Indexed OCR Text

Pages 21-40

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٢) باب
(١٢٦٩) حديث
٢٣/١٢٦٩ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ
حَزْم؛ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَبُوهُ: أَنَّهُ كَانَ جَالِساً عِنْدَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ. فَاخْتَصَمَ
إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ جُهَيْنَةَ وَنَفَرٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ
مِنْ جُهَيْنَةَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ
كُلَيْبٍ. فَمَاتَتِ
قلت: وغفل - رحمه الله - عن كونه قتل ببدر، فكيف يموت في زمن
عثمان؟ والذي يرفع هذا الإشكال أن تكون المحاكمة في الإرث المذكور
تأخرت من زمان بدر إلى خلافة عثمان، ومن يقتل يوم بدر كافراً لا يتحاكم
إلى عثمان في خلافته، ثم راجعت لفظ القصة، فإذا الذي تحاكم إلى عثمان
أنهما ولدا العاص بن هشام المذكور، فيحتمل أن يكون هو سعيد الذي ذكره
ابن أبي حاتم، انتهى كلام الحافظ.
وتعقب الزرقاني(١) كلام الحافظ، فقال: سهوه ظاهر، فإنه لم يتخاصم
في إرث العاص، وإنما ذكر في صدر الخبر لبيان أنه خلف شقيقين وواحداً لأم
أخرى، والذي تخاصم إلى عثمان، إنما هو ابن العاصي، وابن ابنه الذي مات
أبوه قبل ذلك، ولا ذكر لميراث العاص أصلاً حلاً للإشكال، انتهى. وهذا
ظاهر، لكن إشكال الحافظ مبني على كلام ابن الحذّاء، فلا ينكشف الغطاء
حتى ينظر كلام ابن الحذاء.
٢٣/١٢٦٩ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن
حزم) بحاء مهملة وزاي (أنه أخبره أبوه) أبو بكر بن محمد (أنه) أي أبا بكر
(كان جالساً عند أبان بن عثمان) بن عفان، وكان أبان أمير المدينة (فاختصم
إليه) أي إلى أبان (نفرٌ من جهينة) بضم الجيم وفتح الهاء قبيلة معروفة (ونفرٌ من
بني الحارث بن الخزرج) بطنٌ من الأنصار (وكانت امرأة من جهينة عند رجل من
بني الحارث بن الخزرج، يقال له: إبراهيم بن كليب) مصغراً تابعي (فماتت
(١) (شرح الزرقاني)) (٩٩/٤).
٢١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٢) باب
(١٢٧٠) حديث
الْمَرْأَةُ. وَتَرَكَتْ مَالاً وَمَوَالِيَ. فَوَرِثَهَا ابْنُهَا وَزَوْجُهَا. ثُمَّ مَاتَ ابْنُهَا.
فَقَالَ وَرَثتُهُ: لَنَا وَلَاءُ الْمَوَالِي. قَدْ كَانَ ابْنُهَا أَحْرَزَهُ. فَقَالَ
الْجُهَنِيُّونَ: لَيْسَ كَذلِكَ. إِنَّمَا هُمْ مَوَالِي صَاحِبَتِنَا. فَإِذَا مَاتَ وَلَدُهَا
فَلَنَا وَلَا ؤُهُمْ. وَنَحْنُ نَرِثُهُمْ. فَقَضَى أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ لِلْجُهَنِيِّينَ بِوَلَاءِ
الْمَوَالِي.
١٢٧٠ /٢٤ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمَسَيَّب
قَالَ، فِي رَجُلِ هَلَكَ وَتَرَكَ بَنِينَ لَهُ ثَلَاثَةً. وَتَرَكَ مَوَالِيَ أَعْتَقَهُمْ هُوَ
عَتَاقَةً. ثُمَّ إِنَّ
المرأة) أي زوجة إبراهيم (وتركت مالاً وموالي) أي عتقاء لها (فورثها ابنها) لم
يسم (وزوجها) إبراهيم، وورث ابنها الولاء للعصوبة (ثم مات ابنها) الذي ورث
المال مع الزوج وورث الولاء خاصة.
(فقال ورثته) أي ورثة الابن: (لنا ولاء الموالي) الذي ورثه عن أمه؛ لأنه (قد
كان ابنها) أي ابن المعتقة (أحرزه) وراثة عن أمه (فقال الجهنيّون:) أي عصبات
المرأة من جهينة (ليس) الأمر (كذلك إنما هم) أي العتقاء (موالي صاحبتنا) أي
المرأة المتوفاة كانت منا (فإذا مات ولدها فلنا) أي رجع إلينا (ولاؤهم، ونحن نرثهم
فقضى أبان بن عثمان) أمير المدينة (للجهنيين بولاء الموالي) دون ورثة الابن.
قال محمد(١): وبهذا أيضاً نأخذ إذا انقرض ولدها الذكور رجع الولاء
وميراث من مات بعد ذلك من مواليها إلى عصبتها، وهو قول أبي حنيفة
والعامة من فقهائنا، انتهى.
١٢٧٠/ ٢٤ - (مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب) التابعي الشهير (قال
في رجل هلك وترك بنين له ثلاثة) بدل من بنين (وترك) أيضاً (موالي أعتقهم
هو) أي الميت (عتاقة) بفتح العين ووهم من كسرها، قاله الزرقاني (ثم إن
(١) ((موطأ محمد)) (ص٣٥٦).
٢٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٢) باب
(١٢٧٠) حديث
الرَّجُلَيْنِ مِنْ بَنِيهِ هَلَكَا. وَتَرَكَا أَوْلَاداً. فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَرِثُ
الْمَوَالِي، الْبَاقِي مِنَ الثَّلَاثَةِ. فَإِذَا هَلَكَ هُوَ، فَوَلَدُهُ وَوَلَدُ إِخْوَتِهِ فِي
وَلَاءِ الْمَوَالِي شَرْعٌ، سَوَاءٌ.
