Indexed OCR Text

Pages 641-660

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٧) باب
(١٢٥٨) حديث
وَلَا أَعْمَى.
وإن مات السيد قبل الوقت كانت حرة عند الوقت من رأس المال، وقد روي
عن أحمد: أنه لا يطأها؛ لأن ملكه غير تام عليها، والأول أصح لما روي عن
أبي ذر أنه قال لعبده: أنت عتيق إلى رأس الحول، فلولا أن العتق يتعلق
بالحول لم يعلقه عليه لعدم فائدته.
ولا يلزم المكاتبة؛ لأنها اشترت نفسها من سيدها بعوض، وزال ملكه
عن إكسابها، فإذا جاء الوقت وهو في ملكه عتق بغير خلاف نعلمه، وإن خرج
عن ملكه ببيع أو ميراث أو هبة لم يعتق، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال
النخعي وابن أبي ليلى: إذا قال لعبده: إن فعلت كذا فأنت حر، فباعه بيعاً
صحيحاً، ثم فعل ذلك الفعل، عتق وانتقض البيع، وعامة أهل العلم على
خلاف هذا القول؛ لأن النبي ونَ ﴾ قال: ((لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك))،
ولأنه لا ملك له فلم یقع عتاقه، انتهى.
(ولا أعمى) قال الموفق (١): لا يجزئه إلا رقبة سالمة من العيوب المُضِرَّة
بالعمل ضرراً بَيِّناً، فلا يجزئه الأعمى؛ لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع،
ولا المقعد ولا مقطوع اليدين أو الرجلين، وبهذا كله قال مالك والشافعي
وأبو ثور وأصحاب الرأي، وحكي عن داود أنه جوَّز كل رقبة يقع عليها الاسم
أخذاً بإطلاق الاسم، ولنا، أن هذا نوع كفارة، فلم يجزئ ما يقع عليه الاسم
كالإطعام، فإنه لا يجزئ أن يطعم مُسَوَّساً ولا عفناً، وإن كان يسمى طعاماً،
والآية مقيدة بما ذكرنا، انتهى.
وفي (البدائع))(٢): ومنها أي من شرائط الجواز، أن تكون كاملة الذات،
وهو أن لا يكون جنس من أجناس منافع أعضائها فائتا؛ لأنه إذا كان كذلك
(١) ((المغني)) (١١/ ٨٢).
(٢) ((بدائع الصنائع)) (٢٧٠/٤).
٦٤١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٧) باب
(١٢٥٨) حديث
وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْتَقَ النَّصْرَانِيُّ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ. تَطَوُّعاً لِأَنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَإِمَّا مَنَّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ فَالْمَنُّ الْعَتَاقَةُ.
كانت الذات هالكة من وجه، فلا يكون الموجود تحرير رقبة مطلقة، وعلى هذا
يخرج ما إذا أعتق عبداً مقطوع اليدين أو الرجلين أو زَمِناً أو أعمى، إلى آخر
ما بسطه.
(قال مالك) وألحقه في النسخ الهندية بما سبق (ولا بأس) أي يجوز (أن
يعتق النصراني واليهودي والمجوسي) وغيرها من الكفرة (تطوعاً) وهو إجماع،
قال ابن بطال: لا خلاف في جواز عتق المشرك تطوعاً، وإنما اختلفوا في عتقه
عن الكفارة، انتهى. كذا في ((الفتح))(١) و((العيني)).
وقال العيني(٢): عتق المسلم أفضل من عتق الكافر، وهو قول كافة
العلماء، وحكي عن مالك وبعض أصحابه: أن الأفضل عتق الرقبة النفيسة وإن
كان كافراً، وقال أيضاً: قد اختلف فيما إذا كان النصراني أو اليهودي أو
غيرهما أكثر ثمناً من المسلم، قال مالك: عتق الأعلى أفضل، وإن كان غير
مسلم، وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل، انتهى. وسيأتي في أول باب فضل
عتق الرقاب.
(لأن الله تبارك وتعالى) احتجَّ به على مدعاه من جواز عتق العبد الكافر
تطوعاً، وفي الاستدلال اختلاف مع أن المسألة إجماعية، كما تقدم (قال في
كتابه) في سورة محمد: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ خََّ إِذَا أَنْتَتُهُمْ فَشُدُّواْ
اَلْوَاقَ (﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ﴾) أي بعد شد الوثاق (﴿وَإِمَّا فِلَةٍ﴾)(٣) أي بمال أو بأسرى
المسلمين (فالمنّ العتاقة) هذا وجه الاستدلال بالآية، أي المن هو إطلاقه بلا
شيء وهو العتاقة.
(١) ((فتح الباري)) (١٦٩/٥).
(٢) ((عمدة القاري)) (٣١٤/٩).
(٣) سورة محمد: الآية ٤.
٦٤٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٧) باب
(١٢٥٨) حديث
قال الباجي(١): هذا كلام فيه تجوز؛ لأنه وإن كانت العتاقة نوعاً من
المن إلا أن اسم العتاقة أخص بما تقدم الملك عليه، واسم المن أخص بما
مِنّ عليه قبل تقرير الملك، وذلك أن أصحابنا قالوا: إن الإمام مخيّرٌ في
الأسرى بين خمسة أشياء: القتل، والفداء، والمن، والاسترقاق، أو عقد
الذمة، انتهى.
