Indexed OCR Text
Pages 461-480
٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب والكبيرة والصغيرة، وقال أصحاب الرأي: لا إحداد على ذميّة ولا صغيرة؛ لأنهما غير مكلفتين. ولنا، عمومُ الأحاديث، ولأن غير المكلفة تُساوي المكلَّفة في اجتناب المحرمات كالخمر والزِّنَا، وإنما يفترقان في الإثم، ولا إحداد على غير الزوجات، كأم الولد إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك، وكذلك الأمة التي يطأها سيدها إذا مات عنها، ولا الموطوءة بشبهة والمزنِيُّ بها، ولا إحداد على الرجعيّة بغير خلاف نعلمه؛ لأنها في حكم الزوجات، لها أن تتزيّن لزوجها. وتستشرف له، ليرغب فيها، ولا إحداد على المنكوحة نكاحاً فاسداً؛ لأنها ليست زوجة على الحقيقة . واختلفت الرواية عن أحمد (١) في وجوب الإحداد على المطلقة البائن، فعنه: يجب عليها، وهو قول ابن المسيب وأبي عبيد وأبي ثور وأصحاب الرأي، والثانية: لا يجب عليها، وهو قول عطاء وربيعة ومالك وابن المنذر، ونحوه قول الشافعي، اهـ. وسيأتي قريباً في كلام الحافظ عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد، وقال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبحراً من هذين يعني الحسن والشعبي وخفي ذلك عليهما، اهـ. وقال الحافظ(٢) أيضاً: الأصح عند الشافعية أن لا إحداد على المطلقة، أما الرجعية، فلا إحداد عليها إجماعاً، وإنما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور: لا إحداد عليها، وقالت الحنفية: عليها الإحداد، وبه قال بعض الشافعية والمالكية، والمطلقة قبل الدخول لا إحداد عليها اتفاقاً، اهـ. (١) انظر ((المغني)) (٢٩٩/١١). (٢) ((فتح الباري)) (٤٨٦/٩). ٤٦١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢١) حديث ١٠١/١٢٢١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ. قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ وََّ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. ١٠١/١٢٢١ - (مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) بفتح المهملة وسكون الزاي (عن حميد بن نافع) الأنصاري أبو أفلح المدني، قال البخاري: يقال له حميد صغير تابعي ثقة من رواة الستة (عن زينب بنت أبي سلمة) ربيبة النبي وَ ر (أنها أخبرته) أي حميداً بـ(هذه الأحاديث الثلاثة) الآتية أولها (قالت زينب: دخلت علي) أم المؤمنين (أم حبيبة زوج النبي * حين توفي أبوها أبو سفيان) صخر (بن حرب) بن أمية الأموي الصحابي الشهير أسلم عام الفتح، ومات سنة اثنتين وثلاثين عند الجمهور، وقيل: سنة ثلاث، ووقع في ((جنائز البخاري))(١) من طريق أيوب بن موسى عن حميد بلفظ: ((لما جاء نعي أبي سفيان من الشام)). قال الحافظ: في قوله: من الشام نظرٌ؛ لأن أبا سفيان مات بالمدينة، بلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار، ولم أر في هذا الحديث تقييده بذلك إلا في هذا الحديث، وأظنها وهماً، وكنت أظن أنه حذف منه لفظ ابن، لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأم حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميراً على الشام، لكن روى البخاري في ((العدد)) من رواية مالك والثوري كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن حميد عن نافع بلفظ: ((حين توفي أبوها أبو سفيان، فظهر أنه لم يسقط منه شيء، ولم يقل فيه واحد من الشام)). ثم وجدت الحديث في ((مسند ابن أبي شيبة)) برواية شعبة عن حميد (١) (١٢٨٠) باب إحداد المرأة على غير زوجها، ((فتح الباري)) (١٤٦/٣). ٤٦٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢١) حديث فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوْقٌ أَوْ غَيْرُه. فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً. ثُمَّ مَسَحَتْ بِعَارِضَيْهَا. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ، مَا لِي بِالطَّبِ مِنْ حَاجَةٍ. غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ بلفظ: ((جاء نعي أخي أم حبيبة أو حميم لها، فدعت بصفرة))، الحديث. وكذا رواه الدارمي بلفظ أن أخاً لأم حبيبة مات أو حميماً لها، رواه أحمد بلفظ: ((أن حميماً لها مات من غير تردد))، فقوي الظن أن القصة تعددت لزينب مع أم حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبى سفيان، ولا مانع من ذلك، اهـ. ويزيد بن أبي سفيان أخو معاوية صحابي مشهور، أَمَّرَه عمر - رضي الله عنه - على دمشق، حتى مات بها سنة ١٩هـ، كذا في ((التقريب))(١). (فدعت) أي طلبت (أم حبيبة بطيب) مركّب (فيه صفرة خلوق) بوزن صبور، طيب مركب من الزعفران وغيره، وتغلب عليه الحمرة والصفرة، ورد إباحته تارة، والنهي