Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث مِنْ وَلَدِهَا. المصرية ((انتفل)) باللام بدل الياء، وهكذا ضبطه الزرقاني، فقال: بألف فنون ساكنة ففوقية ففاء فلام أي تبرأ، وفي رواية بالياء بدل اللام، اهـ. وقال الحافظ(١) تحت رواية ابن بكير: ذكر ابن عبد البر أن بعض الرواة عن مالك ذكره بلفظ: ((وانتقل)) يعني بقاف بدل الفاء ولام آخره، وكأنه تصحيف، وإن كان محفوظاً، فمعناه قريب من الأول، اهـ. وفي ((المجمع)) في النون والفاء: النفل بفتح فاء وسكونها: الحلف، ومنه حديث ابن عمر أن فلاناً انتفل من ولده أي تبرأ منه (من ولدها) والحديث أخرجه البخاري من رواية ابن بكير عن مالك بلفظ ((فانتفى»، قال الطيبي: الفاء سببية، أي الملاعنة سبب الانتفاء، وتعقبه الحافظ فقال: إن أراد أن الملاعنة سبب ثبوت الانتفاء فجيد، وإن أراد أن الملاعنة سبب وجود الانتفاء فليس كذلك، فإنه إن لم يتعرض لنفي الولد في الملاعنة لم ينتف، والحديث في ((الموطأ)) بلفظ: ((وانتفى)) بالواو لا بالفاء. وفي تفسير النور من البخاري من وجه آخر عن نافع بلفظ ((أن رجلاً رمى امرأته، وانتفى من ولدها، فأمرهما النبي ◌َّ فتلاعنا))، فوضح أن الانتفاء سبب الملاعنة لا العكس، واستدل بهذا الحديث على مشروعية اللعان لنفي الولد، وعن أحمد ينتفي الولد بمجرد اللعان، ولو لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان. وفيه نظر؛ لأنه لو استلحقه لحقه، وإنما يُؤَثِّرُ لعان الرجل دفع حد القذف عنه، وثبوت زنا المرأة، ثم يرتفع عنها الحد بالتعانها، وقال الشافعي: إن نفى الولد في الملاعنة انتفى، وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، اهـ. وقال الموفق(٢) في شروط الملاعنة: الشرط الرابع أن يذكر نفي الولد في (١) ((فتح الباري)) (٤٦٠/٩). (٢) («المغني)) (١٥٢/١١). ٢٢١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلّهِ بَيْنَهُمَا . اللعان، فإذا لم يذكره لم ينتف إلا أن يعيد اللعان، ويذكر نفيه، وهذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار القاضي ومذهب الشافعي، وقال أبو بكر: لا يحتاج إلى ذكر الولد ونفيه، وينتفي بزوال الفراش، ولأن حديث سهل لم يذكر فيه الولد، وقال فيه: ((ففرّق رسول الله وَل بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، ولا يرمى ولدها))، رواه أبو داود(١). وفي حديث رواه مسلم عن عبد الله ((أن رجلاً لاعن امرأته على عهد رسول الله رَ، ففرق النبي ◌َّله، وألحق الولد بأمه))، ولنا، أن من سقط حقه باللعان، كان ذكره شرطاً كالمرأة، ولأن غاية ما في اللعان أن يثبت زناها، وذلك لا يوجب نفي الولد، كما لو أقرت به أو قامت به بينة، فأما حديث سهل، فقد روي فيه ((وكانت حاملاً فأنكر حملها)) من رواية البخاري، وروى ابن عمر - رضي الله عنه -: ((أن رجلاً لا عَن امرأته في زمن رسول الله وَاتِ، وانتفى من ولدها))، الحديث والزيادة من الثقة مقبولة، فعلى هذا لا بد من ذكر الولد في كل لفظة، ومع اللعن في الخامسة؛ لأنها من لفظات اللعان، اهـ. وفي ((الهداية))(٢): لو قذفها بالزنا، ونفى الولد، ذكر في اللعان الأمرين، ثم ينفي القاضي نسب الولد ويلحقه بأمه. (ففرّق) بتشديد الراء (رسول الله (َليل بينهما) أي بين المتلاعنين، واستدل به الحنفية على أن مجرد اللعان لا يحصل به التفريق، بل لا بد من حكم حاكم يفرق بينهما، قال صاحب ((البدائع))(٣): قال أصحابنا الثلاثة: حكم اللعان وجوب التفريق ما داما على حال اللعان لا وقوع الفرقة بنفس اللعان من غير (١) ((سنن أبي داود))، كتاب الطلاق، باب اللعان (٥٢١/١). (٢) (٢٧١/١). (٣) ((بدائع الصنائع)) (٣٨٨/٦). ٢٢٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث تفريق الحاكم، حتى يجوز طلاق الزوج وظهاره وإيلاؤه، ويجري التوارث بينهما قبل التفريق؛ لما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - فذكر حديث الباب، وعن ابن عباس ((أن النبي و ◌ٍ﴾ لما لاعن بين عاصم بن عدي وبين امرأته فَرَّق بينهما». وروي أن رسول الله ( 8﴿ لا عن بين العجلاني وامرأته، فلما فرغا من اللعان فرق بينهما، فدلت الأحاديث على أن الفرقة لا تقع بلعان الزوج ولا بلعانها، إذ لو وقعت لما احتمل التفريق من رسول الله وَ ل بعد وقوع الفرقة بينهما بنفس اللعان، ولأن ملك النكاح كان ثابتاً قبل اللعان، والأصل أن الملك متى ثبت لإنسان لا يزول إلا بإزالته أو بخروجه من أن يكون منتفعاً به في حقه لعجزه عن الانتفاع به، ولم توجد الإزالة من الزوج؛ لأن اللعان لا يُنْبِئُ عن زوال الملك؛ لأنه شهادة مؤكدة باليمين أو يمين، وكل واحدة منهما