وقال الموفق(٢): إن من أُسِرَ من أهل الحرب على ثلاثة أضرب: أحدُها:
النساء والصبيان فلا يجوز قتلهم، ويصيرون رقيقاً للمسلمين بنفس السَّبْي؛
لأنه وَّ نهى عن قتل النساء والولدان، وكان وَلّ يسترقُّهم إذا سباهم. الثاني:
الرجال من أهل الكتاب والمجوس الذين يُقرّون بالجزية، فيخيّر الإمام فيهم بين
أربعة أشياء: القتل، أو المنُّ، أو المفاداة بهم، أو استرقاقهم. الثالث: الرجال
من عبدة الأوثان وغيرهم ممن لا يُقَرّ بالجزية، فيتخيَّرُ الإمام فيهم بين ثلاثة
أشياء: القتل، أو المنّ، والمفاداة، ولا يجوز استرقاقهم، وعن أحمد جواز
استرقاقهم وهو مذهب الشافعي، وبما ذكرنا في أهل الكتاب، قال الأوزاعي،
والشافعي، وأبو ثور، وعن مالك كمذهبنا، وعنه: لا يجوز المنّ بغير عوض؛
لأنه لا مصلحة فيه، وإنما يجوزُ للإمام فعل ما فيه المصلحة، وحكي عن
الحسن وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الأسرى، وقالوا: لو مَنّ عليه أو
فاداه، كما فعل بأسارى بدر، فخيّر بين هذين لا غير، وكان عمر بن عبد العزيز
وعياض بن عقبة يقتلان الأسرى، انتهى.
وفي ((البدائع))(٣): وأما الرقابُ فالإمام فيها بين خيارات ثلاثة، إن شاء
قتل الأسارى منهم، وهم الرجال المقاتلة، وسبى النساء والذراري، وإن شاء
(١) ((المنتقى)) (٢٧٧/٦).
(٢) («المغني)) (٤٤/١٣).
(٣) ((بدائع الصنائع)) (٩٣/٦).
٦٤٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٧) باب
(١٢٥٨) حديث
استرقّ الكل فخمّسهم وقسمهم؛ لأن الكل غنيمة إلا رجال مشركي العرب
والمرتدين، فإنهم لا يسترقّون عندنا، بل يقتلون أو يسلمون، وعند الشافعي -
رحمه الله - يجوز استرقاقهم، أما النساء والذراري منهم فيسترقون كما يسترق
نساء مشركي العجم وذراريهم، وإن شاء مَنّ عليهم وتركهم أحراراً بالذمة، كما
فعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - بسواد العراق، إلا مشركي العرب
والمرتدين، فإنه لا يجوز تركهم بالذمة وعقد الجزية، كما لا يجوز
بالاسترقاق، وليس للإمام أن يمنّ على الأسير، فيتركه من غير ذمة، لا يقتله
ولا يقسمه.
وهل للإمام أن يفادي الأسارى؟ أما بالمال فلا تجوز عند أصحابنا في
ظاهر الرواية، وقال محمد: مفاداة الشيخ الكبير الذي لا يُرْجَى له ولدٌ تجوزُ،
وعند الشافعي تجوز المفاداة بالمال كيفما كان، وأما مفاداة الأسير بالأسير،
فلا تجوز عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد تجوز، انتهى.
قال ابن الهمام(١): هذه إحدى الروايتين عن الإمام، وعنه أنه يُفادى
بهم، كقول أبي يوسف ومحمد والشافعي ومالك وأحمد إلا بالنساء، فإنه لا
تجوز المفاداة بهن عندهم، ومنع أحمد المفاداة بصبيانهم، وهذه رواية ((السير
الكبير))، قيل: وهو أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: تجوز
المفاداة بالأسارى قبل القسمة لا بعدها، وقال محمد: تجوز بكل حال،
انتھی .
وأما المجيزون بالمن والفداء استدلوا بآية الباب، وأجاب عنه المانعون
بأن قوله عز اسمه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾(٢) إلى قوله عز اسمه:
(١) ((فتح القدير)) (٢١٩/٥).
(٢) سورة التوبة: الآية ٢٩.
٦٤٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٧) باب
(١٢٥٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الرِّقَابُ الْوَاجِبَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي
الْكِتَابِ. فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ فِيهَا إِلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذْلِكَ فِي إِطْعَامِ الْمَسَاكِينِ فِي الْكَفَّارَاتِ. لَا
يَنْبَغِي أَنْ يُطْعَمَ فِيهَا إِلَّ الْمُسْلِمُون. ولَا يُطْعَمُ فِيهَا أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ
دِين الإِسْلَام.
﴿حَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ في سورة براءة، ولم يختلف أهل
التفسير ونقلة الأخبار أن سورة براءة نزلت بعد سورة محمد، فوجب أن يكون
الحكم المذكور فيها ناسخاً للفداء المذكور في غيرها، قاله الجصاص وغيره.
وفي ((البدائع))(١): ويحتمل أن تكون الآية في أهل الكتاب فيمن عليهم
بعد أسرهم على أن يصيروا كرة للمسلمين كما فعل رسول الله وَلّر بأهل خيبر،
أو ذمة كما فعل سيدنا عمر - رضي الله عنه - بأهل السواد ويسترقون، انتهى.
وفي ((المحلى)): المن العتاقة لا غير، وقد يفسر بعض الحنفية المنَّ بترك
القتال والاسترقاق، انتهى. وعلى تفسيرها بالعتاقة يكون المعنى، أي بعد
الاسترقاق، وعلى هذا يصح استدلال الإمام مالك - رضي الله عنه - أيضاً
بالآية.
(قال مالك: فأما الرقاب الواجبة التي ذكر الله تعالى) إياها (في الكتاب)
وهي كفارة الأيمان والقتل والظهار (فإنه لا يعتق فيها إلا رقبة مؤمنة) وتقدم
الكلام على ذلك.
