Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٨) باب
(١١٧١) حديث
٥١/١١٧١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ أَنَّ يَنْكِحَ، فَالطَّلَاَقُ بِيَدِ الْعَبْدِ. لَيْسَ
بِيَدِ غَيْرِهِ مِنْ طَلَاقِهِ شَيْءٌ. فإِمَّا أَنْ يَأْخُذ الرَّجُلُ
١١٧١/ ٥١ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - (كان
يقول: من أذن لعبده أن ينكح) أي يتزوج (فالطلاق) بعد ذلك (بيد العبد) ولا
يستطيع السيد أن يطلق زوجة عبده، وأكده توضيحاً لقوله: (ليس بيد غيره) أي
غير العبد، ولو كان سيداً أو آخر (من طلاقه شيء).
قال الباجي(١): يريد أن السيد لا يملك أن يُفَرِّق بينه وبين زوجته، ولا
يُؤْقِعُ عليها طلاقاً، ولا يمنع العبد من إيقاع ذلك، وإن كان له منعه من
النكاح، وبهذا قال جمهور الصحابة، عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وبه
أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي وسائر فقهاء الحجاز والعراق، ورُوي عن
جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس أن الطلاق بيد السيد، وقال غيرهما: إن
كان السيد زَوَّجَه، فالطلاق بيد العبد، وإن كان اشتراه مُزَوِّجاً فله أن يفرق
بينهما، اهـ.
ويشهد للجمهور من المرفوع ما رواه ابن ماجه(٢) والدارقطني عن ابن
عباس قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌َّل فقال: يا رسول الله سيدي زوّجني أمته،
وهو يريد أن يُفَرِّق بيني وبينها، فصعد النبي ◌َِّ المنبرَ، فقال: يا أيها الناس ما
بال أحدكم يزوج عبده أمته، ثم يريد أن يفرق بينه وبينها؟ إنما الطلاق لمن
أخذ بالساق، اهـ. كذا في ((المحلى)) وغيره.
ثم بَيَّن ابن عمر - رضي الله عنه - الفرق بين أمة العبد وزوجته بأنه ليس
للسيد حكم في زوجته، نعم له حكم في أمته، فقال: (فإما أن يأخذ الرجل) أي
(١) ((المنتقى)) (٩٠/٤).
(٢) ((سنن ابن ماجه)) (٢٠٨١)، و((سنن الدار قطني)) (٣٧/٤/٢).
٢٨١

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٩) باب
أَمَةَ غُلَامِهِ، أَوْ أَمَةَ وَلِيدَتِهِ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ.
(١٩) باب نفقة الأمة إذا طلقت وهي حامل
يتصرف بالخدمة والوطء (أمة غلامه أو أمة وليدته) أي جاريته (فلا جناح) أي لا
إثم (عليه) لأن له أخذ مال رقيقه، قال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب:
وبهذا نأخذ.
(١٩) ما جاء في نفقة الأمة إذا طلقت وهي حامل
قال الموفق (٢): إذا طلّق الأمة طلاقاً رجعيًّا فلها النفقة في العدّة، لأنها
زوجةٌ، وإن أبانها وهي حاملٌ. فلا نفقة لها، لأنها لو كانت حرة لم يكن لها
نفقةٌ، فالأمة أولى، وإن كانت حاملاً فلها النفقة، لقوله تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُوْلَتِ
حَمْلٍ﴾ الآية، نص على هذا أحمد، وبه قال إسحاق، وقد روي عن أبي عبد الله
في نفقة الحامل روايتان، هل هي للحمل أو للحامل بسببه؟ إحداهما للحمل،
فعلى هذا لا تجب للمملوكة الحامل البائن نفقة، لأن الحمل مملوك لسيدها،
فنفقته عليه. وللشافعي في هذا قولان، كالروايتين.
وإن طلق العبد زوجته الحامل طلاقاً بائناً انْبَنَى على وجوب النفقة على
الروايتين في النفقة، هل هي للحمل أو للحامل؟ فإن قلنا: هي للحمل فلا نفقة
على العبد، وبه قال مالك، وروي ذلك عن الشعبي لأنه لا تجب عليه نفقة
ولده، وإن قلنا: هي للحامل بسببه وجبت لها النفقة، وهذا قول الأوزاعي، اهـ.
وفي ((الهداية))(٣): إذا طلّق الرجل امرأة فلها النفقة والسكنى في عدتها
رجعياً كان أو بائناً، وقال الشافعي: لا نفقة للمبتوتة إلا إذا كانت حاملاً.
(١) ((موطأ محمد مع التعليق)) (٥١٣/٢).
(٢) («المغني)) (٣٩٢/١١).
(٣) (٢٩٠/١).
٢٨٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(١٩) باب
قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى حُرٍّ وَلَا عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَا مَمْلُوكَةً، وَلَا
عَلَى عَبْدٍ طَلَّقَ حُرَّةٌ طَلَاقاً بَائِناً، نَفَقَةٌ وَإِنْ كَانَتْ حَامِلاً. إِذَا لَمْ يَكُنْ
لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ عَلَى حُرِّ أَنْ يَسْتَرْضِعَ لِاِبْنِهِ، وَهُوَ عَبْدُ قَوْم
آخَرِينَ. وَلَا عَلَى عَبْدٍ أَنْ يُنْفِقَ
(قال يحيى: قال مالك: ليس على حر ولا على عبد طَلَّقَا مملوكةً) أي
طلاقاً بائناً (ولا على عبد طلق حرة طلاقاً بائناً نفقة وإن كانت حاملاً).