الرجلين من بنيه هلكا) أي ماتا (وتركا أولاداً، فقال سعيد بن المسيب: يرث
الموالي) قال الزرقاني(١): كذا رواه يحيى، وهو خطأ، وصوابه الولاء كذا
قيل، والرواية صواب بتقدير مضاف أي ولاء الموالي، وهو بالنصب مفعول،
والفاعل الابن، انتهى. يعني ما سيأتي من قوله: الباقي من الثلاثة، والمراد به
الابن الباقي منهم. (الباقي) أي الحي (من) بنيه (الثلاثة فإذا هلك هو) أي
الثالث أيضاً (فولده) أي ولد الثالث (وولد أخويه) الذين ماتا قبل (في ولاء
الموالي) أي موالي جدّهم (شَرَعٌ) بفتح المعجمة والراء وعين مهملة (سواءٌ)
عطف بيان، قاله الزرقاني.
ولفظ البيهقي في هذا الأثر («فولده وولد إخوته في الموالي شَرَعاً سواء))،
قال الراغب: وهم في هذا الأمر شَرَعٌ أي سواء، أي يشرعُوْن فيه شروعاً
واحداً، وفي ((مختار الصحاح)): وقولهم: الناس في هذا الأمر شَرٌَ أي سواء
يحرك ويُسَكَّنُ، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، اهـ.
قال البيهقي(٢): وقد روي فيه حديث مرسل يؤكد ما مضى من الآثار. ثم
أخرج بسنده إلى الزهري، قال: قال رسول الله وَلـ: المولى أخ في الدين
ونعمة، وأحق الناس بميراثه أقربهم من المعتق.
وقال الموفق(٣): الولاء لأقرب عصبة المعتق يعني أن المولى العتيق إذا
لم يخلف من نسبه من يرث ماله كان ماله لمولاه، فإن كان مولاه ميتاً فهو
(١) ((شرح الزرقاني)) (٩٩/٤).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣٠٤/١٠).
(٣) («المغني)) (٢٤٤/٩).
٢٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٢) باب
(١٢٧٠) حديث
لأقرب عصبته، سواء كان ولداً أو أباً أو عماً أو ابن عم أو غير ذلك، وسواء
كان المعتق ذكراً أو أنثى، فإن لم يكن له عصبة من نسبه كان الميراث لمولاه،
ثم لعصباته الأقرب فالأقرب، وكذلك أبداً، روي هذا عن عمر بن الخطاب،
وبه قال الشعبي والزهري وقتادة ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي
وأبو حنيفة وصاحباه.
وقد رُوي عن علي ما يدل على أن مذهبه في امرأة ماتت وخلفت ابنها
وأخاها، أو ابن أخيها، أن ميراث مواليها لأخيها وابن أخيها، دون ابنها .
ورُوِي عنه الرجوع إلى قول الجماعة، وروى أحمد بإسناده عن زياد بن أبي مريم
أن امرأة أعتقت عبداً لها، ثم توفيت، وتركت ابناً لها وأخاها، ثم توفي
مولاها من بعدها، فأتى أخو المرأة وابنها رسول الله وَ له في ميراثه، فقال ◌َله:
ميراثه لابن المرأة، فقال أخوها: يا رسول الله لو جَرَّ جريرة كانت علي،
ويكون ميراثه لهذا، قال: نعم.
وروى بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله وَ الر قال: ((المولى أخ
في الدين، ومولى النعمة يرثه أولى الناس بالمعتق))، إذا ثبت هذا فإن المُعْتَقَة
إذا ماتت، وخلفت ابنها وأخاها، [أو ابن أخيها] ثم مات مولاها فميراثه
لابنها، وإن مات ابنها بعدها وقبل مولاها، وتركت عصبة كأعمامه وبني عمه،
ثم مات العبد وترك أخا مولاته وعصبة ابنها، فميراثه لأخي مولاته؛ لأنه أقرب
عصبة المُعْتِقِ.
وروي عن علي رواية أخرى أنه لعصبة الابن، ورُوي نحو ذلك عن عمر
وابن عباس - رضي الله عنهما - وابن المسيب، وبه قال شريح، وهذا يرجع
إلى أن الولاء لا يورث كما يورث المال، وقد رُوِي عن أحمد نحو هذا،
واحتجُّوا برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رئاب بن حذيفة تزوج
امرأة، فولدت له ثلاثة غِلْمةٍ، فماتت أمهم، فورثوا عنها ولاءَ مواليها، وكان
٢٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٢) باب
(١٢٧٠) حديث
عمرو بن العاص عصبة بنيها، فأخرجهم إلى الشام، فماتوا، فقدم عمرو بن
العاص ومات مولاها، وترك مالاً، فخاصمه إخوتها إلى عمر - رضي الله عنه -،
فقال: قال رسول الله وَله: ما أحرز الوالد والولد فهو لعصبته من كان، رواه
أبو داود وابن ماجه(١)، والصحيح الأول، فإن الولاء لا يورث، وإنما يورث
به، وهو باقٍ للمعتق يرث به أقربُ عصباته.
وحديث عمرو بن شعيب غلط، قال حميد: الناس يُغَلِّطُون عمرو بن
شعيب في هذا الحديث، فعلى هذا لا يرث المولى العتيق من أقارب معتقه إلا
عصباته الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات، انتهى مختصراً.
وفي ((الشرح الكبير)) (٢): هذا قول أكثر أهل العلم يعني الولاء للكبر، قال
أحمد: روي هذا عن عمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود وابن عمر وأبي بن
كعب وأبي مسعود البدري وأسامة بن زيد، وبه قال عطاء وطاووس وسالم
والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي والزهري وقتادة ومالك والثوري
والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وداود كلهم قالوا: الولاء للكبر.