لا تنبئ عن زوال الملك. ولهذا لا يزول بسائر الشهادات، والأيمان، والقدرة على الامتناع(١) ثابتة، فلا تقع الفرقة بنفس اللعان، انتهى مختصراً. وحمل الحديث من قال: إن الفرقة تحصل بلعانهما أو بلعان الزوج وحده على أن المراد الإخبار عن حكم الشرع لا إيقاع فرقة، بدليل ما ورد في رواية أخرى: ((لا سبيل لك عليها))، قال الحافظ (٢): وتعقب بأن ذلك وقع جواباً لسؤال عن ماله الذي أخذته منه، وأجيب بأن العبرة لعموم اللفظ، وهو نكرة في سياق النفي، فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسليط عليها بوجه من الوجوه، ووقع في آخر حديث ابن عباس عند أبي داود: ((وقضى أن ليس عليه نفقة ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق، ولا متوفى عنها))، وهو ظاهر في أن الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان، اهـ. (١) كذا في الأصل، والصواب على الظاهر بدله الانتفاع. ز. (٢) ((فتح الباري)) (٤٥٩/٩). ٢٢٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ. أخرجه البخاريّ في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٣٥ - باب يلحق الولد بالمُلَاعِنَة. ومسلم في: ١٩ - كتاب اللعان، حديث ٨. قال ابن الهمام(١): وأجيب بأنه لو وقعت الفرقة بمجرد اللعان لأنكر عليه النبي وَلا تطليقه، وقوله وقوله: ((لا سبيل لك عليها))، إنما هو إنكار طلب ماله منها على ما يدل عليه تمام الحديث وهو قوله: (يا رسول الله مالي)) الحديث، فدل تفريقه سي على وقوع الطلاق، فلا يعارضه قول ابن عباس: من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق، فإنه من قوله، اهـ. وأجاب الشيخ في ((البذل))(٢) بضعف حديث ابن عباس. (وألحق) وَّر (الولد بالمرأة) يعني صرف نسبه إلى أمه. ونفاه عن أبيه فترث منه ما فرض الله لها، كما سيأتي قريباً في ميراث ولد الملاعنة، والحديث هكذا أخرجه البخاري في ((صحيحه)). قال الحافظ(٣): قال الدارقطني: تفرد مالك بهذه الزيادة، قال ابن عبد البر: ذكروا أن مالكاً تفرد بهذه اللفظة في حديث ابن عمر، وقد جاءت من أوجه أخرى في حديث سهل بن سعد، ولفظه عند أبي داود: ((ثم خرجت حاملاً، فكان الولد يدعى إلى أمه))، ومعنى قوله: ألحق الولد بأمه، أي صيّره لها وحدها، ونفاه عن الزوج، فلا توارث بينهما، وأما أمه فترث منه ما فرض الله لها، كما وقع صريحاً في حديث سهل بن سعد بلفظ: ((ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لها)). وقيل: معنى إلحاقه بأمه أنه صيرها له أباً وأماً، فترث جميع ماله إذا لم (١) ((فتح القدير)) (١١٩/٤). (٢) ((بذل المجهود)) (٤١٢/١٠). (٣) ((فتح الباري)) (٤٦٠/٩). ٢٢٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث ..... قَالَ مَالِكٌ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ يكن له وارث آخر من ولد ونحوه، وهو قول ابن مسعود وواثلة، ورواية عن أحمد، وروي أيضاً عن ابن القاسم، وعنه: معناه أن عصبة أمه تصير عصبة له، وهو قول علي وابن عمر - رضي الله عنهما -، والمشهور عن أحمد، وقيل: ترثه أمه وإخوته منها بالفرض والردّ. وهو قول أبي عبيد ومحمد بن الحسن، ورواية عن أحمد، قال: فإن لم يرثه ذو فرض بحال، فعصبته عصبة أمه . واستدل به على أن الولد المنفي باللعان لو كان بنتاً حل للملاعن نكاحها، وهو وجه شاذّ لبعض الشافعية، والأصح كقول الجمهور: إنها تحرم لأنها ربيبة في الجملة، اهـ. (قال) الإمام (مالك) والمقصود من ذلك على الظاهر بيان ألفاظ الملاعنة، ولما كان الأصل فيها القرآن ذكر ألفاظ التنزيل موضع البيان. وقد قال الحافظ في ((الفتح)) (١): لم أر في شيء من طرق حديث سهل صفة تلاعنهما، إلا ما في رواية الأوزاعي في التفسير، فإنه قال: فأمرهما بالملاعنة بما سمى الله في كتابه، وظاهره أنهما لم يزيدا على ما في الآية، وحديث ابن عمر عند مسلم صريح في ذلك، فإن فيه: ((فبدأ بالرجل، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين))، الحديث. وحديث ابن مسعود نحوه، لكن زاد فيه: ((فذهبت لتلتعن، فقال النبي وَالر: مه، فأبت فالتعنت)) إلى آخر ما ذكره الحافظ، وهذا يدل على أن الوارد في الأحاديث أيضاً هي ألفاظ القرآن، ولذا اكتفى الإمام في ذلك على ذكر الآية الشريفة. فقال: (قال الله تبارك وتعالى) في سورة النور: (﴿وَالَّذِينَ يَّمُونَ﴾) أي يقذفون (﴿أَزْوَجِهِمْ﴾) بالزنا جمع زوج بمعنى الزوجة، فإن حذف التاء منها أفصح من إثباتها (١) ((فتح الباري)) (٤٥١/٩). ٢٢٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ إلا في الفرائض، كذا في ((الجمل)) (١)، قال الباجي(٢): هذا يقتضي اختصاص هذا