(قال مالك: وكذلك في إطعام المساكين في الكفارات لا ينبغي) أي لا
يجوز (أن يطعم) ببناء المجهول (فيها إلا المسلمون ولا يطعم) ببناء المجهول
(فيها أحد) يكون (على غير دين الإسلام) على أي دين كان.
(١) ((بدائع الصنائع)) (٩٤/٦).
٦٤٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
(٨) باب عتق الحي عن الميت
قال الموفق(١): في شروط من تُدْفع إليهم الكفارةُ أن يكونوا مسلمين،
فلا يجوز صرفها إلى كافر ذمياً كان أو حربياً، وبذلك قال الحسن والنخعي
والأوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد، وقال أبو ثور وأصحاب
الرأي: يجوز دفعها إلى الذمي لدخوله في اسم المساكين، فيدخل في عموم
الآية، ولأنه مسكين من أهل دار الإسلام، فأجزأ دفع الكفارة إليه كالمسلم،
وروي نحو هذا عن الشعبي، وخرجه أبو الخطاب وجهاً في المذهب بناءً على
جواز إعتاقه في الكفارة، وقال الثوري: يعطيهم إن لم يجد غيرهم، انتهى.
وفي ((المحلى)): جاز دفع غير الزكاة إلى الذمي عند أبي حنيفة، ولو واجباً
كنذر وكفارة وفطرة، خلافاً لأبي يوسف، وبقوله يفتى، كذا في ((الدر))، انتهى.
(٨) عتق الحي عن الميت
قال ابن عبد البر: الصدقة والعتق كل منهما جائز عن الميت إجماعاً،
والولاء للمعتق عند مالك وأصحابه قاله الزرقاني(٢)، وهكذا حكى الإجماع
على ذلك الباجي، كما سيأتي في كلامه، وكذا غير واحد.
قال الموفق(٣): من أعتق عبده عن رجل حي بلا أمره أو عن ميت
فالولاء للمعتق. وهذا قول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة،
وأبي يوسف وداود، وروي عن ابن عباس أن ولاءه للمعتق عنه، وبه قال
الحسن، ومالك، وأبو عبيد، لأنه أعتقه عن غيره فكان الولاء للمعتَق عنه كما
لو أذن له، ولنا، قوله وَالر: ((الولاء لمن أعتق))، وإن أعتق عنه بأمره، فالولاء
للمعتق عنه، وهذا قول جميع من حكينا قوله في المسئلة الأولى إلا أبا حنيفة،
(١) ((المغني)) (٥٠٨/١٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٨/٤).
(٣) انظر: ((المغني)) (١٨٧/٧).
٦٤٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
ووافقه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وداود فقالوا: الولاء لمن يُعْتِقُ، إلا
أن يُعتقه عنه بعوضٍ، فيكون له الولاء، ويلزمه العوض، ويصيرُ كأنه اشتراه،
ثم وگَّلَه في إعتاقه.
أما إذا كان بغير عوض فلا يصح تقدير البيع، فيكون الولاء للمعتق
لعموم قوله وقال: ((الولاء للمعتق))، وعن أحمد مثل ذلك، ولنا، أنه وكيل في
الإعتاق، فكان الولاء للمعتق عنه كما لو أخذ عِوَضاً، وأنه كما يجوز تقدير
البيع إذا أخذ عوضاً، فإنه يجوز تقدير الهبة إذا لم يأخذ عوضاً، فإن الهبة
جائزة في العبد، انتهى.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): إذا أعتق الرجل عن حي أو ميت قريب
أو أجنبي بإذنه أو بغير إذنه، فالعتق جائز عن المعتق والولاء له دون المعتق عنه
في قول أبي حنيفة ومحمد، أما إذا كان بغير إذنه فهو قول الكل، لأنه ليس
لأحد ولاية إدخال الشيء في ملك غيره بغير رضاه سواء كان قريباً أو أجنبياً،
حياً أو ميتاً، فإنما ينطقه العتق على ملك المعتق، فيكون الولاء له، وهذا
بخلاف ما إذا تصدق الوارث عن مورثه، فإن ذلك يجزئه؛ لأن نفوذ الصدقة لا
يستدعي ملك من تكون الصدقة عنه، ولأنه بالتصدق عنه يكتسب له الثواب،
ولا يلزمه شيئاً، وبالعتق عنه يلزمه الولاء، للوارث أن يلزم مورثه الولاء بعد
موته بغير رضاه.
فأما إذا كان بإذنه فعلى قول أبي حنيفة ومحمد كذلك، لأن التمليك من
المعتق عنه بغير عوض لا يحصل إلا بالقبض ولم يوجد. وعلى قول أبي يوسف
يكون الولاء للمعتق عنه، انتهى.
وفي أضحية ((الهداية)) (١): إذا اشترى سبعة بقرة ليضحوا بها، فمات
(١) (٣٦٠/٢).
٦٤٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
.
أحدهم، وقالت الورثة: اذبحوها، عنه وعنكم أجزأه، لأن من شرطه أن يكون
قصد الكل قُرْبة، وقد وجد هذا الشرط، لأن التضحية عن الغير عرفت قُربة،
ألا ترى أنه ﴿٤﴾ ضَحَّى عن أمته، وهذا استحسان، والقياس أن لا يجوز، وهذا
رواية عن أبي يوسف، لأنه تبرّع بالإتلاف، فلا يجوز عن غيره كالإعتاق عن
الميت، لكنا نقول: القربة قد تقع عن الميت كالتصدق، بخلاف الإعتاق، لأن
فيه إلزام الولاء على الميت، انتهى.
