Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث سَلْ لِي، يَا عَاصِمُ، عَنْ ذُلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ. فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ عَنْ ذُلِكَ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا. الرجل حاجته، وذهب، وإن قتله قُتِلَ به، وإن قال: وجدت فلاناً معها ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، قاله الزرقاني(١). (سل) صيغة أمر من السؤال (لي يا عاصم عن ذلك رسول الله وَعليه) وإنما خَصَّ عاصماً بالسؤال، لأنه كان كبيرَ قومه، وصهرَه على ابنته أو ابنة أخيه، ولعله كان اطلع على مخايل ما سأل عنه، لكن لم يتحققه، فلذلك لم يفصح به أو اطلع حقيقة، لكنه خشي إذا صرّح به من العقوبة التي تضمنها من رمي المحصنة بغير بينة، أشار إلى ذلك ابن العربي، قال: ويحتمل أن يكون لم يقع له شيء من ذلك، لكن اتفق أنه وقع في نفسه إرادة الاطلاع على الحكم، فابتلي به، كما يقال: البلاء موكل بالمنطق، ومن ثم قال: إن الذي سألتك عنه، قد ابتليت به، كذا في ((الفتح))(٢). وقال الباجي(٣): قول عويمر من التحرز في السؤال؛ لئلا يصرح بقذف من نسب إليه ذلك، فيجب عليه الحد، وحكم اللعان لم يكن نزل بعد، ولعله أيضاً لم يرد أن يعلن بخبره، وأراد أن يكون إعلانه وكتمانه على حسب ما يبدو إليه من حكم القضية في السؤال، ولذا استناب عاصم بن عدي في السؤال، اهـ. (فسأل عاصم رسول الله وَلّر عن ذلك، فكره رسول الله (َّلة المسائل) المذكورة (وعابها)، قال عياض: يحتمل أنه كره قذف الرجل امرأته بلا بينة لاعتقاده الحدَّ؛ لأن ذلك كان قبل نزول حكم اللعان، بدليل قوله وّ لهلال بن (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٧/٣). (٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤٤٩/٩). (٣) ((المنتقى)) (٦٩/٤). ٢٠١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِم مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ. فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهْلِهِ، جَاءَ غُوَيْمِرٌ. فَقَالَ: يَا عَاصِمُ. مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيْمِرٍ: لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرِ. أمية: ((البينة أو الحدُّ في ظهرك))، ويحتمل أنه كره السؤال لقبح النازلة، وهتك ستر المسلم، أو لما كان نهى عنه من كثرة السؤال. وقد نهى عن كثرته سداً لباب سؤال أهل التشغيب، أو لما في كثرته من التضييق في الأحكام التي لو سكتوا عنها لم تلزمهم، وتركت لاجتهادهم فيها، كما قال: ((اتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم لكثرة سؤالهم أنبياءهم»، ولقوله وَل: ((أعظم الناس جرماً من سأل عما لم يحرم، فحرم من أجل مسألته)). وقال الحافظ(١): سبب كراهة ذلك ما قال الشافعي: كانت المسائل فيما لم ينزل فيه حكم زمن نزول الوحي ممنوعة؛ لئلا ينزل الوحي بالتحريم، فما لم يكن قبل ذلك محرماً فيحرم، ويشهد لذلك الحديث المخرج في ((الصحيح)): ((أعظم الناس جرماً))، الحديث. وقال النووي: المراد كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها لا سيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو إشاعة فاحشة أو شناعة عليه، وليس المراد المسائل المحتاج إليها إذا وقعت فقد كان المسلمون يسألون عن النوازل، فيجيبهم وَلَّم بغير كراهة، فلما كان في سؤال عاصم شناعة، ويترتب عليه تسليط اليهود والمنافقين على أعراض المسلمين كره مسألته، اهـ. (حتى كبر) بفتح الكاف وضم الموحدة أي عظم وزناً ومعنى (على عاصم ما سمع من رسول الله (يَّر، فلما رجع عاصم) من منزله وَلقوله (إلى أهله جاءه عويمر فقال: يا عاصم ماذا قال لك رسول الله وَ﴾) في جواب مسألتي التي كلفتك السؤال عنها (فقال عاصم لعويمر: لم تأتني بخير) يعني ما كلفتني من (١) ((فتح الباري)) (٤٤٩/٩). ٢٠٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث قَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللّهِ وَ هَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي سَأَلْتُهُ عَنْهَا. فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَسْأَلَهُ عَنْهَا. فَأَقْبَلَ عُوَيْمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ وَهُ وَسْطَ النَّاسِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رَجُلاً وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ السؤال لم يثمر خيراً (قد كره رسول الله وَلقر المسألة التي سألته