بالزوجات دون غيرهن إذا لم يكن للأزواج شهداء بما يدعون على الزوجات من الزنا (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّمْ شُهَدَلَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾) في رفع أنفسهم وجهان: أحدهما: أنه بدل من شهداء، ولم يذكر الزمخشري غيره، والثاني: أنه نعت له على أن ((إلا)) بمعنى غير، ولا مفهوم لهذا القيد، بل يلاعن، ولو كان واجداً للشهود. وعبارة ((المنهج)) مع شرحه: ويلاعن ولو مع إمكان بينة بزناها، لأنه حجة كالبينة، وصَدَّنَا عن الأخذ بظاهر الآية من اشتراط تعذر البيئة الإجماعُ، فالآية مؤولة بأن يقال: فإن لم يرغب في البينة فليُلاعِنْ، كذا في ((الجمل))(٣). وقال الموفق(٤): إذا قذف امرأته، وله بينة تشهد بزناها، فهو مخيَّر بين لعانها وبين إقامة البينة؛ لأنهما بينتان، فكانت له الخيرة في إقامة أيتهما شاء، كمن له بِدَیْنٍ شاهدان، وشاهد وامرأتان، ولأن كل واحد منهما يحصل بها ما لا يحصل بالأخرى، فإنه يحصل باللعان نفي النسب الباطل، ولا يحصل ذلك بالبيئة، ويحصل بالبينة ثبوت زناها وإقامة الحد عليها، ولا يحصل باللعان، فإن لا عنها ونفی ولدها، ثم أراد إقامة البينة فله ذلك، فإذا أقامها ثبت موجب اللعان وموجب البينة، اهـ. (﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾) حجة للحنفية في مسألة خلافية تقدمت أول الباب من أن حقيقة اللعان شهادات أو أيمان. قال صاحب ((الهداية))(٥): قال تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍ بِاللَّهِ﴾(٦) (١) (٢٦٨/٥). (٢) ((المنتقى)) (٧٦/٤). (٣) (٢٦٩/٥). (٤) ((المغني)) (١١ / ١٤١). (٥) (٢٧٠/١). (٦) سورة النور: الآية ٤. ٢٢٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حدیث نص على الشهادة واليمين، فقلنا: الركن هو الشهادة المؤكدة باليمين، اهـ. وقال الباجي(١): الذي ذهب إليه أصحابنا أن ألفاظ اللعان أيمان، وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَاتٍِ بِاللَّهِ﴾ فوجه الدليل من الآية أنه قرن بلفظ الشهادة قوله: بالله، وهذا معنى اليمين، فإن اليمين قد يقال فيها: أشهد بالله لقد كان كذا وكذا، والثاني: أنه أقسم على فعله والشاهد لا يشهد على فعله، ووجه ثالث: أنه لا خلاف أن يدفع به عن نفسه الحد عندنا، والحبس عند أبي حنيفة، وهذا حكم اليمين. فأما الشهادة فلا يصح أن تقبل شهادة الأنساب ليدفع بها عن نفسه ضرراً، ومما يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس في قصة هلال بن أمية: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن))، وفائدة الخلاف في هذه المسألة أن اللعان يصح من الفاسق والأعمى، والشهادة لا تصح من الفاسق، ولا تصح عند أبي حنيفة من الأعمى، اهـ. وفي ((البدائع)) (٢): لنا، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ﴾(٣) الآية، والاستدلال بالآية الكريمة من وجهين، أحدهما: أنه تعالى سماهم شهداء؛ لأنه استثناهم من الشهداء، والمستثنى من جنس المستثنى منه، والثاني: أنه تعالى سمى اللعان شهادة نصاً بقوله عز وجل: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ والخامسة أي الشهادة الخامسة، وكذا في جانب المرأة إلا أنه تعالى سماه شهادة بالله تأكيداً للشهادة باليمين، فقوله: أشهد شهادة، وقوله: بالله يمين، وهذا مذهبنا أنه شهادات مؤكدات بالأيمان، وهو أولى مما قاله المخالف؛ لأنه عمل باللفظين في (١) ((المنتقى)) (٧٦/٤). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٨٣/٦). (٣) سورة النور: الآية ٦. ٢٢٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الضَدِقِينَ معنيين، وفيما قاله حمل اللفظين في معنيين على معنى واحد. والدليل على أنه شهادة أنه شرط فيه لفظ الشهادة وحضرة الحاكم، ولا حجة له في الحديث؛ لأنه روي في بعض الروايات، لولا مضي من الشهادات، انتهى مختصراً. وقال الحافظ(١): إن اللعان يمين، على قول مالك والشافعي والجمهور، وقال أبو حنيفة: اللعان شهادة، وهو وجه للشافعية، وقيل: شهادة فيها شائبة اليمين، وقيل بالعكس، ومن ثم قال بعض العلماء: ليس يمين ولا شهادة. والذي تحرر لي أنها من حيث الجزم بنفي الكذب وإثبات الصدق يمين، لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يكتفي في ذلك بالظن، بل لا بد من وجود كل منهما بالأمرين علماً يصح معه أن يشهد به. ويؤيد كونها يميناً أن الشخص لو قال: أشهد بالله لقد كان كذا لعدّ حالفاً، وقد قال القفال في ((محاسن الشريعة)): كررت أيمان اللعان؛ لأنها أقيمت مقام أربع شهود في غيره ليقام عليها الحَدُّ ومن ثَمَّ سميت