وتفسيره أنه يرث المعتق من عصبات سيده أقربهم إليه وأولاهم بميراثه
يوم موت العبد، وذهب شريح إلى أن الولاء موروثٌ كالمال يُؤْرَثُ عن
المعتق، فمن ملك شيئاً في حياته، فهو لورثته، وحكي ذلك عن عمر وعلي
وابن عباس وابن المسيب، وروي عن أحمد نحوه، والمشهور عنه مثل قول
الجمهور، اهـ.
وترجم البيهقي في ((صحيحه))(٣) ((باب الولاء للكبر من عصبة المعتق
(١) أخرجه أبو داود (٢٩١٧)، وابن ماجه (٢٧٣٢).
(٢) ((الشرح الكبير على المغني)) (٣٦٣/٧).
(٣) هكذا في الأصل، والظاهر سننه (٣٠٣/١٠).
٢٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
(١٣) باب ميراث السائبة وولاء من أعتق اليهوديّ والنصرانيّ
وهو الأقرب فالأقرب منهم بالمعتق))، وذكر فيه الآثار المذكورة في
((الموطأ))، وأخرج أيضاً عن سعيد بن المسيب أن عمر وعثمان قالا:
الولاء للكبر، ثم ترجم ((باب من قال: من أحرز الميراث أحرز الولاء))،
وذكر فيه الآثار المختلفة، وحديث عمرو بن شعيب المذكور، ثم قال:
ومرسل ابن المسيب عن عمر - رضي الله عنه - أصحّ من حديث عمرو بن
شعيب، وليس في هذا الحديث المرفوع أن النبي ◌ّر، قال ذلك في
الولاء، اهـ.
وفي ((البدائع)) (١): روينا عن النجباء السبعة أنهم قالوا: الولاء للكبر،
فاتفاقهم على هذا اللفظ دليل على سماعهم ذلك عن رسول الله وَّير مع ما أن
هذا حكم لا يدرك بالقياس، فإن لم يكن فقد ظهرت الفتوى بينهم، ولم يظهر
لهم فيها مخالف، فيكون إجماعاً، ومعنى قولهم: الولاء للكبر أي للأقرب أي
أقرب العصبة إلى المعتق، اهـ.
قال السرخسي: زعم بعض العلماء بظاهر هذا اللفظ أن الولاء لأكبر بني
المعتق بعده، وقال: الأكبر قائم مقام الأب في الذبِّ عن العشيرة،
ورسول الله وَالر قدّم الأكبر بقوله: ((الكبر))، فيقدم أكبر البنين في استحقاق
الولاء لهذا، والمذهب عندنا أن المراد بالأكبر الأقرب، اهـ.
(١٣) ميراث السائبة
فاعلة من ساب، إذا جرى على وجه الأرض قال: ساب الماء وسابت
الحية، فالسائبة هي التي تركت حتى تسيب إلى حيث شاءت بمعنى مسيبة
كـ((عِيْشة راضية)) بمعنى مرضية، وهي أن يقول لعبده: أنت سائبة يريد به العتق،
ولا خلاف في جوازه ولزومه، وإنما كره مالك العتق بلفظ سائبة، لاستعمال
(١) ((بدائع الصنائع)) (٦٤٣/٣).
٢٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
الجاهلية لها في الأنعام، ولقوله: إنه أمرٌ تركه الناس، وتركوا العمل به، قاله
الزرقاني(١) .
وقال الباجي(٢): روى في ((العتبية)) أصبغ عن ابن القاسم أكره عتق
السائبة؛ لأنه كهبة الولاء، وقال عيسى عنه: أكرهه وأنهى عنه، قال أصبغ
وسحنون: لا تعجبنا كراهته لذلك، وهو جائز، كما يعتق عن غيره، اهـ.
وقال الموفق(٣): ألفاظ العتق تنقسم إلى صريح وكناية، فالصريح لفظ
الحرية والعتق، وما تصرف منهما، والكناية نحو قوله: لا سبيل لي عليك،
وأنت سائبة؛ واذهب حيث شئت، فهذا إن نوى به العتق عتق؛ لأنه يحتمله،
وإن لم ينوه لم يعتق؛ لأنه يحتمل غيره، اهـ.
وكان هذا من دأب الجاهلية، وهدمها الإسلام، وأخرج البخاري في
((صحيحه) (٤) عن هزيل عن عبد الله قال: إن أهل الإسلام لا يُسَيِّبُون، وأهل
الجاهلية يُسَيِّبُون، قال الحافظ(٥): هذا طرف من حديث، أخرجه الإسماعيلي
بتمامه، ولفظه قال: جاء رجل إلى عبد الله، فقال: إني أعتقت عبداً لي سائبة،
فمات، فترك مالاً، ولم يدع وارثاً، فقال عبد الله، وذكر حديث الباب، وزاد
أنت ولي نعمته، فلك ميراثه، فإن تأثمت أو تحرجت في شيء، فنحن نقبله،
ونجعله في بيت المال.
وأخرجه البيهقي(٦) بسنده فقال: جاء رجل إلى عبد الله يعني ابن مسعود،
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠٠/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٦/٦).
(٣) («المغني)) (٣٤٥/١٤).
(٤) ح (٦٧٥٣).
(٥) «فتح الباري)) (٤٠/٥).
(٦) ((السنن الكبرى)) (٣٠٠/١٠)، وانظر ((التمهيد)) (٧٩/٣).
٢٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
فقال: إني أعتقت غلاماً لي، وجعلته سائبة، فذكره، وحكى عن الشافعي أن
العتق ماضٍ، وله ولا ؤه.