عنه أخرى؛ لأنه من طيب النساء، كذا في ((المجمع))، وتقدم في حديث الوليمة الكلام على التزعفر للرجال (أو غير ذلك) برفعهما(٢) وجرهما روايتان، واقتصر النووي على الأول، قاله الزرقاني (٣) . (فدهنت به جارية) بالنصب أي دلكت أم حبيبة بهذا الخلوق الجارية، قال الحافظ: لم أقف على اسم الجارية (ثم مسحت) أم حبيبة يديها (بعارضيها) أي جانبي وجهها (ثم قالت) أم حبيبة: (والله مالي بالطيب من حاجة) كذا في جميع النسخ الهندية والمصرية التي عندي بلفظ ((من حاجة))، وليس في نسخة الزرقاني لفظ ((من)) بل عزاه إلى رواية، إذ قال: وفي رواية بزيادة ((من)) (غير أني سمعت رسول الله وَّ يقول: لا يحلّ) استدل به على تحريم الإحداد على غير الزوج، وهو واضح، وعلى وجوب الإحداد على الزوج. (١) ((تقريب التهذيب)) (٣٦٥/٢). (٢) والضمير إلى الخلوق ولفظ الغير، اهـ. ش. (٣) (شرح الزرقاني)) (٢٣٠/٣). ٤٦٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢١) حديث لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ٠ واستُشْكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدل على الحل على الزوج لا على الوجوب، وأجيب بأن الوجوب استفيد من دليل آخر كالإجماع، ورُدَّ بأن المنقول عن الحسن البصري أن الإحداد لا يجب، أخرجه ابن أبي شيبة، ونقل الخلّال بسنده عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد، قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبحراً من هذين، يعني الحسن والشعبي، وخفى ذلك عليهما، اهـ. ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيه ردٌّ على من ادّعى الإجماع، وفي أثر الشعبي تعقب على ابن المنذر حيث نفى الخلاف في المسألة، إلا عن الحسن، وأيضاً حديث التي اشتكت عينها الآتي قريباً دالٌ على الوجوب، وإلا لم يمتنع التداوي المباح، كذا في ((الفتح))(١). (لامرأة) تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها، كما تقدم في أول الباب (تُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر) نفيٌّ بمعنى النهي على سبيل التأكيد. واستدل به الحنفية على أن لا إحداد على الذميّة للتقييد بالإيمان، وبه قال بعض المالكية وأبو ثور، وترجم عليه النسائي بذلك، وفي رواية للمالكية أن الذميّة المتوفى عنها تعتدّ بالأقراء. قال ابن العربي: هو قول من قال: لا إحداد عليها، كذا في ((الفتح)). وقال الباجي (٢): قد اختلف قول مالك في تعلق حكم الإحداد بالكتابية يتوفى عنها زوجها المسلم، فروى عنه أشهب لا إحداد عليها، وبه قال أبو حنيفة، وروى عنه ابن القاسم وغيره أن عليها الإحداد، وبه قال الشافعي، (١) ((فتح الباري)) (٤٨٥/٩). (٢) ((المنتقى)) (١٤٤/٤). ٤٦٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢١) حديث أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ . وجه الرواية الأولى أن الإحداد عبادة، والكتابية ليست من أهل العبادة، ووجه الرواية الثانية أن هذا حكم من أحكام العدة، فلزم الكتابية كلزوم المسكن، اهـ. (أن تحد) بضم أوله وكسر الحاء من الإحداد، وحكي فتح أوله وضم ثانيه، يقال: حدّت المرأة وأحدّت، وتقدم في أول الباب أن الأصمعي أنكر حدّت (على ميت) استدل به من قال: لا إحداد على امرأة المفقود؛ لأنه لم تتحقق وفاته، خلافاً للمالكية، كذا في ((الفتح)). وقال الباجي: قوله: على ميت، يقتضي اختصاص هذا الحكم بالوفاة، وأما حكم المطلقة فلا تعلق له بالحديث، وقد قال مالك: لا إحدادَ على مطلقة، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: عليها الإحداد، ويروى عن ابن المسيب وسليمان بن يسار، اهـ. (فوق ثلاث ليال) فلها أن تحدّ على القريب ثلاثاً فأقل، فإن مات في بقية يوم أو بقية ليلة ألغت تلك البقية، وعدّت الثلاث من الليلة المستقبلة، قاله القرطبي، كذا في ((الزرقاني)) (١). قال الحافظ: أخذ من هذا الحصر أن لا يزاد على الثلاث في غير الزوج أباً كان أو غيره، وأما ما أخرجه أبو داود في ((المراسيل))، عن عمرو بن شعيب ((أن النبي وَلّ رخص للمرأة أن تحدّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام))، فلو صح لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسل أو معضل؛ لأن جلّ رواية عمرو بن شعيب عن التابعين لم يرو عن أحد من الصحابة إلا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة، واستدل به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكان هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية . (١) (٢٣١/٣). ٤٦٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢١) حديث إِلَّا عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. (إلا