شهادات، اهـ. (﴿أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهُ﴾) لا بد من أربع هذا، والخامسة الآتي ذكرها. قال الحافظ: فلو التعن ثلاث مرات فقط، فالتعنت المرأة مثله، ففرق الحاكم بينهما، لم تقع الفرقة عند الجمهور، لأن ظاهر القرآن أن الحد وجب عليهما، وأنه لا يندفع إلا بما ذكر فيتعين الإتيان بجميعه، وقال أبو حنيفة: أخطأ السنة وتحصل الفرقة؛ لأنه أتى بالأكثر فتعلق به الحكم، اهـ. (﴿إِنَُّ﴾) أي الزوج (﴿لَمِنَ الصَّدِقِينَ﴾) فیما رمی به زوجته من الزنا. قال الموفق: قال الوزير يحيى بن محمد بن هُبَيْرة(٢) من الفقهاء: من اشترط أن يزاد بعد قوله: ((من الصادقين)) فيما رميتها به من الزنا، واشترط في (١) ((فتح الباري)) (٤٤٤/٩). (٢) انظر: ترجمته في ((العبر)) (١٧٢/٤ - ١٧٣). ٢٢٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ .. ٧ وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ نفيها عن نفسها فيما رماني به من الزنا، ولا أراه يحتاج إليه؛ لأن الله سبحانه أنزل ذلك وبَيَّنه، ولم يذكر هذا الاشتراط، اهـ. (﴿وَالْخَمِسَةُ﴾) بالرفع (﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَنَ مِنَ الْكَذِينَ﴾) في ذلك. وجزم الموفق(١): بأن كون اللعنة في المرة الخامسة شرط، إذ قال: يشترط في صحة اللعان شروط ستة؛ أحدها: أن يكون بمحضر الإمام أو نائبه، الثاني: أن يأتي كل واحد منهما باللعان بعد إلقائه عليه، فإن بادر به قبل أن يلقيه الإمام عليه لم يصح، كما لو حلف قبل أن يحلفه الحاكم، الثالث: استكمال لفظات اللعان الخمسة، فإن نقص منها لفظة لم يصح، الرابع: أن يأتي بصورته، إلا ما سيأتي من الاختلاف في إبدال لفظه بمثلها في المعنى. الخامس: الترتيب، فإن قدم لفظ اللعنة على شيء من الألفاظ الأربعة، أو قدمت المرأة لعانها على لعان الرجل لم يعتدّ به. السادس: الإشارة من كل واحد منهما إلى صاحبه إن كان حاضراً، وتسميته ونسبته إن كان غائباً، اهـ. (﴿وَيَدْرَؤُأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾) واختلف في تفسير العذاب على قولين: أحدهما: حد الزنا، وبه قال الشافعي ومن وافقه، والثاني: الحبس، وبه قال الحنفية ومن وافقهم، قال الرازي في ((التفسير الكبير)): قال الشافعي: إذا قذف الرجل زوجته فالواجب هو الحد، لكن المخلص منه باللعان، كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد، والمخلص منه بالشهود، فإذا نكل الزوج عن اللعان يلزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان يلزمها حد الزنا، وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن، وكذا المرأة إذا نكلت حبست حتى تلاعن، اهـ. وبالأول قالت المالكية. (١) ((المغني)) (١٧٩/١١). ٢٢٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قال الباجي(١): إذا قذف الرجل امرأته فعليه الحد، وإنما له أن يسقطه باللعان، وقال أبو حنيفة: لا حدّ عليه، ولكن يُحبس حتى يلتعن، فإذا التعن الرجل، وسقط عنه الحد، فإنه يتعلق بلعانه أحكام؛ منها، سقوط الحد عنه وتوجيهه على المرأة، وانتفاء الولد إن كان اللعان يتضمن ذلك، وقال أبو حنيفة: لا شيء من ذلك، وإنما تحبس إن امتنعت من اللعان، والدليل على ما نقوله قوله عز اسمه: ﴿وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الآية، وهذا يقتضي أنه قد يوجه إليها بلعان الزوج عذاب، وهو الحد، فإن لها أن تدرأه عن نفسها باللعان، اهـ. وبالثاني قالت الحنابلة. قال الخرقي: فإن التعن هو، ولم تلتعن هي، فلا حد عليها، والزوجية بحالها، قال الموفق(٢): وجملة ذلك أنه إذا لاعنها، وامتنعت من الملاعنة فلا حد عليها، وبه قال الحسن والأوزاعي وأصحاب الرأي، ورُوي ذلك عن الحارث العكلي وعطاء الخراساني، وذهب مكحول والشعبي ومالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر إلى أن عليها الحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾(٣) وهو الحد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِينَ﴾ (٤) ولنا، أنه لم يتحقق زناها، فلا يجب عليها الحد؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون بلعانه أو بنكولها أو بهما معاً، ولا يجوز أن يكون بشيء من ذلك، كما بسطه. وقال: إن الشافعي لا يرى القضاء بالنكول في شيء، فكيف يقضي به في أعظم الأمور وأبعدها ثبوتاً وأسرعها سقوطاً، فإنها لو أقرت بلسانها، ثم (١) (٤/ ٧٧) . (٢) ((المغني)) (١٨٨/١١). (٣) سورة النور: الآية ٨. (٤) سورة النور: الآية ٢. ٢٣٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث رجعت لم يجب عليها الحد، فلأن لا يجب بمجرد امتناعها من اليمين أولى، والعذاب في الآية يجوز أن يكون الحبس أو غيره. واختلفت الرواية فيما يصنع بها، فروي أنها تحبس حتى تلتعن أو تُقِرَّ أربعاً، ولا يسقط النسب إلا بالتعانهما جميعاً، لأن الفراش قائم حتى تلتعن. والولد للفراش، قال القاضي: هذه الرواية أصح، وهذا قول من وافقنا في أنه لا حد عليها، والرواية الثانية: يخلى سبيلها، وهو قول أبي بكر؛ لأنه لم يجب عليها الحد، فيجب تخلية سبيلها، فأما الزوجية فلا تزول، والولد لا ينتفي ما لم يتم اللعان بينهما في قول عامة أهل العلم إلا الشافعي، فإنه قضى بالفرقة، ونفي الولد بمجرد لعان الرجل، اهـ. واستدل بالآية على مسألة أخرى وهي خلافية أيضاً، قال الباجي(١): إن بدأت المرأة باللعان فهل تعيده بعد التعان الزوج الذي ذكره القاضي أبو محمد عن المذهب أنها لا تعتدّ بما تقدم من لعانها قبل الزوج وتعيد اللعان، وهذا الذي ذكره هو قول أشهب. والذي حكاه ابن المواز عن ابن القاسم أنها لا تعيد اللعان. وبه قال أبو حنيفة. وجه القول الأول ما احتجّ به القاضي أبو محمد من قول الله تعالى: ﴿وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الآية، وهذا يجب أن يكون بعد أن حق عليها العذاب، وذلك لا يكون إلا بالتعان الزوج، ووجه رواية ابن القاسم أن هذا لعان من أحد الزوجين، فيصح أولاً كلعان الزوج، اهـ. وترجم البخاري في ((صحيحه)) باب: يبدأ الرجل بالتلاعن، قال الحافظ(٢): ذكر فيه حديث ابن عباس في قصة هلال بلفظ، («ثم قامت (١) ((المنتقى)) (٧٧/٤). (٢) (فتح الباري)) (٤٤٥/٩). ٢٣١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث فشهدت)) فإنه ظاهر في أن الرجل يقدم قبل المرأة في الملاعنة، وبه قال الشافعي ومن تبعه وأشهب من المالكية، ورجحه ابن العربي، وقال ابن القاسم: لو ابتدأت به المرأة لصح، واعتدّ به، وهو قول أبي حنيفة، واحتجّوا بأن الله عطفه بالواو، وهي لا تقتضي الترتيب، اهـ. وفي ((الدر المختار)) (١): فإن لاعن لاعنت بعده، لأنه المدَّعِي، فلو بدأ بلعانها أعادت، فلو فرق قبل الإعادة صح لحصول المقصود، قال ابن عابدين: قوله: أعادت؛ ليكون على الترتيب المشروع، وظاهره الوجوب، لكن في (الغاية)): لا تجب الإعادة، وقد أخطأ السنة، ورجحه في ((الفتح)) بأنه الوجه، وهو قول مالك، اهـ. قلت: ومقتضى كلام ((البدائع)(٢) الوجوب إذ قال: إنما بُدئ بالرجل؛ لقوله تعالى: ﴿فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ﴾ والفاء للتعقيب، فيقتضي أن يكون لعان الزوج عقيب القذف، فيقع لعان المرأة بعد لعانه، وكذا رُوي من فعله وَ لِّ أنه بدأ بالرجل، وهو قدوةٌ، ولأن لعان الزوج وجب حقاً لها؛ لأنه ألحق بها العار بالقذف، فهي بمطالبتها إياه اللعان، تدفع العار عن نفسها، ودفع العار عن نفسها حقها . فإن أخطأ الحاكم، فبدأ بها ينبغي أن يعيد اللعان على المرأة، لأن اللعان شهادة، والمرأة بشهادتها تقدح في شهادة الزوج، فلا يصح قبل وجود شهادته، ولذا في باب الدعاوى، يبدأ بشهادة المدعي، فإن لم يعد لعانها حتى فرق بينهما نفذت الفرقة لأن تفريقه صادف محل الاجتهاد، ولأنه يزعم أن اللعان يمين وليس بشهادة، اهـ مختصراً. (١) (٥٣٤/٣). (٢) ((بدائع الصنائع)) (٣٧٧/٣). ٢٣٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهْدَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ وَاَلْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ ٨ ٩ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ (﴿أَنْ تَشْهَدَ﴾) المرأة (﴿أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ﴾﴾ أي الزوج (﴿لَمِنَ الْكَذِبِينَ﴾) فيما رماها به من الزنا (﴿وَالْخَمِسَةَ﴾) بالنصب (﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾) فیما رماها به. قال الموفق(١): أما ألفاظ اللعان فهي خمسة في حق كل واحد منهما، وصفتُه أنّ الإمام يبدأ بالزوج، فيقيمُه، ويقول له: قل أربع مرات: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويشير إليها إن كانت حاضرةً، ولا يحتاج مع الحضور، والإشارة إلى نسبةٍ وتسميةٍ كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العُقُود، وإن كانت غائبةً أسماها ونَسَبَها، فقال: امرأتي فلانة بنتُ فلان، ويرفع في نسبها حتى تنتفي المشاركةُ بينها وبين غيرها، فإذا شهد أربع مرات وقفه الحاكم، وقال له: اتق الله، فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وكل شيء أهونُ من لعنة الله. ويأمر رجلاً يضع يده على فيه حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، ثم يأمر الرجل، فيرسل يده عن