وفي ((الهداية))(١): إذا شرط أنه سائبة، فالشرط باطل، والولاء لمن
أعتق، وعُلِم من هذا كله أن العتق في السائبة صحيح لازم عند الأربعة، ومن
كرهه وأنكره إنما كرهه، لأنه من أعمال الجاهلية، ولذا قال ابن مسعود: إن
أهل الإسلام لا يسيبون.
وولاء من أعتق اليهودي والنصراني
قال الموفق(٢): أجمع أهل العلم على أن السيد يرث عتيقه إذا مات
جميعَ ماله إذا اتفق دينهما، ولم يخلف وارثاً سواه؛ لقوله وَله: ((الولاء لحمة
كلحمة النسب)) والنسب يورث به، كذلك الولاء، وإن اختلف دين السيد
وعتيقه، فالولاء ثابت، لا نعلم فيه خلافاً؛ لعموم قوله وَله: ((الولاء لمن
أعتق))، وقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))، ولأن الولاء إنما يثبت له عليه
لإنعامه بإعتاقه، وهذا المعنى ثابت مع اختلاف دينهما .
وهل يرث السيد مولاه مع اختلاف الدين؟ فيه روايتان: إحداهما: يرثه
روي ذلك عن علي وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أهل الظاهر، وقال مالك:
يرث المسلم مولاه النصراني؛ لأنه يصلح له تملكه، ولا يرث النصراني مولاه
المسلم؛ لأنه لا يصلح له تملكه، وجمهور العلماء على أنه لا يرثه مع اختلاف
دينهما، لقول النبي وّلجر: ((لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم))؛ ولأنه
ميراث، فيمنعه اختلاف الدين كميراث النسب، ولأن اختلاف الدين مانع من
الميراث، فمنع الميراث بالولاء كالقتل، والرق يحققه أن الميراث بالنسب
أقوى، فإذا منع الأقوى فالأضعف أولى.
(١) (٢٦٧/٢).
(٢) («المغني)) (٢١٥/٩).
٢٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
ولأن النبي ◌َّيه ألحق الولاء بالنسب بقوله: ((الولاء لحمة كلحمة النسب))
فكما يمنع اختلاف الدين التوارث مع صحة النسب وثبوته، كذلك يمنعه مع
صحة الولاء وثبوته، فإذا اجتمعا على الإسلام، توارثا، وهذا أصح في الأثر
والنظر، فإن كان للسيد عصبة على دين العبد ورثه دون سيده، وقال داود: لا
يرث عصبته مع حياته، ولنا، أنه بمنزلة ما لو كان الأقربُ من العَصَبة مخالفاً
لدين الميت، والأبعدُ على دينه ورث دون القريب، انتهى.
وفي (البدائع)) (١): الولاء للمعتق سواء كان المعتق والمعتق مسلمين أو
كافرين، أو كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً لوجود السبب وعموم الحديث،
إلا أنه لا يرثه لانعدام شرط الإرث وهو اتحاد الملة، قال النبي وَل : (لا
يتوارث أهل ملتين)) ويجوز أن يكون الولاء ثابتاً لإنسان، ولا يرث به لانعدام
شرط الإرث، حتى لو أسلم الذمي منهما قبل موت المعتق يرث به لتحقق
الشرط، وكذا لو كان للذمي الذي هو معتق العبد المسلم عصبة من المسلمين،
بأن يكون له عم مسلم أو ابن عم مسلم، فإنه يرث للولاء؛ لأن الذمي يجعل
بمنزلة الميت، وإن لم يكن له عَصَبةٌ من المسلمين يُرَدُّ إلى بيت المال، انتهى.
وقال الدردير(٢): الولاء لمعتق إلا كافراً أعتق مسلماً سواء ملكه مسلماً
أو أسلم عنده، فلا ولاء للكافر على المسلم، بل ولاؤه للمسلمين، ولا يعود
له إن أسلم على المذهب، عكس ما لو أعتق المسلم كافراً، كما في «المدونة»
ففيها: إن أعتق المسلم كافراً فماله لبيت مال المسلمين، إن لم يكن للمسلم
قرابة على دينه، أي فإن كان له قرابة كفار، فالولاء لهم، وينبغي ما لم يسلم
العبد، فإن أسلم عاد الولاء لسيده المسلم.
(١) ((بدائع الصنائع)) (٦٣٩/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤١٦/٤).
٢٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
قال الدسوقي: قوله: بل ولاؤه للمسلمين المراد بالولاء ههنا بمعنى
الميراث، لا بمعنى اللُّحمة، إذ هو ثابت لمن أعتق ولو كافراً، ولا يلزم من
انتقال المال انتقالها، وقوله: فإن أسلم عاد الولاء، لعل الفرق بين عوده في
هذه وعدم عوده في مسألة المصنف بإسلام سيده، قوة الإسلام الأصل في هذه
دون الأول، انتهى.
وقال ابن رشد(١): اختلف العلماء في ولاء العبد المسلم إذا أعتقه النصراني
قبل أن يباع عليه لمن يكون؟ فقال مالك وأصحابه: ولاؤه للمسلمين فإن أسلم
مولاه بعد ذلك لم يعد إليه ولاؤه ولا ميراثه، وقال الجمهور: ولاؤه لسيده، فإن
أسلم كان له ميراثه، وعمدة الجمهور أن الولاء كالنسب، وأنه إذا أسلم الأب بعد
إسلام الابن أنه يرثه، فكذلك العبد، وأما عمدة مالك فعموم قوله عز اسمه: ﴿وَلَن
يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ وأما إذا وجب له الولاء يوم العتق، ثم طرأ
عليه مانع من وجوبه، فلم يختلفوا أنه إذا ارتفع ذلك المانع أنه يعود الولاء له.