عنها) ولم يجب فيها بشيء غير الكراهة. (فقال عويمر: والله لا أنتهي حتى أسأله) وَل (عنها) يريد استدامة ما كان عليه من السؤال عن مسألته، وطلب حكمه، ولم يرده عن ذلك ما ظهر إليه من كراهة النبي صل# لمسألته حين لم يمكنه الصبر على ما زعم أنه ظهر إليه، ولم يعلم ماله في ذلك من القول والفعل، ولعله خاف حملاً، فاحتاج إلى أن يعلم وجه نفيه عنه، ولعله قد تأول في الكراهة لمسألته بعض ما ذكرناه مما لا يمنعه السؤال عنها، إن كانت قد نزلت به، أو لعله رجا أن يبين من حاله إذا سأله ما يصل به إلى معرفة ما يريده من غير أن يوجب على نفسه حداً، وترتفع به الكراهية، كذا في ((المنتقى))(١). وقال ابن العربي في ((شرح الترمذي)) (٢): إلحاح عويمر في السؤال يحتمل أن يكون؛ لأن النازلة وقعت عنده، ويحتمل أن يكون؛ لأن مقدماته كان قد عاينها، فخاف الانتهاء إلى المكروه، وكذلك كان، ولعله لما سأل تحقق قبله الحال؛ لأن البلاء موكل بالمنطق، ولذا قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، اهـ. (فأقبل) عويمر (حتى أتى رسول الله وَ ل# وسط الناس) بفتح السين وسكونها (فقال: يا رسول الله) وَ لهر (أرأيت رجلاً وجد مع امرأته) أي يزني، كما تقدم. قال الباجي: فيه تحرز من التصريح باسم المقذوف؛ لأنه لو صرح به (١) ((المنتقى)) (٧٠/٤). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٨٩/٥). ٢٠٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث رَجُلاً، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُوْنَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: «قَدْ أُنْزِلَ فِكَ ولم تقم له البينة لكان قاذفاً له، يجب عليه الحد، ولم يتخلص منه باللعان، خلافاً للشافعي أنه يسقط ذلك تلاعن الزوجة، فإن حد لأجل المسمى فإنه يسقط عنه اللعان، قال سحنون: وجه ذلك أن من حد بقذف رجل دخل فيه كل قذف ثبت عليه قبل ذلك الحد، وإذا لم يُسَمِّه فلم يجب عليه حد، خلافاً لأحد قولي الشافعي: إنه يجب عليه الحد وإن لم یسمه، اهـ. (رجلاً أيقتله فيقتلونه أم كيف يفعل؟) مثل الذي تقدم في سؤاله عن عاصم، زاد في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عند مسلم: فسكت النبي ◌َّ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَزَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية . (فقال رسول الله وَله: قد أنزل) بضم الهمزة وكسر الزاي، وفي رواية: نزل بفتحتين بلا همزة، وفي أخرى: قد أنزل الله، قاله الزرقاني(١)، وهذا يدل على أن الرواية ههنا الأولى، وهو كذلك في النسخ المصرية، والنسخ الهندية توافق الثانية. (فيك) هكذا في ((البخاري)) أيضاً في رواية سهل بن سعد أن آيات اللعان نزلت في قصة عويمر، وفي رواية ابن عباس عند البخاري أنها نزلت في قصة هلال بن أمية. قال الحافظ(٢): قد اختلفت الأئمة في هذا الموضع، فمنهم من رجَّحَ أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رَجَّحَ أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جمع بينهما بأن أول من وقع له ذلك هلال، وصادف مجيء عويمر أيضاً، (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤٥٠/٨). ٢٠٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث فنزلت في شأنهما معاً في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا، وسبقه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق كونهما جاء في وقت واحد. ويؤيد التعدد أن القائل في قصة هلال، سعد بن عبادة، كما أخرجه أبو داود والطبري من طريق عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، لما نزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَرْمُونَ(١) أَزْوَجِهِمْ﴾ الآية، قال سعد بن عبادة: لو رأيت لُكاعاً قد تفخذها رجلٌ لم يكن لي أن أُهَيِّجَه حتى آتي بأربعة شهداء، ما كنت لآتي بهم حتى يفرغ من حاجته، قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية، الحديث، والقائل في قصة عويمر ابنُ عدي، كما في حديث سهل بن سعد عند البخاري، وأخرج الطبري من طريق الشعبي مرسلاً، قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ أَزْوَجَهُمْ﴾ الآية، قال عاصم بن عدي: ((إن أنا رأيت فتكلمت جُلِدْتُ، وإن سكت سكت على غيظٍ))، ولا مانع أن تتعدد القصص، ويتحد النزول. ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر ولم يكن علم بما وقع لهلال أعلمه النبي وَ ل ير بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: فنزل جبرائيل، وفي قصة عويمر: قد أنزل الله فيك، فَيُؤَوَّلُ قوله: قد أنزل الله فيك أي وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصباغ، قال: نزلت الآية في هلال، وأما قوله لعويمر: قد نزل فيك معناه ما نزل في قصة هلال، ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى قال: أول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، الحديث، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال: وهذه الاحتمالات وإن بعدت أولى من تغليط الرواة الحفاظ. وقد أنكر جماعة ذكر هلال فيمن لاعن، قال القرطبي: أنكره أبو (١) هكذا في الأصل، والصحيح لما نزلت: ﴿وَلَّذِينَ يَُّونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَزْبَعَةِ شُهَكَ﴾ الحديث، أخرجه السيوطي في ((الدر)) بطوله، اهـ. ((ش). ٢٠٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث عبد الله بن أبي صفرة أخو المهلب، وقال: هو خطأ، والصحيح أنه عويمر، وسبقه إلى نحو ذلك الطبري، وقال ابن العربي: قال الناس: هو وهم من هشام بن حسان، وعليه دار حديث ابن عباس وأنس بذلك، وقال عياض في (المشارق)): كذا جاء من رواية هشام بن حسان ولم يقله غيره، وإنما القصة لعويمر العجلاني. وقال النووي في ((مبهماته)): اختلفوا في الملاعن على ثلاثة أقوال: عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي، ثم نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر، وكلام الجميع مُتَعَقَّبٌ، أما قول ابن أبي صفرة فدعوى مجردة، وكيف يجزم بخطأ حديث ثابت في ((الصحيحين)) مع إمكان الجمع، وما نسبه إلى الطبري لم أره في كلامه. وأما قول ابن العربي: إن ذكر هلال دار على هشام بن حسان، وكذا جزم عياض بأنه لم يقله غيره فمردودٌ؛ لأن هشام بن حسان لم ينفرد به، فقد وافقه عباد بن منصور وجرير بن حازم عن أيوب، وأما قول النووي تبعاً للواحدي وجنوحه إلى الترجيح فمرجوح؛ لأن الجمع مع إمكانه أولى من الترجيح، ثم قوله: وقيل: عاصم بن عدي، فيه نظر؛ لأنه لعاصم فيه قصة أنه الذي لاعن امرأته، وإنما الذي وقع من عاصم نظير الذي وقع من سعد بن عبادة، اهـ. ثم قال الحافظ(١) في ((اللعان)): والذي ظهر لي الآن احتمال أن يكون عاصم سأل قبل النزول، ثم جاء هلال بعده، فنزلت عند سؤاله، فجاء عويمر في المرة الثانية التي قال فيها: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فوجد الآية نزلت في شأن هلال، فأعلمه النبي ◌َّ بأنها نزلت فيه، يعني أنها نزلت في كل (١) ((فتح الباري)) (٤٥٠/٩). ٢٠٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث وَفِي صَاحِبَتِكَ. من وقع له ذلك، لأن ذلك لا يختصُّ بهلال، ويحتمل أنه لما شرع يدعو بعد توجه العجلاني جاء هلال، فذكر قصته، فنزلت، فجاء عويمر، فقال: قد نزل فیك وفي صاحبتك، اهـ. قلت: ويؤيد تعدد الوقائع ما حكى الحافظ من حديث جابر ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال، أخرجه الخطيب في ((المبهمات))، اهـ. (وفي صاحبتك) قال الزرقاني(١): هي خولة بنت قيس على المشهور أو بنت عاصم بن عدي المذكور، أو بنت أخيه، اهـ. وقال الحافظ(٢): قد ذكر ابن الكلبي أن امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور وأن اسمها خولة، وقال ابن منده في ((كتاب الصحابة)): خولة بنت عاصم التي قذفها زوجها، فَلَا عَنَ النبي ◌َّ بينهما، لها ذكر، ولا تعرف لها رواية، وتبعه أبو نعيم، ولم يذكرا سلفهما في ذلك وكأنه ابن الكلبي، وذكر مقاتل بن سليمان فيما حكاه القرطبي أنها خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم، فأخرج من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ((أن عاصم بن عدي لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَتِ﴾(٣) قال: يا رسول الله أين لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي به في بنت أخيه)). وأخرج ابن أبي حاتم في التفسير عن مقاتل بن حيان قال: ((لما سأل عاصم عن ذلك ابتلي في أهل بيته، فأتاه ابن عمه تحته ابنة عمه، رماها بابن عمه، المرأة والزوج والحليل ثلاثتهم بنو عم عاصم))، وعن ابن مردويه في مرسل ابن أبي ليلى أن الرجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريك بن سحماء، وهو يشهد لصحة هذه الرواية؛ لأنه ابن عم عويمر، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٨/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤٤٨/٩). (٣) سورة النور: الآية ٤. ٢٠٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث قلت: فإن شريك بن سحماء وهي أمه، واسم أبيه