Indexed OCR Text
Pages 441-460
٢٨ - كتاب الطلاق (٣٣) باب (١٢١٤) حديث وَإِنَّهَا إِنْ عَتَقَتْ وَلَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ، ثُمَّ لَمْ تَخْتَرْ فِرَاقَهُ بعد العتق، حَتَّى يَمُوتَ، وَهَيَ فِي عِدَّتِهَا مِنْ طَلَاقِهِ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وعشْراً. وَذُلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا وَقَعَتْ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ بَعْدَمَا عَتَقَتْ. فَعِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ. كان الطلاق بائناً لم تنتقل إلى عدة الوفاة؛ لأنها ليست من الزوجات، كما لو انقضت العدة، اهـ. وذلك لأن المرأة ما دامت في العدة من الرجعي تكون في حكم الزوجات. قال الموفق(١): الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ولعانه ويرث أحدهما صاحبه بالإجماع، اهـ. وتقدم في أول عدة الأمة من طلاق زوجها في كلام الموفق بحثاً أن عدة الرجعية تنتقل إلى عدة الوفاة لو مات (وإنها) أي الأمة (إن عتقت وله) الواو حالية (عليها رجعة) يعني عتقت في العدة من الرجعي . (ثم لم تختر فراقه بعد العتق حتى يموت وهي) الواو حالية (في عدتها من طلاقه) الرجعي (اعتدت عدة الحرة المتوفى عنها زوجها) وهي (أربعة أشهر وعشراً) يعني تنتقل عِدَّتُها إلى عدة الحرائر؛ لأن الموت صادفها، وهي حرة، ولكونها في العدة من الرجعي في حكم الزوجات، فكان الموت صادفها، وهي زوجة. وإليه أشار بقوله: (وذلك) أي وجه الانتقال إلى عدة الحرائر (أنها إنما وقعت عليها) أي لزمها (عدة الوفاة) وهي حرة لأن زوجها مات (بعد ما عتقت فعدتها عدة الحرة) قال الزرقاني(٢): فلو كان الطلاق بائناً لم ينقلها موته في عدتها على المذهب، اهـ، وذلك لأن المطلقة البائنة ليست بزوجة. (١) ((المغني)) (٥٥٤/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٦/٣). ٤٤١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا. (٣٤) باب ما جاء في العزل قال الباجي(١): قوله: ولم تختر فراقه يريد أنها لو اختارت فراقه لبانت بذلك عنه، ولم يكن لها حكم الزوجات، ولا انتقلت إلى عدة الوفاة، فإذا لم تختر فراقه بقيت على حكم الرجعة، فكانت من الأزواج يلزمها بموته الانتقال إلى عدة الوفاة، فإذا توفي بعد الحرية لزمتها عدة الوفاة وهي حرة، فكان عليها عدة الحرائر أربعة أشهر وعشراً، ولو توفي عنها وهي أمة، ثم أعتقت بعد ذلك لم تكن عليها إلا عدة الإماء؛ لأن العدة وجبت عليها وهي أمة، فلا ينقلها عن حكم الإماء ما طرأ بعد ذلك من الحرية، اهـ. (قال مالك: وهذا الأمر) الثابت (عندنا) وبهذا قال الجمهور حتى قالوا: إن العتق في العدة عن الرجعي يُغَيِّرُ العدة إلى عدة الحرة، وفَرَّقَ الإمام مالك في العتق والموت حتى قالوا: إن العتق لا يغير العدة، والموت يغيرها، وتقدم في أول عدة الأمة من طلاق زوجها وجه الفرق بينهما، وتقدم هناك أن الجمهور لم یفرق بينهما . (٣٤) ما جاء في العزل هو أن ينزع الذكر إذا قرب الإنزال، وأنزل خارج الفرج، ولا ينزل داخله، من قولهم: عزله إذا نَجَّاه وصرفه، وقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في جوازه ومنعه، فأباحه جابر وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وزيد بن ثابت وابن مسعود، ومنعه ابن عمر - رضي الله عنهما -، وقال: لو علمت أن أحداً من ولدي يعزل لنكلتُه، وقال: ضرب عمر - رضي الله عنه - بعض بنيه على العزل، وعند سعيد بن منصور عن ابن المسيب أن عمر وعثمان كانا ينكران (١) ((المنتقى)) (١٤١/٤). ٤٤٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب العزل، وقال أبو أمامة: ما أرى مسلماً يفعله، وعند أبي عوانة أن علياً - رضي الله عنه - كان يكرهه، كذا في ((التعليق الممجد))(١). وقال الموفق(٢): العزل مكروه، ورُويت كراهته عن عمر - وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، ورُوي ذلك عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أيضاً، ورويت الرخصة فيه عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وأبي أيوب، وزيد بن ثابت، وجابر، وابن عباس، والحسن بن علي، وخباب بن الأرت، وابن المسيب، وطاووس، وعطاء، والنخعي، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي، وروى أبو سعيد قال: ذُكِرَ يعني العزل عند رسول الله وَّ فقال: ((لِمَ يَفْعَلُ أحدُكم)) ولم يقل: لا يفعل، اهـ. وحكى الحافظ في ((الفتح)) (٣) عن ابن حزم تحريم العزل، لقوله عليه السلام: ((ذلك الوأد الخفيّ)) أخرجه مسلم، وحكاه وجهاً للشافعية، كما سيأتي في