Indexed OCR Text

Pages 421-440

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٧) حديث
فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنِ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ:
(نَعَمْ)) قَالَتْ: فَانْصَرَفْتُ. حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ
علاج له، فأدركهم بطرف القدوم، فقتلوه، فجاء نعي زوجي وأنا في دار من
دور الأنصار شاسعة من دار أهلي، فأتيت النبي وَّه، فقلت: يا رسول الله! إنه
جاء نعي زوجي وأنا في دار شاسعة عن دار أهلي، ودار إخوتي، ولم يدع مالاً
ينفق علي، ولا مالاً ورثته، ولا داراً يملكها، فإن رأيت أن تأذن لي، فألحق
بدار أهلي ودار إخوتي، فإنه أحبّ إلي، وأجمع لي في بعض أمري، قال:
فافعلي إن شئت.
قالت: فخرجت قريرة عيني لما قضى الله لي على لسان رسول الله وَ اخيه
حتى إذا كنت في المسجد أو في بعض الحجر، دعاني، فقال: كيف زعمت؟
قالت: فقصصت عليه، فقال: امكثي في بيتك الذي جاء فيه نعي زوجك حتى
يبلغ الكتاب أجله، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشراً، اهـ.
(فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا) في (نفقة) قال الباجي(١).
يحتمل أنها اعتقدت أن للمتوفي عنها زوجها نفقة في ماله، ويحتمل وهو
الأصح عندي أنها جعلت ذلك من عذرها في الانتقال إلى قومها، لأن اكتسابها
نفقتها، والتسبب فيها هناك أمكن لها حين لم يكن زوجها ممن ترك مالاً تنفق
على نفسها ميراثها منه، ولذلك لم يستدع مما عرضته من حالها إلا الانتقال
إلى قومها، والمتوفى عنها زوجها لا نفقة لها، وإن كانت حاملاً؛ لأن نفقة
الحمل ليس بدين ثابت، فيتعلق بماله بعد موته، اهـ.
(قالت: فقال رسول الله وَلقر: نعم) ارجعي إلى أهلك (قالت: فانصرفت)
بعد قوله ◌ّيقول (حتى إذا كنت في الحجرة) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم.
ولفظ أبي داود برواية القعنبي عن مالك: حتى إذا كنت في الحجرة أو في
(١) ((المنتقى)) (١٣٤/٤).
٤٢١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٧) حدیث
نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ، أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيتُ لَهُ فَقَالَ: ((كَيْفَ قُلْتِ؟))
فَرَدَّدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي. فَقَالَ: ((امْكُثِي
فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ)»
المسجد بالشك، وهكذا بالشك في الترمذي برواية معن عن مالك، والبيهقي
برواية الشافعي عن مالك (ناداني رسول الله ( 18) بنفسه الشريفة (أو أمر بي
فنوديت له) ببناء المجهول شك من فريعة، كما جزم به الزرقاني، وصاحب
((التعليق الممجد)) أو أحد من الرواة. وهكذا بالشك أخرجه الترمذي وأبو داود،
ولم يذكر النسائي رواية مالك. وفيها روايات بسياق آخر.
(فقال) وَلّ: (كيف قلت؟) أي أعِدْ سؤالك (فرددت) أي أعدت (عليه
القصة التي ذكرت له) أولاً (من شأن زوجي) وخروجه في طلب أعبدٍ له
وقتلهم، وأنها ليست في مسكن يملكه، وفي رواية للنسائي وكانت في دار
قاصية، وعند البيهقي برواية يحيى بن سعيد بن إسحاق أنها كانت مع زوجها
في قرية من قرى المدينة، فشكت الوحشة في منزلها، وذكرت أنها في منزل
ليس لها، واستأذنت أن تأتي منزل إخوتها بالمدينة، وفي أخرى له وهي تريد
أن تنتقل من بيت زوجها إلى أهلها .
(فقال) بَلقير: (امكثي) بضم الكاف (في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) أي
تنقضي العدة، وهو اقتباس من قوله عز اسمه: ﴿وَلَا تَغْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى
يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ﴾ (١) وله نظائر كثيرة، ولا عبرة لمن كرهه كما بسطه السيوطي
في ((الإتقان))، كذا في ((التعليق الممجد))(٢).
قال الباجي (٣): قوله وَله للفريعة: نعم، ثم منعها من ذلك يحتمل أن
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٥.
(٢) (٥٦٤/٢).
(٣) ((المنتقى)) (١٣٤/٤).
٤٢٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٧) حديث
قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْراً. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْرُ
عَفَّانَ، أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذُلِكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ.
أخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الطلاق، ٤٤ - باب في المتوفى عنها تنتقل.
والترمذيّ في: ١١ - كتاب الطلاق، ٢٣ - باب ما جاء أين تعتدّ المتوفى عنها زوجها .
والنسائيّ في: ٢٧ - كتاب الطلاق، ٦٠ - باب مقام المتوفي عنها زوجها في
بيتها حتى تحلّ.
يكون على وجه النسخ للحكم الأول، ويحتمل أن يكون اعتقد أولاً في قولها
أن زوجها لم يتركها في مسكن يملكه، ولا يملك سكناه، وكان لفظها محتملاً
لذلك، فأمرها بالانتقال على ذلك، ثم رأى أن لفظها محتمل، فاسترجعها
وأمرها بأن تعيد القصة، فتبين من إعادتها أنها نفت أن يكون ترك منزلاً يملك
رقبته، وأنها مع ذلك في منزل قد ملك زوجها سكناه إما باكتراءٍ أو هبة أو وجه
من الوجوه، فأمرها بالمقام وإتمام العدة، اهـ.