عبدة بن معتب بن الجد بن العجلاني، وهكذا تصويره: الجد عدي معتب 1 عبده عاصم زيد 1 - شريك بنته أو بنت أخيه خولة عويمر كما تقدم قريباً من أنسابهم، وما تقدم قريباً من كلام الحافظ في ((الفتح)) عن ابن الكلبي أن امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور، واسمها خولة يخالفه ما في ((الإصابة))(١)، ونصه: خولة بنت عاصم، امرأة هلال بن أمية هي التي قذفها، ففرّق بينهما النبي ◌ّ﴿ يعني باللعان، لها ذكر، ولا يعرف لها رواية، قاله ابن منده، اهـ. ولم يذكر الحافظ في ((الإصابة)) امرأة اسمها خولة زوجة عويمر، وكذا الذهبي في ((التجريد)) ذكر خولة بنت عاصم زوجة هلال بن أمية التي لَاعَنَها، فَفَرَّق رسول الله وَّ بينهما، ولم يذكر غيرها . ثم قال الحافظ في ((الفتح))(٢): وفي مرسل مقاتل بن حيان عند أبي حاتم فقال الزوج لعاصم: يا ابن عم أقسم بالله لقد رأيت شريك بن سحماء على بطنها وأنها لحبلى، وما قربتها منذ أربعة أشهر، وفي حديث عبد الله بن جعفر عند الدارقطني: لاعن بين عويمر العجلاني وامرأته، فأنكر حملها الذي في بطنها، وقال: هو لابن سحماء، ولا يمتنع أن يُتَّهم شريك بن سحماء بالمرأتين معاً. (١) (٧٨/٨). (٢) ((فتح الباري)) (٤٤٨/٩). ٢٠٨ حارث = ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث وأما قول ابن الصباغ في ((الشامل)): إن المزني ذكر في ((المختصر)): أن العجلاني قذف زوجته بشريك بن سحماء وهو سهو في النقل، وإنما القاذف بشريك هلالُ بن أمية، فكأنه لم يعرف مستند المزني في ذلك، وإذا جاء الخبر من طرق متعددة، فإن بعضها يعضد بعضاً، والجمع ممكن، فيتعين المصير إليه فهو أولى من التغليط، اهـ. وقذف هلال امرأته بشريك معروف في الروايات عند الشيخين وغيرهما . قال القاري(١): روى ابن سعد في ((الطبقات)) في ترجمة عويمر عن عبد الله بن جعفر قال: شهدت عويمر بن الحارث العجلاني، وقد رمى امرأته بشريك بن سحماء، فلَاعَنَ بينهما رسول اللهِ وَّ، وهي حامل، فرأيتهما يتلاعنان قائمين عند المنبر، ثم ولدت، فألحق الولد بالمرأة، وجاءت به أشبه الناس بشريك، وكان عويمر قد لامه قومه، وقالوا: امرأة لا نعلم عليها إلا خيراً، فلما جاء الشبه بشريك عذره الناس، وعاش المولود سنتين، ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيراً، وصار شريك بعد ذلك بحالة سوء. قال الواقدي: وحدثني الضحاك بن عثمان أن عويمراً، فساق الحديث إلى أن قال: ولم يحد رسول الله وَ الر عويمراً في قذفه بشريك، ونسب إلى شريك في قصة هلال أيضاً، ويجمع بينهما بأنهما واقعتان وفي النفس منه شيء، اهـ. وقال الزرقاني(٢): لا مانع أن يتهم شريك بكل من امرأتي عويمر وهلال، فلا يعارض ما في ((الصحيح)) أن هلالاً قذف امرأته بشريك بن سحماء، اهــ (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣١١/٦). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٨٨/٣). ٢٠٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث فَاذْهَبْ فَأُتِ بِهَا». وذكر الحافظ في ((الإصابة)) (١) في ترجمة شريك، رمى هلال امرأته به، لا رمى العجلاني امرأته به، ولم يذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) في ترجمة خولة قصة اللعان، وذكر في ترجمة عويمر العجلاني عن الطبري، هو الذي رمى زوجته بشريك بن سحماء، فَلَا عَنَ رسول الله وَلَّ بينهما، وذلك في شعبان سنة تسع من الهجرة، كان قدم من تبوك، فوجدها حُبلى، وعاش المولود سنتين، ثم مات، وعاشت أمه بعده يسيراً، اهـ. وقال في ترجمة شريك بن عبدة بن مغيث بن الجد بن عجلان البلوي: هو شريك بن سحماء نُسِب في ذلك الحديث إلى أمه، وهو الذي قذفه هلال بن أمیة بامرأته، اهـ. وقال النووي في ((تهذيب الأسماء)) (٢): عويمر العجلاني، وهو صاحب اللعان الذي رمى زوجته بشريك بن السحماء، ثم قال: هلال بن أمية، وهو الذي رمى امرأته بشريك بن سحماء، وقال في ((المبهمات)): اختلفوا في الذي وجد مع امرأته رجلاً، وتلاعنا على ثلاثة أقوالٍ، أحدها: أنه هلال بن أمية، والثاني: عاصم بن عدي، والثالث: عويمر العجلاني، قال الإمام أبو الحسن الواحدي: أظهر هذه الأقوال أنه عويمر، لكثرة الأحاديث، واتفقوا على أن الموجود زانياً شريك بن السحماء، اهـ. (فاذهب فأت بها) يقتضي أن النبي وَلو قد عرف أنه صاحب المسألة. ولعل ذلك كان بالوحي الذي أنزل في قصتهما، فأعلم فيه أن السائل وإن كان وَرَّى، فلم يُضِفِ الأمرَ إلى نفسه، فإنه صاحب ذلك، والمبتلى به، أو يكون ظهر ذلك له قبل الوحي، كذا في ((المنتقى))(٣). (١) (٢٠٦/٣). (٢) (٤٠/٢/١). (٣) ((المنتقى)) (٤/ ٧٢). ٢١٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا وَأَنَا مَعَ النَّاسِ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَل ـ قلت: ويؤيد الثاني ما حكى الحافظ من حديث ابن عمر - رضي الله عنه . في قصة العجلاني بعد قوله: إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت عنه النبي ◌َ *، فلما كان بعد ذلك أتاه، فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليتُ به، فعُلِمَ أنه أخبر القصة قبل ذلك. قال الحافظ(١): واستدل به على أن اللعان يكون عند الحاكم وبأمره، فلو تراضيا بمن يلاعن بينهما فلاعَنَ لم يصح؛ لأن في اللعان من التغليظ ما يقتضي أن يختص به الحكام، وفي حديث ابن عمر: فتلاهن عليه، أي الآيات التي في سورة النور. (قال سهل: فتلاعنا) فيه حذف تقديره، فذهب فأتى بها فسألها فأنكرت، فأمرت باللعان فتلاعنا (وأنا مع الناس)، قال الباجي(٢): يدل على أنه ليس من سنة اللعان الاستتار به، بل من سنته إحضار الناس ليشتهر أمره بلحوق النسب بالزوج أو انتقاله عنه، ولا يكون إلا عند الإمام أو الحاكم؛ لأنه حكم يفتقر إلى حاكم به، اهـ. (عند رسول الله وَّ) زاد في رواية للبخاري: في المسجد، وترجم عليه ((باب التلاعن في المسجد))، وعند أحمد في هذا الحديث: بعد العصر، وفي حديث عبد الله بن جعفر: عند المنبر، وسنده ضعيف. قال الحافظ(٣): واستدل بمجموع ذلك على أن اللعان يكون بحضرة الحكام، وبمجمع من الناس، وهو أحد أنواع التغليظ، ثانيها: الزمان، ثالثها : المكان، وهذا التغليظ مستحب، وقيل: واجب، اهـ. وقال الموفق(٤): اللعان لا يصح إلا بمحضر من الحاكم أو من يقوم (١) ((فتح الباري)) (٤٥٠/٩). (٢) ((المنتقى)) (٤/ ٧٢). (٣) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٥١). (٤) ((المغني)) (١١ / ١٧٤). ٢١١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث مقامه، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه ◌َ لهو أمر هلال بن أمية أن يستدعي زوجته إليه ولَاعَنَ بينهما، ولأنه إما يمين، وإما شهادة، فأيهما كان فمن شرطه الحاكم، وإن تراضيا بغير الحاكم يلاعن بينهما لم يصح ذلك؛ لأن اللعان مبنيٌ على التغليظ والتأكيد، فلم يجز بغير الحاكم كالحد، سواء كان الزوجان حرَّين أو مملوكين في ظاهر كلام الخرقي. وقال أصحاب الشافعي: للسيد أن يلاعن بين عبده وأمته، ويستحب أن يكون اللعان بمحضر جماعة من المسلمين، لأن ابن عباس وابن عمر وسهل بن سعد حضروه مع حداثة أسنانهم، فدل ذلك على أنه حضره جمع كثير، لأن الصبيان يحضرون المجالس تبعاً للرجال، ولأن اللعان بُني على التغليظ مبالغةً في الردع به، وفعله في الجماعة أبلغُ في ذلك، ويستحب أن لا ينقصوا عن أربعة، وليس شيء من هذا واجباً، ويستحب أن يتلاعنا قياماً، لما روي عن النبي ولو أنه قال لهلال بن أمية: قم، فاشهد أربع شهادات، ولأنه إذا قام شاهَدَه الناس، فكان أبلغ في شهرته، فاستحب كثرة الجمع، وليس ذلك واجباً، وبهذا كله قال أبو حنيفة والشافعي، ولا أعلم فيه مخالفاً . ولا يستحب التغليظ في اللعان بمكان ولا زمان، وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأن الله تعالى أطلق الأمر بذلك، ولم يقيده بزمن ولا مكان، فلا يجوز تقييده إلا بدليل، ولأن النبي و لو أمر الرجل بإحضار امرأته، ولم يخصه بزمن، ولو خصه بذلك لنقل، ولم يهمل. وقال أبو الخطاب: يستحب أن يتلاعنا في الأزمان والأماكن التي تُعَظِّمُ، وهذا مذهب الشافعي، إلا أن عنده في التغليظ بالمكان قولين؛ أحدهما: أن التغليظ به مستحب، كالزمان، والثاني: واجب لأن النبي ◌ُّ لا عن عند المنبر، فكان فعله بياناً للعان. ومعنى التغليظ بالمكان أنهما إذا كانا بمكة لَاعَنَ بينهما بين الركن ٢١٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ تَلَاعُنِهِمَا، والمقام، وبالمدينة عند منبر رسول الله وَلور، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وفي سائر البلدان في جوامعها، وأما الزمان فبعد العصر، والصحيح الأول، ولو استحب ذلك لفعله النبي ◌َّل ولو فعله لنقل، ولم يسغ إهماله، وتركه، وأما قولهم: إن النبي ◌ّ لا عن عند المنبر، فليس هذا في شيء من الأحاديث المشهورة، وإن ثبت هذا، فيحتمل أنه كان بحكم الاتفاق، اهـ. وقال الباجي(١): هو جائز في كل وقت من أوقات النهار، قاله مالك في كتاب محمد، وذلك أنه حكم، فلم يختص بوقت دون وقت، قال ابن وهب: يكون بإثر صلاة، قال مالك: وبإثر مكتوبة أحبّ إلي، وقد كان ذلك عندنا بعد العصر، ولم يكن سنة، يريد أنها