(١): بريد الطلاق البائن، فلا نفقة لها وإن كانت حاملاً لأن
قال الباجى
ابنها رقيق لسيدها، فالنفقة تلزمه دون الزوج المطلِّق، وبهذا قال الشافعي
وجمهور الفقهاء، وروي عن الحسن والحكم أن النفقة على الزوج الحر يُطَلِّق
الأمة، وهي حامل، وأما إن كان الطلاق رجعياً فحكمها حكم الزوجة في
النفقة، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال الشافعي: تجب للمبتوتة إذا كانت حاملاً ولو أمة أو
تحت عبد، وقال أبو حنيفة: تجب لها مطلقاً ولو غير حامل، ولابن أبي شيبة
عن الشعبي في العبد يطلق امرأته، وهي حامل، عليه النفقة حتى تضع، وله عن
الحسن في الحرة تحت العبد أو الأمة تحت الحر يطلقان، وهما حاملان، لهما
النفقة، اهـ.
(إذا لم تكن له) أي للزوج (عليها رجعة) وهذا تفسير لقوله: بائناً، ووجه
ذلك أن الرجعية في حكم النكاح. فحكمها حكم الزوجة في النفقة.
(قال مالك: وليس على حرٍ أن يسترضع) أي يتحمل مؤنة الرضاع (لابنه
وهو) أي الابن (عبد قوم آخرين) بل رضاعه على مواليه (ولا على عبد أن ينفق
(١) ((المنتقى)) (٩٠/٤)، وانظر ((الاستذكار)) (١٧ /٢٩٧).
٢٨٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
مِنْ مَالِهِ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُ سَيِّدُهُ، إِلَّ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
(٢٠) باب عدة التي تفقد زوجها
٥٢/١١٧٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ،
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ
زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ؟ فَإِنَّهَا تَنْتِظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ. ثُمَّ تَعْتَدُّ أَرْبَعَةً
أَشْهُرٍ وَعَشْراً. ثُمَّ تَحِلُّ.
من ماله) أي مال العبد (على من(١) لا يملك) إياه (سيده) لأنه إنفاق لمال السيد
على الغير، فإن مال العبد مال السيد (إلا بإذن سيده) فيجوز له حينئذ الإنفاق عليه.
قال الباجي: يريد ليس عليه رضاع ابنه، وكذلك ليس عليه نفقته، وأجمع
العلماء على هذا ممن يقول بالنفقة على الحامل، ومن لا يقول بذلك، اهـ.
وفي ((المحلى)): وبه قال سائر أهل العلم.
(٢٠) (عدة التي تفقد)
بفتح أوله وكسر قافه
(زوجها)
مفعول تفقد يعني بيان عدة المفقود
٥٢/١١٧٢ - (مالك عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن
المسيب أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (قال: أيما امرأة فقدت) بفتح
القاف (زوجَها فلم تدر أين هو) وهل هو حيٍّ أو مات؟، (فإنها تنتظر) بعد
المرافعة إلى الإمام وحكمه فيه بالفقدان عند المالكية (أربع سنين ثم تعتدّ) عدة
الوفاة (أربعة أشهر وعشراً) سواء بنى بها الزوج المفقود أو لم يبنِ بها بعد، فإن
رجع الزوج في هذه المدة، فهي زوجته (ثم تحل) للأزواج.
(١) هكذا في نسخة الشارح.
٢٨٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حدیث
قال الباجي(١): قوله: تنتظر أربع سنين إلخ لم يعتبر بما أقامت قبل أن
ترفع إليه، ولو أقامت عشرين سنة، وقال عيسى عن ابن القاسم: المفقود على
ثلاثة أوجه: مفقود لا يدرى موضعه، فهذا يكشف الإمام عن أمره، ثم يضرب
له الأجل، أربع سنين. ومفقود في صف المسلمين في قتال العدو، فهذا لا
تنكح زوجته أبداً، وتوقف هي وماله حتى ينقضي تعميره، ومفقود في قتال
المسلمين بينهم، لا يضرب له أجل، ويُتَلوَّمُ لزوجته بقدر اجتهاده.
فالمفقود الذي ذكره ابن القاسم أولاً، هو الذي يسأل أهلُه عن وجه
مغيبه، ووقت انقطاع خبره، ثم يبحث عن خبره، فإن لم يوقف على خبر
استأنف لها ضرب أجل أربع سنين، فإن جاء في المدة، أو جاء خبر حياته
فهي على الزوجية، وإن لم يسمع له خبر حتى انقضت المدة اعتدّ عدة الوفاة،
فإن جاء في العدة فهي على الزوجية، وإن انقطع وانقضت العدة قبل مجيئه أو
مجيء علم بحياته، فقد حَلَّتْ للأزواج.
وإنما قلنا: إن الإمام يضرب لها أجلاً بعد البحث لما ذكره القاضي أبو
محمد أن ذلك إجماع الصحابة، لأنه مرويٌ عن عمر وعثمان وعليّ وجماعة
من التابعين، ولم يعلم لهم في عصر الصحابة مخالف، فثبت أنه إجماع، اهـ.
وقال الموفق(٢): إذا غاب الرجل عن امرأته لم يخل من حالين:
أحدهما: أن تكون غيبة غير منقطعة يُعْرف خبره، ويأتي كتابه، فهذا ليس
لامرأته أن تتزوّج في قول أهل العلم أجمعين إلا أن يتعذّر الإنفاق عليها من
ماله، فلها أن تطلب فسخ النكاح، فَيُفْسَخُ نكاحه.