ولذلك اتفقوا أنه إذا أعتق النصراني الذمي عبده النصراني قبل أن يسلم
أحدهما، ثم أسلم العبد أن الولاء يرتفع، فإن أسلم المولى عاد إليه، وإن
كانوا اختلفوا في الحربي يعتق عبده، وهو على دينه، ثم يخرجان إلينا
مسلمين، فقال مالك: هو مولاه يرثه، وقال أبو حنيفة: لا ولاء بينهما، وللعبد
أن يوالي من شاء على مذهبه في الولاء والتحالف، وخالف أشهب مالكاً.
فقال: إذا أسلم العبد قبل المولى لم يعد إلى المولى ولاؤه أبداً، وقال
ابن القاسم: يعود وهو معنى قول مالك؛ لأن مالكاً يعتبر وقت العتق، وهذه
المسائل كلها هي مفروضة في القول لا تقع بعد، فإنه ليس من دين النصارى
أن يسترقّ بعضهم بعضاً، ولا من دين اليهود فيما يعتقدونه في هذا الوقت،
ويزعمون أنه من ملكهم، انتهى.
(١) ((بداية المجتهد)) (٢/ ٣٦٣).
٣٠

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
(١٢٧١) حديث
٢٥/١٢٧١ - وحدّثني مَالِكٌ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنِ
السَّائِبَةِ؟ فَقَالَ: يُؤَالِي مَنْ شَاءَ. فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يُوَالِ أَحَداً، فَمِيرَاتُهُ
لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَقْلُهُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: إِنَّ أَحْسَنَ مَا سُمِعَ فِي السَّائِبَةِ أَنَّهُ لَا يُوَالِي أَحَداً .
وَأَنَّ مِيرَاثَهُ لِلْمُسْلِمِينَ. وَعَقْلَهُ عَلَيْهِمْ.
١٢٧١/ ٢٥ - (مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن) ولاء (السائبة)
تقدم تفسير باقي الترجمة (فقال) الزهري: (يوالي من شاء فإن مات) العتيق سائبةً
(ولم يُوالِ أحداً فميراثه للمسلمين وعقله) أي ديته (عليهم) أي على المسلمين،
وهذا أحد المذاهب الآتية في ميراث السائبة، ولم يختر الإمام مالك قول
الزهري بتمامه، فإنه لم يقل بأنه يوالي من شاء، ولذا تعقبه بقوله:
(قال مالك: إن أحسن ما سمع) مالك عَبَّرَ بالغائب، ويحتمل ببناء
المجهول (في السائبة أنه لا يُؤَالي أحداً، وأن ميراثه للمسلمين وعقله عليهم) قال
الزرقاني(١): وإليه ذهب مالك وجماعة من أصحابه وكثير من السلف، وقال
ابن الماجشون وابن نافع والشافعي: ولاؤه لمعتقه، انتهى(٢).
وقال الخرقي(٣): من أعتق سائبة لم يكن له الولاء، فإن أخذ من ميراثه
شيئاً ردّه في مثله.
وفي ((المغني)) و(الشرح الكبير)): أن لأحمد في ذلك روايتين. إحداهما
وهو المنصوص عنه: أنه لا ولاء له عليه، وما رجع من ميراثه رده في مثله،
يشتري به رقاباً يُعتقُهم لرواية ابن عمر أنه أعتق عبداً سائبة فمات، فاشترى
ابن عمر - رضي الله عنه - بماله رقاباً، فأعتقهم. والرواية الثانية عن أحمد: أن
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٠٠/٤).
(٢) وسيأتي الكلام على عقل السائبة في محله.
(٣) «المغني)) (٢٢١/٩).
٣١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
(١٢٧١) حديث
الولاء للمعتق، وهو قول الشعبي والنخعي وابن سيرين وراشد بن سعد
وضمرة بن حبيب والشافعي وأهل العراق؛ لقوله {وَالر: ((الولاء لمن أعتق))،
وقالا: لعل أحمد ذهب إلى شراء الرقاب استحباباً لفعل ابن عمر، والقول
بثبوت الولاء للمعتق أصحّ في الأثر والنظر. وقال عمر بن عبد العزيز والزبير
ومالك وأبو العالية ومكحول: يجعل ولاؤه لجماعة المسلمين.
وعن عطاء كنا نعلم إذا قال: أنت حر سائبة، يوالي من شاء، وتقدم في
أول الباب عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال لمن أعتق سائبة: ((أنت
ولي نعمته، فإن تأثمتَ وتحرجّتَ فنحن نقبله، ونجعله في بيت المال)) وروي
عن عطاء أن طارق بن المرقع أعتق سوائب، فماتوا، فكتب إلى عمر - رضي الله
عنه - فكتب عمر - رضي الله عنه - أن ادفع مال الرجل إلى مولاه، فإن قبله
وإلا فاشتر به رقاباً، فأعتقهم عنه، وعن منصور أن عمر وابن مسعود قالا في
ميراث السائبة: هو الذي أعتقه، كذا في ((المغني)).
وقال ابن رشد (١): اختلفوا فيمن أعتق سائبة، فقال مالك: ولاؤه وعقله
للمسلمين، وجعله بمنزلة من أعتق عن المسلمين، إلا أن يريد به معنى العتق
فقط، فيكون ولاؤه له، وقال الشافعي وأبو حنيفة: ولاؤه للمعتق على كل
حال، وبه قال أحمد وداود وأبو ثور، وقالت طائفة: له أن يجعل ولاءه حيث
شاء، وإن لم يوال أحداً كان ولاؤه للمسلمين، وبه قال الليث والأوزاعي،
وكان إبراهيم والشعبي يقولان: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته، ولا أعرف
لهما حجة، انتھی.