على زوج) فإنها تحد عليه (أربعة أشهر وعشراً). فيه عدة مباحث: الأول: ما قيل: الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه، وتنفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوماً، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وقال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): وكانت أربعة أشهر وعشراً على وفق الحكمة والمصلحة، إذ لا بُدَّ من مدة مضروبة لها، وأولى لها المدة التي يُعلم فيها وجود الولد وعدمه، فإنه يكون أربعين يوماً نطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين مضغة، فهذه أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، فقدر بعشرة أيام، لتظهر حياته بالحركة إن كان ثَمَّ حمل، اهـ. الثاني: اختلف في المراد منهما الأيام أو الليالي؟ وفيه قولان للعلماء، الأول: قول الجمهور: إن المراد الليالي مع أيامها، فلا تحلّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة، والثاني: قول الأوزاعي ويحيى بن أبي كثير وبعض السلف إن المراد الليالي فقط، فتنقضي العدة بمضيّها، وتحلّ في أول اليوم العاشر، كذا في ((الفتح)) (١) و((العيني)(٢). وقال الموفق(٣): العشرُ المعتبرة في العدة هي عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة أيام مع الليالي، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر وأصحاب الرأي، وقال الأوزاعي: يجب عشر ليال وتسعة أيام، اهـ. الثالث: ما قال الحافظ(٤): وقد ورد في حديث قوي الإسناد، أخرجه (١) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٨٧). (٢) ((عمدة القاري)) (٩٠/٦). (٣) («المغني)) (٢٢٤/١١). (٤) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٨٧). ٤٦٦ ۔۔ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢١) حديث أحمد، وصححه ابن حبان عن أسماء بنت عميس قالت: دخل عليّ رسول الله وَ﴿ اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: ((لا تحدّى بعد يومك)) هذا لفظ أحمد، وفي رواية له ولابن حبان والطحاوي: لما أصيب جعفر أتانا النبي ◌َ لّ فقال: ((تسلبي ثلاثاً، ثم اصنعي ما شئت)) (١) قال شيخنا في ((شرح الترمذي)): ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث؛ لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، قال: بل ظاهره النهي أن الإحداد لا يجوز، وأجاب بأن هذا الحديث شاذٌ مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. قال: ويحتمل أن يقال: إن جعفراً قُتِل شهيداً، والشهداء أحياء عند ربهم، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه لم يرو في حق غير جعفر من الشهداء، ممن قطع بأنهم شهداء، كما قطع لجعفر كحمزة وغيره، وأجاب عنه الطحاوي بأنه منسوخ، وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدتها في وقت، ثم أمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشراً، ثم ساق أحاديث الباب، وليس فيها ما يدل على ما ادّعاه من النسخ، لكنه يكثر من ادّعاء النسخ بالاحتمال. وهناك أجوبة أخرى، منها: أن يكون المراد بالإحداد المقيد بالثلاث قدراً زائداً على الإحداد المعروف، فعلته أسماء مبالغةً في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث، ومنها: أنها كانت حاملاً، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العدة فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: ثلاثاً؛ لأنه يحمل على أنه * اطلع على أن عدتها تنقضي عند الثلاث وغير ذلك مما ذكرها الحافظ. (١) أخرجه أحمد (٣٦٩/٦ - ٤٣٨/٦).، والطحاوي (٧٥/٣)، وابن حبان (٤١٨/٧) ح (٣١٤٨). ٤٦٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٢) حديث ١٢٢٢/ ١٠٢ - قَالَتْ زَيْنَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. زَوْجِ النَّبِيِّ بَ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا . الرابع: ما قال الزرقاني(١): اختلف في الحامل يزيد عليها هل عليها الإحداد في الزيادة حتى تضع؟ أو لا يلزمها إحداد في الزيادة لظاهر الحديث؟ قاله عیاض. ١٠٢/١٢٢٢ - (قالت زينب) بنت أبي سلمة بالسند السابق، وهذا الحديث الثاني من الأحاديث الثلاثة (ثم دخلت على) أم المؤمنين (زينب بنت جحش زوج النبي ◌ِّ حين توفي أخوها) ظاهر قوله، ثم إن قصة دخولها على زينب بعد دخولها على أم حبيبة، ولا يصح ذلك؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح، كذا في ((العيني)). وأجاب عن هذا الإشكال بأن في دلالة ((ثم)) على الترتيب خلافاً، ولئن سلّمنا فإن (ثُمَّ)) ههنا لترتيب الأخبار، لا لترتيب الحكم، وذلك كما يقال: بلغني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب، اهـ. وأجاب عنه الحافظ بتعدد دخولها على أم حبيبة، كما تقدم في الحديث الأول مرة بعد أخيها، وأخرى بعد أبيها، فقال: ولا يصح ذلك إلا أن قلنا بالتعدد، ويكون ذلك عقب وفاة يزيد بن أبي سفيان؛ لأن وفاته سنة ١٨ أو سنة ١٩هـ، ولا يصحّ أن يكون ذلك عند وفاة أبيه؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيحمل على أنها لم ترد ترتيب الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار، وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ ((ودخلت))، وذلك لا يقتضي الترتيب، اهـ. وتعقبه العيني(٢) بأن الوارد في أبي داود بالفاء، لكن النسخة التي بين (١) (شرح الزرقاني)) (٢٣١/٣). (٢) انظر: ((عمدة القاري)) (٩١/٦). ٤٦٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٢) حديث يديّ من أبي داود فيه بالواو، قال الحافظ (١): لم أتحقق من المراد به؛ لأن لزينب ثلاثة إخوة؛ عبد الله، وعبد بغير إضافة، وعبيد الله بالتصغير، فأما الكبير فاستُشْهِد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جداً؛ لأن أباها أبا سلمة مات بعد بدر، وتزوج النبي ◌َّير أمها أم سلمة وهي صغيرة ترضع، فانتفى أن يكون هو المراد ههنا، وإن كان وقع في كثير من الموطآت بلفظ: ((حين توفي أخوها عبد الله) كما أخرجه الدارقطني من طريق ابن وهب وغيره عن مالك. وأما عبد بغير إضافة فيعرف بأبي حميد، وكان شاعراً أعَمَى، وعاش إلى خلافة عمر - رضي الله عنه - وقد جزم ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة. وروى ابن سعد في ((الطبقات)) من وجهين؛ أن أبا حميد المذكور حضر جنازة زينب مع عمر - رضي الله عنه - وإن كان في إسنادهما الواقدي، لكن يستشهد به في مثل هذا، فانتفى أن يكون هذا المراد. وأما عبيد الله المصغر فأسلم قديماً وهاجر بزوجته أم حبيبة إلى الحبشة، ثم تنصّر هناك، ومات، فتزوج النبي بَّر بعده أم حبيبة، فهذا يحتمل أن يكون هو المراد؛ لأن زينب بنت أبي سلمة عندما جاء الخبر بوفاة عبيد الله كانت في سن من يضبط، ولا مانع أن يحزن المرأة على قريبه الكافر، ولا سيما إذا تذكر سوء مصيره، ولعل الرواية التي في ((الموطأ)) حين توفي أخوها عبد الله كانت عبيد الله بالتصغير، فلم يضبطها الكاتب. ويحتمل أن يكون أخاً لزينب بنت جحش من أمها، أو من الرضاعة، أو يرجح ما حكاه ابن عبد البر وغيره أن زينب بنت أبي سلمة ولدت بأرض الحبشة، فإن مقتضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد الله بن جحش أربع سنين. وما مثلها يضبط في مثلها، اهـ. (١) ((فتح الباري) (١٤٧/٣). ٤٦٩ ٢٨ - كتاب الطلاق : (٣٥) باب (١٢٢٢) حديث فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَالِي بِالطَّيبِ حَاجَةٌ. غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: ((لَا يَحِلُّ لِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّ عَلَى زَوْجِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً)). وقال الزرقاني(١): هو عبد الله بن جحش كما سُمّيَ في كثير من الموطآت، كابن وهب وغيره عند الدارقطني، وأبي مصعب عند ابن حبان، واستُشْكل بأن عبد الله استشهد بأحد، وزينب حينئذٍ صغيرة جداً، وأجيب بأن ابن عبد البر وغيره حكوا أن زينب ولدت بأرض الحبشة. ومقتضاه أن يكون لها عند وفاة عبد الله أربع سنين، ومثلها يضبط ذلك، ثم ذكر الاحتمالات الأخر من كلام الحافظ. وقال العيني(٢): لا جائز أن يكون عبد الله المكبر؛ لأنه قُتِلَ بأحد قبل أن يتزوج النبي 18 زينب بنت جحش، وأقرب الاحتمالات أن يكون عبيد الله الذي مات نصرانياً على بُعْدٍ فيه، فإن قلت: مثلها لا يحزن على من مات كافراً في بيت النبوة؟ قلت: ذاك الحزن بالجبلة والطبع، فتعذر فيه، وقد بكى النبي ◌ّ﴾ لما رأى قبر أمه توجعاً لها، اهـ. (فدعت) أم المؤمنين زينب أيضاً (بطيب فمسّت منه) وفي رواية ((به)) أي شيئاً من جسدها، (ثم قالت: والله مالي بالطيب حاجة)، وفي رواية بزيادة ((من)) (غير أني سمعت رسول الله ( # يقول) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك (على المنبر) وليس هذا في النسخ المصرية، بل عزاه الزرقاني إلى رواية إذ قال: زاد التنيسي ((على المنبر)) (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تُحِدُ) من المزيد أو المجرد (على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج) فتحد عليه (أربعة أشهر وعشراً) وتقدم المباحث في الحديث الأول. (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣١/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٩٢/٦). ٤٧٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث ١٠٣/١٢٢١ - قَالَتْ زَيْنَبُ: وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهِ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ. إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا . ١٠٣/١٢٢٣ - (قالت زينب) بالسند السابق، وهذا الحديث الثالث (وسمعت أمي أم سلمة زوج النبي وَّر تقول: جاءت امرأة) هي عاتكة بنت نعيم بن عبد الله بن النحام كما في ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم، قاله الزرقاني(١)، وبسطه الحافظ في ((الفتح))(٢)، وفي ((الإصابة)): عاتكة بنت نعيم الأنصارية، والصواب العدوية (إلى رسول الله وَّير فقالت: يا رسول الله إن ابنتي) قال الحافظ: لم تسم البنت ولم تنسب فيما وقفت عليه، اهــ كذا في ((الفتح)). وقال الزرقاني: روى الإسماعيلي في تأليفه ((مسند يحيى بن سعيد الأنصاري)) عنه عن حميد بن نافع عن زينب عن أمها قالت: جاءت امرأة من قريش، قال يحيى: لا أدري ابنة النحام أو أمها بنت سعد، ورواه الإسماعيلي من طرق كثيرة فيها التصريح، بأن البنت عاتكة، فعلى هذا فأمها لم تسم، قاله الحافظ، كذا في ((الزرقاني))(٣). (توفي عنها زوجها) المغيرة المخزومي، قال الحافظ في ((الفتح)): لم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في ((الصحابة))، وكذا أبو موسى في ((الذيل)) عليه، وكذا ابن عبد البر، لكن استدركه ابن فتحون عليه، اهـ. وفي ((الإصابة)): المغيرة المخزومي مات في عهد النبي (ص8، وكانت تحته بنت عابد(٤) بن نعيم بن عبد الله بن النحام العدوية، فأتت أمها تستفتيه وَلّر، والحديث في (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٢/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٤٣/٣). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٢/٣). (٤) كذا في الأصل. ش. ٤٧١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا. أَفَتَكْحُلُهُمَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لَا)) مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً. كُلُّ ذُلِكَ يَقُولُ ((لَا)) ((الصحيحين)) من حديث أم سلمة إلا أن الزوج لم يسم، ولا المستفتية ولا ابنتها، وسماها ابن وهب في ((موطئه))، اهـ. (وقد اشتكت) هي أي ابنتي (عينها) بالإفراد في النسخ الهندية، فتكون فاعلة لقوله: اشتكت، وفي النسخ المصرية بلفظ: ((عينيها)) بالتثنية، والنصب على المفعولية، قال صاحب ((المحلى)): هو بالرفع على الفاعلية، وعليه اقتصر النووي، ونسبة الشكاية إلى العين مجازاً، ويؤيده رواية مسلم ((عيناها)) بالتثنية، وكذا هو في نسخة من الكتاب، ويجوز النصب على أن الفاعل ضمر مستترٌ في اشتكت، وهي المرأة، ويؤيده ما لابن عتاب من رواة ((الموطأ)) ليحيى، ورجحه المنذري، وقال الحريري: إنه الصواب، وإن الرفع لحن، وفي ((درة الغواص)): لا يقال: اشتكت عين فلان، والصواب أن يقال: اشتكى فلان عينيه، ورُدّ عليه برواية التثنية المذكورة، اهـ. (أفنكحلها) بالنون على صيغة جمع المتكلم في النسخ الهندية، والفوقية بصيغة الواحد المؤنث في النسخ المصرية وضمير المفعول بالإفراد في الأول. والتثنية في الثاني، والحاء مضمومة على كل حال (فقال رسول الله وَل: لا) تكتحلها قال ذلك (مرتين أو ثلاثاً) شك من الراوي (كل ذلك) بالنصب وفي النسخة بالرفع (يقول لا) قال الطيبي: صفة مؤكدة لقوله: ثلاثاً، قال ابن ملك: فيه حجة لأحمد على أنه لا يجوز الاكتحال بالإثمد للمتوفى عنها زوجها، لا في رمد ولا في غيره، وعندنا وعند مالك يجوز الاكتحال به في الرمد، وقال الشافعي: تكتحل بالرمد ليلاً، وتمسحه نهاراً، وقال بعض علمائنا: يحتمل أنها أرادت التزيّن، وقد علم النبي ◌َّر، فنهاها، كذا في ((المرقاة))(١). (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣١/٦). ٤٧٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث وقال الموفق(١): تجتنب الحادّةُ ما يدعو إلى جماعها، ويُرَغِّبُ في النظر إليها ويُحَسِّنُها، وذلك أربعة أشياء: أحدها: الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد، الثاني: اجتناب الزينة، وذلك واجب في قول عامة أهل العلم، وهو ثلاثة أقسام؛ أحدها: الزينة نفسها، فيحرم عليها أن تختضب، وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة، لرواية أم سلمة وغيرها، ولأن الكحل من أبلغ الزينة وتحرك الشهوة فهي كالطيب وأبلغ منه. وحكي عن بعض الشافعية أن للسَّوْداء أن تكتحل، وهو مخالفٌ للخبر والمعنى، فإنه يُزَيِّنُها وَيُحَسِّنُها، وإن اضطرت الحادَّةُ إلى الكحل بالإثمد للتداوي، فلها أن تكتحل ليلاً وتمسحه نهاراً، ورخّص فيه عند الضرورة عطاءً، والنخعي، ومالك، وأصحاب الرأي، وإنما منع من