وفي صوم ((الهداية)): من مات وعليه قضاء رمضان وأوصى به أطعم عنه
وليه، ولا بد من الإيصاء عندنا خلافاً للشافعي - رحمه الله -، وعلى هذا الزكاة
هو يعتبره بديون العباد، إذ كل ذلك حق ماليٌ تجري فيه النيابة، ولنا أنه عبادة
ولا بد فيه من الاختيار، وذلك في الإيصاء.
قال ابن الهمام(١): قوله: لا بد من الإيصاء أي في لزوم الإطعام على
الوارث، وعلى هذا الزكاة والعشر، ثم إذا أوصى فإنما يلزم الوارث إخراجُهما
إذا كانا يخرجان من الثلث، فإن زاد على الثلث لا يجب على الوارث، فإن
أخرج كان متطوعاً عن الميت، ويحكم بجواز إجزائه، ولذا قال محمد في تبرع
الوارث: يجزئه إن شاء الله، ويصحّ التبرع في الكسوة والإطعام لا الإعتاق،
لأن في الإعتاق بلا إيصاء إلزام الولاء على الميت، ولا إلزام في الكسوة
والإطعام، ثم قال: فإذا أوصى لا يجب عليه إلا بقدر الثلث إلا أن يتطوّع،
وعلى هذا دين صدقة الفطر والنفقة الواجبة والكفارات المالية والحج وفدية
الصيام والصدقة المنذرة والخراج والجزية، انتهى.
وقال الباجي(٢): إن العتق على الميت لا خلاف في جوازه، فأما عن
(١) ((فتح القدير)) (٢٧٨/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٢٧٧/٦).
٦٤٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
(١٢٥٩) حديث
١٣/١٢٥٩ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ
الْأَنْصَارِيِّ؛
الحي فقد قال مالك وابن القاسم: من أعتق عن رجل فيما لزمه من واجب
بأمره أو بغير أمره أجزأه، وكذلك إن أطعم عنه أو كسا، وذلك كتكفيره عن
الميت وقال أشهب: لا يجزئه بأمره، ولا بغير أمره لأن الأمر ممكن كما لو
أعطاه عن ذلك عوضاً، ويصحّ أن يفرق بينهما بأن الميت لو اشترى المعتق عنه
من يعتق عليه أجزأه ما لم يوص الميت بعتقه عنه بعينه، فلا يجزئه، ولا يجزئ
في الحي أن يشتري ويعتق عنه عن ظهاره من يعتق عليه بالملك، ولو أعطاه
عوضاً على أن يعتق عنه لم يجزه، قاله مالك، وابن القاسم، ومعنى ذلك أنه
من باب الشراء بشرط العتق، وقد قال مالك: إن اشترى الوصي الرقبة الواجبة
بشرط العتق ضمن، ولم يجزه، انتهى.
وقال الدسوقي(١): من أعتق عن غيره بإذنه، أو بغير إذنه فمشهور مذهب
مالك عن أصحابه أن الولاء للمعتق عنه، ومذهب أشهب والليث، والأوزاعي
الولاء للمعتق فيهما، ومذهب الشافعي للمعتق إن أعتق بلا إذن، وإن أعتق بإذن
فالولاء للمعتق عنه، انتهى.
وعُلِمَ من هذا كله أن ههنا مسألتين؛ إحداهما: إيصال الثواب إلى
الميت، وهو محمل من حكى الإجماع، فإن ثواب الطاعات المالية يصل بلا
خلاف بين أهل السنة والجماعة، والإعتاق من الماليات، والثانية: إجزاء العتق
الواجب عن الميت، فلا يجزئ عند الحنفية، ولا يكون الإعتاق عن الميت
بدون الوصية، وهذا بخلاف سائر الحقوق المالية، فالمرجو فيها الإجزاء، إن
شاء الله، كما تقدم قريباً في كلام ابن الهمام، وتقدم أيضاً في أبواب النذور
والصيام والحج.
١٣/١٢٥٩ - (مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري) المدني
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٢٤٣/٦).
٦٤٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
(١٢٥٩) حدیث
أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ توصِيَ. ثُمَّ أَخَّرَتْ ذُلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ. فَهَلَكَتْ،
وَقَدْ كَانَتْ هَمَّتْ بِأَنْ تُعْتِقَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِم بْنِ
مُحَمَّدٍ: أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: إِنّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةً قَالَ
لِرَسُولِ اللَّهِ وَه:
منسوب إلى جده، اختلف في اسم أبيه، قال الحافظ في (تهذيبه)) (١)
و((تقريبه))(٢): عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمرة، وحكاه عن ابن عبد البر
وقال: قال الداني في ((أطراف الموطأ)): هو عبد الرحمن بن عمرو بن
أبي عمرة.
وقال الزرقاني(٣): روى عن القاسم، وعن عمه عبد الرحمن بن أبي عمرة
التابعي الكبير، وله رواية عن أبي سعيد، وما أظنه سمع منه، ولا أدركه، وإنما
روى عن عمه عنه، ويروي عنه مالك هذا الحديث الواحد، وجده أبو عمرة
صحابي، قاله ابن عبد البر.
(أن أمه أرادت أن توصي) بشيء (ثم أخرت ذلك) أي أرادت أن تؤخر
الإيصاء (إلى أن تصبح فهلكت) قبل الإيصاء (وقد كانت همت بأن تعتق) أي
توصي بالعتق (قال عبد الرحمن) أي ابنها، (فقلت للقاسم بن محمد) بن أبي بكر
أحد الفقهاء: (أينفعها أن أعتق عنها؟ فقال القاسم): في جوابه ما سيأتي من
قصة سعد، فإنه قد وقع له، وسأل النبي بَّر مثل ما سأل عبد الرحمن، فيكون
جواباً لسؤاله مع دليله.