وتقدم في أول الباب عن ((الهداية)) أن ولاءه لمعتقه والشرط باطل، وقال
محمد في ((موطئه))(٢): قال رسول الله وَله في الحديث المشهور: ((الولاء لمن
(١) ((بداية المجتهد)) (٣٦٣/٢).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٢٢/٣).
٣٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
(١٢٧١) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ عَبْدُ أَحَدِهِمَا فَيُعْتِقُهُ
قَبْلَ أَنْ يُبَاعَ عَلَيْهِ :
أعتق))، وقال ابن مسعود: لا سائبة في الإسلام، ولو استقام أن يُعْتِقِ الرجل
سائبة، فلا يكون لمن أعتقه ولاؤه لاستقام لمن طلب من عائشة أن تُعتق،
ويكون الولاء لغيرها، فقد طلب ذلك منها، فقال رسول الله وَله: ((الولاء لمن
أعتق)) وإذا استقام أن لا يكون لمن أعتق ولاء استقام أن يُسْتَثْنى عنه الولاء،
فيكون لغيره، واستقام أن يهب الولاء ويبيعه، وقد نهى رسول الله بَ ل عن بيع
الولاء وهبته والولاء عندنا بمنزلة النسب، وهو لمن أعتق إن أعتق سائبة أو
غيرها، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.
وقال العيني(١): اختلف العلماء في ميراث السائبة، فقال الكوفيون
والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: ولاؤه لمعتقه، وقالت طائفة: ميراثه
للمسلمين، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وربيعة
وأبي الزناد، وهو قول مالك وهو مشهور مذهبه، انتهى. وأخرج البيهقي في
((سننه)) الآثار المختلفة في ذلك.
(قال مالك في اليهودي والنصراني يسلم عبد أحدهما) بطريق الفرض يعني
لو وجد لما تقدم في كلام ابن رشد أنه ليس من مذهبهما الاستعباد (فيعتقه قبل
أن يباع عليه) قال الباجي(٢): يقتضي أنه يباع عليه إن لم يخرجه عن ملكه،
ووجه ذلك أنه لا يجوز استرقاق كافر مسلماً، رُوي عن النبي ◌َّ أنه قال:
((المسلم أخو المسلم لا يثلمه، ولا يظلمه))، وليس حين أثلمه له أعظم من أن
يسلمه إلى استرقاق الكافر، انتهى.
وقال ابن الهمام: إذا اشترى الكافر عبداً مسلماً يجبر على إخراجه عن
ملكه بالبيع، فإن فعل، وإلا باعه القاضي عليه، ودفع ثمنه إليه، انتهى.
(١) ((عمدة القاري)) (٣٥/١٦).
(٢) ((المنتقى)) (٢٨٧/٦).
٣٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
(١٢٧١) حدیث
إِنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ لِلْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ أَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ
بَعْدَ ذُلِكَ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ أَبَداً .
قَالَ: وَلْكِنْ إِذَا أَعْتَقَ الْيَهُودِيُّ أَوِ النَّصْرَانِيُّ عَبْدَاً عَلَى دِينِهِمَا .
ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ الْيَهُودِي أَوِ النَّصْرَانِيُّ الَّذِي أَعْتَقَهُ. ثُمَّ
أَسْلَمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ. رَجَعَ إِلَيْهِ الْوَلَاءُ. لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ ثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ يَوْمَ
أَعْتَقَهُ.
(إن ولاء العبد المعتق) بفتح التاء (للمسلمين) وتقدم الخلاف في ذلك في
ترجمة الباب (فإن أسلم) السيد (اليهودي أو النصراني بعد ذلك) أي بعد عتقه
(لم يرجع إليه الولاء أبداً).
قال الباجي(١): وذلك أن العتق وقع في وقت يمنع ثبوت الولاء افتراق
الدينين؛ لأنه لا يثبت ولاء مسلم للكافر، قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ
الُْهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَةٌ﴾ الآية، فإذا أعتق الكافر المسلم، ولم يصح ثبوت الولاء
للكافر، ولا بد من الولاء لم يكن له موضع يرجع إليه إلا إلى جماعة
المسلمين، فيثبت ولاؤه لهم، لقوله تعالى: ﴿وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ
.
ج
بعضٍ
(قال) مالك: (ولكن إذا أعتق اليهودي أو النصراني عبداً) يكون (على
دينهما) وصار ولاؤه للسيد لاتحاد دينهما (ثم أسلم المعتق) بفتح التاء (قبل أن
يسلم) السيد (اليهودي أو النصراني الذي أعتقه) وصار ولاؤه للمسلمين (ثم أسلم
الذي أعتقه رجع إليه) أي إلى السيد (الولاء) عن المسلمين (لأنه قد كان ثبت له
الولاء) أولاً (يوم أعتقه) لاتحاد دينهما، وحيل بينهما إسلام العبد، فلما أسلم
السيد أيضاً زال المانع.
قال الباجي: يريد أن النصراني إن أعتق عبده النصراني، فقد ثبت له
(١) ((المنتقى)) (٢٨٧/٦). وراجع ((الاستذكار)) (٢٢٧/٢٣) أيضاً.
٣٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
(١٢٧١) حدیث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ لِلْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ وَلَدٌ مُسْلِمٌ، وَرِثَ
مَوَالِي أَبِيهِ الْيَهُودِيِّ أَوِ النَّصْرَانِيِّ، إِذَا أَسْلَمَ الْمَوْلَى الْمُعْتَقُ. قَبْلَ أَنْ
يُسْلِمَ الَّذِي أَعْتَقَهُ.