وفي ((الكوكب الدري)) (١): أما أنه وَلّ قال: نعم اجتهاداً ثم أدّى رأيه
على خلاف ذلك، ووجه الاجتهاد الأول أنه فهم من سؤالها أن البيت الذي
كان يسكنها لم يكن مملوكه، وليست لها نفقة حتى تستأجرها، فأمرها
بالخروج، ثم لما علم أن المالكين لعلهم لا يخرجونها، ولا يطالبونها بأجرة
البيت، فمنعها من الخروج، أو كان الحكم الأول اجتهاداً، والثاني وحياً، أو
لأنه كان مشتغلاً في أمر فلم يتفهم القضية، والأول أولى، اهـ.
(قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً، قالت: فلما كان) أي صار
(عثمان بن عفان) - رضي الله عنه أميراً للمؤمنين (أرسل إليّ) رسولاً (فسألني
عن ذلك) الأمر (فأخبرته) بالقصة، وبقضاء رسول الله صلّ في تلك القصة
(فاتبعه وقضى به) بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، واستدل به على
(١) (٢٧٥/٢).
٤٢٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٨) حديث
٨٨/١٢٠٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسِ
الْمَكِّيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،
أنه يجب الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة به، سواء كان
مملوكاً لزوجها أو بإجارة أو بعارية، لأنه ◌َ ﴿ قال: ((امكثي في بيتك)) ولم تكن
في بيت يملكها زوجها، وفي بعض ألفاظ ((اعتدى في البيت الذي أتاك فيه نعي
زوجك)) وفي لفظ ((اعتدّى حيث أتاك الخبر))، فإن أتاها الخبر في غير مسكنها،
رجعت إلى مسكنها فاعتدت فيه.
وقال سعيد بن المسيب والنخعي: لا تبرح من مكانها الذي أتاها فيه نعي
زوجها اتباعاً للفظ الخبر، ولنا قوله وَله: ((امكثي في بيتك))، واللفظ الآخر
قضية في عين، والمراد به هذا، فإن قضايا العين لا عموم لها، ولا يمكن
حمله على العموم، فإنه لا يلزمها الاعتداد في السوق وفي الطريق والبرية إذا
أتاها الخبر، وهي فيها، كذا في ((المغني))(١).
قال الباجي(٢): إن عثمان بن عفان سألها عن ذلك، فأخبرته بذلك فقضى
به، يقتضي إجماع الصحابة على العمل بأخبار الآحاد، وأن خبر المرأة مما
يعمل به، ولذلك سأل عثمان على خبرها، فقضى به، وروى وهب بن خالد
عن سعد بن إسحاق بالإسناد أنه لما كان في خلافة عثمان كان هذا في بعض
أهله، فسأل الناس هل عند أحد علم من رسول الله صل﴿ في هذا؟ فقال رجل
من الأنصار: إن فريعة تحدث بحديث وهي حية، قالت: فأرسل إلي، فسألني
عنه، فحدثته، فأخذ به، اهـ.
٨٨/١٢٠٨ - (مالك عن حميد) بضم الحاء مصغراً (ابن قيس المكي)
الأعرج (عن عمرو) بفتح العين (ابن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن
(١) (٢٩١/١١).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٨/٤).
٤٢٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٨) حديث
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب كَانَ يَرُدُّ الْمَتَوفَّى عَنْهُنَّ
أَزْوَاجُهُنَّ مِنَ الْبَيْدَاءِ، يَمْنَعُهُنَّ الْحَجَّ.
العاص (عن سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كان
يرد) أي يرجع (المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء) بفتح الموحدة والمد صحراء
بطرف ذي الحليفة، ورد في بعض الروايات بداية إحرامه و 8 منها (يمنعهن
الحج) قال محمد في ((موطئه)) (١): وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، والعامة
من فقهائنا، لا ينبغي لامرأة أن تسافر في عدتها حتى تنقضي من طلاق كانت
أو موت، اهـ.
قال الباجي(٢): قد روى ابن القاسم عن مالك في تفسير هذا الحديث،
إنما ذلك لما كانت من أهل المدينة، وما قرب منها لم يحرمن، فإذا أحرمن
نفذن، وبئس ما صنعن، وهذا فيما قرب جداً، وأما التباعد فعلى ضربين:
تباعد ليس في الرجوع منه مشقة، وتباعد تلحق فيه المشقة.
أما الأول فقد قال ابن القاسم في «المدونة»: ليس لها أن تحج الفريضة
حتى تنقضي عدتها من وفاة أو طلاق، فكان عمر - رضي الله عنه - يردّهن من
البيداء، وقد قال ابن القاسم في التي تخرج من الأندلس تريد الحج: لو لم
يكن سافرت إلا مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة فهلك زوجها، قال مالك في التي
تخرج: إن كان أمراً قريباً وتجد ثقة رجعت، فاعتدت في بيتها، ولو وصلت
أفريقية تنفذ لحجتها، لأنها قد تباعدت، اهـ.
وقال الموفق(٣): المعتدة من الوفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج ولا إلى
غيره، روي ذلك عن عمر وعثمان، وبه قال ابن المسيب والقاسم ومالك
(١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٦٠/٢).
(٢) ((المنتقى)) (١٣٨/٤).
(٣) ((المغني)) (٣٠٣/١١).
٤٢٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٨) حديث
والشافعي وأبو عبيدة وأصحاب الرأي والثوري، وإن خرجت، ومات زوجها
في الطريق رجعت إن كانت قريبة، وإن تباعدت مضت في سفرها، وقال
مالك: تُرَدُّ ما لم تحرم، والصحيح أن البعيدة لا ترد لأنه يَضُرُّبها، وعليها
مشقة، ولا بد لها من سفر.