(إن سعد بن عبادة، قال لرسول الله ◌َ *: ) يحتمل أن القاسم سمعه عن
سعد أو عن غيره فالحديث مرسل، كذا في ((المرقاة)).
(١) ((تقريب التهذيب)) (١ /٤٩٣).
(٢) ((حاشية الدسوقي)) (٤١٦/٤).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٨٨/٤).
٦٥٠

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
(١٢٥٩) حديث
إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ. فَهَلْ يَنْفِعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ:
((نَعَمْ)).
وقال ابن عبد البر(١): هذا منقطع، لأن القاسم لم يلق سعداً، لكن
جاءت قصة سعد من وجوه كثيرة متصلة قاله الزرقاني، وتقدم في ((باب ما
يجب من النذور في المشي)) قصة سعد هذه برواية ابن عباس.
(إن أمي) عمرة بنت مسعود الخزرجية (هلكت) وكان سعد مع النبي
في غزوة دومة الجندل سنة خمس، فلما رجع وجد الأم قد ماتت (فهل ينفعها
أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله وَليل: نعم) ينفعها، ولفظ النسائي من طريق
سليمان بن كثير عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن
سعداً قال: أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: أعتق عن أمك.
قال الزرقاني(٢): فقد وجد العتق عن الميت في قصة سعد من غير طريق
مالك أيضاً لا كما يوهمه قول أبي عمر: لا يكاد يوجد إلا من حديث مالك
هذا، وأكثر الأحاديث في قصة سعد إنما هي في الصدقة.
قال: ووجدت في أصل سماع أبي بخطه، أن محمد بن قاسم حدّثهم إلى
أن قال عن سعد بن عبادة قلت: يا رسول الله والدتي كانت تتصدق من مالي،
وتعتق من مالي حياتها، فقد ماتت، أرأيت إن تصدقت عنها أو أعتقت عنها
أترجو لها شيئاً؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله دُلِّني على صدقة، قال: اسق
الماء، قال: فما زالت جرار سعد بالمدينة، انتهى.
وهذا يدل على أنه سأل العتق والصدقة معاً، وفي آخر الأمر عمل على
الصدقة، ولذا وردت الروايات في الصدقة أكثر، وقد تقدم في أبواب النذور أنه
سأل عن النذر كان على أمها، وهكذا أخرجه البخاري، وذكر الحافظ(٣)
(١) ((التمهيد)) (٢٦٠/٢٠).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٨/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٩٠/٥).
٦٥١

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
(١٢٦٠) حديث
١٢٦٠/ ١٤ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ قَالَ:
تُؤُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَوْمِ نَامَهُ. فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ،
زَوْجُ
الاختلاف في نذرها كان مطلقاً، أو عتق رقبة، أو غير ذلك، ثم قال: وفي
الحديث من الفوائد جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب
الصدقة إليه، ولا سيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم قوله تعالى:
وَأَن
مَا سَعَى
ويلتحق بالصدقة العتق عنه عند الجمهور
(٣٩)
لَيْس لِلإِنسَن إِلَا
خلافاً للمشهور عند المالكية، انتهى.
وحكى الزرقاني عن ابن عبد البر أنه قال: كل منهما أي الصدقة والعتق
جائز عن الميت إجماعاً، وقال العيني (٢): قال ابن المنذر: أما العتق عن
الميت فلا أعلم فيه خبراً ثبت عن رسول الله وص له، وقد ثبت عن عائشة أنها
أعتقت عن أخيها عبد الرحمن، وأجاز ذلك الشافعي، وقال بعض أصحابه:
لما جاز أن يتطوع بالنفقة وهي مال فكذا العتق.
وفرق غيره بينهما، فقال: إنما أجزنا بالأخبار الثابتة، والعتق لا خبر
فيه، بل في قوله: ((الولاء لمن أعتق)) دلالة على منعه؛ لأن الحي هو المعتق
بغير أمر الميت، فله الولاء، فإذا ثبت له الولاء فليس للميت منه شيء، وهذا
ليس بصحيح، لأن سعداً سأله ◌َ له: هل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم، فدل
أن العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل عائشة، انتهى.
١٤/١٢٦٠ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: توفي
عبد الرحمن بن أبي بكر) الصديق شقيق عائشة (في نوم نامه) فجأةً بطريق مكة
سنة ٥٣هـ، وقيل: بعدها (فأعتقت عنه) شقيقته (عائشة) أم المؤمنين (زوج
(١) سورة النجم: الآية ٣٩.
(٢) ((عمدة القاري)) (٤٤/١٠).
٦٥٢

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٨) باب
(١٢٦٠) حديث
النَّبِّ وَِّ، رِقَاباً كَثِيرَةً.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ.
النبي وَ ل﴿ رقاباً كثيرة) قال السرخسي في ((المبسوط)): إنما يحمل هذا على أن
عبد الرحمن كان أوصى بعتقهم، وجعل إليها ذلك، انتهى.
قلت: هذا على ظاهر ألفاظ الرواية أنها أعتقت عنه، ويحتمل أن يكون
معنى قوله: ((عنه)) أي إيصالاً للثواب إليه(١)، فلا إشكال، قال محمد في
((موطئه))(٢) بعد الأثر المذكور: وبهذا نأخذ، لا بأس أن يعتق عن الميت، فإن
كان أوصى بذلك كان الولاء له، وإن لم يوص كان الولاء لمن أعتق، ويلحقه
الأجر إن شاء الله، انتهى.