يمين تقتضى التغليظ، فغلظت بالوقت على جهة الاستحباب. لما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي وَ لقول أنه قال: ثلاث لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. الحديث، وفيه: رجل أقام سلعة بعد العصر، فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت به كذا وكذا، فصدقه. وفي ذلك فائدة اجتماع الناس مع الانصراف من عبادة تذكر بالله، وتنهى عن الباطل، وقال عبد الملك بن الماجشون: لا يكون إلا بإثر صلاة، وفي مقطع الحقوق، فكأنه جعل ذلك شرطاً كالمكان، وأما التغليظ بالمكان فإنها يمين فيما له بال يحتاج إلى التغليظ، فكان من شرطها أن تُغَلَّظ بالمكان كاليمين في الحقوق، وعليه جماعة العلماء، وقد روي في هذا الحديث: ((فتلاعنا في المسجد))، اهـ. (فلما فرغا من تلاعنهما) يريد أكمل كل واحد منهما من ذلك ما يجب في حقه، قال الحافظ(٢): لم أر في شيء من طرق حديث سهل صفة تلاعنهما، (١) ((المنتقى)) (٧٢/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٥١). ٢١٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حدیث قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَمْسَكْتُهَا . إلا ما في رواية الأوزاعي في التفسير من البخاري بلفظ، ((فأمرهما بالملاعنة بما سمى الله في كتابه))، وظاهره أنهما لم يزيدا على ما في الآية، وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عند مسلم صريح في ذلك، فإن فيه: ((فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثَنَّى بالمرأة))، الحديث. وحديث ابن مسعود نحوه، لكن زاد فيه ((فذهبت لتلتعن، فقال النبي وَل : (مه، فأبت فالتعنت))، وفي حديث أنس عند أبي يعلى وأصله في مسلم: فدعاه النبي 18 فقال: ((أتشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا؟))، فشهد بذلك أربعاً، ثم قال له في الخامسة: ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؟، ففعل، ثم دعاها، فذكر نحوه، فلما كان في الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، وصرح في حديث أنس بأنها في قصة هلال بن أمية، فإن كانت القصة واحدة وقع الوهم في تسمية الملاعن، كما جزم به غير واحد ممن ذكر قبل ذلك، فهذه زيادة من الثقة فتعتمد، وإن كانت متعددة، فقد ثبت بعضها في قصة امرأة هلال، انتهى مختصراً. (قال عويمر: كذبتُ) بضم التاء على المتكلم (عليها يا رسول الله إن أمسكتها) شرط قدم عليه الجواب، وفي رواية الأوزاعي: إن حبستها فقد ظلمتها، قال الباجي(١): يريد إن أمسكها بعد ما علم وتيقن من حالها الموجب للعانها، فهو كاذب عليها، ويحتمل أن يريد به أن ذلك مما يبين كذبه، وهو كما قال: إن من زعم أن زوجته قد زنت وثبت في حقه اللعان إما برؤية أو قذف أو انتفاء من حمل، ثم ظهر منه من البقاء على ذلك والسكوت عنه طويل (١) ((المنتقى)) (٧٢/٤). ٢١٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث فَطَلَّقَهَا ثَلَاثاً المدة، أو وطئها، أو الالتذاذ بها ما يدل على إمساكه لها، فإنه يبطل حقه من اللعان، ويتبين بما فعله كذبه، ويجب عليه الحد، وهو الذي قاله مالك وجماعة أصحابنا . والوجه الثاني: أن يقول: إني أحكم على نفسي بحكم الكاذب إن أمسكتها، كما يقول القائل: أنا فاسق إن لم أفعل كذا، وأنا ظالم إن تركت حقي، اهـ. (فطلقها ثلاثاً) قال الباجي: يريد أنه أتى بهذا اللفظ، وهو قوله: طالق ثلاثاً، ويحتمل أن يريد به أن ذلك مقتضى قوله: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها؛ لأن المفهوم من قوله هذا أن من دليل صدقه أن لا يمكنه المقام معها، ولا الإمساك لها على حكم الزوجية، وهذا يقتضي الطلاق الثلاث؛ لأنه لو طلقها طلاقاً رجعياً، لكان في معنى الممسك لها، اهـ. ويؤيد الأول ما قال الحافظ: وفي رواية ابن إسحاق: ((ظلمتها إن أمسكتها فهي الطلاق فهي الطلاق فهي الطلاق))، وقد تفرد بهذه الزيادة ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى لاعتقاده منع جمع الطلقات الثلاثة بكلمة واحدة، اهـ. يعني أن الظاهر أنه طلقها ثلاثاً بلفظ واحد، ولذا ترجمه البخاري على حديث الباب (باب من جوز الطلاق الثلاث)) قال الحافظ(١): وتُعُقِّبَ بأن المفارقة في الملاعنة وقعت بنفس اللعان، فلم يصادف تطليقه إياها ثلاثاً موقعاً، وأجيب بأن الاحتجاج به من كون النبي ◌َّر لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعاً لأنكره، ولو وقعت الفرقة بنفس اللعان، اهـ. وفي رواية لأبي داود: فطلقها ثلاث تطليقات، فأنفذه رسول الله ـلالله وسيلةً ، (١) ((فتح