ويحد القريب بما لا تقصر فيه الصلاة، وهذا قول أبي حنيفة إلا أنه لا
يرى القصر إلا في مسيرة ثلاثة أيام، فقال: متى كان بينها وبين مسكنها دون
ثلاثة أيام، فعليها الرجوع إليه، وإن كان فوق ذلك لزمها المضيّ إلى مقصدها،
وإن كان في موضعها الذي هي به موضع يمكنها الإقامة فيه، وإن لم يمكنها
الإقامة مضت إلى مقصدها، وقال الشافعي: إن فارقت البنيان، فلها الخيار بين
الرجوع والتمام.
ولنا على وجوب الرجوع إذا كانت قريبة ما روى سعيد عن جرير عن
منصور عن ابن المسيب، قال: توفي أزواج نسائهن حاجّات أو معتمرات،
فردّهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن، ومتى رجعت، وقد بقي
عليها شيء من عدتها لزمها أن تأتي به في منزل زوجها، بلا خلاف نعلمه بينهم
في ذلك(١)، اهـ.
وأخرج ابن أبي شيبة(٢) عن حميد الأعرج أن عمر وعثمان ردّا نسوة
حواج أو معتمرات حتى اعتددن في بيوتهن، وعن إبراهيم أن ابن مسعود ردّ
نسوة حاجات ومعتمرات خرجن في عدتهن، وعن سعيد بن المسيب أنه قال:
المتوفى عنها والمطلقة لا تحج ولا تعتمر، وعن ابن عمر أنه زجر امرأة تحج
في عدتها، وأخرج أيضاً عن عطاء أن عائشة أحَجَّتْ أم كلثوم في عدتها .
(١) انظر ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٥٣/٧).
(٢) ((المصنف)) (١٢٩/٤).
٤٢٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٨) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ السَّائِبَ بْنَ
خَبَّابِ تُوُفِّيَ. وَإِنَّ امْرَأَتَهُ جَاءَتْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَتْ لَهُ وَفَاةَ
زَوْجِهَا. وَذَكَرَتْ لَهُ حَرْئاً لَهُمْ بِقَنَاةَ. وَسَأَلَتْهُ هَلْ يَصْلُحُ لَهَا أَنْ تَبِيتَ؟
فَنَهَاهَا عَنْ ذُلِكَ. فَكَانَتْ تَخْرُجُ مِنَ الْمَدِينَةِ سَحَراً. فَتُصْبِحُ فِي حَرْثِهِمْ،
فَتَظَلُّ فِيهِ يَوْمَهَا. ثُمَّ تَدْخُلُ الْمَدِينَةَ إِذَا أَمْسَتْ، فَتَبِيتُ فِي بَيْتِهَا .
وعن ابن عباس أنه كان لا يرى بأساً بالمطلقات ثلاثاً والمتوفى عنهن
أزواجهن أن يحججن في عدتهن، وعن حبيب المعلم قال: سألت عطاء عن
المطلقة ثلاثاً والمتوفى عنها يحجان في عدتها؟ قال: نعم، قال حبيب: وكان
الحسن يقول مثل ذلك.
(مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن السائب بن خباب) بمعجمة
وموحدتين المدني أبو مسلم صاحب المقصورة، مولى فاطمة بنت عتبة، له
صحبة، مات قبل ابن عمر - رضي الله عنه - كذا في ((التقريب)). وذكره الحافظ
في القسم الأول من ((الإصابة))، وذكر الاختلاف في صحبته، وفي أنه هو مولى
فاطمة أو غيره، وفي أن كنيته أبو مسلم أو أبو عبد الرحمن، (توفي وأن امرأته)
هي أم مسلم على ما حكى الزرقاني(١) عن الباجي، لكن النسخة التي بين يدي
من ((المنتقى)) فيها أم سليم.
(جاءت إلى عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (فذكرت له وفاة زوجها،
وذكرت له حرثاً لهم بقناة) بفتح القاف والنون بزنة حصاة، موضع بالمدينة،
وفي ((المحلى)): بفتح القاف وخفة النون، مجرى الماء تحت الأرض (وسألته
هل يصلح لها أن تبيت فيه؟ فنهاها عن ذلك) يعني نهاها عن القيام في حرثها
ليلاً (فكانت تخرج من المدينة سحراً) أي قبيل الفجر (فتصبح في حرثهم) أي
تصل إليه بعد الفجر (فتظل فيه يومها) أي تقيم فيها طول النهار (ثم تدخل
المدينة إذا أمست فتبيت في بيتها).
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٢٤/٣).
٤٢٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٩) حديث
٨٩/١٢٠٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ؛ أَنَّهُ
كَانَ يَقُولُ، فِي الْمَرْأَةِ الْبَدَوِيَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: إِنَّهَا تَنْتَوِي حيثُ
انْتَوَىْ أَهْلُهَا .
قال الباجي(١): قال مالك: لها أن تخرج سحراً قبل الفجر، وتأتي بعد
المغرب ما بينها وبين العشاء، ومعنى ذلك أنه لا يفوتها بهذا مقصود المبيت
في بيتها، اهـ.
وتقدم في آخر ما جاء في نفقة المطلقة أن للمتوفى عنها زوجها الخروج
الحوائجها نهاراً عند الأئمة الأربعة، لا خلاف بينهم في ذلك، وإنما اختلفوا
في جواز الخروج للمطلقة المبتوتة والرجعية كما تقدم هناك.
٨٩/١٢٠٩ - (مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه) أي عروة بن الزبير
(كان يقول في المرأة البدوية) أي ساكنة البادية يعني الصحراء والبريّة، قال
الباجي: يريد أصحاب العمود، دون أصحاب القرى (يتوفى عنها زوجها: إنها)
أي البدوية (تنتوي) بالمثناة الفوقية بعد النون في جميع النسخ الهندية والمصرية
غير الباجي كما سيأتي (حيث انتوى) كذلك بالمثناة في غير ((المنتقى)) (أهلها).
قال صاحب ((المجمع)) (٢) في باب النون في لفظ نوا، فيه: ((إنها تنتوي
حيث انتوى أهلها)) أي تنتقل وتتحول، اهـ، قال المجد: النَّوَىُ: الدارُ،
والتحول من مكان إلى آخر، اهـ. ويحتمل عندي أن يكون من النية بمعنى
القصد، قال صاحب ((مختار الصحاح)): نوى ينوي نية ونواة، عزم، وانتوى
مثله، وفي ((المحلى)): من انتويت المنزل نزلتها، وقيل: ترتحل حيث ارتحل
قومها من النوى بمعنى البعد، اهـ.
وفي ((الزرقاني)): قال الباجي: أي تنزل حيث نزلوا من انتويت المنزل، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٤٩/٤).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٨٠٦/٤).
٤٢٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣١) باب
(١٢٠٩) حديث
هكذا حكاه عنه، ولم أجده في اللغة، ولا في الباجي، بل فيه («إنها تنثوي حيث
انثوى أهلها»، قال: ومعنى قوله: تنثوي مع أهلها حيث أنثووا تنزل حيث نزلوا، من
ثويت المنزل، وأهلها عشيرتها الذين ترجع إليهم، وتحتمي بهم، اهـ. وهذا يوافق
أهل اللغة.
وقال الباجي(١) في معنى الأثر المذكور: قوله: في المرأة البدوية يريد
أصحاب العمود دون أصحاب القرى، فإذا توفي عنها زوجها وهذا حالها، ثم
افترق الجمع الذي كانت فيهم، فصار أهلها وبنو أبيها إلى جهة، وصار أهل
زوجها إلى جهة أخرى، صارت مع أهلها وآوت إليهم، وكانت معهم؛ لأنه لا
يمكنها البقاء في الموضع الذي كانت به حين الوفاة لانتقال أهله عنه، ولم يكن
وطئاً لزوجها، فيكون أحقَّ بسكناها من غيره.
إنما هم قوم يتبعون الكلأ وينتجعون المياه، ويجتمعون اليوم في منزل،
ويفترقون عند اختيار بعضهم غير الجهة التي اختارها الآخرون، وليس كذلك
المرأة من أهل الأمصار والقرى، فإنها لا تزول من مسكنها، لأن ذلك المنزل
كان منزلاً لزوجها المتوفى عنها، وهي آمنة، إذا أقامت فيه، والمعتاد من حال
أهلها وبني أبيها المقام والاستيطان. فليس لها أن تنتقل بانتقالهم حتى تنقضي
عدتها ، اهـ.
وقال الموفق(٢): البدويّةُ كالحضريّة في الاعتداد في منزلها الذي مات
زوجها، وهي ساكنةٌ فيه، فإن انتقلت النحلة انتقلت معهم، لأنها لا يمكنها
المقام وحدها، وإن انتقل أهلها انتقلت معهم إلا أن يبقى من الحِلَّة من لا
تخاف على نفسها معهم، فتكون مخيّرة بين الإقامة والرحيل، اهـ. وفي ((مختار
الصحاح)): قوم حِلَّة أي نزول وفيهم كثرة، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (١٣٩/٤).
(٢) ((المغني)) (٢٩٨/١١).
٤٢٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٢) باب
(١٢١٠) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا.
٩٠/١٢١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَا تَبِيتُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُّهَا، وَلَا الْمَبْتُوتَهُ،
إِلَّ فِي بَيْتِهَا .
(٣٢) باب عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها
(قال مالك: وهو الأمر عندنا) يعني أثر عروة هو الأمر الثابت عندنا في
المسألة، إنها تنتوي حيث انتوى أهلها .
٩٠/١٢١٠ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أنه
كان يقول: لا تبيت المتوفى عنها زوجها ولا المبتوتة) أي المطلقة (إلا في بيتها)
قال الباجي(١): يريد البيت تسكن فيه على حسب ما كانت تسكنه قبل وفاة
زوجها، فإن كان مسكناً واحداً فهي على ما كانت فيه، وإن كانت في حجرتها
بيوت كثيرة، وكانت تسكن بيتاً منها، وفيه متاعها لها أن تبيت من ذلك حيث
شاءت، لأن جميع المسكن الذي هو فيه من حجرتها وأسطوانها وبيتها سكن
لها، فلها أن تبیت حيث شاءت منه.
ولو كانت في مقصورة من الدار، وفي الدار مقاصير لقوم آخرين لم يكن لها
أن تبيت إلا في حجرتها التي في يدها، ومعنى ذلك أنه لم يكن لها سكنى بغيرها
من المقاصير، بل كانت مساكن لغيرها فلا يحقّ لها أن تعتدّ فيه كسائر الدور، اهـ.
(٣٢) عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها
مختلفة بين أهل العلم، وعن أحمد في ذلك ثلاث روايات، المشهور
منها أن عدتها حيضة كاملة(٢)، وهو قول ابن عمر، وروي ذلك عن عثمان
(١) ((المنتقى)) (١٣٩/٤).
(٢) انظر: ((المغني)) (٢٦٢/١١).
٤٣٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٢) باب
وعائشة والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وأبي قلابة ومكحول ومالك
والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور.
والرواية الثانية عن أحمد: أنها تعتدّ عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، وهو
قولُ سعيد بن المسيب، وأبي عياض، وابن سيرين، وسعيد بن جبير،
ومجاهد، وخِلَاس بن عمرو، وعمر بن عبد العزيز، والزهري، ويزيد بن
عبد الملك، والأوزاعي، وإسحاق؛ لما رُوِي عن عمرو بن العاص أنه قال:
لا تُفْسدوا علينا سُنَّةَ نبينا ◌ََّ، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر
وعشراً، رواه أبو داود(١).
وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية ثالثة: تعتدّ شهرين وخمسة أيام،
قال الموفق: لم أجد هذه الرواية عن أحمد في ((الجامع)) ولا أظنها صحيحة
عن أحمد، ورُوي ذلك عن عطاء وطاووس وقتادة؛ لأنها حين الموت أمة،
فكانت عدتها عدة الأمة.
والرابع: مذهب الحنفية أن عدتها ثلاث حيض؛ لأنها حرة تستبرئ،
فكان استبراؤها بثلاث حيض كالحرة المطلقة، وروي ذلك عن علي وابن مسعود
وعطاء والنخعي والثوري، وأخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي
وابن سيرين والحسن البصري.
وفي ((الهداية)): إذا مات مولى أم الولد أو أعتقتها، فعدتها ثلاث حيض،
وقال الشافعي: حيضة واحدة، وإمامنا فيه عمر - رضي الله عنه - فإنه قال: عدة
أم الولد ثلاث حيض، قال ابن الهمام(٢): روى ابن أبي شيبة بسنده عن
يحيى بن أبي كثير أن عمرو بن العاص أمر أم الولد إذا عتقت أن تعتدّ بثلاث
(١) ((سنن أبي داود)) (٥٣٩/١).
(٢) ((فتح القدير)) (١٤٩/٤).
٤٣١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٢) باب
(١٢١١) حديث
٩١/١٢١١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛
أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ
حيض، وكتب إلى عمر - رضي الله عنه - فكتب بحسن رأيه، فأمّا أنه قال في
الوفاة كذلك فالله أعلم، وليس يلزم من القول بثلاث حيض في العتق من
شخص قوله به في الوفاة، ألا يرى أن عمرو بن العاص قال بها، ورُوي عنه
أنه قال: ((لا تفسدوا علينا سُنَّة نبينا)) الحديث المتقدم رواه ابن حبان في
((صحيحه))، والحاكم وصححه، لكن قال الدارقطني: قبيصة لم يسمع من
عمرو، فهو منقطع وهو عندنا غير ضائر إذا كان قبيصة ثقة، اهـ.
وفي ((المغني))(١): قال ابن المنذر: ضعف أحمد وأبو عبيد حديث
عمرو بن العاص، وقال محمد بن موسى: سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو
فقال: لا يصح، اهـ.
وفي ((الدراية)): أعله الدارقطني بأن قبيصة لم يسمع من عمرو، وقال
أحمد مثله، وزاد: هذا حديث منكر، والصواب وقفه، اهـ.
والخامس: مذهب الظاهرية كما حكاه ابن الهمام إذ قال: وعند الظاهرية
لا استبراء على أم الولد، وتتزوج إن شاءت إذا لم تكن حاملاً، وهذا بناء على
عدم اعتبارهم القياس الجلي، اهـ.
٩١/١٢١١ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (أنه قال: سمعت
القاسم بن محمد) بن الصديق الأكبر (يقول: إن يزيد بن عبد الملك) بن مروان
أحد أمراء بني أمية، ولد سنة إحدى وسبعين وولي الخلافة بعد وفاة عمر بن
عبد العزيز بعهد من أخيه سليمان، إذ كتب في مرض وفاته أن يستخلف بعده
عمر بن عبد العزيز، وبعده يزيد بن عبد الملك، وأخذ عنهم البيعة على
المكتوب مختوماً، والقصة معروفة، وتوفي عمر بن عبد العزيز في رجب سنة
(١) (٢٦٣/١١).
٤٣٢

٢٨ - كتاب الطلاق
-
(٣٢) باب
(١٢١١) حديث
فَرَّقَ بَيْنَ رِجَالٍ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ. وَكُنَّ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ رِجَالٍ هَلَكُوا.
فَتَزَوَّجُوهُنَّ بَعْدَ خَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ. فَفَرَّقَ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَعْتَدُّونَ أَرْبَعَةَ
أَشْهُرِ وَعَشْراً.
١٠١ هـ، فاستخلف يزيد بعده، وأقام أربعين يوماً، يسير بسيرة عمر بن
عبد العزيز، ثم عدل عن ذلك شيئاً فشيئاً ومات يزيد في آخر شعبان سنة ١٠٥ هـ
والأثر هكذا أخرجه مالك في ((الموطأ»، وبروايته أخرجه البيهقي بسنده من
طريق بكير عن مالك، وفيه أيضاً يزيد بن عبد الملك، وأخرجه ابن أبي شيبة،
فذكر محل يزيد أباه عبد الملك، وبروايته ذكره الزيلعي في ((نصب الراية))(١)،
وتبعه الحافظ في ((الدراية))، ولم يتعرضا عن هذا الاختلاف.
ولفظ ابن أبي شيبة (٢): حدثنا الثقفي عن يحيى بن سعيد قال: سمعت
القاسم وذكر له أن عبد الملك بن مروان فَرَّقَ بين رجال ونسائهم كن أمهات
أولاد، فذكر بنحو ((الموطأ))، ولم يتعرض لهذا الاختلاف شُرّاح ((الموطأ)) أيضاً.
(فرق) يزيد (بين رجال وبين نسائهم) الذين تناكحوا بعد الاستبراء بحيضة
(وكن) النساء (أمهات أولاد رجال هلكوا) صفة رجال أي ماتوا عنهن، فعتقن
لذلك (فتزوجوهن) أي الرجال الذين فَرَّق بينهم وبين نسائهم بعد (حيضة أو
حيضتين) بعد موت ساداتهن، وهكذا بلفظ ((أو)) في رواية ابن أبي شيبة، وأنه
يحتمل الشك، ويحتمل التنويع بأن منهن من تزوّج بعد حيضة، ومنهن من تزوج
بعد حیضتين .
وكان مذهب يزيد موافقاً لمذهب ابن المسيب وغيره، كما تقدم في
المذهب الثاني من المذاهب المذكورة في ترجمة الباب (ففرق بينهم حتى
يعتدون أربعة أشهر وعشراً) يعني ليس لهن النكاح بعد الاستبراء بحيضة أو
حيضتين، حتى يعتددن عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً .
(١) (٢٥٨/٣).
(٢) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (١١٩/٤).
٤٣٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٢) باب
(١٢١٢) حديث
فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ محُمَّدٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ. يَقُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿ وَالَّذِينَ
يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجَا﴾ مَا هُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ.
٩٢/١٢١٢ - وحدّثني مَالِكِ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ ؛ أَنَّهُ قَالَ: عِدَّهُ أَمِّ الْوَلَدِ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سِّيِّدُهَا، حَيْضَةٌ.
(فقال القاسم بن محمد) منكراً على فعل يزيد (سبحان الله) تعجباً من فعل
يزيد، واستدل على بطلان فعله بقوله عز اسمه، فقال: (يقول الله) تبارك وتعالى
في (كتابه) المجيد: (﴿وَلَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا﴾﴾ ﴿ يَتَرَبَصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾(١)، فجعل عز اسمه تربص أربعة أشهر وعشراً للأزواج
وأمهات الأولاد، وليس بأزواج، ولذا قال: (ما هن) أي أمهات الأولاد (من
الأزواج) فكيف يعتددن عدّة الأزواج.
قال الباجي(٢): وقول القاسم: يقول الله في كتابه إلخ إنما يصحّ أن يحتجّ
به على من يوجب ذلك من الآية، ويتعلق بعمومها، فيصحّ من القاسم أن يمنعه
من ذلك، ويقول: إن اسم الأزواج لا يتناول أمهات الأولاد، وإنما يتناول
الزوجات، وأما من لم يتعلق بذلك، فلا يصح أن يحتج عليه بما قاله القاسم
لجواز أن يثبت هذا الحكم لهن من غير الآية بقياس أو غير ذلك من أنواع
الأدلة، ويحتمل أن يكون القاسم يتعلق بدليل الخطاب من الآية، اهـ.
٩٢/١٢١٢ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (أنه
قال: عدة أم الولد إذا توفي) ببناء المجهول (عنها سيدها حيضة)(٣) وأخرج
البيهقي (٤) برواية العمري عن نافع قال: سُئِل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن
(١) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.
(٢) ((المنتقى)) (١٤١/٤).
(٣) ((موطأ محمد)) (ص٢٠٣)، الأثر (٥٩٦).
(٤) ((السنن الكبرى)) (٤٨٨/٧).
٤٣٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٢) باب
(١٢١٢) حديث
وحدّثني عَنْ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمَ بْنِ
مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: عِدَّة أُمِّ الْوَلَدِ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا،
حَيْضَةٌ.
عدة أم الولد؟ فقال: حيضة، فقال رجل: إن عثمان - رضي الله عنه - كان
يقول: ثلاثة قروء، فقال: عثمان خيرنا وأعلمنا، قال البيهقي: وفي هذا
الإسناد ضعف، اهـ. قيل: إطلاق العدة عليه تجوُّزٌ؛ لأنه استبراء.
وقال الباجي(١): هل هي عدة أو استبراء محض؟ الذي ذكره القاضي
أبو محمد في ((معونته)) أن الحيضة استبراء، وليست بعدة، وفي ((المدونة)):
عليها العدة وعدتها حيضة، كعدة الحرائر ثلاثة حيض.
وجه القول الأول أن هذه أمة موطوءة بملك يمين، فلم يجب فيها عدة،
وإنما هو الاستبراء، كالأمة التي لم تلد من سيدها، وجه القول الثاني ما احتج
به من أنها لو مات سيدها، أو أعتقها في حيضها لم تجزها تلك، حتى تحيض
بعد وفاته، بخلاف الأمة إذا باعها سيدها في أول دمها أجزأ ذلك من
استبرائها، ومعنى ذلك أنه يعتبر في أم الولد الخروج من طهر إلى حيض،
وهذا حكم العدة، اهـ.
وفي ((الجوهر النقي))(٢): قال الطحاوي في ((اختلاف العلماء)): لا
يختلفون أنها لا يجوز لها التزويج مدة الحيض، فدل على أنها عدة، لا
استبراء؛ لأن الاستبراء لا يمنع التزويج كالأمة المستبرأة، وإذا ثبت أنها عدة،
ولم نجد في العدد حيضة واحدة، وجب أن تكون ثلاثة حيض، اهـ.
(مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر
(أنه كان يقول: عدة أم الولد إذا توفي) عنها (سيدها حيضة) وأخرج البيهقي(٣)
(١) ((المنتقى)) (١٤٠/٤).
(٢) ((الجوهر النقي على هامش السنن الكبرى)) (٤٤٨/٧).
(٣) ((السنن الكبرى)) (٤٤٨/٧).
٤٣٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٢) باب
(١٢١٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ تَحِيضُ، فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُر.
بسنده عن أبي الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة كانوا يقولون: عدة أم الولد
يعتقها سيدها أو يتوفى عنها حيضة.
وأخرج بسنده إلى عطاء بن أبي رباح أن مارية اعتدّت بثلاث حيض بعد
النبي ◌َّليل يعني أم إبراهيم، قال: وهذا منقطع، وسويد بن عبد العزيز ضعيف،
ورواية الجماعة عن عطاء مذهبه دون الرواية، اهـ.
وأخرج ابن أبي شيبة(١) عن أيوب قال: سألت الحكم والزهري عن عدة
أم الولد إذا توفي عنها سيدها؟ فقال: السنة، قال: ما السنة؟ قال: أعتقت
بريرة، فاعتدّت عدة الحر.
(قال مالك: وهو) أي المذكور في آثار ابن عمر والقاسم من أن عدتها
حيضة (الأمر) المرجح (عندنا) إن كانت المرأة ممن تحيض.
(قال مالك: فإن لم تكن ممن تحيض فعدتها ثلاثة أشهر) وهو المشهور
عن أحمد، قال الموفق (٢): إن كانت مؤيسة فبثلاثة أشهر، وهذا المشهور عن
أحمد، وهو قول الحسن وابن سيرين والنخعي وأبي قلابة وأحد قولي
الشافعي، وسأل عمر بن عبد العزيز أهل المدينة والقوابل، فقالوا: لا تستبرأ
الحبلى في أقل من ثلاثة أشهر، فأعجبه قولهم، وعن أحمد رواية أخرى: أنها
تستبرأ بشهر، وهو قول ثانٍ للشافعي؛ لأن الشهر قائم مقام القرء في حق الحرة
والأمة المطلقة، فكذلك في الاستبراء.
وذكر القاضي رواية ثالثة: أنها تستبرأ بشهرين كعدة الأمة المطلقة، ولم
أر لذلك وجهاً، ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراء ذات القرء بقرأين،
(١) ((المصنف)) (١١٨/٤).
(٢) ((المغني)) (٢٦٥/١١).
٤٣٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٣) باب
(٣٣) باب عدة الأمة إذا توفي سيدها أو زوجها
ولم نعلم به قائلاً، وقال سعيد بن المسيب وعطاء والضحاك والحكم في الأمة
التي لا تحيض: تستبرأ بشهر ونصف، ورواه حنبل عن أحمد، فإنه قال: قال
عطاء: إن كانت لا تحيض، فخمس وأربعون ليلة، قال عَمِّي: كذلك أذهب؛
لأن عدة الأمة المطلقة كذلك، والمشهور عن أحمد الأول.
قال أحمد بن القاسم: قلت لأبي عبد الله: كيف جعلت ثلاثة أشهر مكان
حيضة، وإنما جعل الله في القرآن مكان كل حيضة شهراً؟ فقال: إنما قلنا بثلاثة
أشهر من أجل الحمل، فإنه لا يتبين في أقل من ذلك، فإن عمر بن عبد العزيز
- رحمه الله - سأل عن ذلك، وجمع أهل العلم والقوابل، فأخبروه أن الحمل
لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر، فأعجبه ذلك، ثم قال: ألا تسمع إلى قول
ابن مسعود: إن النطفة أربعين يوماً، ثم علقة أربعين يوماً، ثم مضغة بعد ذلك،
قال أبو عبد الله: فإذا خرجت الثمانون صار بعدها مضغة، وهي لحم، فتبين
حينئذ، وقال لي: هذا معروف عند النساء، فأما شهر فلا معنى فيه، ولا نعلم
به قائلاً، اهـ
قلت: وكذلك عند الحنفية ثلاثة أشهر، قال صاحب ((الهداية))(١): ولو
كانت ممن لا تحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، اهـ، ولا إشكال على الحنفية؛ لأن
ثلاثة أشهر عندهم محل ثلاثة قروء، وهذا موافق لمعنى القرآن.
(٣٣) عدة الأمة إذا توفي سيدها وزوجها
هكذا في النسخ الهندية بلفظ الواو، وهو الأوجه عندي كما سيأتي، وفي
جميع النسخ المصرية بلفظ ((أو زوجها))، وهكذا في ((المحلى)) بلفظ ((أو))، قال
أبو عمر (٢): لا أعلم أحداً من الرواة قال: سيدها إلا يحيى. ولا خلاف أن
الأمة إذا توفي سيدها لا عدة عليها، إنما عليها الاستبراء بحيضة. اهـ.
(١) (٢٧٤/١).
(٢) ((الاستذكار)) (١٩٢/١٨).
٤٣٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٣) باب
قال الموفق(١): وإن مات عن أمة كان يصيبها، فاستبراؤها بما ذكرنا في
أم الولد؛ لأنها فراش لسيدها، فأشبهت أم الولد، إلا أنها إذا كانت من ذوات
القروء، فاستبراؤها بحيضة رواية واحدة؛ لأنها لا تصير حرة، اهـ.
وأيضاً لم يذكر المصنف في الباب رواية في موت السيد. وهذا أيضاً
يدل على أن لفظ السيد في الباب ليس في محله، ويؤيده أيضاً أن عدتها عند
وفاة السيد تقدمت في الترجمة السابقة، وهذا كله على النسخ المشهورة بلفظ
((أو))، وما في بعض الهندية من لفظ ((وزوجها)) بلفظ الواو، فلا يبعد أن يكون
الغرض هو هذا، فإن هذه المسألة شهيرة بين العلماء خلافية عند الفقهاء، لكن
الآثار الواردة في الباب لا يوافق هذه أيضاً، لكن لا علينا أن نذكر حكم
المسألة، كما يشير إليها الترجمة بلفظ الواو.