الولاء لاتفاق الدينين، فإن أسلم أحدهما ثم مات المعتق لم يرثه المعتق
لاختلاف الدينين، وذلك معنى يمنع التوارث مع النسب، وكذلك مع الولاء،
ولو جمعهما الإسلام بعد العتق، ثم مات لورثه المعتق لاجتماعهما في الدين،
ولا يمنع من ذلك افتراقهما في الدين بعد ثبوت الولاء، كما لا يمنع من ذلك
افتراقهما في الدين بعد ثبوت النسب إذا كانوا مسلمين يوم التوارث.
فالمراعى في ثبوت الولاء يوم العتق أن يكونا على دين واحد، لا يُبالى
أي دين كان من إيمان أو كفر، والمراعى في استحقاق الميراث يوم الموت،
انتھی .
(قال مالك: وإن كان لليهودي أو النصراني) المذكور في القول السابق
(ولد مسلم) وقد أعتق أبوه عبداً على دينه (ورث) بصيغة الماضي جزاء لقوله:
وإن كان (موالي أبيه اليهودي أو النصراني إذا أسلم المولى المعتق) بفتح التاء
(قبل أن يسلم) السيد اليهودي أو النصراني (الذي أعتقه) والسيد والعتيق كلاهما
كافران يوم العتق، فثبت للسيد الولاء لاتحاد دينهما يوم العتق.
قال الباجي(١): يريد أن الكافر إذا أعتق عبده الكافر ثبت له الولاء على
ما تقدم، فإذا أسلم المعتق بعد ذلك، ثم مات ولمعتقه ولد مسلم، ورثه الولد
المسلم؛ لأنه قد وجد حال العتق ما يوجب ثبوت الولاء من اتفاق دين المعتِق
والمعتَق، ثم وجد يوم التوارث اتفاق دين الوارث، وهو ولد المعتق ودين
الموروث، وكان المعتق لكفره لا يرث المعتق المسلم، ولا يحجب أحداً عن
میراثه، كما لو مات، فإن ولده يرث من ثبت له ولاؤه، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٧٨/٦).
٣٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٣) باب
(١٢٧١) حدیث
وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ، حِينَ أُعْتِقَ، مُسْلِماً. لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِ النَّصْرَانِيِّ أَوِ
الْيَهُودِيِّ الْمُسْلِمَيْنِ، مِنْ وَلَاء الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ. لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْيَهُودِيِّ
وَلَا لِلنَّصْرَانِيِّ وَلَاءٌ، فَوَلَاءُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.
(وإن كان المعتق) بفتح التاء (حين أعتق) ببناء المجهول (مسلماً) والسيد
الذي أعتقه كافر (لم يكن لولد النصراني أو اليهودي المسلمَيْن) بلفظ التثنية صفة
للولدين باعتبار المضاف إليه كما في أكثر النسخ، وفي نسخة هندية ((المسلم))
بالإفراد صفة للولد باعتبار اللفظ (من ولاء العبد المسلم شيء؛ لأنه ليس
لليهودي ولا للنصراني) السيد (ولاء) اسم ليس؛ لأن السيد كافر، والعتيق
مسلم، فاختلف دينهما، فلا يثبت للسيد الولاء لاختلاف الدين.
وإذا لم يثبت له الولاء، فلا يَنْجَرُّ الميراث إلى ولده المسلم؛ لأن انجرار
الميراث إليه فرع لثبوت الولاء لوالده، ولم يثبت له لكفره (فولاء) هذا (العبد
المسلم) في هذه الصورة (لجماعة المسلمين) وهذه الفروع كلها على مذهب
الإمام مالك، إذ شرط لثبوت الولاء اتحاد دين المعتق والعتيق في القول
المشهور، والجمهور على أنه يثبت له الولاء مع اختلاف الدين، وعلى هذا،
فيثبت الإرث عندهم لولده المسلم، فإن الأب الكافر لا يرث، ولا يحجب،
كما تقدم في أول الباب.
٣٦

٣١ - كتاب المكاتب
بسم الله الرحمن الرحيم
٣١ - كتاب المكاتب
(٣١) كتاب المكاتب
قال الحافظ(١): هو بالفتح من تقع له الكتابة، وبالكسر من تقع منه،
وكاف الكتابة تكسر وتفتح، قال الراغب: اشتقاقها من كتب بمعنى أوجب،
ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
كِتَبًا مَوْقُوتًا﴾ أو بمعنى جمع وضم، ومنه كتبت الخط، وعلى الأول تكون
مأخوذة من معنى الالتزام، وعلى الثاني تكون من الخط لوجودها عند عقدها
غالباً، قال الروياني: الكتابة إسلامية، ولم تكن تعرف في الجاهلية، كذا قال،
وكلام غيره يأباه.
ومنه قول ابن التين: كانت الكتابة متعارفة قبل الإسلام، فأَقَّرَّهَا وَلَتِه
وقال ابن خزيمة في كلامه على حديث بريرة: قيل: إن بريرة أول مكاتبة في
الإسلام، وقد كانوا يُكاتبون في الجاهلية بالمدينة، وأول من كوتب من الرجال
في الإسلام سلمان، وحكى ابن التين أن أول من كوتب أبو المؤمل، فقال
النبي وَل: ((أعينوه)) وأول من كوتب بعد النبي و لر أبو أمية مولى عمر -
رضي الله عنه -، ثم سيرين مولی أنس.
واختلف في تعريف الكتابة، وأحسنه: تعليق عتق بصفة على معاوضة
مخصوصة، والكتابة خارجة عن القياس عند من يقول: إن العبد لا يملك،
وهي لازمة من جهة السيد إلا إن عجز العبد، وجائزة له على الراجح من أقوال
العلماء فيها، اهـ.
وقال الموفق(٢): الكتابة إعتاق السيد عبده على مالٍ في ذمِّته يؤدى
(١) ((فتح الباري)) (١٨٤/٥).
(٢) ((المغني)) (١٤ /٤٤١).