(قال مالك: وهذا) المذكور من حديث سعد وفعل عائشة (أحسن) وفي
النسخ المصرية أحبّ (ما سمعت إليّ في ذلك) أي في العتق عن الميت، وهذا
يدل على أن مالكاً قال بجواز العتق عن الميت بخلاف ما تقدم من أنه خلاف
للمشهور عن مالك، لكن تقدم عن ابن عبد البر أن العتق جائز عن الميت
إجماعاً .
قال الزرقاني: ومن أحسن ما يروى في العتق عن الميت ما أخرجه
النسائي(٣) عن واثلة بن الأسقع قال: كنا عند النبي ◌ّل في غزوة تبوك، فقلنا:
إن صاحباً لنا قد مات، فقال ◌َله: ((أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منها عضواً
منه من النار)) ذكره في ((التمهيد)) (٤)، انتهى.
(١) قال أبو عمر: لا أعلم خلافاً أن العتق، والصدقة، وما جرى مجراهُمَا من الأموال
جائزة، وكلّ ذلك يفعله الحي عن الميت ((الاستذكار)) (١٨٣/٢٣).
(٢) (٨٤٢).
(٣) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (٤٨٧٢).
(٤) التمهيد (١٥٧/٢٢، ١٥٨).
٦٥٣

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٩) باب
(١٢٦١) حديث
(٩) باب فضل عتق الرقاب وعتق الزانية وابن الزنا
١٥/١٢٦١ - حدثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ رَّرَ؛
(٩) فضل عتق الرقاب و- جواز - عتق الزانية و- جواز عتق - ابن الزنا
ذکر فيه ثلاث مسائل
١٥/١٢٦١ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ◌ِّر)
كذا رواه يحيى وأبو مصعب ومطرف وابن أبي أويس وروح بن عبادة، وأرسله
الأكثر وكذا حدَّث به إسماعيل بن إسحاق عن أبي مصعب مرسلاً، وهو عندنا
في ((موطأ أبي مصعب)) (١) عن عائشة، ورواه أصحاب هشام عنه عن أبيه عن
أبي مراوح عن أبي ذر. قال ابن الجاود: ولا أعلم أحداً قال عن عائشة غير
مالك، وزعم قوم أنه أرسله لما بلغه أن غيره من أصحاب هشام يخالفونه في
إسناده قاله ابن عبد البر كذا في الزرقاني.
وقال ابن عبد البر في ((التجريد))(٢): هكذا روى يحيى هذا الحديث،
وتابعه أكثر الرواية، ومنهم من يرويه عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه
مرسلاً، وسائر أصحاب هشام يروونه عن هشام عن أبيه عن أبي مراوح عن
أبي ذر، وهذا الإسناد هو الصحيح فيه عند أهل الحديث، انتهى.
وذكره البخاري برواية هشام عن أبيه عن أبي مراوح عن أبي ذر، قال
الحافظ(٣): ذكر الإسماعيلي عدداً كثيراً نحو العشرين نفساً رووه عن هشام بهذا
الإسناد، وخالفهم مالك، فأرسله في المشهور عنه عن هشام عن أبيه عن
النبي ◌َ﴾، ورواه يحيى بن يحيى الليثي وطائفة عنه عن هشام عن أبيه عن
(١) ح (٢٧٤٢).
(٢) (ص١٩٢).
(٣) ((فتح الباري)) (١٤٨/٥).
٦٥٤

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٩) باب
(١٢٦١) حديث
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ سُئِلَ عَنِ الرِّقَابِ، أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ هِ: ((أَغْلَاهَا ثَمَناً، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا)).
أخرجه البخاريّ عن أبي ذرّ في: ٤٩ - كتاب العتق، ٢ - باب أي الرقاب
أفضل. ضمن حدیث.
وكذلك مسلم في: ١ - كتاب الإيمان، ٣٤ - باب كون الإيمان بالله تعالى
أفضل الأعمال، حديث ١٣٦.
عائشة. ورواه سعيد بن داود عنه عن هشام كرواية الجماعة، قال الدارقطني:
الرواية المرسلة عن مالك أصح، والمحفوظ عن هشام كما قال الجماعة،
انتھی .
(أن رسول الله وَله: سئل) ببناء المجهول، ولفظ البخاري برواية
أبي مراوح عن أبي ذر قلت: أيُّ الرقاب أفضل؟ (عن الرقاب) زاد في النسخ
الهندية بعد ذلك لفظ (الواجبة) وليست هذه الزيادة في شيء من النسخ
المصرية، والأوجه حذفها، فإنه لا وجه للتخصيص، وأيضاً المعروف في
الروايات الإطلاق، ولفظ البخاري في حديث أبي ذر قلت: فأيُّ الرقاب
أفضل؟ قال: أغلاها ثمناً، الحديث.
(أيها أفضل) في العتق (فقال رسول الله ويطهر: أغلاها) بالغين المعجمة
والمهملة روايتان، ومعناهما متقارب (ثمناً) ولمسلم(١) أكثرها ثمناً (وأنفسها)
بفتح الفاء أي أكثرها رغبة (عند أهلها) قال النووي: محله - والله أعلم - فيمن
أراد أن يعتق واحداً، أما لو كان مع شخص ألف درهم مثلاً، فأراد أن يشتري
بها رقبة يعتقها، فوجد رقبة نفيسة أو رقبتين مفضولتين، فالرقبتان أفضل، قال:
وهذا بخلاف الأضحية، فإن الواحدة السمينة فيهما أفضل، لأن المطلوب ههنا
فُّ الرقبة، وهناك طيب اللحم، انتهى.
(١) ((صحيح مسلم)) ح (٢٤٤، ٢٤٥) باب في بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ..