فيه، فإن رآه يمضي في ذلك، قال له: قل: وأن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ثم يأمر المرأة بالقيام، ويقول لها: قولي: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين، فيما رماني به من الزنا، وتشير إليه، وإن كان غائباً أسمته ونَسَبَتْه، فإذا كررت ذلك أربع مرات وقفها، ووعظها، كما ذكرنا في الرجل، ويأمر امرأة تضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي على ذلك قال لها: قولي: وأن غضب الله علي إن كان زوجي هذا من الصادقين. وعددُ هذه الألفاظ الخمسة شرط في اللعان، فإن أخلّ بواحدة منها لم (١) ((المغني)) (١٧٦/١١). ٢٣٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث يصح، وإن أبدل لفظاً منها، فظاهر كلام الخرقي أنه يجوز أن يبدل قوله: إني لمن الصادقين، بقوله: لقد زنت. لأن معناهما واحد، ويجوز لها إبدال: إنه لمن الكاذبين بقولها: لقد كذب، وإتباع لفظ النص أولى، وإن أبدل لفظً : ((أشهد)) بلفظ من ألفاظ اليمين فقال: أحلِفُ أو نحو ذلك لم يُعْتَدّ به، وقال أبو الخَطَّاب: فيه وجهٌ آخر، أنهُ يعتدُّ به، لأنه أتى بالمعنى، فأشبه ما لو أبدل: إني لمن الصادقين بقوله: لقد زنَتْ، وللشافعي وجهان في هذا. والصحيح أنه لا يصح؛ لأن ما اعتُبِرَ فيه لفظُ الشهادة، لم يقُم غيره مقامه، ولأن اللعانَ يُقْصد فيه التغليظُ، واعتبار لفظ الشهادات أبلغ في التغليظ، فلم يجز تركه. وإن أبدل لفظ اللعنة بالإبعاد، لم يجُز؛ لأن لفظ اللعنة أبلغ في الزجر وأشدّ في أنفس الناس، وقيل: يجوزُ لأن معناهما واحد، وإن أبدلت المرأة لفظة الغضب باللعنة لم يجُز؛ لأن الغضب أغلظ، ولهذا خُصَّت المرأةُ به لأن المعيَّرة بزناها أقبح، وإثمها بفعل الزنا أعظم من إثمه بالقذف، وإن أبدلتها بالسخط خرج على وجهين فيما إذا أبدل الرجل لفظ اللعنة بالإبعاد. وإن أبدل الرجل لفظ اللعنة بالغضب احتمل أن يجوز، لأنه أبلغ، واحتمل أن لا يجوز لمخالفته المنصوص، اهـ. وقال الباجي(١): صفة اللعان، قال مالك: يقول: أشهد بالله، وهو اختيار ابن القاسم، وقال أيضاً مالك: أشهد بعلم الله، قال ابن القاسم: ويقول في الرواية: أشهد بالله أني لمن الصادقين لرأيتها تزني، يقوله في كل مرة، وقال أصبغ: يقول كالمرود في المكحلة، ثم يقول: لعنة الله عليه في الخامسة إن كان من الكاذبين، ثم قال: قال أصبغ: فإن قال هو في الخامسة: إن كنت كذبت أجزأه، ولو قالت المرأة في الخامسة مكان إن كان من الصادقين: إنه من الكاذبين أجزأها، وأحبّ إلي لفظ القرآن، وفي كتاب محمد عن ابن (١) ((المنتقى)) (٧٧/٤). ٢٣٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّهُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لَا يَتَنَاكَحَانِ أَبداً. وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ جُلدَ وهب، يقول هو في الأربعة: أشهد بالله أني لمن الصادقين إلخ، فكأن أصبغ أشار إلى أن لفظ اللعان غير متعين، وأن لهما أن يأتيا بأي لفظ شاءا، ورأى الإمام إذا كان موافقاً للمعنى إلا أن لفظ القرآن أفضل، وظاهر قول ابن وهب أن لفظه متعين بلفظ القرآن، اهـ. وفي ((الدر المختار))(١): صفته ما نطق النص الشرعي به من كتاب وسنة، قال ابن عابدين: قوله: من كتاب وسنة بيانٌ للنص الشرعي، وبه استغنى عما في ((البحر)) الظاهر أنه أراد بالصفة الركن يعني الماهية، إذ صفته على وجه السنة لم ينطق بها النص، وهو أن القاضي يقيمهما متقابلين، ويقول له: التعن، فيقول الزوج: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، وفي الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به من الزنا، يشير إليها في كل مرة ثم تقول المرأة: أربع مرات أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وفي الخامسة غضب الله عليها إن كان من الصادقين فيما رماها به من الزنا . (قال مالك: السنة) الثابتة (عندنا أن المتلاعنين لا يتناكحان أبداً) بل يتأبد التحريم بينهما، قال ابن عبد البر: أبدى بعض أصحابنا له فائدة، وهو أن لا يجتمع ملعون مع غير ملعون؛ لأن أحدهما ملعون في الجملة، بخلاف ما إذا تزوجت المرأة غير الملاعن، فإنه لا يتحقق، وتعقب بأنه لو كان كذلك لامتنع عليهما التزويج معاً؛ لأنه يتحقق أن أحدهما ملعون، ويمكن أن يجاب بأن في هذه الصورة افترقا في الجملة، كذا في ((الفتح))(٢). (وإن) شرطية (أكذب) ببناء الفاعل أي الزوج (نفسه) مفعول (جلد) ببناء (١) (٥٣٦/٣). (٢) (فتح الباري)) (٤٥٩/٩). ٢٣٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حدیث الْحَدَّ. وَأُلْحِقَ الْوَلَدُ بِهِ. وَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَبَداً. وَعَلَى هُذَا، السُّنَّةُ عِنْدَنَا، الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا، وَلَا اخْتِلَافَ. المفعول، أي الزوج (الحد) أي حد القذف (وألحق) ببناء المفعول (الولد به) نائب الفاعل، يعني أن الولد لاحِقٌ به إذا أكذب نفسه، سواء كان ذلك قبل اللعان أو بعده، فإن كان قبل أن يلاعن الزوج حُدّ، ولم يكن له أن يلاعن، وإن كان بعد أن لاعن هو، وقبل أن تلاعن هي، جلد الحد وسقط عنها اللعان، ويلحق به الولد على كل حال، وروى عيسى عن ابن القاسم في ((العتبية))، يرجع عليه بنفقة الحمل وأجر الرضاع ونفقتها بعد ذلك، إن كان في تلك المدة ملياً، كذا في ((المنتقى)). (ولم ترجع إليه أبداً) يعني أن إكذابه نفسه بعد اللعان لا يرفع التحريم الواقع بينهما باللعان، ولا يخلو أن يكذب نفسه قبل إتمام اللعان أو بعده، فإن أكذب نفسه قبل إتمام اللعان، وقد بقي شيء من لعانها، قال مالك - رحمه الله -: يحدّ، وهما على نكاحهما، وجه ذلك أن اللعان لم يتم بعد، فهما على حكم الزوجية بينهما، كذا في ((المنتقى))(١). (قال مالك: وعلى هذا السنة عندنا التي) صفة للسنة (لا شك فيها) أي لا شك في ثبوتها (ولا اختلاف) فيها عندنا، كرره تأكيداً، قال الموفق (٢): إن المرأة تحرُمُ عليه باللعان تحريماً مؤبداً، فلا تَحلّ له، وإن أكذب نفسه في ظاهر المذهب، ولا خلاف في أهل العلم في أنه إذا لم يكذب نفسه لا تحل له، إلا أن يكون قولاً شاذاً، وأما إذا أكذب نفسه، فالذي رواه الجماعة عن أحمد: أنها لا تحلّ له أيضاً، وجاءت الأخبار عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود - رضي الله عنهم - أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً، وبه (١) (٧٨/٤) . (٢) («المغني)) (١٤٩/١١). ٢٣٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قال الحسن وعطاء وجابر بن زيد والنخعي والزهري والحكم ومالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأبو يوسف. وعن أحمد رواية أخرى: إن أكذب نفسه حلت له، وعاد فراشه بحاله، وهي رواية شاذّة، شذّ بها حنبل عن أصحابه، قال أبو بكر: لا نعلم أحداً رواها غيره، وينبغي أن تحمل هذه الرواية على ما إذا لم يفرق بينهما الحاكم، فأما مع تفريق الحاكم بينهما، فلا وجه لبقاء النكاح بحاله، وقد ذكرنا أن مذهب عثمان البتي أن اللعان لا يتعلق به فرقة، وعن سعيد بن المسيب: إن أكذب نفسه، فهو خاطب من الخُطَّاب، وبه قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن؛ لأن فرقة اللعان عندهما طلاق، وقال سعيد بن جبير: إن أكذب نفسه ردت إليه ما دامت في العدة. ثم قال: إن الرجل إذا قذف امرأته، ثم أكذب نفسه فلها عليه الحد، سواء أكذب نفسه قبل لعانها أو بعده، وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، ولا نعلم لهم مخالفاً، ويلحقه نسب الولد، سواء كان الولد حياً أو ميتاً، غنياً كان أو فقيراً، وبهذا قال الشافعي وأبو ثور، وقال الثوري: إذا استلحق الولد الميت نظرنا، فإن كان ذا مال لم يلحقه؛ لأنه إنما يَدّعي مالاً، وإن لم يكن ذا مال لحقه، وقال أصحاب الرأي: إن كان الولد الميت ترك ولداً ثبت نسبه من المستلحق، وتبعه نسب ابنه، وإن لم يكن ترك ولداً، لم يصح استلحاقه، ولم يثبت نسبه، ولا يرث منه المدعي شيئاً؛ لأن نسبه منقطع بالموت، فلم يصح استلحاقه، فإذا كان له ولد كان مستلحقاً لولده، وتبعه نسب الميت، ولنا، أن هذا ولد نفاه باللعان، فلكان له استلحاقه، كما لو كان حياً. ثم قال(١): وجملة ذلك أن الرجل إذا لاعن امرأته، ونفى ولدها، ثم (١) ((المغني)) (١٥٦/١١). ٢٣٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فِرَاقاً بَاتًّا. لَيْسَ لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ، ثُمَّ أَنْكَرَ حَمْلَهَا. لَاعَنَهَا إِذَا كَانَتْ حَامِلاً. وَكَانَ حَمْلُهَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أكذب نفسه لحقه الولد، إذا كان حياً بغير خلاف بين أهل العلم، وإن كان ميتاً لحقه نسبه أيضاً في قول أكثر أهل العلم، سواء كان له ولد أو لم يكن، وسواء خلف مالاً أو لم يخلف، وسواء تقدم إنكاره له أو لم يكن؛ لأنه إذا أكذب نفسه، فقد زال سبب النفي، وبطل، فوجب أن يلحقه نسبه بحكم النكاح الموجب لِلُحوق نسبه به، اهـ. (قال مالك: وإذا فارق الرجل امرأته فراقاً باتاً) بتشديد التاء(١) بمعنى القطع، وفي نسخة ((بائناً)) وهو بمعناه وفسره بقوله: (ليس له عليها فيه رجعة) فهو بيان لقوله: باتّاً (ثم أنكر حملها لاَعَنَها) لنفي النسب، ووقع التحريف في النسخ الهندية، فحذف ((لا)) من ((لاعَنَها)) (إذا كانت) المرأة (حاملاً) عاد هذا الكلام، وقد علم كونها حاملاً، بقوله: ((أنكر حملها)) لتقييده بقوله: (وكان حملها يُشبه أن يكون منه). قال الباجي(٢): يريد أن تأتي به لأمد الحمل، وذلك أن المطلقة لا بد أن تأتي بالولد قبل أن تحيض أو بعد الحيض، فإن أتت به قبل الحيض لأكثر أمد الحمل، فهو لاحق بالزوج، إلا أن ينفيه بلعان، وأكثر أمد الحمل، اختلف فيه قول المالكيين، فقال العراقيون: أربعة أعوام، وبه قال أصبغ والشافعي وقاله ابن القاسم وسحنون، وقال ابن وهب وأشهب: سبع سنين، وقال أبو حنيفة: أكثر الحمل سنتان. وإن حاضت، ثم أتت بولد لمثل هذه المدة، فقد قال ابن القاسم: يلحق (١) كذا في نسخة ((الاستذكار)) (٢٣٩/١٧) ((باتّا)). (٢) ((المنتقى)) (٧٩/٤). ٢٣٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث إِذَا ادَّعَتْهُ. مَا لَمْ يَأْتِ دُونَ ذُلِكَ مِنَ الزَّمَانِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ. فَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْهُ. قَالَ: فَهذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا. وَالَّذِي سَمِعْتُ مِنْ أَهْلُ الْعِلْم. قَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثاً. وَهيَ حَامِلٌ. يُقِرُّ بِحَمْلِهَا. ثُمَّ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهَا تَزْنِي قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا، جُلِدَ الْحَدَّ. وَلَمْ يُلَاعِنْهَا. وَإِنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثاً، لَا عَنَهَا . به، وإن حاضت ثلاث حيض، وقد تحيض المرأة على الحمل (إذا ادعته) يعني ادعت المرأة أن هذا الحمل من الزوج؛ لأنها إذا لم تقل: إنه منه ولم تنسبه، إليه، لم يحتج هو إلى لعان؛ لأنها قد صدقته في القذف (ما لم يأت دون ذلك) أي بعد الطلاق (من الزمان الذي يشك) ببناء المجهول (فيه) أي في الزمان، وبين الشك بقوله: (فلا يعرف أنه) أي الحمل (منه) أو من غيره. قال الباجي: يعني يأتي من طول الزمان ما يزيد على أكثر أمد الحمل على ما تقدم من الخلاف في ذلك، فشك حينئذ أنه منه شكاً يمنع إلحاقه به، أما في مدة الحمل فهذا الشك معدوم، بل الظاهر منعه لثبوت حق الفراش له، اهـ. وسيأتي شيء من الكلام على ذلك بعد القول الآتي. (قال) مالك: (فهذا الأمر) المختار (عندنا و)هو (الذي سمعت من أهل العلم) وعزا الزرقاني(١) لفظ ((من أهل العلم)) إلى نسخة. (قال مالك: وإذا قذف الرجل امرأته، بعد أن يطلقها ثلاثاً، وهي حامل) حينئذ حال كونه (يقر بحملها) إذ ذاك، بخلاف المسألة المتقدمة إذ لم يكن فيها إقرار (ثم يزعم) الزوج بعد الإقرار (أنه قد رآها تزني قبل أن يفارقها جلد) ببناء المجهول (الحد، ولم يلاعنها وإن أنكر حملها بعد أن يطلقها ثلاثا لاعنها) (١) ((شرح الزرقاني)) (١٩١/٣). ٢٣٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حدیث قَالَ: وَهُذَا الَّذِي سَمِعْتُ. بالشرط الذي ذكر في القول الماضي (قال) مالك: (وهذا الذي سمعت) من أهل العلم. وههنا مسألتان: الأولى: اللعان بنفي الحمل، قال صاحب ((المحلى)): قال مالك وأبو يوسف ومحمد: إنه يلاعن بنفي الحمل، إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر؛ لأنا تيقنا بقيام الحمل عند نفسه، فيستحق القذف، وقال أبو حنيفة وأحمد والثوري: لا لعان بنفي الحمل لعدم اليقين بالحمل عند القذف لاحتمال أن ما بها نفخ، فلم يكن قذفاً، فإذا لم يكن قذفاً في الحال يكون تعليقاً بالشرط، اهـ. وقال الخرقي: إن نفى الحمل في التعانه لم ينتف عنه حتى ينفيه عند وضعها له ويلاعن. قال الموفق(١): اختلف أصحابنا فيما إذا لاعن امرأته وهي حامل، ونفى حملها في لعانه، فقال الخرقي وجماعة: لا ينتفي الحمل بنفيه قبل الوضع، ولا ينتفي حتى يلاعنها بعد الوضع، وينتفي الولد فيه، وهذا قول أبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة؛ لأن الحمل غير مستيقن، يجوز أن يكون ريحاً أو غيرها، فيصير نفيه مشروطاً بوجوده، ولا يجوز تعليق اللعان بشرط، وقال مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل، وينتفي عنه، محتجين بحديث هلال، وأنه نفى حملها، فنفاه عنه النبي ◌َ ◌ّر، ولا خفاء أنه كان حملاً، ولذا قال النبي وَلّ: ((انظروها، فإن جاءت به كذا وكذا)). قال ابن عبد البر: الآثارُ الدَّالةُ على هذا القول كثيرةٌ، ورجح الموفق هذا القول، وقال أبو بكر: ينتفي الولد بزوال الفراش، ولا يحتاج إلى ذكره في اللعان احتجاجاً بظاهر الأحاديث، حيث لم ينقل فيها نفي الحمل، ولا (١) ((المغني)) (١٦٠/١١). ٢٤٠