كلامه في آخر الباب. واختلف في علة النهي، فقيل: لِتفويت حق المرأة، وقيل: لقطع اللذة عنها، فقد روي عنه وَلو أنه قال: ((إذا جامع الرجل أهله فليقصدها، ثم إذا قضى حاجته، فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها))، وقيل: لما فيه من تقليل النسل، وقد حثّ النبي وَلّل على تكثير النسل، فقال: ((تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم)) رواه أبو داود(٤)، وقال: سوداءُ ولودٌ خير من حسناء عقيم(٥)، ذكره الموفق، وقيل: لما فيه من معاندة القدر. (١) (٤٩٥/٢). (٢) ((المغني)) (٢٢٨/١٠). (٣) ((فتح الباري)) (٣٠٨/٩). (٤) ((سنن أبي داود)) (٢٠٥٠). (٥) أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢٥٨/٤). ٤٤٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حدیث ٩٥/١٢١٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَرَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. ٩٥/١٢١٥ - (مالك عن ربيعة) الرأي (ابن أبي عبد الرحمن) فروخ (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة، قال ابن عبد البر(١): هذا من رواية النظير عن النظير والكبير عن الصغير (عن ابن محيريز) بضم الميم وفتح حاء مهملة مصغراً اسمه عبد الله (أنه قال: دخلت المسجد، فرأيت أبا سعيد الخدري) الصحابي الشهير جالساً في المسجد (فجلست إليه) مقتبساً لفرائده (فسألته عن العزل) أي حكمه أهو جائز أم لا؟ (فقال أبو سعيد الخدري) في جوابه على حسب دأبهم في مثل هذه الأمور أنهم يخبرون ما عندهم عن رسول الله وَّر في ذلك من القول والفعل والتقرير. (خرجنا مع رسول الله وَّر في غزوة بني المصطلق) بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملتين وكسر اللام آخره قاف لقب، واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، بطن من خزاعة ولُقِّبَ جذيمة بذلك لحسن صوته، وكان أول من غَنَّى من خزاعة، وأصل المصطلق مصتلق، أبدلت التاء طاء للصاد، قاله القسطلاني(٢). واختلف في هذه الغزوة في أنها سنة ست أو خمس أو أربع، وقيل: من قال: سنة أربع فهو سبق قلم، ورجح الحافظ كونها سنة خمس، وقال صاحب (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٢٦/٣). (٢) ((إرشاد الساري)) (٦٢٧/٥). ٤٤٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حديث فَأَصَبْنَا سَبْياً مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ. ((الخميس)): هو الأصح، وجزم الطبري وغيره بسنة ست(١)، وبه جزم ((صاحب المجمع))، وسببها أنه بلغ النبي و ﴿ أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، فخرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم، يقال: المُرَيسيع، قريب إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزمهم الله، وقتل منهم وَنَفَّل رسول الله وَّ نساءهم وأبناءهم وأموالهم، كذا ذكره ابن إسحاق بأسانيد مرسلة. والذي في البخارى من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة، ولفظه ((أن النبي ◌ّ﴾ أغار على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم يستقي على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم))، الحديث، فيحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلاً، فلما كثر فيهم القتل انهزموا، كذا في ((الفتح)) (٢). وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((غزوة بني المصطلق من خزاعة، وهي غزوة المريسيع))، قال الحافظ: بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة، ماء لبني خزاعة. (فأصبنا سبياً) أي الجواري المسبيات قال المجد: السبي ما يُسْبَى (من سبي العرب) أي نسائهم، وتقدم من حديث ابن عمر عند البخاري، ((فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم))، وفي رواية لمسلم(٣): فسبينا كرائم العرب، وهذه الروايات وما في معناها صريحةٌ في أن القصة لغزوة بني المصطلق، وروى موسى بن عقبة عن ابن محيريز عن أبي سعيد، فقال: أصبنا سبياً من سبي (١) قال ابن عبد البر في نحو سنة ستٍّ من الهجرة، والغزوة تعرف بغزوة المريسيع، وغزوة بني المصطلق عند أهل السير، ((الاستذكار)) (١٩٧/١٨). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٣٠/٧). (٣) أخرجه مسلم في النكاح (١٤٣٨) باب حكم العزل. ٤٤٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حديث فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ. هوازن، وذلك يوم حنين سنة ثمان، قال القرطبي: وَهِمَ موسى بن عقبة في ذلك، كذا في ((العيني)). قال النووي(١): فيه دلالة لمذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرق، كما يجري على العجم، وبهذا قال مالك والشافعي في قوله الجديد الصحيح، وقال أبو حنيفة والشافعي في القديم: لا يجري عليهم الرق لشرفهم. وفي ((الهداية))(٢): لا توضع الجزية على عبدة الأوثان من العرب ولا المرتدين، لأن كفرهما قد تَغَلَّظ، أما مشركو العرب فلأنه وَلّ نشأ بين أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، والمعجزة في حقهم أظهر، وأما المرتد فلأنه كفر بربه بعد ما هدي للإسلام، ووقف على محاسنه، فلا يقبل من الفريقين إلا الإسلام أو السيف زيادةً في العقوبة، وعند الشافعي يسترق مشركوا العرب، وجوابه ما قلنا، فإذا ظهر عليهم، فنساؤهم وصبيانهم فيءٌ؛ لأن أبا بكر الصديق استرقَّ نسوان بني حنيفة وصبيانهم لما ارتدوا، وقسمهم بين الغانمين. قال ابن الهمام (٣): والنبي وَل استرق ذراري أوطاس وهوازن، وهذا يدل على أن نسبة عدم جواز استرقاق العرب إلى الحنفية غير صحيحة، فإن كتب الحنفية مصرحة بأن استرقاق الرجال غير جائز، وأما استرقاق نسائهم وصبيانهم فجائز، فعلى هذا ما ذكر في هذا الحديث من استرقاق سبايا بني المصطلق لا يخالف مذهب الحنفية، ولا يحتاج إلى تأويله، كذا أفاده الشيخ في ((البذل))(٤). (فاشتهينا النساء) أي جماعهن، واستدل بذلك مَنْ أجاز وطء المشركات (١) ((شرح صحيح مسلم)) (١١/١٠/٥). (٢) (٤٠٢/١). (٣) ((فتح القدير)) (٢٩٣/٥). (٤) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٢٧/١٠). ٤٤٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حديث بملك اليمين، كطاووس وغيره، خلافاً لفقهاء الأمصار، فهم الأئمة الأربعة، كما تقدم في أول النهي عن نكاح إماء أهل الكتاب، وأجاب عنه الجمهورُ بوجوده، كما تقدم هناك. وقال الباجي(١): يحتمل أن بني المصطلق وإن كانوا من العرب يدينون بدين أهل الكتاب، فلذلك جاز للمسلمين وطؤُهن بملك اليمين والنكاح، لقوله تعالى: ﴿وَالْحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ويحتمل أن يكونوا ممن يدين بدين العرب، فاستباح المسلمون وطء من أسلم منهن، اهـ. وقال الحافظ(٢): قد انفصل عنه من منع وطء المشركات بملك اليمين باحتمال أن يكونوا ممن دان بدين أهل الكتاب وهو باطل، وباحتمال أن يكون ذلك في أول الأمر ثم نسخ، وفيه نظر، إذ النسخ لا يثبت بالاحتمال، وباحتمال أن تكون المسبيات أسلمن قبل الوطء، وهذا لا يتم مع قوله في الحديث: أحببنا الفداء، فإن المسلمة لا تعاد للمشرك. نعم، يمكن حمل الفداء على معنى أخص، وهو أنهن يفدين أنفسهن، فيعتقن من الرق، ولا يلزم منه إعادتهن للمشركين، وحمله بعضهم على إرادة الثمن؛ لأن الفداء المتخوف من فوته هو الثمن، ويؤيد هذا الحمل قوله في الرواية الأخرى: فقال: يا رسول الله إنا أصبنا سبياً ونحب الأثمان، فكيف ترى في العزل؟ وهذا أقوى من جميع ما تقدم، اهـ. قلت: وهذا لفظ البخاري في (باب بيع الرقيق))، وقال العيني (٣): اختلف (١) ((المنتقى)) (١٤٢/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٣١٠/٩). (٣) ((عمدة القاري)) (٥٥٩/٨). ٤٤٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حديث وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبةُ . فيهم هل كانوا أهل كتاب أم لا؟ على قولين، قال أبو محمد الأصيلي: كانوا عبدة أوثان، وإنما جاز وطؤهن قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾(١) وقال الداودي: كانوا أهل كتاب، وقال ابن التين: الظاهر الأول، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر (٢): اختلف السلف في حكم الوثنيات والمجوسيات فأجازه ابن المسيب وعطاء وطاووس ومجاهد، وهذا قول شاذ لم يلتفت إليه أحد من العلماء، واتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز وطء الوثنيات لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وإنما أباح الله تعالى وطء نساء أهل الكتاب خاصة، وإنما أطبق الصحابة على وطء سبايا العرب بعد إسلامهن؛ لأن سبي هوازن كان سنة ثمان، وسبي بني المصطلق سنة ست، وسورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، فقد علموا قوله تعالى: ﴿وَلَا نَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنٌ﴾ وتقرر عندهم أنه لا يجوز وطء الوثنيات البتة حتى یسلمن . وروى عبد الرزاق بسنده عن الحسن يقول: كنا نغزو مع أصحاب رسول الله ◌َ، فإذا أصاب أحدهم جارية من الفيء، فأراد أن يصيبها أمرها فاغتسلت ثم علّمها الإسلام، وأمرها بالصلاة واستبرأها بحيضة ثم أصابها، اهـ. (واشتدَت) أي قويت (علينا العزبة) بضم المهملة والزاي الساكنة فقد الأزواج والنكاح، قال في ((القاموس)): العزب محركة: من لا أهل له، ولا تقل أعزب، أو قليل، والاسم: العُزْبَةُ والعُزُوبَةُ بضمتين، قاله القسطلاني، وقال القرطبي: أي تعذّر علينا النكاح لتعذر أسبابه؛ لا أن ذلك لطول الإقامة؛ لأن غيبتهم عن المدينة لم تطل. (١) سورة البقرة: الآية ٢٢١. (٢) ((عمدة القاري)) (٣٤٦/٩). ٤٤٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حديث وأَخْبَيْنَا الْفِدَاءَ. قال الزرقاني(١): وفيه نظر، فقد ذكر ابن سعد وغيره أن غيبتهم في هذه الغزوة كانت ثمانية وعشرين يوماً، قلت: ويؤيده أيضاً ما في رواية أخرى: وطالت علينا العزبة. (وأحببنا الفداء) ولمسلم: ((ورغبنا في الفداء))، ويشكل عليه أنهن إن أسلمن، فكيف يجوز الفداء بهن؟ وإن لم يسلمن فكيف يجوز وطؤهن؟ والجواب أن المراد بالفداء القيمة، كما يدل عليه رواية البخاري في باب ((بيع الرقيق))، بلفظ: قال: يا رسول الله إنا نصيب سبايا ونحب الأثمان، فكيف ترى في العزل؟ قال العيني(٢): مطابقته للترجمة من حيث إنه وقّيل لم يمنع عن بيع السبي لما قالوا: إنا نصيب السبي فنحب الأثمان، والأثمان لا تجيء إلا في البيع، قال: نحن نريد أن نبيعهن فنعزل دفعاً لحصول الولد المانع من البيع، إذ أمهات الأولاد حرام بيعها، وهو حجة على داود وغيره ممن يجوز بيعهن، اهـ. وقال الباجي(٣): ظاهره أن الحمل الذي يترقبه من لم يعزل يمنع الفداء وهو البيع، ولا يصح أن يريد به الفداء بالرد إلى الأهل على قولنا: إنهن قد أسلمن؛ لأن من أسلم منهن لم تكن تريد أن ترد إلى الكفار مما كانوا عليه من تعذيب من أسلم والإضرار به، ومع ذلك فالفداء نوع من البيع، فدل هذا على أن الحمل يمنع البيع والفداء. ووجه آخر، وهو أنه لا خلاف أن الحمل لا يمنع الفداء الذي يمنع الرد إلى الأهل في غير المسلمة، ولا يمنعه في المسلمة إذا خرجت إلى حرية، فلم يبق إلا أن يراد ما يمنع الخروج عن ملك السيد إلى الاسترقاق، وعلى هذا (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٧/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٥٨/٨). (٣) ((المنتقى)) (١٤٢/٤). ٤٤٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حديث فَأرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ. فَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ؟ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذُلِكَ. فَقَالَ: «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا. مذهب جميع الفقهاء في جميع الأمصار أنه لا يجوز بيع أم الولد، اهـ. (فأردنا أن نعزل) عن السبايا مخافة الحبل (فقلنا) في أنفسنا أو بعضنا عن بعض (نعزل) بحذف حرف الاستفهام (ورسول الله وَل بين أظهرنا) أي بيننا، والجملة حالية معترضة (قبل أن نسأله) عن العزل هل يجوز أم لا؟ وفي رواية: ((وكنا نعزل ثم سألنا»، وجُمِع بينهما بأن منهم من سأل قبل العزل، ومنهم من سأل بعده، أو معنى نعزل عزمنا عليه، فيرجع معناها إلى الأولى (فسألناه عن ذلك) ولفظ البخاري في ((التوحيد)) برواية الزهري عن ابن مُحَيريز أن أبا سعيد أخبره أنه بينما هو جالس عند النبي صل# جاء رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله إنا نصيب سبياً، ونحب المال، كيف ترى في العزل؟ الحديث. (فقال) ◌َ ل ير، زاد في رواية جويرية عن مالك عند البخاري في النكاح: ((أو أنكم لتفعلون؟)) قالها ثلاثاً، وظاهره أنه وي لتر ما اطلع على فعلهم بعد، (ما عليكم) بأس (أن لا تفعلوا) قال القاري(١): بفتح الهمزة وكسرها، وقيل: الرواية بالكسر أي ليس عليكم ضررٌ أن لا تفعلوا العزل، وقيل: بزيادة لا، ومعناه لا بأس عليكم أن تفعلوا؛ ومن ثم يجوز العزل، ورُوي لا عليكم أن لا تفعلوا، فيحتمل أن يقال: ((لا)) نفيّ لما سألوه، و((عليكم أن لا تفعلوا)) كلام مستأنف مؤكد له، وعلى هذا ينبغي أن تكون مفتوحة، اهـ. وفي ((المحلى)): لا بأس عليكم أن تفعلوا، ولا مزيدة، قاله الفراء، والمعنى لا حرج عليكم أن تفعلوا، اهـ. قال ابن سيرين(٢): قوله: ((لا عليكم أن لا تفعلوا)) أقربُ إلى النهي، وقال ابن عون: قال الحسن: والله لكأن هذا (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٣٧/٦). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٣٠٧/٩). ٤٥٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٥) حديث مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ کَائِنَةٌ». أخرجه البخاريّ في: ٤٩ - كتاب العتق، ١٣ - باب من ملك من العرب رقيقاً . ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ٢١ - باب حكم العزل، حديث ١٢٥. زجرٌ، قال القرطبي: فكأن هؤلاء فهموا من ((لا)) النهي عما سألوه عنه، فكان عندهم بعد ((لا)) حذفاً، تقديره لا تعزلوا، ويكون قوله: ((وعليكم)) تأكيد للنھي، وتعقب بأن الأصل عدم هذا التقدير، وإنما معناه ليس عليكم أن تتركوا، وهو الذي يساوي أن لا تفعلوا . وقال غيره: أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا، ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا إلا إن ادّعى أن ((لا)) زائدة، فيقال: الأصل عدم ذلك، ووقع في رواية مجاهد عند البخاري في التوحيد تعليقاً، ووصله مسلم وغيره: ذُكِرَ العزلُ عند رسول الله وََّ، فقال: ولِمَ يفعل ذلك أحدكم؟ ولم يقل: لا يفعل ذلك. فأشار إلى أنه لم يصرح لهم بالنهي، وإنما أشار أن الأولى ترك ذلك. (ما من نسمة) بفتحات أي نفس (كائنة) صفة نسمة (إلى يوم القيامة) أي قُدِّر في علم الله خلقها إلى يوم القيامة (إلا وهي كائنة) أي مخلوقة لا محالة، سواء عزلتم أم لا، فلا فائدة في العزل. وفي مسلم عن جابر أن رجلاً أتى النبي وَ له فقال: ((إن لي جاريةً هي خادمنا وسانيتُنَا، وأنا أطوف عليها، وأنا أكره أن تُحْمَلَ، فقال: اعزل عنها إن شئت، فإنه سيأتيها ما قُدِّر لها، فلبث الرجل، ثم أتاه، فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قُدّر لها))(١). (١) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٦٤). ٤٥١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٦ - ١٢١٧) حديث ٩٦/١٢١٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّصْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ. ٩٧/١٢١٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ، قلت: ووجه ذلك أن كل نطفة لا يكون منها الولد وما قدر منها الولد، لو أراد أن يعزلها لا يستطيع، بل يخرج في داخل الفرج قبل أن ينزعه. وقال الحافظ(١): في حديث الباب أشار ◌َ له إلى أن الأولى ترك العزل؛ لأنه إنما كان خشية حصول الولد، فلا فائدة في ذلك؛ لأن الله تعالى إن كان قدر خلق الولد، لم يمنع العزل ذلك، فقد يسبق الماء ولا يشعر العازل، فيحصل العلوق، ويلحقه الولد، ولا رادّ لما قضى الله. ٩٦/١٢١٦ - (مالك عن أبي النضر) بالنون والضاد المعجمة سالم بن أبي أمية (مولى عمر بن عبيد الله) بضم العينين (عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه) سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة (أنه كان يعزل) لأنه كان ممن يرى جواز العزل، والأثر هكذا أخرجه البيهقي (٢) برواية ابن بكير عن مالك، وأخرج برواية مصعب بن سعد عن أم ولد لسعد أن سعداً كان يعزل عنها . ١٢١٧/ ٩٧ - (مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله) المذكور قبل (عن ابن أفلح) هكذا في أكثر النسخ المصرية، وهو المؤيد بكتب الرجال فهو الأوجه، وفي النسخ الهندية ((أبي أفلح)) وفي نسخة الزرقاني ((ابن أبي أفلح)) وكلاهما ليس بوجيه، وفي ((موطأ محمد))(٣) عبد الرحمن بن أفلح، وقال (١) ((فتح الباري)) (٣٠٧/٩). (٢) انظر: ((السنن الكبرى)) (٢٣١/٧). (٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٩٧/٢). ٤٥٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٨) حديث مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ. ٩٨/١٢١٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْزِلُ. وَكَانَ يَكْرَهُ الْعَزْلَ. صاحب ((التعليق)): هكذا في عدة نسخ، وكذا في ((شرح القاري))، اهـ، هكذا في ((البيهقي)) كما سيأتي لكني لم أجده في ((التهذيب))، ولا ((التعجيل)). (مولى أبي أيوب) الأنصاري الصحابي الجليل، قال الحافظ في ((التهذيب))(١): عمر بن كثير بن أفلح المدني مولى أبي أيوب الأنصاري، قال النسائي وابن المديني والعجلي: ثقة، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وكأنه لم يصح عنده لُفِيّه للصحابة، فأخّر ذكره في أتباع التابعين، اهـ. روى له الستة غير النسائي، ففي ((مسند مالك)) (عن أم ولد لأبي أيوب الأنصاري) لم تسم (أنه)، أي أبا أيوب، وصرح به في ((موطأ محمد)) فقال: إن أبا أيوب (كان يعزل) وأخرجه البيهقي برواية ابن بكير عن مالك عن أبي النضر عن عبد الرحمن بن أفلح عن أم ولد لأبي أيوب عن أبي أيوب أنه كان يعزل، وأخرجه ابن أبي شيبة برواية الضحاك عن أبي النضر عن عبد الرحمن بن أفلح قال: نكحت أم ولد أبي أيوب فأخبرتني أن أبا أيوب كان يعزل. ٩٨/١٢١٨ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان لا يعزل، وكان يكره العزل) أشد الكراهة حتى كان يضرب بنيه على العزل، كما أخرجه البيهقي برواية ابن عون عن نافع عنه، قال الباجي(٢): روي عن سعد وأبي أيوب أنهما كانا يعزلان، وكره ذلك ابن عمر، هذا مما اختلف فيه الصحابة، فذهب الجمهور إلى إباحته، وذهب ابن عمر وغيره إلى كراهته، والذي عليه جمهور الفقهاء أن العزل جائز على شروطٍ سنذكرها، اهـ. (١) (٤٩٣/٧). (٢) ((المنتقى)) (١٤٢/٤). ٤٥٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٩) حديث ٩٩/١٢١٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَازِنِيِّ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَزِيَّةَ؛ أَنَّهُ كَانَ جَالِساً عِنْدَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. فَجَاءَهُ ابْنُ قَهْدٍ، ٩٩/١٢١٩ - (مالك عن ضمرة) بفتح المعجمة وإسكان الميم (ابن سعيد) بكسر العين (المازني) الأنصاري (عن الحجاج بن عمرو) بفتح العين (ابن غزية) بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتية الأنصاري المازني المدني صحابي، كذا في ((التقريب)) (١) وذكره الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة)) (٢) وذكره بعضهم في التابعين، منهم العجلى وابن البرقي، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل المدينة، وشهد مع علي - رضي الله عنه - بصفين، من رواة الأربعة. (أنه كان جالساً عند زيد بن ثابت) الأنصاري (فجاءه ابن فهد) بالفاء في النسخ الهندية، ونسخة الباجي من المصرية، وهكذا في البيهقي بالفاء، وفي أكثر النسخ المصرية من ((الموطأ)) بالقاف، وهكذا في ((موطأ محمد))، وقال صاحب ((التعليق)) (٣): بفتح القاف وسكون الهاء فدال مهملة على ما في ((المغني) اهـ. قلت: ونص ((المغني)) (٤) هكذا: قيس بن قهد بفتح قاف وسكون هاء فدال مهملة، وقيل: قيس بن عمرو بن فهد، وابن قهد كذا جاء في ((الموطأ)) غير منسوب بقاف مفتوحة، وقيل: بفاء إذ لا يُعرف بقاف إلا قيس بن قهد الصحابي، اهـ. (١) ((تقريب التهذيب)) (ص ١٥٣). (٢) (٣٢٨/١). (٣) ((التعليق الممجد)) (٤٩٨/٢). (٤) ((المغني في ضبط أسماء الرجال)) (ص٢٠٦). ٤٥٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٩) حديث رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ. إِنَّ عِنْدِي جَوَارِيَ لي ◌َيْسَ نِسَائِي الَّلاَتِي أُكِنُّ (رجل من أهل اليمن) بدل من ابن قهد، قال الزرقاني(١): بالقاف المفتوحة، ضبطه ابن الحذّاء، وجوّز أنه قيس بن قهد الصحابي، قال في (التبصرة)): وفيه بعدٌ، ولعل وجه قوله: رجل من أهل اليمن، فإن قيساً الصحابي من الأنصار، فيبعد أن يقال فيه ذلك، وإن كان أصل الأنصار من اليمن، اهـ. وذكر الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة)): قيس بن قهد الأنصاري، ولم يذكر فيه كونه من أهل اليمن، وذكر الاختلاف في أنه هو وقيس بن عمرو واحد أو اثنان؟ ورجح التفريق. (فقال) ابن قهد: (يا أبا سعيد) كنية زيد بن ثابت (إن عندي جواري لي) بفتح الجيم جمع جارية (ليس نسائي اللاتي أُكِنُّ) هكذا في جميع النسخ المصرية بزيادة الألف قبل كُنَّ، وهكذا في البيهقي برواية ابن بكير عن مالك، وضبطه الزرقاني بضم الهمزة وكسر الكاف أي أضم، اهـ. وقال الراغب(٢): الكِنُّ ما يُحْفَظُ فيه الشيءُ، يقال: كنتُ الشيء جعلتُه في كِنٍّ، وخُصَّ كننتُ بما يُحْفَظُ ببيتٍ أو ثوبٍ أو غير ذلك من الأجسام، قال تعالى: ﴿كَنَّهُنَّ بَيْضُ ◌َكْتُونٌ﴾(٣). وأكْنَنْتُ بما يستر في النفس، قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِىّ أَنفُسِكُمْ﴾(٤) وسميت المرأة المتزوجة كَنَّةً لكونها في كن من حفظ زوجها، اهـ. وفي جميع النسخ الهندية بدون الهمزة فهو بصيغة الماضي، وهكذا في (موطأ محمد))، قال صاحب ((التعليق))(٥): ليس نسائي اللاتي كن أي عندي (١) ((شرح الزرقاني)) (٢٢٥/٣). (٢) ((مفردات القرآن)) (ص٧٢٦). (٣) سورة الطور: الآية ٢٤. (٤) سورة البقرة: الآية ٢٣٥. (٥) ((التعليق الممجد)) (٤٩٨/٢). ٤٥٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢١٩) حديث بِأَعْجَبَ إِلَيَّ مِنْهُنَّ. وَلَيْسَ كُلُّهُنَّ يُعْجِبُنِي أَنْ تَحْمِلَ مِنِّي. أَفَأَعْزِلُ؟ فَقَالَ زَيْدُ بن ثابت: أَفْتِهِ يَا حَجَّاجُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ. إِنَّمَا نَجْلِسُ عِنْدَكَ لِنَتَعَلَّمَ مِنْكَ. قَالَ: أَفْتِهِ قَالَ فَقُلْتُ: هُوَ حَرْتُكَ. إِنْ شِئْتَ سَقَيْتَهُ. وَإِنْ شِئْتَ أَعْطَشْتَهُ. قَالَ وَكُنْتُ أَسْمَعُ ذُلِكَ مِنْ زَيْدٍ. فَقَالَ زَيْدٌ: صَدَقَ. قبلهن بأعجب إليّ، اهـ. وعليه بنى شيخ مشايخنا في ((المصفى)) (١) إذ قال: انزديك من كنيز كان مستندكه نبودند زناني كه بيس ازين بودنددر نكاح من خوشتر نزديك من ازايشان، اهـ. (بأعجب إلي) أي أحسن وأرغب إلي (منهن) لكمال حسنهن (وليس كلهن) قال صاحب ((التعليق)): أي نسائي أو إمائي وهو الأظهر، كذا في ((شرح القاري))، اهـ. قلت: الأول بعيد (يعجبني أن تحمل مني) لأني قد أحتاج إلى البيع، وغير ذلك. (أفأعزل؟) قال الباجي(٢): يريد أن يعزل عن جواريه لما ذكره (فقال زيد بن ثابت: أفته يا حجاج) وإنما أمر زيد الحجاج أن يفتيه على معنى التدریب له أو إعلام، لأن فيه قابلية الإفتاء، (قال) حجاج: (فقلت: يغفر الله لك) يريد أنك أحقُّ بالإفتاء مني (إنما نجلس عندك لنتعلم منك) المسائل لا أن نفتي بمحضر منك (قال) زيد: (أفته) كرر عليه الأمر تأكيداً، ولم يقبل معذرته، زاد في النسخ الهندية ههنا أيضاً لفظ يا حجاج، وليس هذا في النسخ المصرية (قال) حجاج: (فقلت: هو حرثك) أي محل زرعك الولد مقتبساً من قوله عز اسمه: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأَتُواْ حَرْتَكُمْ أَنََّ شِئْتُمْ﴾ (إن شئت سقيته وإن شئت أعطشته) على معنى التخير والإباحة، فإن الإنسان يتخير في حرثه أن يسقيه ولا يسقيه، وإرادة العزل من الآية أحد الأقوال الأربعة في تفسيرها، كما في ((الدر المنثور)) (قال) حجاج: (وكنت أسمع ذلك) الكلام قبل ذلك (من زيد) فأفتیته به، (فقال زيد: صدق) حجاجٌ، ذكره تأييداً لكلامه. (١) (٧٦/٢). (٢) ((المنتقى)) (١٤٣/٤). ٤٥٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢٢٠) حديث ١٠٠/١٢٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ عَنْ حُمَيْدَ بْنِ فَيْسٍ الْمَكِّيّ، عَنْ رَجُل يُقَالُ لَهُ ذَفِيفٌ؛ أَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسِ عَنِ الْعَزْلِ؟ فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ. فَقَالَ: أَخْبِرِيهِمْ. فَكَأَنَّهَا اسْتَحْيَتْ. فَقَالَ: هُوَ ذُلِكَ. أَمَّا أَنَا فَأَفْعَلُهُ. يَعْنِي أَنَّهُ يَعْزِلُ. قَالَ مَالِكٌ: لَا يَعْزِلُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّة. ١٠٠/١٢٢٠ - (مالك عن حميد بن قيس المكي عن رجل يقال له: ذفيف) بذال معجمة مفتوحة على وزن عظيم، المدني مولى ابن عباس، ذكره البخاري، ولم يزد على ما في السند، وقال أبو جعفر: مات سنة ١٠٩ هـ في خلافة هشام، ذكره الحذّاء في ((رجال الموطأ))، ولم يذكره الحسيني، كذا في ((التعجيل)) (أنه قال: سئل) ببناء المجهول (ابن عباس) - رضي الله عنه - (عن) حكم (العزل؟ فدعا) ابن عباس (جارية له) كان يعزل عنها (فقال: أخبريهم) أي السائلين إشارة إلى أنه يفعل ذلك مع تلك الجارية (فكأنها استحيت، فقال) ابن عباس (هو ذلك) الحكم الآتي المتحقق، وهو الإباحة أو إشارة إلى سكوتها، والمعنى أن سكوتها هو استحياء منها، وكأنه إقرار منها بأني أفعل ذلك. ثم صرح به بنفسه فقال: (أما أنا فأفعله يعني أنه يعزل) قال الباجي (١): فلما اسْتَحْيَتْ أَعْلَمَهُمْ أن سكوتها إنما كان من أجل الحياء، وأنه يفعل ذلك، فتجاوز حد الإباحة له إلى الإخبار عن نفسه بأنه يفعله، وأخرج البيهقي بسند آخر عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يعزل عن جارية له، ثم يُرِيْهَا، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي مليكة أن ابن عباس سئل عن العزل، فدعا جارية له، فقال: عزلت عنك أمس. (قال مالك: لا يعزل الرجل) ماءه (المرأة الحرة) أي عنها منصوب بنزع (١) ((المنتقى)) (١٤٣/٤). ٤٥٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢٢٠) حديث إِلَّا بِإِذْنِهَا. وَلَا بَأُسَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ أَمَتِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا. وَمَنْ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةُ قَوْمٍ. فَلَا يَعْزِلُهَا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. الخافض (إلا بإذنها) لأن لها حقاً في الجماع، وعليه جمهور الفقهاء، كما سيأتي (ولا بأس) بـ(أن يعزل أمته) المملوكة له (بغير إذنها) وهو كذلك عند جمهور الفقهاء (ومن كانت تحته أمة قوم) آخرين بأن يكون متزوجاً لأمته الأخرى (فلا يعزلها) كذا في النسخ الهندية بضمير المفعول، وفي النسخ المصرية: فلا يعزل (إلا بإذنهم) أي بإذن ساداتهم، فإن حق السادات متعلق بطلب الولد؛ لأنه يكون رقيقاً لهم(١)، قال عياض: ورأى بعض شيوخنا إذنها أيضاً لحق الزوجية، وقال الباجي: عندي للأمة فيه حق قد ثبت بعقد النكاح، فلا يجوز له أن يعزل إلا بإذنها وإذنهم؛ لأنه وطئ زوجته، فللزوجة فيه حق، اهـ. قال الموفق(٢): يجوز العزل عن أمته بغير إذنها، نصّ عليه أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لاحق