٣٧

٣١ - كتاب المكاتب
مؤجلاً، سُمّيت بها؛ لأن السيد يكتب بينه وبينه كتاباً بما اتفقا عليه، وقيل:
هي من الكتب، وهو الضم؛ لأن المكاتب يضم بعض النجوم إلى بعض،
والنجوم ههنا الأوقات المختلفة، لأن العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنما
تعرف الأوقات بطلوع النجوم، اهـ.
وقال الدردير(١): المكاتب مأخوذ من الكتاب بمعنى الأجل المضروب،
كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَلَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أي أجل، أو من الكتب بمعنى
الإلزام، كما في قوله تعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةٌ﴾ أي ألزم
نفسه، والعبد التزم لسيده أداء النجوم، وهي شرعاً عرفها ابن عرفة بقوله: عتق
على مالٍ مؤجلٍ من العبد موقوف على أدائه، فخرج ما على مالٍ معجل فقطاعة
ومؤجل على أجنبي، وما لم يكن على مال أصلاً، كالعتق المبتل، والذي
لأجلِ، والتدبير، قال الدسوقي: قوله: فقطاعة، أي فهي مغايرة للكتابة، ولذا
قال في ((المدونة)): لا يجوز كتابة أم الولد، ويجوز عتقها على مالٍ معجل،
اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (٢): الكتابة تحرير المملوك يداً حالاً ورقبة مآلاً،
يعني عند أداء البدل، حتى لو أداه حالاً عتق حالاً، قال ابن عابدين: قوله:
يداً أي تصرفاً في البيع والشراء ونحوهما، ثم ذكر الفرق بين الكتابة، وتعليق
العتق بوجوه.
وبسط ابن الهمام(٣) في وجوه الفرق بينهما، وذكر أحد عشر وجهاً، وزاد
عليه صاحب ((البحر)) ثلاثة أخرى، فصارت أربعة عشر وجهاً للفرق بينهما.
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٨٨/٤).
(٢) (٣٨٦/٦).
(٣) انظر: ((فتح القدير)) (١١١/٨).
٣٨

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٢) حديث
(١) باب القضاء في المكاتب
١/١٢٧٢ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَّهُ
كَانَ يَقُولُ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ شَيْءٌ .
قد ورد مرفوعاً عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عن النبيّ وَّد.
أخرجه أبو داود في: ٢٨ - كتاب العتق، ١ - باب في المكاتب.
وابن ماجه في: ١٩ - كتاب العتق، ٣ - باب الكاتب.
بسم الله الرحمن الرحيم
هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية بتأخير التسمية عن الكتاب إلا
في نسخة الباجي، ففيها تقديم التسمية على الكتاب.
(١) القضاء في المكاتب
أي الحكم فيه من أنه متى يكون حراً وإلى متى يكون عبداً
١/١٢٧٢ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أنه
كان يقول) هكذا في النسخ الهندية، وكذلك في ((موطأ محمد)»، وسياق النسخ
المصرية عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يقول: (المكاتب عبد ما) بمعنى ما
دام (بقي عليه من كتابته شيء) ولو كان الباقي شيئاً قليلاً، وقد رواه ابن أبي شيبة
وغيره عنه بلفظ: ((المكاتب عبد ما بقي عليه درهم))، وذكره البخاري تعليقاً
قال: قال ابن عمر: هو عبد إن عاش وإن مات وإن جنى ما بقي عليه شيء،
وقد روي مرفوعاً عند أبي داود(١) والنسائي وغيرهما، وصححه الحاكم عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي وَ لجر قال: ((المكاتب عبد ما بقي
عليه من كتابته درهم)).
(١) أخرجه أبو داود (٣٩٢٦).
٣٩

٣١ - كتاب المكاتب
(١) باب
(١٢٧٣) حديث
٢/١٢٧٣ - وحدّثني مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ؛ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ،
وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ، كَانَا يَقُولَانِ: الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ
كِتَابَتِهِ شَيْءٌ .
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ رَأْيِي.
٢/١٢٧٣٠ - (مالك أنه بلغه أن عروة بن الزبير وسليمان بن يسار كانا
يقولان: المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء) وأخرج البخاري في
((صحيحه) تعليقاً، قالت عائشة: هو عبد ما بقي عليه شيء، وقال زيد بن
ثابت: ما بقي عليه درهم، وذكر وصلهما الحافظ في ((الفتح))(١)، وأخرجه
البيهقي عدة آثار في ذلك.
(قال مالك: وهو رأيي) يعني هو المرجح عندي، وكان في ذلك خلاف
في السلف، قال الموفق(٢): إنه لا يعتق قبل أداء جميع الكتابة، وقد رُوي عن
عمر، وابنه، وزيد بن ثابت، وعائشة، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم
قالوا: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، رواه عنهم الأثرم، وبه قال القاسم
وسالم وسليمان بن يسار وعطاء وقتادة والثوري وابن شبرمة ومالك والأوزاعي .
والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن أم سلمة، وروى سعيدٌ
بإسناده عن أبي قلابة، قال: كُنَّ أزواج النبي ◌َّ لا يحتجبن من مكاتبٍ ما بقي
علیه دينار.
وذكر أبو بكر والقاضي وأبو الخطاب أنه إذا أدى ثلاثة أرباع الكتابة،
وعجز عن ربعها عتق؛ لأنه يجب رده إليه، فلا يرد إلى الرق بعجزه عنه؛ لأنه
عجز عن أداء حق هو له، لا حق للسيد، فلا معنى لتعجيزه فيما يجب ردّه
إليه، وقال علي - رضي الله عنه -: يعتق منه بقدر ما أدّى لما رُوي عن
(١) (فتح الباري)) (١٩٤/٥).
(٢) ((المغني)) (١٤/ ٤٥٢).
٤٠