٦٥٥

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(٩) باب
(١٢٦٢) حديث
١٦/١٢٦٢ - وحدّثني مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ ؛ أَنَّهُ أَعْتَقَ وَلَدَ زِناً، وَأُمَّهُ.
قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب
شخص واحد إذا عتق انتفع بالعتق، وانتفع به أضعاف ما يحصل من النفع بعتق
أكثر عدداً منه، ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذي
ينتفعون به أكثر مما ينتفع هو بطيب اللحم، فالضابط أن مهما أكثر نفعاً كان
أفضل سواء قلّ أو كثُر، واحتج به لمالك في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كانت
أغلى ثمناً من المسلمة أفضل وخالفه أصبغ وغيره، وقالوا: أغلى ثمناً من
المسلمين(١)، انتهى.
وتقدم قريباً أن مذهب العلماء كافة غير مالك أن الأفضل عتق المسلم،
وقال عياض: لا خلاف في جواز عتق الكافر، لكن الفضل التام إنما هو في
عتق المؤمن، وعن مالك أن عتق الأعلى أفضل وإن كان كافراً، وخالفه غير
واحد من أصحابه وغيرهم وهو الأصح، قال القرطبي: لحرمة المسلم ولما
يحصل منه المنافع الدينية کالشهادات والجهاد وغير ذلك، انتهى.
١٦/١٢٦٢ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (أنه
أعتق ولد زنا وأمه) التي زنت امتثالاً لأمره وَ ط# كما سيأتي، قال صاحب
((المحلى)): وبه أخذ الجمهور، وكرهه بعضهم، وروى أبو داود(٢) عن أبي هريرة
أنه قال: ((لئن أُمَتِّعُ بسوطٍ في سبيل الله أحبُّ إليّ من أن أعتق ولد زَنَّةٍ))،
وتقدم قريباً في بحث إجزاء عتق ولد الزنية ما قال الجمهور: إنه كغيره في
أحكام الدنيا من البيع والشراء والعتق وغيرها، وقد روي عن ابن عمر -
رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول الله وَ ل هو أن نمن على أولاد الزنا في العتق.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٨٨/٤).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢٩/٤) ح (٣٩٦٣).
٦٥٦

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٠) باب
(١٢٦٣) حديث
(١٠) باب مصير الولاء لمن أعتق
١٧/١٢٦٣ - حدّثني مَالِكٌ عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَِّّ وَِّ؛ أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتَ بَرِيرَةُ
قال صاحب ((مجمع الزوائد))(١): رواه الطبراني في ((الأوسط)) وفيه
زكريا بن يحيى المديني، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات، وعن سلمى بنت نصر
قالت: سألت عائشة عن عتاقة ولد الزنا؟ فقالت: أعتقيه، انتهى.
وقد أخرج محمد في (موطئه))(٢) أثر الباب، ثم قال: لا بأس بذلك،
وهو حسن جميل. بلغنا عن ابن عباس أنه سئل عن عبدين أحدهما لِبَغِيَّةٍ،
والآخر لرِشْدة أيهما يعتق؟ قال: أغلاها ثمناً بدينار، فهكذا نقول: وهو قول
أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى.
(١٠) مصير الولاء لمن أعتق
يعني رجوع الولاء إلى المعتق وإن شرط غيره الولاء لنفسه أو وهبه
المعتق لغيره أو باعه لا يكون الولاء إلا للمعتق.
١٧/١٢٦٣ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن) خالته (عائشة)
أم المؤمنين (زوج النبي ◌ّير أنها قالت: جاءت بريرة) بفتح الموحدة ورائين
بينهما تحتية وأولاهما مكسورة، كانت لناس من الأنصار كما عند أبي نعيم
والنسائي، وقيل: لناس من بني هلال، قاله ابن عبد البر(٣)، وهكذا أخرجه
الترمذي، وفي بعض الشروح لآل أبي لهب، وهو وهم من قائله كذا في
((الفتح)) (٤)، وقيل: لآل أبي أحمد بن جحش وفيه نظر، وقيل: لآل عقبة، وفيه
(١) (٤٤٨/٤) ح (٧٢٧٦).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٢٧/٣).
(٣) (شرح الزرقاني)) (٩٠/٤).
(٤) ((فتح الباري)) (١٨٧/٥).
٦٥٧

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٠) باب
(١٢٦٣) حديث
فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ. فِي كُلِّ عَامٍ أَوْقِيَةٌ.
فَأَعِينِينِي.
نظر أيضاً، وكانت بريرة تخدم عائشة قبل العتق كما في حديث الإفك قاله
الزرقاني.
(فقالت: إني كاتبت أهلي) وسيأتي بيان الكتابة قريباً في بابه، والمراد
بالأهل السادات (على تسع أواقٍ) بوزن جوارٍ، والأصل أواقتيّ بتشديد الياء
فحذفت إحدى اليائين تخفيفاً، والثانية على طريق قاضٍ (في كل عام أوقية)
بضم الهمزة، وهي أربعون درهماً، وهذا هو المشهور في الروايات.
ووقع في رواية عند البخاري معلقة ((عليها خمس أواقٍ نجمت في خمس
سنين))، وجزم الإسماعيلي بأنها غلط، ويمكن الجمع بأن التسع أصل،
والخمس كانت بقيت عليها، وبه جزم القرطبي وغيره، ويُعَكِّرُ عليه ما في رواية
قتيبة عن الليث في ((الصحيحين)) ولم تكن أدت من كتابتها شيئاً، وأجيب بأنها
كانت حصلت الأربع أواقي قبل أن تستعين بعائشة، ثم جائتها وقد بقي عليها
خمس .