الكحل بالإثمد؛ لأنه الذي تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتُّوتِيَا(٢) والعَنزروت(٣) ونحوهما، فلا بأس به؛ لأنه لا زينة فيه، بل يقبح العين ويزيدها مَرَهاً (٤)، اهـ. وقال النووي: في حديث الباب دليل على تحريم الاكتحال على الحادة، سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في حديث أم سلمة في ((الموطأ)) وغيره: ((اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار))، ووجه الجمع أنها إذا لم تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه، فإن (١) («المغني)) (٢٨٥/١١). (٢) التوتيا: تكون في المعادن، منها بيضاء، ومنها إلى الخضرة، ومنها إلى الصفرة مشربٌ بحمرة، وهي جيدة لتقوية العين، ((الجامع لمفردات الأدوية)) (١/ ١٤٣). (٣) العنزروت: هو الأنزروت، وهو صمغ شجرة تنبت في بلاد الفرس، شبيهة بالكندر صغيرة الحصا، في طعمه مرارة، ولونه إلى الحمرة، تقطع الرطوبة السائلة في العين، ((الجامع لمفردات الأدوية))، (٦٣/١). (٤) مرهت الغين: ابيضت حماليقها، أو فسدت لترك الكحل. ٤٧٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث فعلت مسحته بالنهار، قال: وتأوّل بعضُهم حديث الباب على أنه لم يتحقق الخوف على عينها، وتعقب بأن في حديث شعبة: ((فخشوا على عينها)) وفي أخرى: ((رمدت رمداً شديداً، وقد خشيت على بصرها))، وفي رواية الطبراني ((أنها قالت في المرة الثانية: إنها تشتكي عينها فوق ما يظن، فقال: لا)). وفي رواية عند ابن حزم: ((إني أخشى أن تنفقئ عينها قال: لا، وإن انفقأت))، وسنده صحيح، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقاً، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بمالا طيب فيه، وبه قالت الشافعية مقيداً بالليل. وأجابوا عن قصة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل، كالتضميد بالصَبِر، ومنهم من تأوّل النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيّن؛ لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة. وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه جمعاً بين الأدلة، كذا في ((الفتح)) (١). وقال الباجي(٢): يحتمل أن المرأة اشتكت عينيها وقد برئت أفتتمادى على الاكتحال، ويحتمل أن تريد أنها اشتكت عينيها، وهي الآن على ذلك إلا أنها استأذنت في كحل زينة، ولم تستأذن فيما تداوى به العين مما لا زينة فيه مما يجعل خارج العين، أو يقطر فيه، فلا تكون فيه زينة، فمنعها وَّله من ذلك، لما رأى أنها سالمة عما لا ضرورة بها إليه. ووجدت لمالك، ولم أتحققه أنه قال: لا تكتحل المتوفى عنها زوجها بالإثمد، ولا بشيء فيه سواد، ولا بصفرة أو شيء يغير الألوان، ولا تكتحل بالإثمد فيه طيب، وإن اشتكت عينيها، فإن صحت عنه هذه الرواية، فمعناها (١) ((فتح الباري)) (٤٨٨/٩). (٢) ((المنتقى)) (١٤٥/٤). ٤٧٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً. وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ)). قَالَ حُمَيْدُ بْنُ نَافِعِ. فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبِّ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ أن لا تدعو إلى ذلك ضرورةً، فقد أشار في الحديث إلى أنها تكتحل بما فيه صبر، إذا دعت إلى ذلك ضرورة، وهو المعروف من مذهبه. ويحتمل أن يكون النبي وَل قد فهم منه خِفّة المرض ويسارة الصبر عليه، وأنه يرجى برؤه من غير كحل، ولذلك قالت أم سلمة لامرأة حادٍّ على زوجها اشتكت عينيها: اكتحلى بكحل الجلاء بالليل، وامسحيه بالنهار، وقال ابن المواز عن مالك: إن اكتحلت من علة وضرورة بالصبر بالليل فلتمسحه بالنهار، وإن كان فيه طيب عند الضرورة فدين الله يُسْرٌ، وقال مالك في ((المختصر الصغير)): لا تكتحل الحاد إلا أن تضطر، فتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار من غير طيب يكون فيه، فيحتمل أن يريد بهذا أنها لم تضطر إليه، اهـ. (ثم قال) بَير: (إنما هي أربعة أشهر وعشراً) بالنصب على حكاية لفظ القرآن، وفي رواية بالرفع وهو واضح، وفيه إشارة إلى تقليل المدة بالنسبة لما كان قبل ذلك وتهوين الصبر عليها، ولذا قال بعد ذلك: (وقد كانت إحداكن في الجاهلية) إشارة إلى أن الحكم في الإسلام بخلافه، وهذا كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمرّ في القرآن بنص القرآن، ثم نسخت بآية التربص، والناسخ مقدم تلاوةً، متأخرٌ نزولاً، ولم يوجد في سورة واحدة إلا في هذه، وأما في سورتين فموجود، قاله عياض، اهـ. (ترمي بالبعرة) بفتح الموحدة والعين وتسكن، واحدة البعر، والجمع أبعار، رجيعُ ذي الخف (على رأس الحول) أي بعد تمام السنة (قال حميد) بن نافع بالإسناد السابق (فقلت لزينب) بنت أبي سلمة (وما) معنى قوله ◌َّ: (ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة) في الجاهلية (إذا تُوُفّ) ٤٧٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حدیث عَنْهَا زَوْجُهَا. دَخَلَتْ حِفْشاً وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا. وَلَمْ تَمَسَّ طِيباً وَلَا شَيْئاً حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ. ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ. حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرِ. فَتَفْتَضُ بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُ بِشَيْءٍ إِلَّ مَاتَ. بضمتين ببناء المجهول (عنها زوجها دخلت حِفْشاً) بكسر الحاء وسكون الفاء سيأتي معناه في كلام مالك (ولبست) بكسر الموحدة (شرَّ ثيابها) أي أردأها، وفي رواية للصحيحين ((شرَّ أحلاسها)) جمع حِلْس بكسر فسكون (ولم تمسّ) كذا في جميع النسخ الهندية وأكثر المصرية بالإدغام، وفي ((الزرقاني))(١) بفكّ الإدغام، وقال: بفتح أوله وسكون الميم، فسينين أولاهما ساكنة، وفي رواية: ((لم تمسّ)) بالإدغام، اهـ. (طيباً ولا شيئاً) آخر نحوه مما يتزين به (حتى تمر بها سنة) من موت زوجها . (ثم تُؤْتَى) ببناء المجهول (بدايَةٍ، حمار أو شاةٍ أو طيرٍ) ثلاثتها مجرورة على البدلية، من الدابة، و((أو)) للتنويع، وإطلاق الدابة على الشاة والطير باعتبار اللغة، قال أهل اللغة: الدّابة ما يدبُّ على الأرض، ويغلب استعمالها على ما يركب. (فتفتضّ به) بفاء فمثناة مفتوحة ففاء ساكنة (فقلّما تفتضّ بشيء) مما ذكر (إلا مات) قال صاحب ((المجمع)): تفتضُّ(٢) به أي تكسر ما هي فيه من العدة، بأن تأخذ طيراً، فتمسح به فرجها وتنبذه، ولا يكاد يعيش ما تفتضّ به، وقيل: تمسح به، وتغتسل حتى تصير كالفضة، وتذهب الدرن، اهـ. وقال الباجي(٣): قال مالك: معناه تتمسح به كالنشرة، وقال ابن زيد عن عيسى عن ابن وهب: تفتض تمسح بيدها عليه أو على ظهره، وقيل: إن معنى (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٣٣/٣). (٢) وفي ((الاستذكار)) (٢١٥/١٨) تمسح به جلدها . (٣) ((المنتقى)) (١٤٦/٤). ٤٧٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث ثُمَّ تَخْرُجُ. فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا . ذلك أنها تنظف به حتى يصير كالفضة، ويبعد هذا في الحيوان؛ لأنه لا يتأتّى به هذا، وإنما يتأتى به ما وصفه مالك، وقال ابن مزيّن عن عيسى: إن معنى تفتض تتمسح به، لعلها لأنها كانت تقيم حولاً، لا تغتسل ولا تمسّ طيباً، فيكثر عليها الوسخ، وتشتدّ رائحة العرق. فَقَلَّ تتمسحُ بشيءٍ إلا مات، اهـ. وفي ((البخاري)): سئل مالك؛ ما تفتض به؟ قال: تمسح جلدها، وقال الحافظ(١): أصل الفض الكسر أي تكسر ما كانت فيه، وتخرج منه بما تفعله بالدابة، وقال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض؟ فذكروا أن المعتدة كانت لا تمسّ ماءً، ولا تقلم ظفراً، ولا تزيل شعراً، ثم تخرجُ بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضّ أي تكسر ما هي فيه من العدة بطائرٍ تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش بعد ما تفتض به، قال الحافظ: وهذا لا يخالف تفسير مالك؛ لأنه أخصّ منه، لأنه أطلق الجلد، وتبيّن أن المراد به جلد القبل، اهـ. وفي ((المحلى)): نقل الأزهري عن ((أم الشافعي)) بالقاف والموحدة والصاد المهملة، أي تعدو بسرعة نحو منزل أبويها؛ لأنها كالمستحية من قُبح منظرها، وكذا هو في رواية النسائي، اهـ. هكذا ذكره الحافظ برواية النسائي والشافعي، وقال: الأول أشهر، وهكذا ذكر معناه صاحب ((المجمع)) وقال: المشهور رواية الفاء والمثناة، اهـ. قلت: والنسخة التي بأيدي من النسائي فيها مثل رواية الجمهور. (ثم تخرج) المعتدّة من الحِفْش (فتعطى) ببناء المجهول (بعرة) من بعر الإبل أو الغنم (فترمي) ببناء الفاعل (بها) أي البعرة أمامها، فيكون ذلك إحلالها، كذا في رواية ابن الماجشون عن مالك، وفي رواية ابن وهب عنه: ((من وراء ظهرها)) قلت: هكذا في أكثر الروايات ((من خلفها))، فقد أخرج (١) ((فتح الباري)) (٤٨٩/٩). ٤٧٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث النسائي برواية زهير عن يحيى بن سعيد عن حميد، وفيه: ((فرمت ورائها ببعرة)»، وجعلها من كلام زينب موقوفاً مثل ((الموطأ))، وأخرج برواية حماد عن يحيى بن سعيد مرفوعاً بلفظ: ((قد كانت إحداكن في الجاهلية إذا تُوفي عنها زوجها أقامت سنة، ثم قذفت خلفها ببعرة)). واختلفت الروايات في الرمي بالبعرة رفعاً ووقفاً، وهو موقوف في حديث الباب، وهكذا عند البخاري بهذا السند، قال الحافظ (١): هكذا في هذه