الثاني: أن يُفْقَد، وينقطع خبره، ولا يُعْلَمُ له موضعٌ، فهذا ينقسم قسمين:
(١) ((المنتقى)) (٩١/٤)، وانظر ((بداية المجتهد)) (٥٢/٢)، و((المهذب)) (٢٤٦/٢).
(٢) («المغني)) (٢٤٧/١١).
٢٨٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
أحدهما: أن يكون ظاهر غيبته السلامة، كسفر التجارة في غير مهلكةٍ، وإباق
العبد، وطلب العلم والسياحة، فلا تزول الزوجِيَّةُ أيضاً ما لم يثبت موتُه، روي
ذلك عن علي، وإليه ذهب ابن شُبْرُمة وابن أبي ليلى والثوريّ وأبو حنيفة
والشافعي في الجديد، ورُوي ذلك عن أبي قلابة والنخعي وأبي عُبيد.
وقال مالك والشافعي في القديم: تَرَبَّص أربعَ سنين، فتعتدُّ عدة الوفاة،
وتَحِلُّ للأزواج، واحتجوا بحديث عمر - رضي الله عنه - في المفقود، مع
موافقة الصحابة له، ونقل أحمدُ بن أصرم عن أحمد: إذا مضى عليه تسعون
سنة قُسِم مالُه، وهذا يقتضي أن زوجته تعتدّ عدة الوفاة، ثم تتزوّج، والمذهبُ
الأولُ، لأن هذه غيبة ظاهرها السلامة، فلم يُحْكَمْ بموته، ولأن هذا تقدير بغير
توقيفٍ. والتقدير لا ينبغي أن يُصار إليه إلا بالتوقيفٍ.
القسم الثاني: أن تكون غيبة ظاهرها الهلاك، كالذي يُفقد من بين أهله
ليلاً أو نهاراً، أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى مكان قريب
ليقضي حاجته، فلا يظهر له خبر، أو يُفْقد بين الصفين، أو يُفْقد في مهلكة
كَبَرِّيَّةِ الحجاز، فمذهب أحمد، الظاهر عنه أن زوجته تَتَرَبَّصُ أربع سنين فتعتدٌ،
وتحل للأزواج.
قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمر رضي الله عنه؟
قال: هو أحسنُها، يُروي عنه من ثمانية وجوهٍ، ثم قال (١): زعموا أن عمر
- رضي الله عنه - رجع عن هذا، هؤلاء الكذابين(٢)، وهو قولُ عمر وعثمان
وعلي وابن عباس وابن الزبير، وبه قال عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن
والزهري وقتادة والليث وعليّ بن المديني وعبد العزيز بن أبي سلمة، وبه يقول
(١) في نسخة: ((قالوا)).
(٢) كذا على حكاية قوله.
٢٨٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
مالك، والشافعي في القديم، إلا أن مالكاً قال: ليس في انتظار من يُفْقد في
القتال وقتٌ.
وقال سعيد بن المسيب في امرأة المفقود بين الصَّفَّيْن: تَتَرَبَّصُ سنةً، لأن
غلبة هلاكه ههنا أكثر، ونقل عن أحمد، كنت أقول: إذا تربصت أربع سنين،
ثم اعتدّت تزوّجت، وقد ارتبتُ فيها، وهِبْتُ الجواب فيها، لما اختلف الناس
فيها، فكأني أحبّ السلامة، وهذا توقفٌ، يحتمل الرجوع عما قاله، وتتربص
أبداً ويحتمل التورع فيكون المذهب ما قاله أولاً .
وقال أبو قلابة والنخعي والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأصحاب
الرأي والشافعي في الجديد: لا تتزوج امرأة المفقود حتى يتبين موته أو فراقه،
لما روى المغيرة أن النبي وسلم قال: ((امرأة المفقود امرأتُه حتى يأتي زوجها))(١)
وروى الحكم وحماد عن علي (٢): لا تتزوّج امرأة المفقود حتى يأتي موته أو
طلاقُه؛ لأنه شك في زوال الزوجية فلم تثبت به الفرقة.
ولنا حديث عمر - رضي الله عنه - وأما حديثهم فلم يذكره أصحاب
السنن، وما رووه عن علي مرسل، والمسند منه مثل قولنا، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال أبو حنيفة والشافعي في الجديد وأحمد في رواية: إن
زوجة المفقود لا تحلّ للأزواج حتى يمضي مدة لا يعيش في مثلها غالباً، وقَدَّرَه أبو
حنيفة بمائة سنة، وحَدَّه الشافعي وأحمد بسبعين، وفي ((البرهان)): أنَّ تربُّصَها أربع
سنين، كان قول عمر - رضي الله عنه - في الابتداء، ثم رجع إلى قول علي: إنها
امرأة ابتُلِيَت، فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق، رواه عبد الرزاق(٣)، وله أن ابن
جريج قال: بلغني أن ابن مسعود وافق علياً أن تنتظره أبداً، اهـ.
(١) وفي ((سنن الدارقطني)) (٣١٢/٣) الخبر بدل زوجها.
(٢) ((السنن الكبرى)) للبيهقي (٤٤٦/٧).
(٣) ((مصنف عبد الرزاق)) (١٢٣٣٢) و(١٢٣٣٣).
٢٨٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ تَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا، فَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا
أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا. فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إِلَيْهَا .
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. وَإِنْ أَدْرَكَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ
تَتَزَوَّجَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا .
(قال مالك: وإن تزوجت) زوجاً آخر (بعد انقضاء عدتها) أربعة أشهر
وعشراً بعد أربع سنين (فدخل بها زوجها) الثاني (أو لم يدخل بها) بعد فرجع
زوجها الأول (فلا سبيل لزوجها الأول) حينئذ (إليها).
(قال مالك: وذلك الأمر عندنا) أنها بمجرد العقد مع الثاني لا ترجع إلى
الأول وإن لم يدخل بها الثاني بعد، قال الباجي (١): اختلف قول مالك في
زوجة المفقود تعتدّ، ثم تزوج فيقدم المفقود قبل أن يبني بها الثاني، فقال في
((الموطأ)»: لا سبيل للأول إليها واختاره المغيرة، ورُوي عنه أنه قال: الأول
أحقُّ بها ما لم يدخل الثاني، رواه ابن القاسم عنه واختاره، اهـ.
قال الزرقاني(٢) بعد قول ((الموطأ)): ثم رجع مالك عن هذا قبل موته
بعام، وقال: لا يفيتها على الأول، إلا دخول الثاني غير عالم بحياته، وأخذ به
ابن القاسم وأشهب، قال في ((الكافي)): وهو الأصح من طريق الأثر؛ لأنها
مسألة قلدنا فيها عمر - رضي الله عنه - اهـ. (وإن أدركها زوجها) الأول الذي
كان مفقوداً (قبل أن تتزوّج) الثاني (فهو) أي الأول (أحق بها).
قال الموفق(٣): فإن قدم زوجها الأول قبل أن تتزوج فهي امرأته، وقال
بعض أصحاب الشافعي: إذا ضربت لها المدة، فانقضت بطل نكاح الأول،
والذي ذكرناه أولى، لأنا إنما أبحنا لها التزوج، لأن الظاهر موته، فإذا بان
(١) ((المنتقى)) (٩٣/٤).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢٠/٣).
(٣) ((المغني)) (١٤٢/١١).
٢٨٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَأَدْرَكْتُ النَّاسَ يُنْكِرُونَ الَّذِي قَالَ بَعْضُ النَّاسِ
عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ: يُخَيَّرُ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ إِذَا جَاءَ، فِي
صَدَاقِهَا أَوْ فِي امْرَأَتِهِ.
حياً انخرم ذلك الظاهر، فأما إن قدم بعد أن تزوجت نظرنا، فإن كان قبل
دخول الثاني بها. فهي زوجة الأول، تُرَدّ إليه، ولا شيء له، وإنما التخيير بعد
الدخول، وهذا قول الحسن وعطاء وخلاس بن عمرو والنخعي وقتادة ومالك
وإسحاق، وإن قدم بعد دخول الثاني بها خيّر الأول بين أخذها، فتكون زوجته
بالعقد الأول، وبين أخذ صداقها فتكون زوجة للثاني، اهـ.
(قال مالك: وأدركت الناس) هكذا في النسخ المصرية(١) وفي الهندية
أدركت بعض الناس، والمراد بالناس العلماء أي سمعت أهل العلم أنهم
(ينكرون الذي قال) أي تقول: (بعض الناس) أي بعض الرواة (على عمر بن
الخطاب أنه قال) أي عمر، وهذا الذي حكاه بعض الناس عن عمر (يخيّر) ببناء
المجهول (زوجها الأول) نائب الفاعل (إذا جاء) بعد تزوجها الثاني (في) أخذ
(صداقها أو في) أخذ (امرأته) والظرف يتعلق بالتخيير.
والمعنى أن بعض الناس حكى عن عمر - رضي الله عنه -، أن الزوج
الأول إذا رجع بعد تزوج المرأة فهو مُخَيَّرٌ في أنه يأخذ المرأة إن شاء أو يأخذ
الصداق إن شاء، وأهل العلم ینکرونه.
قال الباجي(٢): وهذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه ينكرون هذا القول مع
صحته عن عمر - رضي الله عنه -، ولكنهم لا يرونه ولا يعملون به، والثاني:
أنهم ينكرون الرواية عن عمر - رضي الله عنه -، وهذا قد رواه عبد الرزاق عن
معمر عن الزهري عن المسور أن عمر وعثمان قضيا في المفقود أن امرأته
(١) هكذا في ((الاستذكار)) (٣٠٣/١٧).
(٢) ((المنتقى)) (٩٣/٤).
٢٨٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
تَتَرَبَّصُ أربعَ سنين وأربعة أشهر وعشراً بعد ذلك، فإن جاء زوجها الأول خُيِّرَ
بين الزوجة وبين الصداق، قال الزهري: يغرمه الزوج، وقال معمر: تغرمه
المرأة، اهـ.
وترجم البيهقي في ((سننه)) (١) ((من قال: بتخيير المفقود إذا قدم بينها وبين
الصداق ومن أنكره))، ثم أخرج البيهقي قصة الفقيد الذي استهوته الجن، ثم
رجع، وقد تزوجت امرأته بقضاء عمر - رضي الله عنه -، فَخَيَّرَه بين الصداق
وبين امرأته، وفي طريق: فاختار الصداق، قال حماد: وأحسبه قال: فأعطاه
الصداق من بيت المال.
وفي رواية عن عمر - رضي الله عنه - في امرأة المفقود، قال: إن جاء
زوجها وقد تزوجت خُيِّرَ بين امرأته وبين صداقها، فإن اختار الصداق كان على
زوجها الآخر، وإن اختار امرأته اعتدّت حتى تحلّ، ثم ترجع إلى زوجها
الأول، وكان لها من زوجها الآخر مهرها بما استحلّ من فرجها، قال ابن
شهاب: وقضى بذلك عثمان بعد عمر - رضي الله عنه -، وكان مالك - رضي الله
عنه - ينكر رواية من روى عن عمر - رضي الله عنه - في التخيير.
ثم أخرج برواية ابن بكير عن مالك قال: أدركتُ الناس وهم ينكرون
الذي قال بعض الناس عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: يخير زوجها في
الصداق والمرأة، قال مالك: إذا تزوجت بعد انقضاء العدة، فإن دخل بها أو
لم يدخل بها، فلا سبيل لزوجها الأول إليها، وذلك الأمر عندنا.
ثم أخرج عن الربيع، قال: قلت للشافعي: فإن صاحبنا قال: أدركتُ من
ينكر ما قال بعض الناس عن عمر - رضي الله عنه -، قال الشافعي: فقد رأينا
من ينكر قضية عمر كلها في المفقود، ويقول: هذا لا يشبه أن يكون من قضاء
(١) (٤٤٥/٧).
٢٩٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ، فِي الْمَرْأَةِ
يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا، ثُمَّ يُرَاجِعُهَا، فَلَا يَبْلُغُهَا رَجْعَتُهُ،
وَقَدْ بَلَغَهَا طَلَاقُهُ إِيَّاهَا فَتَزَوَّجَتْ: إِنَّهُ إِنْ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا الآخَرُ، أَوْ
لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَلَا سَبِيلَ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا، إِلَيْهَا .
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ، فِي هُذَا، وَفِي
الْمَفْقُود.
عمر - رضي الله عنه -، فهل كانت الحجة عليه إلا أن الثقات إذا حملوا ذلك
عن عمر - رضي الله عنه - لم يتهموا، فكذلك الحجة عليك، وكيف جاز أن
يروي الثقات عن عمر - رضي الله عنه - حديثاً واحداً، فنأخذ ببعضه، وندع
بعضاً؟
(قال مالك: وبلغني أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -، (قال، في
المرأة يطلقها زوجها وهو) أي الزوج (غائب عنها، ثم يراجعها، فلا يبلغها
رجعته) يعني لم يبلغ المرأة خبر الرجوع (وقد بلغها طلاقه إياها) فلما بلغها خبر
الطلاق (فتزوجت) بعد العدة (إنه) بكسر الهمزة مقولة عمر (إن دخل بها زوجها
الآخر) أي الثاني (أو لم يدخل بها) بعد، لكن تزوجها (فلا سبيل لزوجها الأول
الذي كان طلقها) أولاً وقد بلغها خبر الطلاق (إليها) ظرف لسبيل.
(قال مالك: وهذا) المذكور في هذا الباب من مختار الإمام مالك (أحبُ
ما سمعت إليّ في هذا) أي في طلاق الغائب (وفي المفقود) كما تقدم حكمه
قريباً، ففي المسألتين مختار ((الموطأ)) أن المرأة تفوت على الزوج الأول بمجرد
العقد بلا توقف على دخول الثاني، لكن في مسألة طلاق الغائب أيضاً قولان
لمالك كالمفقود، أحدهما: قول ((الموطأ)) والثاني: قول ((المدونة)).
قال الزرقاني(١): هذا مذهبه في ((الموطأ))، ومذهبه في (المدونة)) أنها إنما
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٠٠/٣).
٢٩١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢٠) باب
(١١٧٢) حديث
تفوت بدخول الثاني فيهما لا بعقده، وهو المشهور في المذهب. ورأى اللخمي
أنها لا تفوت بدخول، وفرق بينها وبين امرأة المفقود بأنه لم يكن في هذا أمر
ولا قضية من حاكم، بخلاف امرأة المفقودة، اهـ.
وقال الباجي(١) في طلاق الغائب: هذا مما اختلف فيه أيضاً، فقد قال
محمد بهذا القول في المفقود والمطلِّق زوجته ولم تعلم برجعته حتى تزوجت:
إن عقد الثاني عليها يفيتها، قال ابن القاسم: ثم إن مالكاً وقف قبل موته بعام
أو نحوه في امرأة المطلق، فقال: زوجها الأول أحقُّ بها ما لم يدخل بها
الثاني، اهـ.
وقال الموفق (٢): إن زوجَ الرَّجْعِيَّة إذا راجعها وهي لا تعلم صَحَّتِ
المراجعةُ؛ لأنها لا تفتقرُ إلى رضاها، فلم تفتقر إلى علمِها، فإذا راجعها ولم
تعلَم، فانقضت عدّتُها، ثم تزوَّجَتْ، ثم جاء وادّعى أنه كان راجعها قبل
انقضاء العدة، وأقام البينة على ذلك، ثبت أنها زوجتُه، وأنَّ نكاحَ الثاني
فاسدٌ؛ لأنه تزوّج امرأة غيره، وتُرَدّ إلى الأول، سواءٌ دخل بها الثاني أو لم
يدخل بها، وهذا هو الصحيح، وهو مذهب أكثر الفقهاء، منهم الثوري،
والشافعي، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي.
ورُوي ذلك عن عليّ - رضي الله عنه - وعن أبي عبد الله رواية ثانية: إن
دخل بها الثاني، فهي امرأته، وبطل نكاح الأول، ورُوي ذلك عن عمر
- رضي الله عنه -. وهو قول مالك، وروى معناه عن سعيد بن المسيب،
وعبد الرحمن بن القاسم، ونافع؛ لأن كل واحد منهما عقد عليها، وهي ممن
يجوز له العقد في الظاهر، ومع الثاني مزيّة الدخول، فقُدِّمَ بها، ولأن الرجعة
قد صَخَّتْ، وتزوّجت، وهي زوجةُ الأول، فلم يصحّ نكاحُها، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٩٤/٤).
(٢) («المغني)) (٥٧٣/١٠).
٢٩٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
(٢١) باب ما جاء في الأقراء عدة الطلاق وطلاق الحائض
٥٣/١١٧٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَنَّ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ
(٢١) ما جاء في الأقراء
جمع قرء، الوارد في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ ثَلَاثَةَ
قُرُوَّةٍ﴾ (١) والمراد بيان تفسير القرء لاختلافهم في أنها الحيض أو الطهر.
وعدّة الطلاق
هكذا بالواو في جميع النسخ المصرية، وعلى هذا، فهي مسألة مستقلة،
أي بيان عدة الطلاق من أنها تكون بالقروء لا الأشهر كعدة الوفاة، وأما في
النسخ الهندية بلفظ ((في الطلاق)) فهو متعلق بما سبق، والمعنى بيان الأقراء
الواردة في العدة، فإن القرء لفظ مشترك، ويطلق على الحيض أيضاً في كثير
من النصوص، كما في أحاديث المستحاضات، فالمقصود بيان تفسير الوارد في
الطلاق .
وطلاق الحائض
هل هو جائز أم لا؟ فالمذكور في الباب على النسخ المصرية ثلاثة
مسائل، وعلى النسخ الهندية مسألتان.
٥٣/١١٧٣ - (مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه - كذا
في رواية يحيى، وظاهرها الإرسال إذ نافع لم يدرك القصة، وقد رواه جماعة
في ((الموطأ)) وغيره عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه (طلّق امرأته)،
قال النووي في ((تهذيبه))(٢) وتبعه جماعة منهم الذهبي: إن اسمها هي آمنة - بمد
(١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.
(٢) القسم الثاني من الجزء الأول (ص٣٧٣).
٢٩٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
وَهِيَ خَائِضٌ. عَلَى عَهْد رَسُولِ اللَّهِ وَلَهِ. فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
رَسُولَ اللّهِ وَ لَّهِ عَنْ ذُلِكَ.
الهمزة وكسر الميم - بنت غفار - بكسر المعجمة وتخفيف الفاء وبالراء -، كما
ضبطه ابن نقطة، وعزاه لابن سعد، وذكر أنه وجد كذلك بخط الحافظ أبي
الفضل بن ناصر، أو بنت عمار بفتح العين المهملة والميم المشددة، قال
الحافظ(١): والأول أولى، وأقوى من ذلك ما في ((مسند أحمد)) من رواية
يونس عن الليث عن نافع، وفيه، قال عمر: ((يا رسول الله إن عبد الله طَلَّق
امرأته النوار)) الحديث، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، ويمكن الجمع بأن
يكون اسمها آمنة، ولقبها النوار.
(وهي حائض) جملة حاليّة، زاد الليث عن نافع تطليقة واحدة، أخرجه
مسلم، وقال: جَوَّد الليثُ في قوله: تطليقة واحدة، قال عياض: يعني أنه حفظ
وأتقن ما لم يتقنه غيره ممن لم يفسر كم الطلاق، وممن غلط، ووهم، وقال:
طلقها ثلاثاً، ووقع عند مسلم من طريق ابن سيرين، قال: مكثتُ عشرين سنة
يُحدِّثني من لا أتهم أن ابن عمر - رضي الله عنه - طلّق امرأتَه ثلاثاً، وهي
حائض، فأمره أن يراجعها، فكنت لا أتهمهم ولا أعرف وجه الحديث حتى
لقيتُ يونس بن جبير، وكان ذا ثبت، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه أنه
طلّق امرأته تطليقة، وهي حائض، وأخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق
الشعبي، قال: طلّق ابن عمر - رضي الله عنه - امرأته وهي حائض واحدة.
(على عهد رسول الله (وَل18) هكذا في رواية مالك، ومثله عند مسلم من
رواية أبي الزبير عن ابن عمر، وأكثر الرواة لم يذكروا ذلك استغناءً بما في
الخبر أن عمر - رضي الله عنه - سأل عن ذلك رسول الله وصلفيه، فاستلزم أن ذلك
وقع في عهده (فسأل عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (رسول الله وَار عن
ذلك) أي عن حكم طلاق ابنه زاد الشيخان من رواية سالم عن أبيه، ((فَتَغَيَّظَ
(١) ((فتح الباري)) (٣٤٧/٩).
٢٩٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا،
رسولُ اللهِ وَّةٍ)) (فقال رسول الله وَّه) لعمر - رضي الله عنه -: (مُرْه) أي ابنك
(فليُرَاجِعْها).
قال الزرقاني(١): الأمر للوجوب عند مالك وجماعة، وصحّحَه صاحب
((الهداية)) من الحنفية، وللندب عند الأئمة الثلاثة، وفي ((المحلى)): ندباً عند
الشافعي وأحمد وبعض الحنفية، ووجوباً عند مالك، والبعض الآخر من
الحنفية، منهم صاحب ((الهداية))، ورجحه ابن الهمام (٢)، قال: وهو ظاهر
عبارة محمد بن الحسن في ((المبسوط))، اهـ.
قال الباجي(٣): من طَلَّق حائضاً أُخْبِرَ على الرجعة، فإن امتنع، ففي
كتاب ابن المواز عن ابن القاسم وأشهب يُهَدَّدُ سواء ابتدأ الطلاق أو حنث،
فإن أبى يُسْجِنُه الحاكم، فإن فعل، وإلا ضرب بالسوط، فإن تمادى ألزمه
الحاكم الرجعة، وكانت له رجعة، ووجه ذلك أن امتناعه من الرجعة وبقاءه
على حكم الطلاق معصية، اهـ.
وقال الحافظ(٤): اختلف في وجوب المراجعة، فذهب إليه مالك وأحمد
في رواية والمشهور عنه - وهو قول الجمهور - أنها مستحبة، اهـ.
وقال الموفق(٥): إن طَلَّقها للبدعة، وهو أن يُطَلِّقها حائضاً أو في ظُهْرٍ
أصابها فيه أثِمَ، ووقع طلاقُه في قول عامَّة أهل العلم، قال ابن المنذر وابنُ
عبد البر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضَّلال، وحكاه أبو نصر عن
(١) (٢٠١/٣).
(٢) ((فتح القدير)) (١٨/٤).
(٣) ((المنتقى)) (٤/ ٩٧).
(٤) ((فتح الباري)) (٣٤٩/٩).
(٥) («المغني)) (٣٢٧/١٠).
٢٩٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَظْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَظْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ
بَعْدُ. وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ
ابنِ عُلَيَّة وهشام بن الحكم والشيعة، وحكاه في ((المحلى)) عن الظاهرية، منهم
ابن حزم والخوارج والروافض واختاره ابن تيمية وابن القيم، وقالوا: لا يقع
طلاقُه؛ لأن الله تعالى أمر به في قُبُلِ العِدَّة، فإذا طلَّقَ في غيره لم يقع.
ولنا، حديثُ ابن عمر - رضي الله عنه - أنه ◌َّ أمره أن يُرَاجعها، وفي
رواية الدارقطني(١) قال: قلتُ: يا رسول الله أفرأيت لو أَنِّي طَلَّقْتُها ثلاثاً أكان
يَحِلّ لي أن أُراجِعَها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصيةً، وقال
يونس بن جبير لابن عمر: أفتعتدّ عليه أو تحتسب عليه، قال: نعم أرأيت إن
عجز واستحمق؟ وكلها أحاديث صحاح، ويستحب أن يراجعها لأمره وَلآل
بالمراجعة، وأقل أحوال الأمر الاستحباب، ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب،
وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي، وحكى
ابنُ أبي موسى عن أحمد رواية أخرى أن الرجعة تجب، واختارها، وهو قول
مالك وداود لظاهر الأمر في الوجوب، ولأن الرجعة تجري مجرى استبقاء
النكاح، واستبقاؤُه ههنا واجب، بدليل تحريم الطلاق.
ولنا أنه طلاق لا يرتفعُ بالرجعة فلم تجب عليه الرجعة فيه، كالطلاق في
طهر مَسَّها فيه، فإنهم أجمعوا على أن الرجعة لا تجب، حكاه ابن عبد البر عن
جميع العلماء.
(ثم يمسكها) مجزوم، ويجوز فيه الرفع على الاستئناف أي يديمُ
إمساكها، وإلا فالرجعة إمساك، وفي رواية: ثم يتركها (حتى تطهر ثم تحيض)
حيضة أخرى (ثم تطهر) مرة أخرى (ثم إن شاء أمسك بعد) أي بعد الطهر
الثاني (وإن شاء طلق).
(١) (سنن الدارقطني)) (٣١/٤).
٢٩٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
قال الحافظ(١): في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع: ثم ليدعها حتى
تطهر ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها، ونحوه في رواية الليث
وأيوب عن نافع، وكذا عند مسلم من رواية عبد الله بن دينار، وكذا عندهما من
رواية الزهري عن سالم، وعند مسلم من رواية محمد بن عبد الرحمن عن
سالم: ((مُرْه فليُراجعها، ثم يطلقها طاهراً أو حاملاً))، قال الشافعي: غير نافع
إنما روى: ((حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، ثم إن شاء أمسك وإن
شاء طلق))، رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم، قال الحافظ: هو كما
قال، لكن رواية الزهري عن سالم موافقة لرواية نافع، وقد نَبَّه على ذلك أبو
داود، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيما إذا كان حافظاً.
واختلف في جواز تطليقها في الطهر الذي يلي الحيضة الأولى، وفيه
للشافعية وجهان؛ أصحهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي تقتضيه الزيادة
التي في الحديث، وكلام المالكية يقتضي أن التأخير مستحب، وفي كتب
الحنفية عن أبي حنيفة الجواز، وعن أبي يوسف ومحمد المنع، وفي
((البذل)) (٢): أن قولهما ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، والجواز رواية له.
وقال الموفق(٣): فإن راجعها وجب إمساكها حتى تطهر، واستحب
إمساكها حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر على ما أمر به النبي وّ في حديث
ابن عمر الذي رويناه، وقد روى يونس بن جبير وسعيد بن جبير وابن سيرين
وزيد بن أسلم وأبو الزبير عن ابن عمر ((أن رسول الله وَ ل أمره أن يراجعها
حتى تطهر))، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، ولم يذكروا تلك الزيادة، وهو
حديث صحيح متفق عليه، والأول محمول على الاستحباب، اهـ.
«فتح الباري)) (٩/ ٣٥٠).
(١)
(٢) انظر: ((بذل المجهود)) (٢٤٨/١٠).
(٣) ((المغني)) (٣٢٩/١٠).
٢٩٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
واختلف في حكمة التأخير إلى الطهر الثاني على أقوالٍ؛
الأول: لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فوجب أن يُمسكها زماناً كان
يحلّ له طلاقها .
الثاني: لتظهر فائدة الرجعة، فإذا أمسكها زماناً يحلّ له فيه وطؤها، فقد
يُجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها .
والثالث: ما قال ابن عبد البر(١): إن الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا
بالوطء؛ لأنه المبغى من النكاح، ولا يحصل الوطء إلا في الطهر، فإذا وطئ
حرم طلاقها فيه حتى تحيض، ثم تطهر، واعتبرنا مَظِنَّةَ الوطء ومحله، لا
حقيقته .