وأجاب القرطبي بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول
نجومها من جملة التسع أواقي، ويؤيده قوله في رواية عمرة عن عائشة عند
البخاري فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى، وذكر الإسماعيلي أنه رأى في
الأصل المسموع على الفربري: أنها كاتبت على خمسة أوساق، وقال: إن كان
مضبوطاً فهو يدفع سائر الأخبار، قال الحافظ(١): لم يقع في شيء من النسخ
المعتمدة إلا الأواقي، كان يمكن على تقدير صحته أن يجمع بأن قيمة الأوساق
الخمسة تسع أواق، لكن يُعَكِّر عليه قوله: في خمس سنين، انتهى.
(فأعينيني) بصيغة أمر المؤنث من الإعانة، ووقع عند بعض رواة البخاري
(١) (فتح الباري)) (١٨٧/٥).
٦٥٨

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٠) باب
(١٢٦٣) حديث
((فَأَعْيَتْني)) بصيغة الخبر الماضي من الإعياء، أي أعجزتني الأواقيُّ عن
تحصيلها، وفي رواية عند ابن خزيمة وغيره ((فأعتقيني)) بصيغة الأمر من العتق،
لكن الثابت عن مالك وغيره عن هشام الأول، كذا في ((الفتح)).
قال الباجي(١): فيه دليل على جواز السعي، وأخذ صدقات التطوع لتؤدي
بها عن نفسها، وأما الصدقات الواجبة من الزكاة، فإن مالكاً قال: إن أعطي
منها ما يتم به عتق المكاتب فجائز، وغيره أحبُّ إلي، وإما إن يعطى منه ما
يستعين به على كتابته مع بقاء رقه فلا، وليس في قول بريرة: ((فأعينيني))، ما
يدل على زكاة، وإنما طلبت العون على الأداء، انتهى.
وقال الموفق(٢): لا نعلم خلافاً بين أهل العلم أن زكاة الأموال لا تُعْطَى
لمملوك؛ لأنه لا يملكها بدفعها إليه، وما يعطاه فهو لسيده، وفي ((الشرح
الكبير)): لا نعلم خلافاً بين أهل العلم في ثبوت سهم الرقاب، ولا يختلف
المذهب في أن المكاتِبيْن من الرقاب يجوز صرف الزكاة إليهم، وهو قول
الجمهور، وقال مالك: إنما يصرف سهم الرقاب في إعتاق العبيد، ولا يعجبني
أن يعان منها مكاتب، انتهى.
وترجم البخاري في ((صحيحه)) (باب استعانة المكاتب وسؤاله الناس))،
قال الحافظ(٣): هو من عطف الخاص على العام؛ لأن الاستعانة تقع بالسؤال
وغيره، وكأنه يشير إلى جواز ذلك؛ لأنه وَلّ أقر بريرة على سؤالها عائشة -
رضي الله عنها - في إعانتها على كتابتها، وأما ما أخرجه أبو داود في
(المراسيل)) مرفوعاً في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال: حرفة، ولا
ترسلوهم كلَّا على الناس، فهو مرسل، أو معضل، فلا حجة عليه.
(١) ((المنتقى)) (٢٧٩/٦).
(٢) ((المغني)) (١٠٦/٤).
(٣) ((فتح الباري)) (١٩٠/٥).
٦٥٩

٣٠ - كتاب العتق والولاء
(١٠) باب
(١٢٦٣) حديث
قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَدْتُهَا وَيَكُونَ لِي
وَلَا ؤُكِ، فَعَلْتُ.
وقال الموفق: وهل تكره كتابة من لا كسب له؟، قال القاضي: ظاهر
كلام أحمد كراهيته وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يكرهه وهو قول مسروق،
وعن الأوزاعي وعن أحمد رواية أخرى: لا يكره. ولم يكرهه الشافعي
وإسحاق وابن المنذر وطائفة من أهل العلم، واحتج ابن المنذر بأن بريرة
كاتبت، ولا حرفة لها، ولم ينكر ذلك رسول الله وَل، انتهى. وعلم منه أن ما
في ((المراسيل)) من بيان الأولى.
(فقالت عائشة) رضي الله عنها: (إن أحبَّ أهلكِ) بكسر الكاف أي
مواليك (أن أَعُذَّها) بفتح الهمزة وضم العين وتشديد الدال، أي أُعْطيها،
والضمير للأواقي (لهم) ثمناً عنك (عددتها) فيه أن العدد في الدراهم المعلومة
الوزن يكفي عن الوزن، لأن المعاملة كانت بالأواقي (ويكون) بالنصب عطفاً
على أَعُدَّها (لي ولاؤك) بفتح الواو بعد أن أعتقك (فعلت) جواب الشرط.
قال الباجي(١): يحتمل أن يكون على معنى شراء المكاتب مع تمكنه من
الأداء، ويحتمل أن يكون بمعنى شرائها لعجزها عن الأداء، أو رجوعها إلى
الرق، قال ابن مزين لعيسى: كيف جاز لعائشة - رضي الله عنها - أن تشتري
بريرة وهي مكاتبة؟ فقال: نحمله على أنها عجزت، وقاله يحيى بن يحيى عن
ابن نافع، فأما شراء المكاتب، فاختلف فيه قول مالك، فقال: مرة إن فات
بالعتق لم يرد، وقال مرة: يرد وينقض البيع، وجه القول الأول أن العتق البتل
أقوى من الكتابة، ووجه القول الثاني: أن العتق إنما يترتب على صحة البيع،
والبيع لا يجوز، لأن فيه نقضاً للكتابة، وعقد الكتابة عقد لازم، ولا ينتقض
إلا بالعجز، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٢٧٩/٦).
٦٦٠
:
: