الفاعل (عليه) أي على شريكه (الذي كاتبه) فاعل ردّ.
(ما قبض) مفعول رد (من) مال (المكاتب) بيان لما (فاقتسم هو) أي الذي كاتبه
(وشريكه) الذي لم يكاتب نصيبه فيقتسمان مال الكتابة (على قدر حصصهما) أي
قدر نصيبهما في العبد؛ لأنه مملوك لهما (وبطلت كتابته) لعدم تجزئ الكتابة
(وكان) العبد (عبداً لهما على حالته الأولى) التي كانت قبل الكتابة.
قال الباجي(١): يعني إن جهل ذلك حتى يؤدي أو قبل الأداء بطلت
الكتابة، ويردّ السيّدُ ما قبض من العبد، فَيُقاسمه شريكه في العبد، فإن فسخ
الكتابة ثابت قبل الأداء، وبعده لا يفوت بالأداء، وأن ما قبض منه لما كان
مال العبد المشترك كان لشريكه بقدر ملكه من العبد، ولم يردّ إلى العبد إلا أن
يتفقا على ذلك، اهـ.
قلت: وهذا مبنيٌ على مسلك الإمام ومن وافقه في أن كتابة السهم من
(١) ((المنتقى)) (١٠/٧).
٧٣

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي مُكَاتَبٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ. فَأَنْظَرَهُ أَحَدُهُمَا بِحَقِّهِ
الَّذِي عَلَيْهِ. وَأَبَى الآخَرُ أَنْ يُنْظِرَهُ. فَاقْتَضَى الَّذِي أَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ،
بَعْضَ حَقِّهِ. ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ. وَتَرَكَ مَالَا لَيْسَ فِيهِ وَفَاءٌ مِنْ كِتَابَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: يَتَحَاصَّانِ
العبد المشترك لا تصح، والحنفية ومن معهم قالوا بصحة ذلك، كما تقدم
قريباً، فلا يتفرع ذلك على مسلكهم، ولا يعود العبد إلى حاله عندهم.
(قال مالك، في مكاتب بين رجلين) كاتباه معاً، فإن كتابة أحدهما دون
الآخر لا تصحّ عند مالك، كما تقدم في القول السابق، قال الباجي(١): وذلك
أن الرجلين إذا كاتبا عبدهما كتابة واحدة جاز ذلك إذا كاتباه على الإطلاق،
فيكون لكل واحد منهما إذا كان بينهما بنصفين أن يقبض من الكتابة ما يقتضيه
الآخر، لا زيادة ولا نقصان، ولا يقضي أحدهما دون الآخر، وكذلك إن
اشترطا ذلك؛ لأنهما اشترطا مقتضاه، وإن كاتباه على أن يبدأ أحدهما بالنجم
الأول أبدأ، ففي ((الموازية)): لا يجوز ذلك، ولا أن يبدأه ببعضها، وتفسخ
الكتابة؛ لأن من اشترط ذلك لم يرض بالكتابة إلا بجعل، وقال أشهب: يفسخ
إلا أن يرضى الذي اشترط التبدئة بترك ما اشترط، وقال ابن القاسم: تمضي
الكتابة وتبطل التبدئة، وقال ابن المواز: إن لم يكن قبض منها شيئاً، فكما قال
أشهب، وإن اقتضى منها صدراً نفذت الكتابة، وبطل الشرط، اهـ.
(فأنظره) أي أمهله وأخره (أحدهما بحقه الذي عليه) أي على العبد من
مال الكتابة (وأبى الآخر أن ينظره) أي يمهله (فاقتضى) أي أخذ (الذي أبى)
فاعل اقتضى (أن ينظره) مفعول أبى (بعض حقه) مفعول اقتضى (ثم مات
المكاتب وترك مالاً) قليلاً (ليس فيه) أي المتروك (وفاء من كتابته) بل ترك أقل
من بدل الكتابة.
(قال مالك) في الصورة المذكورة: (يتحاصّان) أي يقتسمان (ما تركه) من
(١) ((المنتقى)) (١١/٧).
٧٤

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
بِقَدْرِ مَا بَقِيَ لَهُمَا عَلَيْهِ. يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حِصَّتِهِ. فَإِنْ
تَرَكَ الْمُكَاتَبُ فَضْلًا عَنْ كِتَابَتِهِ، أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَقِيَ مِنَ
الْكِتَابَةِ. وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا بِالسَّوَاءِ. فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، وَقَدٍ
اقْتَضَى الَّذِي لَمْ يُنْظِرْهُ أَكْثَرَ مِمَّا اقْتَضَى صَاحِبُهُ،
المال مفعول يتحاصّان (بقدر ما بقي لهما عليه) ثم فسر التحاصص بقوله:
(يأخذ كل واحد منهما بقدر حصته)، وهذا بيان التحاصص، قال الباجي(١):
يريد أن الذي أنظره، إنما أنظر المكاتب بما وجب له اقتضاؤه، فإذا مات
المكاتب، وترك ما يقصر عن الأداء تحاصا في ذلك كل ما بقي له، وذلك أنه
لو اقتضى أحدهما نصف حصته، وبقي له نصفها، ولم يقتض الآخر شيئاً
تحاصا، فأخذ المقتضي ثلث ما بقي، وأخذ الذي ترك ثلثيه؛ لأن ذلك حساب
ما بقي لهما عنده (فإن ترك المكاتب فضلاً) أي زيادة (عن كتابته أخذ) أولاً
(كل واحد منهما) أي من السيدين (ما بقي) له (من الكتابة وكان ما بقي) من مال
العبد بعد أداء الكتابة (بينهما) منقسماً (بالسواء) أي بقدر حصصهما في العبد.
قال الباجي(٢): يريد إن كان أحدهما قد اقتضى نصف حقه، ولم يقبض
الآخر شيئاً، فإن كل واحد منهما يقتضي ما بقي له من الكتابة على حسب ما
بقي له من القلة والكثرة؛ لأنهما على حسب ذلك استحقا عليه الكتابة التي هي
مقدمة في ماله، فإذا استوفيا ذلك، فما فضل بعد ذلك، فهو بينهما على السواء
على حسب ما كان متساويين في ملك رقبته قبل عقد الكتابة وملك كتابته بعد
العقد .
(فإن عجز المكاتب) عن الأداء (وقد اقتضى) جملة حالية (الذي لم ينظره)
أي لم يمهله (أكثر مما اقتضى صاحبه) لم يكن باقتضائه الأكثر أثراً في الملك
(١) ((المنتقى)) (١١/٧).
(٢) ((المنتقى) (١٢/٧).
٧٥

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حديث
كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. وَلَا يَرُدُّ عَلَى صَاحِبِهِ فَضْلِ مَا اقْتَضَى.
لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ. وَإِنْ وَضَعَ عَنْهُ أَحَدُهُمَا الَّذِي
لَهُ. ثُمَّ اقْتَضَى صَاحِبُهُ بَعْضَ الَّذِي لَّهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ عَجَزَ. فَهُوَ بَيْنَهُمَا .
وَلَا يَرُدُّ الَّذِي اقْتَضَى عَلَى صَاحِبِهِ شَيْئاً. لِأَنَّهُ إِنَّمَا اقْتَضَى الَّذِي لَهُ
عَلَيْهِ. وَذْلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ لِلرَّجُلَيْنِ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ عَلَى رَجُلِ وَاحِدٍ .
فَيُنْظِرُهُ أَحَدُهُمَا. وَيَشِحُ الآخَرُ فَيَقْتَضِي بَعْضَ حَقِّهِ. ثُمَّ يُفْلِسُ الْغَرِيمُ.
فَلَيْسَ عَلَى الَّذِي اقْتَضَى، أَنْ يَرُدَّ شَيْئاً مِمَّا أَخَذَ.
بل (كان العبد بينهما نصفين) على حسب ما كان قبل الكتابة (ولا يرُدُّ) الذي
اقتضى الأكثر (على صاحبه) أي شريكه (فضل ما اقتضى) مفعول لا يرد (لأنه
إنما اقتضى) المال (الذي) كان واجباً (له) على العبد (بإذن صاحبه) فإذا اقتضى
حقه، فلا وجه للرد (وإن وضع) أي حَظّ (عنه أحدهما) أي أحد الشريكين حقه
(الذي) كان واجباً (له) على العبد، (ثم اقتضى صاحبه) أي شريكه الذي لم
يضع (بعض) المال (الذي له عليه) أي على العبد.
(ثم عجز) العبد (فهو) أي العبد (بينهما) كما كان قبل ذلك، ولا يؤثر
اقتضاء أحدهما، وحظُ الآخر في الرق شيئاً (ولا يردُّ الذي اقتضى) بعض ماله
(على صاحبه) أي شريكه (شيئاً) مما اقتضى (لأنه إنما اقتضى) حقه (الذي له
عليه وذلك).
هذا توضيح لمسألة المكاتب بذكر نظيره من مسألة الدين (بمنزلة الدين)
الذي يكون (لرجلين) مثلاً (بكتاب واحد) أي بحق واحد اشتركا في الدين (على
رجل واحد فينظره) أي يمهل المديون (أحدهما ويشح) أي يبخل، ويأبى
(الآخر) الإنظار (فيقتضي) الشحيحُ (بعض حقه) ولا يأخذ الآخر الذي سمح
بالإنظار (ثم يفلس الغريم) أي يصير مفلساً (فليس على) الشحيح (الذي اقتضى)
بعض حقه (أن يردّ) على صاحبه (شيئاً مما أخذ) لأنه إنما أخذ ماله، وهذا
ظاهر لا غبار فيه.
٧٦

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٤) حدیث
وقال الموفق(١): وإذا كان العبد لرجلين، فكاتباه معاً جاز، سواءٌ تساويا
في العوض أو اختلفا فيه، وسواء اتفق نصيباهما فيه أو اختلف، وسواء كان
في عقد واحد أو عقدين، وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا يجوز أن
يتفاضلا في المال مع التساوي في الملك.
ثم قال: وليس للمكاتب أن يؤدي إلى أحدهما أكثر من الآخر، ولا يقدم
أحدهما على الآخر، ذكره القاضي، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ولا
أعلم فيه خلافاً؛ لأنهما سواء فيهما، فيستويان في كسبه، وحقهما متعلق بما
في يده تعلقاً واحداً، فلم يكن له أن يخص أحدهما بشيء منه دون الآخر،
ولأنه ربما عجز فيعود إلى الرقّ، ويتساويان في كسبه، فيرجع أحدهما على
الآخر بما في يده من الفضل بعد انتفاعه به مدة.
فإن قبض أحدهما دون الآخر شيئاً لم يصح القبض، وللآخر أن يخص
من حصته، إذا لم يكن أذن في القبض، وإن أذن فيه، ففيه وجهان: أحدهما:
يصحّ؛ لأن المنع من حقه، فجاز بإذنه، كما أذن البائعُ للمشتري في قبض
المبيع قبل توفيةٍ ثمنهِ، أو أَذِنَا للمكاتب في التبرُّع.
والثاني: لا يجوز، وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة وأحد قولَي
الشافعي واختيار المزني؛ لأن ما في يد المكاتب ملكٌ له، فلا ينفُذُ إذنُ غيره
فيه، وإنما حق سيده في ذمته.
والأول أصحُّ إن شاء الله، فإذا دفع إلى أحدهما مال الكتابة بإذن صاحبه
عتق نصيبُه من المكاتب؛ لأنه استوفى حقه، ويسري العتق إلى باقيه، وعليه
قيمة حصة شريكه؛ لأن عتقه بسببه، هذا قول الخرقي.
ويضمنه في الحال بنصف قيمته مكاتباً، مُبقى على ما بقي عليه من
(١) انظر: ((المغني)) (٥٠٥/١٤ - ٥٠٧).
٧٧

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(٢) باب الحمالة في الكتابة
كتابته، وولاؤه كله له، وما في يده من المال الذي لم يقبض منه بقدر ما قبضه
صاحبه، والباقي بين العبد وبين سيده الذي عتق عليه؛ لأن نصفه عتق عليه
بالكتابة ونصفه بالسراية، فحصة ما عتق عليه بالكتابة للعبد، وحصة ما عتق
بالسراية لسيده، وعلى ما اخترناه يكون الباقي كله للعبد؛ لأن الكسب كان
ملكاً له، فلا يزول ملكُه عنه بعتقه، كما لو عتق بالأداء.
وقال أبو بكر، والقاضي: لا يسري العتق في الحال، وإنما يسري عند
عجزه، فعلى قولهما يكون باقياً على الكتابة، فإن أدّى إلى الآخر عتق عليهما،
وولاؤه لهما، وما بقي في يده من كسبه فهو له، إلى آخر ما بسطه من الفروع
في ذلك.
وكذا بسطها صاحب ((البدائع))(١) إذ قال: عبدٌ بين رجلين كاتبه أحدهما،
فالأمر لا يخلو، إما أن كاتب نصفه أو كله، وكل ذلك لا يخلو، إما أن يكون
بإذن شريكه أو بغير إذنه، وإذا أذن فلا يخلو إما أن أذن له بقبض بدل الكتابة
أو لم يأذن، فإن كاتب نصفه بغير إذن شريكه صار نصيبه مكاتباً، لكن لشريكه
أن ينقُضَ الكتابةَ إلى آخر ما بسطه لا يسعه هذا المختصر.
(٢) الحمالة في الكتابة
بفتح الحاء المهملة الكفالة، قال صاحب ((مختار الصحاح)): حمل به
حمالة بالفتح كفل، وقال الراغب: الحميل: الكفيل، لكونه حاملاً للحق مع
من عليه الحق، اهـ.
والكفالة في الكتابة تكون بوجوهٍ يصح بعضُها، ككفالة المكاتبين بعضهم
عن بعض، ولا يصحُّ بعضُها، ككفالة أحد بالمال الذي على المكاتب كما
سيأتي.
(١) ((بدائع الصنائع)) (٦١٨/٣).
٧٨

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حدیث
٤/١٢٧٥ - قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا؛ أَنَّ الْعَبِيدَ
إِذَا كُوتِبُوا جَمِيعاً. كِتَابَةً وَاحِدَةً. فَإِنَّ بَعْضَهُمْ حُمَلَاءُ عَنْ بَعْضٍ. وَإِنَّهُ
لَا يُوضَعُ عَنْهُمْ، لِمَوْتِ أَحَدِهِمْ، شَيْءٌ. وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ: قَدْ
عَجَزْتُ. وأَلَقَى بِيَدَيْهِ. فَإِنَّ لِأَصْحَابِهِ أَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ فِيمَا يُطِيقُ مِنَ
الْعَمَلِ وَيَتَعَاوَنُونَ بِذْلِكَ فِي كِتَابَتِهِمْ، حَتَّى يَعْتِقَ بِعِثْقِهِمْ، إِنْ عَتَقُوا .
وَيَرِقَّ بِرِقِّهِمْ، إِنْ رَقَّوا .
٤/١٢٧٥ - (قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا) أي الذي أجمع عليه
علماؤنا (أن العبيد) أي جماعة من الأرِقّاء (إذا كُوْتِبُوا جميعاً كتابةً واحدةً) بأن
كاتبهم بعقدٍ واحد (فإن بعضهم حملاء) جمع حميل أي ضامنون (عن بعض).
قال الباجي(١): يريد أن ذلك حكم إطلاق الكتابة عليهم؛ لأن ذلك معنى
اشتمال العقد عليهم، فإنه لا يعتق بعضهم إلا بعتق بعض، خلافاً للشافعي في
قوله: إن من أدّى منهم بقدر ما عليه، عتق، ولو عقدوا العقد على أن بعضهم
حملاء عن بعض بطل (وإنه لا يوضع) أي لا يخفف (عنهم) في بدل الكتابة
(لموت أحدهم شيء) من المال.
(فإن قال أحدهم: قد عجزت) عن بدل الكتابة (وألقى بيديه) أي امتنع عن
السعي (فإن لأصحابه أن يستعملوه) أي يشغلوه (في) عمل (ما يطيق من العمل)
وإن لم يكن بمقدار ما يستعملوهم أنفسهم (ويتعاونون بذلك) أي بما يحصل من
عمله، وإن كان يسيراً (في كتابتهم) لأن كتابة جميعهم واحدة (حتى) يحصل
بالمجموع جميع المقدار و(يعتق) هذا العاجز أيضاً (بعتقهم) أي بعتق الباقين
(إن عتقوا) كلهم (أو يرقّ برقْهم إن رقّوا) أي يعود هذا أيضاً إلى الرقّ بعودهم
إليه إن عجزوا، وعادوا إلى الرق.
قال الدردير(٢): جازت مكاتبة جماعة عبيد لمالك واحد بعقد واحد، فإذا
(١) ((المنتقى)) (١٣/٧).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٩٢/٤).
٧٩

٣١ - كتاب المكاتب
(٢) باب
(١٢٧٥) حديث
وقع، فتوزّع على قدر قوتهم على الأداء، وتعتبر القوة يوم العقد، لا بعد يوم
العقد، وإن تغير الحال، ولا على عددهم، ولا على قيمتهم، وهم حملاء
بعضهم عن بعض مطلقاً، اشترط ذلك عليهم في صلب العقد أم لا، فيؤخذ من
المليء منهم الجميع، ولا يعتق واحد منهم إلا بأداء الجميع، كما هو مقتضى
الحمالة، فإذا أخذ من المليء فالمؤدي منهم أو وارثه يرجع على من أدّى عنه
بحكم التوزيع، ومحل الرجوع إن لم يعتق المدفوع عنه على الدافع، فإن كان
يعتق عليه كأصله أو فرعه أو أخيه لم يرجع عليه بشيء، ولم يكن المدفوع عنه
زوجاً للدافع، وإلا لم يرجع، ولا يسقط عنهم شيء بموت واحد أو أكثر
منهم، أو عجزه، بل لو لم يبق منهم إلا واحد لغرم الجميع لكونهم
حملاء، اهـ.
قال الموفق(١): إذا كاتب عبيداً له، صفقةً واحدةً، بعوض واحد، مثل
أن يكاتب ثلاثة أعبد له بألف، صَحَّ في قول أكثر أهل العلم، منهم عطاء،
وسليمان بن موسى، وأبو حنيفة، ومالك، والحسن بن صالح، وإسحاق، وهو
المنصوص عن الشافعي، وقال بعض أصحابه: فيه قولٌ آخر؛ لأن العقد مع
ثلاثةٍ، کعقودٍ ثلاثة، وعوض كل منهم مجهول، فلم يصح.
ولنا، أن جملة العوض معلومةٌ، وإنما جهل تفصيلها، فلم تمنع صحة
العقود، كما لو باعهم لواحد، وعلى قول من قال: إن العوض يكون بينهم
على السواء، فقد علم أيضاً تفصيل العوض، وعلى كل واحد منهم ثُلثٌ.
إذا ثبت هذا، فإن كل واحد منهم مكاتب بحصته من الألف، ويقسم بينهم.
على قدر قيمتهم حين العقد؛ لأنه حين المعاوضة وزوال سلطان السيد عنهم،
فإذا أداه عتق، هذا قول عطاء، وسليمان بن موسى، والحسن بن صالح،
(١) ((المغني)) (١٤ /٥٦٥).
٨٠