قال الموفق(٢): إذا مات زوجها وسيدها، ولم تعلم أيهما مات أولاً،
فعلى قول أبي بكر ليس عليها استبراء؛ لأن فراش سيدها قد زال عنها، ولم
تعد إليها، وعليها أن تعتدّ لوفاة زوجها عدة الحرائر، ولأنه يحتمل أن سيدها
مات أولاً، ثم مات زوجها وهي حرة، فلزمها عدة الحرة لتخرج من العدة
بيقين، وعلى القول الآخر إن كان بينهما شهران وخمسة أيام فما دون، فليس
عليها استبراء؛ لأن السيد إن كان مات أولاً فقد مات، وهي زوجته، وإن كان
مات آخراً، فقد مات، وهي معتدة، وليس عليها استبراء في هاتين الحالتين،
وعليها أن تعتدّ بعد موت الآخر منهما عدة الحرة، وإن كان بين موتهما أكثر
من ذلك، فعليها بعد موت الآخر منهما أطول الأجلين من أربعة أشهر وعشراً،
واستبراءٍ بحيضة، فوجب الجمع بينهما ليسقط الفرض بيقين.
(١) ((المغني)) (٢٧١/١١).
(٢) («المغني)) (٢٦٨/١١).
٤٣٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٣) باب
(١٢١٣) حديث
٩٣/١٢١٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ
الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، كَانَا يَقُولَانِ: عِدَّةُ الْأَمَةِ، إِذَا هَلَكَ
عَنْهَا زَوْجُهَا، شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ .
قال ابن عبد البر: وعلى هذا جميع القائلين من العلماء بأن عدة الأمة
من سيدها بحيضة، ومن زوجها شهران وخمس ليال، فإن جهل ما بين موتهما،
فالحكم فيه كما لو علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال احتياطاً لإسقاط
الفرض بيقين، كما أخذنا بالاحتياط في الإيجاب بين عدة حرة وحيضة، فيما
إذا علمنا أن بينهما شهرين وخمس ليال.
وقول أصحاب الشافعي في هذا القول مثل قول أصحابنا، وكذلك قول
أبي حنيفة وأصحابه، إلا أنهم جعلوا مكان الحيضة ثلاث حيضات بناءً على
أصلهم في استبراء أم الولد.
وقال ابن المنذر: حكمها حكم الإماء، وعليها شهران وخمسة أيام، ولا
أنقلها إلى حكم الحرائر إلا بإحاطة أن الزوج مات بعد المولى، وقيل: إن هذا
قول أبي بكر عبد العزيز أيضاً، اهـ.
٩٣/١٢١٣ - (مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار)
التابعيين الشهيرين (كانا يقولان: عدة الأمة إذا هلك) أي مات (عنها زوجها
شهران وخمس ليال) لأن عدتها نصف عدة الحرة، ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا
ما يروى عن ابن سيرين، وليس بالثابت أنه قال: عدتها عدة الحرة، وعلى ما
قدمناه الإجماع، كذا في ((المنتقى)) (١).
وقال الموفق(٢): أما الأمة المتوفى عنها زوجها، فعدتها شهران وخمسة
أيام في قول عامة أهل العلم، منهم ابن المسيب وعطاء وسليمان بن يسار
(١) ((المنتقى)) (١٤١/٤).
(٢) ((المغني)) (٢٢٤/١١).
٤٣٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٣٣) باب
(١٢١٤) حديث
٩٤/١٢١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ يُطَلِّقُ الْأَمَةَ طَلَاقاً لَمْ يَبْتَّهَا فِيهِ، لَهُ عَلَيْهَا
فِيهِ الرَّجْعَةُ، ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا مِنَ الطَّلَاقِهِ: إِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ
الْأَمَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا. شَهْرَيْنٍ وَخَمْسَ لَيَالٍ .
والزهري وقتادة ومالك والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي
وغيرهم، إلا ابن سيرين فإنه قال: ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن
تكون قد مضت في ذلك سُنَّةٌ، فإن السُّنَّةَ أحق أن تتبع، وأخذ بظاهر النص
وعمومه، ولنا، اتفاق الصحابة على أن عدة الأمة المطلقة على النصف من عدة
الحرة، فكذلك عدة الوفاة، اهـ.
٩٤/١٢١٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (مثل ذلك) أي المذكور عن
ابن المسيب وسليمان.
(قال مالك في العبد يطلق) زوجته (الأمة طلاقاً لم يَبْتَّها فيه) بتشديد المثناة
الفوقية، ثم فسر قوله: لم يبتها فيه بقوله: (له عليها فيه) أي في هذا الطلاق
(الرجعة) بأن طلقها واحدة؛ لأن المطلِّق عبد وهو لا يملك إلا اثنين عندهم،
والمطلقة أمة، وهي محل التطليقتين فقط عندنا، فهذه الأمة المذكورة تُبَتُّ
بالاثنين عند الكل، فيحمل على أنه طلقها واحدة.
(ثم يموت) الزوج (وهي) الواو حاليّةٌ أي الزوجة إذ ذاك (في عدتها من
الطلاق) الرجعي المذكور (إنها) بعد فاة زوجها (تعتدّ عدة الأمة المتوفى عنها
زوجها) يعني تنتقل عدة الطلاق لكونه رجعياً إلى عدة الوفاة، يعني تعتد
(شهرين وخمس ليال) وهي عدة الوفاة للأمة.
قال الباجي(١): وذلك أنها لما كانت رجعيّة وكانت من الأزواج ما دامت
في العدة، ولزمها عدة الوفاة وهي أمة، فكان عليها شهران وخمس ليال، ولو
(١) ((المنتقى)) (١٤١/٤).
٤٤٠