والرابع: ما قال أيضاً: إن الطلاق كره في الحيض لتطويل العدة، فلو
طلقها عقيب الرجعة من غير وطء كانت في معنى المطلقة قبل الدخول، وكانت
تبني على عدتها، فأراد رسول الله وَالر قطع حكم الطلاق بالوطء، واعتبر الطهر
الذي هو موضع الوطء، فإذا وطئ حرم طلاقها حتى تحيض، فتطهر، وقد جاء
في حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله وَ لَه قال: ((مُرْه أن
يراجعها، فإذا طهرت مسّها حتى إذا طهرت أخرى، فإن شاء طلقها، وإن شاء
أمسكها»، رواه ابن عبد البر.
والخامس: أنه عقوبة له على إيقاعه في الوقت المحرم بمنعه منه في
الوقت الذي یباح له.
السادس: أن الطهر الأول مع الحيض الذي طلّق فيه كقرء واحد، فلو
طلّقها في أول طهر كان كمن طلقها في حيض.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥/١٨).
٢٩٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ)).
أخرجه البخاريّ في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ١ - باب قول الله تعالى يا أيها
النبيّ إذا طلقتم النساء.
ومسلم في: ١٨ - كتاب الطلاق، ١ - باب تحريم طلاق الحائض بغير
رضاها، حدثنا يحيى بن يحيى التميميّ.
والسابع: ما حُكي عن الشافعي - رحمه الله -: يحتمل أنه أراد بذلك أن
يستبرئها بعد الحيضة، التي طلقها فيه بطهر تام، ثم حيض، تام، ليكون تطليقها
وهي تعلم عدتها، إما بحمل أو بحيض.
والثامن: أن السنة أن يفصل بين كل تطليقتين بحيضة، والفاصل ههنا
بعض الحيض، فوجب تكاملها .
التاسع: أن الأمر بالرجوع عن الطلاق أمر بإباحة الوطء، ولا يجوز له
الوطء في الحيض، وإذا طلق في الطهر المتصل، فلا يجوز له الوطء فيه
أيضاً، فيكون الأمر بالرجوع عن الطلاق بمعنى منع الوطء، وهو خلاف
مقصود النكاح.
(قبل أن يَمَسَّ) أي يُجَامِعَ لما في الطلاق في طهر قد مَسَّ فيه من
الإلباس في العدة؛ لأنها لا تدري أتعتدَّ بالأقراء أو بالحمل، وقد يظهر
الحمل، فيندم على الفراق (فتلك العدة التي أمر الله) عز اسمه (أن يطلق لها)
أي للعدة (النساء)، في قوله تبارك وتعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾(١) قال
القاري(٢): فتلك العدة المشار إليها عندنا حالة الحيض، وعند الشافعية حالة
الطهر، وقيل: اللام في لها بمعنى في، فتكون حجة لما ذهب إليه الشافعي من
أن العدة بالأطهار، إذ لو كانت بالحيض يلزم أن يكون الطلاق مأموراً به فيه،
(١) سورة الطلاق: الآية ١.
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٦/ ٢٨٠، ٢٨١).
٢٩٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢١) باب
(١١٧٣) حديث
وليس كذلك، وأجيب بأنا لا نُسَلِّمُ أن اللام ههنا بمعنى في، بل للعاقبة، اهـ
وفي ((المحلى)): قال الحنفية: إن اللام في الحديث والآية بمعنى الغاية
والاستقبال، كما يقال: لقيته لثلاث بقين من الشهر، يريد مستقبلاً لثلاث،
والمعنى فتلك أي حالة الحيض العدة التي أمر الله أن يطلق مستقبلات لها
النساء، ورَجَّح بما في ((مسلم)) عن ابن عمر - رضي الله عنه -، قرأ النبي وَلّى:
((فطلقوهن في قبل عدتهن)) وهذا على تقدير كون الحديث مرفوعاً، وإلا فقد
قال ابن وضاح: انتهى حديثه ◌َ ﴿ إلى قوله: قبل أن يمسّ، فيكون قوله:
((فتلك)) مدرجاً عن ابن عمر - رضي الله عنه -، اهـ.
وفي ((الجمل))(١): قال البيضاوي: لعدتهن أي في وقتها، وهو الطهر،
فإن اللام في الأزمان وما يُشْبهها للتأقيت، ومن عَدَّ العدة بالحيض علق اللام
بمحذوف مثل مستقبلات يعني يعلقها بمحذوف دل عليه معنى الكلام، أي
فطلقوهن مستقبلات لعدتهن، أي متوجهات إليها، وإذا طلقت المرأة في الطهر
المتقدم على القرء الأول من أقرائها، فقد طلقت مستقبلة بعدتها، والمراد أن
يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، ثم يتركن حتى تنقضي عدتهن، وأيد هذا بقراءة
﴿فطلقوهن من قبل عدتهن﴾، اهـ.
وفي هامش ((بيان القرآن)) عن ((الروح)) في آخر الحديث الباب، وقرأ
النبي وَل: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن﴾ وكان ابن
عمر كما أخرج عنه ابن المنذر وغيره يقرأ كذلك، وكذلك ابن عباس، وفي
رواية عنهما أنهما قرآ ((لقبل عدتهن))، اهـ.
وفي ((التعليق الممجد))(٢) عن الطحاوي في ((شرح معاني الآثار)): ليس
(١) (٢٨/٨).
(٢) (٥٠٦/٢).
٣٠٠