الباري)) (٩/ ٣٦٧). ٢١٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ . قَالَ مَالِكٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابِ: فَكَانَتْ تِلْكَ، بَعْدُ، سُنَّةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. أخرجه البخاريّ في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ٤ - باب من أجاز طلاق الثلاث. ومسلم في: ١٩ - كتاب اللعان، حديث ١. قال البيهقي: قال الشافعي: عويمر - رضي الله عنه - حين طلقها ثلاثاً كان جاهلاً بأن اللعان فرقة، وظن أن اللعان لا يحرمها عليه، فأراد تحريمها بالطلاق، كذا في ((المرقاة))(١). (قبل أن يأمره) أي عويمراً (رسول الله وَ﴿) بطلاقها، قال الباجي (٢): ليس على الإمام أن يأمر المتلاعن بأثر الفراغ من اللعان بالطلاق؛ لأنه لا تأثير لذلك، ولم يرد عن النبي صل﴾ أنه أمر بذلك، فيقضي بما صح عنه، رواه ابن مزين عن عيسى، قال: إني لأحب الزوج أن يطلق بمثل ما صنع عويمر، وإن لم يفعل فيكفي في ذلك ما مضى من سنة المتلاعنين أنهما لا يتناكحان أبدا . (قال مالك: قال ابن شهاب) الزهري: (فكانت تلك) أي الفرقة، وقيل: غيرها. كما سيأتي (بعد) بضم الدال أي بعد ذلك (سنة المتلاعنين)، فلا يجتمعان بعد الملاعنة أبداً، قال الباجي: يريد أن الفرقة بينهما سنة ثابتة بين المتلاعنين، ويحتمل أن يريد بذلك استحباب إظهار الطلاق بعد اللعان على ما قاله عيسى بن دينار، ويحتمل أن يريد بذلك وقوع الفرقة بينهما بانقضاء اللعان، وتأبيد التحريم، اهـ. وفي ((البدائع)) (٣): فصار طلاق الزوج عقيب اللعان سنة المتلاعنين؛ لأن (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٦/٦). (٢) ((المنتقى)) (٧٣/٤). (٣) ((بدائع الصنائع)) (٣٩٠/٣). ٢١٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث عويمراً طَلَّق زوجته ثلاثاً بعد اللعان عند رسول الله وَله، فأنفذها رسول الله فيجب على كل ملاعن أن يطلق، فإذا امتنع ينوب القاضي منابه في التفريق، فيكون طلاقاً، اهـ. وبسط الحافظ في ((الفتح)) الاختلاف في أن قوله: فكانت تلك إلخ من كلام الزهري أو غيره، وقال: كذا ذكر الدارقطني في ((غرائب مالك)) اختلاف الرواة على ابن شهاب، ثم على مالك في تعيين من قال: فكان فراقها سنة، هل هو من قول سهل أو ابن شهاب؟ وذكر ذلك الشافعي، وأشار إلى أن نسبته إلی ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل. وترجم البخاري على حديث الباب ((باب اللعان ومن طلق بعد اللعان)) قال الحافظ(١): في الترجمة إشارة إلى الخلاف هل تقع الفرقة في اللعان بنفس اللعان أو بإيقاع الحاكم بعد الفراغ أو بإيقاع الزوج؟ فذهب مالك والشافعي ومن تبعهما إلى أن الفرقة تقع بنفس اللعان، قال مالك وغالب أصحابه: بعد فراغ المرأة، وقال الشافعي وأتباعه وسحنون من المالكية: بعد فراغ الزوج، واعتُلَّ بأن التعان المرأة إنما شُرِع لدفع الحدّ عنها، بخلاف الرجل، فإنه يزيد على ذلك في حقه نفي النسب وزوال الفراش. وتظهر فائدة الخلاف في التوارث لو مات أحدهما عقب فراغ الرجل، وفيما إذا علّق طلاق امرأة بفراق أخرى، ثم لَا عَنَ الأخرى، وقال الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما: لا تقع الفرقة حتى يوقع عليها الحاكم، وعن أحمد روايتان، وذهب عثمان البتي أنه لا تقع الفرقة حتى يوقعها الزوج، واعتلّ بأن الفرقة لم تذكر في القرآن، ولأن ظاهر الأحاديث أن الزوج هو الذي طلّق ابتداءً، ويقال: إن عثمان تفرَّد بذلك، لكن نقل الطبري عن أبي الشعثاء جابر بن (١) ((فتح الباري)) (٤٤٧/٩). ٢١٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث زيد البصري أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين نحوه، ومقابله قول أبي عبيد أن الفرقة بين الزوجين تقع بنفس القذف ولو لم يقع اللعان. وكأنه مفرع على وجوب اللعان على من تحقق ذلك من المرأة، فإذا أخلّ به عُوقب بالفرقة تغليظاً عليه، وقال أيضاً: استدل بقوله: ((طلّقها ثلاثاً)) أن الفرقة بين المتلاعنين تتوقف على تطليق الرجل، كما قاله عثمان البتي، وأجيب بقوله في حديث ابن عمر: فرق النبي وَل﴿ بين المتلاعنين، فإن حديث سهل وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - في قصة واحدة، وظاهر حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - أن الفرقة وقعت بتفريق النبي بَ يّ، اهـ. وقال الرازي في ((التفسير الكبير)) (١): اختلف المجتهدون في وقوع الفرقة باللعان على أربعة أقوالٍ؛ أحدها: قال عثمان البتي: لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضي شيئاً يوجب أن يطلقها، الثاني: قال أبو حنيفة وصاحباه: لا تقع الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما، الثالث: قال مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة، وإن لم يفرق الحاكم. الرابع: قال الشافعي: إذا أكمل الزوج الشهادة فقد زال فراش امرأته، ولا تحلّ له أبداً، التعنت أو لم تلتعن، ثم بسط في وجوه استدلالهم. وقال الموفق(٢): الفرقة بين المتلاعنين لا تحصل إلا بلعانهما جميعاً، وهل يعتبر تفريق الحاكم بينهما؟ فيه روايتان، إحداهما: أنه معتبر، فلا تحصل الفرقة حتى يفرق الحاكم بينهما، وهو ظاهر كلام الخرقي، وقول أصحاب الرأي؛ لقول ابن عباس في حديثه: ((ففرق رسول الله وَّل بينهما))، وهذا يقتضي أن الفرقة لم تحصل قبله، وفي حديث عويمر قال: «كذبت عليها يا رسول الله (١) (١٧٠/٢٣ - ١٧٢). (٢) ((المغني)) (١٤٤/١١). ٢١٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٤) حديث إن أمسكتها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله مَ ليت))، وهذا يقتضي إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه ولو كانت الفرقة وقعت قبل ذلك لما وقع طلاقه ولا أمکنه إمساكها . والرواية الثانية: تحصل الفرقة بمجرد لعانهما، وهي اختيار أبي بكر وقول مالك وأبي عبيد عنه وأبي ثور وداود وزفر وابن المنذر، ورُوي ذلك عن ابن عباس لما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً، رواه سعيد، ولأنه معنى يقتضي التفريق المؤبد، فلم يقف على حكم الحاكم كالرضاع، وعلى كلتا الروايتين لا تحصل الفرقة قبل تمام اللعان منهما . وقال الشافعي: لا تحصل الفرقة بلعان الزوج وحده؛ لأنها فرقة تحصل بالقول، فتحصل بقول الزوج وحده كالطلاق، ولا نعلم أحداً وافق الشافعي - رحمه الله - على هذا القول، والشرع إنما ورد بالتفريق بين المتلاعنين، ولا يكون متلاعنين بلعان أحدهما، وإنما فرق النبي ولو بينهما بعد تمام اللعان منهما، فالقول بوقوع الفرقة قبله تحكّمٌ يخالف مدلول السنة إذا ثبت هذا. فإن قلنا: إن الفرقة تحصل بلعانهما، فلا تحصل إلا بعد إكمال اللعان منهما، وإن قلنا: لا تحصل إلا بتفريق الحاكم لم يجز له أن يفرق بينهما إلا بعد کمال لعانهما، فإن فرق قبل ذلك کان تفریقه باطلاً، ووجوده کعدمه. وبهذا قال مالك. وقال الشافعي: لا تقع الفرقة حتى يكمل الزوج لعانه، وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إذا فرق بينهما بعد أن لاعن كل واحد منهما ثلاث مرات أخطأ السنة، والفرقة جائزة، وإن فرق بينهما بأقل من ثلاث، فالفرقة باطلة؛ لأن من أتى بالثلاث فقد أتى بالأكثر، فيتعلق الحكم به، ثم إذا تم اللعان فللحاكم أن يفرق بينهما من غير استئذانهما؛ لأنه وَ ◌ّ فرق بينهما ولم يستأذنهما، ومتى قلنا: إن الفرقة لا تحصل إلا بتفريق الحاكم فلم يفرق بينهما، ٢١٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٣) باب (١١٥٥) حديث ٣٥/١١٥٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن ..... عُمَرَ؛ أَنَّ رَجُلاً لَا عَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ،فَلَهُ. وَانْتَفَلَ فالنكاح باقٍ بحاله؛ لأن ما يبطل النكاح لم يوجد، اهـ. وسيأتي الكلام على تأبيد التفريق قريباً . قال الزرقاني(١): وقد زاد سويد بن سعيد عن مالك، وكانت حاملاً، فأنكر حملها، وكان ابنها يدعى إليها، ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها، قال ابن عبد البر: وهذه الألفاظ لم يروها عن مالك فيما علمتُ سويدٌ. وتعقبه الزرقاني بأنه لو انفرد به سويد عن مالك فله أصل، فقد رواه يونس عند مسلم وابن جريج عند البخاري عن ابن شهاب عن سهل مثل رواية سويد، وفي رواية الأوزاعي ((أنها جاءت بالولد على الصفة التي تصدق عويمراً)) ونحوه في رواية ابن جريج. ٣٥/١١٥٥ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رجلاً) هو عويمر العجلاني، كما جزم به العيني والزرقاني، وبه جزم صاحب ((التعليق الممجد))(٢) تبعاً لـ((مقدمة فتح الباري))، وقال الشيخ في ((البذل))(٣): هو عويمر أو هلال. (لاعن امرأته) أي زوجته خولة بنت قيس العجلانية، قاله الزرقاني تبعاً ((مقدمة فتح الباري)) (في زمان رسول الله وَله) تقدم الكلام على تعيين الوقت قريباً (وانتفى) بالياء في آخره في النسخ الهندية وبعض المصرية، وهكذا في ((البخاري)) برواية ابن بكير عن مالك، وبرواية عبيد الله عن نافع، وفي أكثر (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٩/٣). (٢) (٥٥٣/٢). (٣) ((بذل المجهود)) (٤٠٢/١٠). ٢٢٠