الرواية، لم تسنده زينب، ووقع في رواية شعبة عند البخاري وغيره(٢) مرفوعاً كله، لكنه باختصار، ولفظه: ((فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شرِّ أحلاسها أو شر بيتها، فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة، فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشراً))، وهذا لا يقتضى إدراج رواية الباب؛ لأن شعبة من أحفظ الناس، فلا يقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعل الموقوف ما في رواية الباب من الزيادة التي ليست في رواية شعبة، اهـ. ثم قال(٣): وظاهر رواية شعبة أن رميها البعرة يتوقف على مرور الكلب، سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر. وبه جزم بعض الشراح، وقيل: ترمي بها من عَرَضَ من كلب أو غيره، ترى من حضرها أن مقامها حولاً أهون عليها من بعرة ترمي بها كلباً أو غيره، وقال عياض: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مر افتضّت به، ثم رمت البعرة، قال الحافظ: ولا يخفى بُعْده، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظاً، فإنه لا منافاة بين الروايتين حتى يحتاج إلى الجمع. (١) ((فتح الباري)) (٤٨٩/٩). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٨/ ٢٢٧). (٣) ((فتح الباري)) (٤٩٠/٩). ٤٧٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٣) حديث ثُمَّ تُرَاجِعُ، بَعْدُ، مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْحِفْشُ الْبَيْتُ الرَّدِيءُ واختلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدَّةَ رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها استحقاراً له، وتعظيماً لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك، اهـ. وقال الكرماني: يحتمل أن يكون الباء في تفتضّ به للتعدية أو زائدة، يعني تفتضّ الطائر بأن تكسر بعض أعضائه، ولعل غرضهن منه الإشعار بإهلاك ما كُنَّ فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلية، وقال الحافظ: يرده ما تقدم من تفسير الافتضاض صريحاً، اهـ. (ثم تراجع) بضم الفوقية فراء فألف فجيم مكسورة (بعد) بالرفع على البناء أي بعد ما تقدم من الافتضاض والرمي (ما شاءت من طيب أو غيره) مما كانت ممنوعة منه للعدة. (قال مالك: الحِفُشْ) المراد منه (البيت الرديُّ) قال الباجي(١): روى ابن وهب عن مالك: الحفش البيت الصغير، وكذا قال الخليل، وقال أبو عبيد(٢): الحفش الدرج، وجمعه أحفاش، ولعله شَبَّهَ البيت الصغير به وسمّاه باسمه، اهـ. وقال الحافظ: فسره أبو داود في روايته من طريق مالك البيت الصغير، وعند النسائي من طريق ابن القاسم عن مالك: الحفش الخُصُّ، بضم المعجمة بعدها مهملة، وهو أخص من الذي قبله، وقال الشافعي: الحفش البيت الذليل (١) ((المنتقى)) (١٤٦/٤). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٢٣/١٨). ٤٧٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (١٢٢٤) حديث وَتَقْتَضُّ تَمْسَحُ بِهَا جِلْدَهَا كَالنُّشْرَةِ. أخرج هذه الأحاديث الثلاثة: البخاريّ في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٤٦ - باب تحدّ المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً. ومسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، ٩ - باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة، حديث ٥٨. ١٠٤/١٢٢٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ صَلىالله أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ زَوْجَي النَّبِيِّ وسلم الشعث البناء، وقيل: هو شيء من خوص يشبه القُفَّةَ(١) تجمع فيه المعتدة متاعها من غزل أو نحوه، وظاهر سياق القصة يأبى هذا خصوصاً رواية شعبة، وكذا وقع في رواية النسائي: ((عمدت إلى شر بيت لها، فجلست فيه)»، ولعل أصل الحفش ما ذكر، ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة، اهـ. (وتفتض) معناه (تمسح به جلدها كالمنشرة) هكذا في جميع النسخ الهندية، وضبطه صاحب ((المحلى)) بضم الميم وكسر الشين المشددة من التنشير، وفي جميع النسخ المصرية ((كالنشرة))، يعني بضم النون وسكون الشين المعجمة، قال ((صاحب المحلى)): بضم الميم وكسر الشين من التنشير بمعنى الرقية ودفع السحر، أي تمسح الجلد كفعل المرأة التي تدفع عن نفسها السحر، وفي ((القاموس)): التنشير: التعويذ بالنشرة، وهي بالضم رقية يعالج بها المجنون والمريض، اهـ. وتقدم في الحديث الكلام على معناه مفصلاً. ١٠٤/١٢٢٤ - (مالك عن نافع) مولى ابن عمر (عن صفية بنت أبي عبيد) زوجة ابن عمر - رضي الله عنه - (عن عائشة وحفصة) أمي المؤمنين (زوجي النبي وَّ) (١) القُفَّةُ: ((الزنبيل)). ٤٨٠