لها في الوطء ولا في الولد، ولذلك لم تملك المطالبة بالقسم ولا الفَيْئَةِ، ولا يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، قال القاضي: ظاهر كلام أحمد وجوب الاستئنذان، ويحتمل الاستحباب؛ لأن حقها في الوطء دون الإنزال، بدليل أنه يخرج به من الفيئة والعُنَّةِ. والشافعية في ذلك وجهان؛ والأولُ أولى؛ لما رُوي عن عمر - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله وَ﴿ أن يُعْزَلَ عن الحرة إلا بإذنها، رواه أحمد في (المسند)) وابن ماجه(٣)؛ لأن لها في الولد حقاً، وعليها في العزل ضرر، فلم (١) وفي ((الاستذكار)) (٢١١/١٨) قال أبو حنيفة وأصحابه: ((الإذنُ في العزل عن الزوجة الأمة إلى مولاها)). (٢) («المغني)) (٢٣٠/١٠). (٣) رواه أحمد (٣١/١)، وابن ماجه (٦٢٠/١). ٤٥٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٤) باب (١٢٢٠) حدیث يجز إلا بإذنها، فأما زوجته الأمة، فيحتمل جواز العزل عنها بغير إذنها، وهي قول الشافعي استدلالاً بمفهوم هذا الحديث، وقال ابن عباس: تُستأذن الحرة، ولا تستأذن الأمة، لأن عليه ضرراً في استرقاق ولده، بخلاف الحرة، ويحتمل أن لا يجوز إلا بإذنها؛ لأنها زوجة تملك المطالبة بالوطء، اهـ. وقال ابن عبد البر(١): لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها؛ لأن الجماع من حقها، ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل، ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة، وتُعُقِّبَ بأن المعروف عند الشافعية أن المرأة لا حق لها في الجماع أصلاً، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعية خلاف مشهور في جواز العزل عن الحرة بغير إذنها، قال الغزالي وغيره: يجوز، وهو المصحح عند المتأخرين، واحتجّ الجمهور لذلك بحديث عمر عند أحمد وابن ماجه بلفظ ((نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها)) وفي إسناده ابن لهيعة، وفي الوجه الآخر للشافعية الجزم بالمنع إذا امتنعت، وفيما إذا رضيت وجهان؛ أصحهما الجواز، وهذا كله في الحرة. أما الأمة فإن كانت زوجة فهي مرتبة على الحرة إن جاز فيها ففي الأمة، وإن امتنع فوجهان؛ أصحهما الجواز تحرزاً من إرقاق الولد، وإن كانت سَرِيّةً جاز بلا خلاف عندهم، إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقاً كمذهب ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة، فالراجح الجواز فيه مطلقاً؛ لأنها ليست راسخة في الفرش، وقيل: حكمها حكم الأمة المزوجة، هذا واتفقت المذاهب الثلاثة على أن الحرة لا يعزل عنها إلا بإذنها، وأن الأمة يعزل عنها بغير إذنها، واختلفوا في المزوّجة، فعند المالكية يحتاج إلى إذن سيدها، وهو قول أبي حنيفة، والراجح عن أحمد، وقال محمد وأبو يوسف: الإذن لها، وهي (١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٠٨/٩). ٤٥٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٣٥) باب (٣٥) باب ما جاء في الإحداد رواية عن أحمد، وعنه بإذنها، وعنه: يباح العزل مطلقاً، وعنه: المنع مطلقاً ، اهـ. (٣٥) ما جاء في الإحداد قال ابن بطال(١): الإحداد بالمهملة امتناع المرأة المتوفى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطيب وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع، وقال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سُمِّيَ البوّاب حداداً لمنعه الداخل، وسُمِّيَتِ العقوبةُ حداً؛ لأنها تردع عن المعصية، وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسها الزينة وبدنها الطيب، ومنع الخُطّاب خطبتها، والطمع فيها، كما منع الحد المعصية، وقال الفرّاء: سمي الحديد حديداً للامتناع به أو لامتناعه على محاوله. وقال الخطابي: يروى بالحاء، وبالجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة، وقال أبو حاتم: ثم أنكر الأصمعي حدّت، ولم يعرف إلا أحدَّت، وقال الفراء: كان القدماء يؤثرون أحدّت، والأخرى أكثر ما في كلام العرب، كذا في ((الفتح))(٢). وقال الموفق(٣): تجتنب الزوجة المتوفى عنها زوجها الطيب والزينة والبيتوتة في غير منزلها، والكحل بالأثمد والنقاب، وهذا يسمى الإحداد، ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً في وجوبه على المتوفى عنها زوجها إلا عن الحسن، فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قولٌ شَذَّ به عن أهل العلم، وخالف به السنة فلا يُعَرَّجُ عليه، ويستوي في وجوبه الحرة والأمة والمسلمة والذمية (١) ((فتح الباري)) (١٤٦/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤٨٥/٩). (٣) ((المغني)) (٢٨٤/١١). ٤٦٠