Indexed OCR Text
Pages 141-160
٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حديث أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ فِي بَرِيْرَةَ ثَلَاثُ سُنَنِ. برواية إسماعيل بن عبد الله عن مالك، قال ابن عبد البر: قد أكثر الناس في تشقيق المعاني من حديث بريرة وتخريجها، فلمحمد بن جرير في ذلك كتاب، ولمحمد بن خزيمة في ذلك كتاب، ولجماعة أبواب، وأكثر ذلك تكلف واستنباط محتمل، لا يستغني عن دليل. وذكر ابن العربي: أن ابن خزيمة استخرج منه ما يُنَيّف عن مائتين وخمسين فائدة، وجمع بعض الأئمة فوائد هذا الحديث، فزادت على ثلثمائة، لخصها في ((فتح الباري)) قاله الزرقاني(١). وقال الحافظ(٢): قال النووي: صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين، أكثرا فيهما من استنباط الفوائد، ولم أقف على تصنيف ابن خزيمة، ووقفت على كلام ابن جرير من كتابه ((تهذيب الآثار))، ولخصت منها ما تيسّر، وقد بَلَّغَ بعض المتأخرين الفوائدَ من حديث بريرة إلى أربعمائة، أكثرها مستبعد متكلف، كما وقع نظير ذلك للذي صنف في الكلام على حديث المجامع في رمضان، فبلغ به ألف فائدة، انتهى. (أنها قالت: كانت في بريرة) تقدم ذكرها في آخر الجنائز، فعيلة من البرير وهو ثمر الأراك، وقيل: فعيلة بمعنى مفعولة، أو فاعلة من البر، وَجَّهه القرطبي، وتعقبه الحافظ بأنه لو كان كذلك لغَيَّرَ ﴿ ﴿ اسمَها كما غَيَّرَ اسمَ جويرية، وكان اسمها بَرَّةَ (ثلاث سُنٍ) جمع سُنَّةٍ تُريد ثلاثة أحكام مشروعة سَنَّهَا رسولُ الله وَلّر، كانت أسبابها مختصة ببريرة، وقال عياض: المعنى أنها شُرِعَتْ في قصتها وما يظهر فيها مما سوى ذلك، كان قد علم من غير قصتها . قال الباجي(٣): وفي هذا ما يدل على أن تحفظ أسباب الأحكام مما (١) (شرح الزرقاني)) (١٨٠/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٩٤/٥). (٣) ((المنتقى)) (٤/ ٥٣). ١٤١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حديث اهتبل به الصحابة، ونقله عنهم العلماء؛ لأن ذلك عون على فهم معنى الحكم وعمومه أو خصوصه، ووجه تعلقه بمن تعلق به من اختصاص به أو تَعَدِّ إلى غيره، وفيه عون على حفظ الأحكام واستدامة حفظها، ولأبي داود من وجه آخر عن عائشة: أربع سُنَنٍ، وزاد: أمرها أن تعتدّ عِدَّةَ الحرائر، قاله الزرقاني(١)، ولم أجدها في أبي داود، بل قال الحافظ(٢): في حديث ابن عباس عند أبي داود وأحمد قضى فيها النبي و 18 أربع قضيات، فذكر نحو حديث عائشة، وزاد: وأمرها أن تعتدَّ عِدَّةَ الحرة، أخرجه الدارقطني، وهذه الزيادة لم تقع في حديث عائشة، فلذلك اقتصر على ثلاث، لكن أخرج ابن ماجه من طريق الأسود عن عائشة قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض، وهذا مثل حديث ابن عباس في قوله: تعتدّ عدة الحرة، ويخالف ما وقع في رواية أخرى عن ابن عباس تعتدّ بحيضة، والبحث فيه محله. ومراد عائشة - رضي الله عنها - من قولها: ثلاث سنن ما وقع من الأحكام فيها مقصوداً خاصة، لكن لما كان حكم كل منها يشتمل على تقعيد قاعدة، يستنبط العالم الفطن منها فوائد جمة، وقع التكثير من هذه الحيثية، وانضم إلى ذلك ما وقع في سياق القصة غير مقصود، فإن في ذلك أيضاً فوائد تؤخذ بطريق التنصيص، أو الاستنباط، إذا اقتصر على الثلاث أو الأربع لكونها أظهر ما فيها، وما عداها إنما يؤخذ بطريق الاستنباط أو لأنها أهم والحاجة إليها أمس. وقال القاضي عياض: معنى ثلاث أو أربع أنها شرعت في قصتها. وما يظهر فيها مما سوى ذلك فكان قد علم من غير قصتها، وهذا أولى من قول من قال: ليس في كلام عائشة حصرٌ، ومفهوم العدد ليس بحجة، وما أشبه ذلك (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٠/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٤٠٥/٩). ١٤٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حديث فَكَانَتْ إِحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِرَتْ فِي زَوْجِهَا . . من الاعتذارات التي لا تدفع سؤال ما الحكمة في الاقتصار على ذلك؟ انتهى. (فكانت إحدى السنن الثلاث) شرعت في تفصيل ما أجملت أولاً من السنن الثلاث (أنها) أي بريرة (أعتقت) ببناء المجهول وأعتقتها عائشة - رضي الله عنها - كما يأتي مفصلاً في كتاب العتق (فخيّرت في زوجها) أي خَيَّرها رسول الله ﴾ في البقاء مع الزوج وفراقه، وكان اسم زوجها مُغيثاً، وكان أسود دميماً، مولى لآل المغيرة ولغيرهم. وفي ((البخاري)(١) عن ابن عباس كان زوج بريرة عبداً، يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها، ويبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي وَلـ لعباس - رضي الله عنه -: ((يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثاً))، فقال النبي وَّر: ((لو راجعته))، قالت: يا رسول الله! تأمرني، قال: ((إنما أشفع))، قالت: لا حاجة لي فيه. واختلفت الروايات في أنه كان إذ ذاك حراً أو عبداً، وفي كلا المعنى تعددت الروايات، أما الروايات التي ورد فيها أنه كان عبداً. فلا تخالف أحداً من الأئمة الأربعة؛ لأنه تقدم في أول الباب أن خيار المرأة إذا كان زوجها عبداً إجماعي، وأما الروايات التي ورد فيها أنه كان حراً فتخالف الأئمة الثلاثة، ولا تخالف الحنفية؛ لأن الخيار عندهم على كل حال. وفي ((المحلى)): اختلفت الروايات في أن زوجها يوم أعتقت كان حراً أو عبداً، فروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس: أن زوجها كان عبداً أسود، ولم يختلف الرواة عن ابن عباس في أنه كان عبداً، وجزم به الترمذي عن ابن عمر، وحديثه عند الشافعي والدارقطني، وكذا أخرجه النسائي من حديث صفية بنت أبي عبيد أنه كان عبداً، وإسناده صحيح. (١) ح (٥٢٨٣) ((فتح الباري)) (٤٠٨/٩). ١٤٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حديث واختلفت الروايات عن عائشة، وقال ابن الهمام(١): ويرجح في حديث عائشة أنه كان حراً، وذلك أن الرواة عنها ثلاثة: أسود، وعروة، وابن القاسم، فأما الأسود فلم يختلف فيه عن عائشة - رضي الله عنها - أنه كان حراً، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان: إحداهما أنه كان حراً، والأخرى أنه كان عبداً، وأما ابن القاسم فعنه روايتان صحيحتان، إحداهما أنه كان حراً، والثانية الشك، انتهى. وكذا حكى الشيخ في ((البذل))(٢) عن ابن القيم في الرواة عن عائشة، وقال الحافظ: قال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: رأيته عبداً أصح، وقال إبراهيم بن أبي طالب أحد حُفَّاظ الحديث: خالف الأسود الناس في زواج بريرة، وقال الإمام أحمد: إنما يصح أنه كان حراً عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك، وصح عن ابن عباس وغيره أنه كان عبداً، ورواه علماء المدينة، وإذا روى علماء المدينة شيئاً وعملوا به فهو أصح شيء، وإذا عتقت المرأة تحت الحر فعقدها المتفق على صحته لا يفسخ بأمر مختلف فیه، انتهى. وقال العيني(٣) بعد حديث ابن عباس: والاحتجاج به على أنه كان عبداً حين أعتقت بريرة غير قويّ؛ لأن قوله: رأيته عبداً يعني زوج بريرة لا يدل على أنه كان عبداً حين أعتقت بريرة؛ لأن الظاهر أنه يُخَبِّرُ بأنه كان عبداً، فلا يتم الاستدلال به، والتحقيق فيه أن نقول: إن اختلافهم فيه في صفتين لا يجتمعان في حالة واحدة، فنجعلهما في حالتين، بمعنى أنه كان عبداً في حالة، حراً في حالة أخرى، فبالضرورة تكون إحدى الحالتين متأخرة عن الأخرى. (١) ((فتح القدير)) (٢٧٤/٣). (٢) ((بذل المجهود)) (١٠/ ٣٦٢). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٨٣/١٤). ١٤٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حديث وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وٍَّ: وقد عُلِمَ أن الرقّ يعقبه الحرية، والحرية لا يعقبها الرق، وهذا مما لا نزاع فيه. فإذا كان كذلك جعلنا حال العبودية متقدمة، وحال الحرية متأخرة، فثبت بهذا الطريق أنه كان حراً في الوقت الذي خيّرت فيه بريرة، وعبداً قبل ذلك، فيكون قول من قال: كان عبداً محمولاً على الحالة المتقدمة، وقول من قال: كان حراً على الحالة المتأخرة، فإذاً لا يبقى تعارض، ويثبت قول من قال: كان حراً، فيتعلق الحكم به. ولئن سلّمنا أن جميع الروايات أخبرت بأنه كان عبداً، فليس فيه ما يدل على صحة ما يذهب ممن يذهب أن زوج الأمة إذا كان حراً، فأعتقت الأمة ليس لها الخيار؛ لأنه ليس فيه ما يدل على ذلك؛ لأنه لم يأت عنه وَلل أنه قال: إنما خيرتها؛ لأن زوجها عبد، وهذا لا يوجد أصلاً في الآثار، فثبت أنه خَيَّرها لكونها قد أعتقت، فحينئذ يستوي فيه أن يكون زوجها حراً أو عبداً، انتھی . وفي الحديث حجة للجمهور أن مع الأمة لا يكون طلاقاً، وبه ترجم البخاري في ((صحيحه)) خلافاً لبعض السلف، كما تقدم الخلاف فيه في ((باب الإحصان». (وقال رسول الله وَ ل﴿) وهذه السُنَّةُ الثانية أن بريرة لما كاتبتها مواليها جاءت عائشة - رضي الله عنها - تستعين في كتابتها، وقد أخرج البخاري في ((صحيحه)) في ((باب ما يجوز من شروط المكاتب))(١) عن عائشة - رضي الله عنها - أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، قالت لها عائشة: ارجعي إلى أهلك، فإن أحبُّوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاءك لي فعلت، فذكرت ذلك بريرة لأهلها، فأبوا، وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل. ويكون ولاءك لنا . (١) ((فتح الباري)) (١٨٧/٥). ١٤٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حدیث ((الْوَلَاءُ لمَنْ أَعْتَقَ)). فذكرت ذلك لرسول الله وَله، فقال لها رسول الله وَلقول: ((ابتاعي، فأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق))، ثم قام رسول الله وَله، فقال: ((ما بال أناس يشترطون شروطاً ليست في كتاب، من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن شرط مائة شرط، شرط الله أحق وأوثق)). (الولاء) بفتح الواو مبتدأ وخبره (لمن أعتق) أي كائن ومستقر له، ومن موصولة، والعائد ضمير الفاعل. قال الباجي(١): ومعنى ذلك أن بريرة كان أهلها، وهم بنو هلال كاتبوها، فأرادت عائشة أن تشتريها، ويكون ولاؤها لها، وأراد أهلها أن يبيعوها، ويستثنوا ولاءها، فجوّز النبي وَلّ البيع، وأبطل اشتراط البائعين الولاء، وقال ◌َ: ((الولاء لمن أعتق))، وإنما يصح ذلك عندنا على أصول نُبيّنُها في ((كتاب الكتابة)) إن شاء الله، ومن ذلك أن تكون بريرة قد عجزت عن أداء ما وجب عليها من نجومها، وصارت في حكم من عاد إلى الرق، فلذلك أجاز بيعها . ووجه ما أمر به له من إبطال اشتراط الولاء أن الولاء ليس مما يتناوله البيع، وإنما هو شيء يترتب بالعتق، وإنما يملك المشتري منافع العبد ما دام حياً في رقه، وهي التي يتناولها شراؤه، ومن اشترط الولاء فإنما اشترط معنى يثبت بعد زوال الملك، فصحّ شراؤه، ولم يؤثر استثناؤه في العقد؛ لأنه لم يتناول الاستثناء ما يتناوله عقد البيع. وإنما تناول معنى آخر لا يثبت إلا بعد استيفاء المبيع، وقال بعض من تكلم على هذا الحديث: إن الولاء اشترطته عائشة لنفسها، وإن معنى قول النبي ◌َّليل: (اشترطي لهم الولاء)) أي اشترطيه عليهم؛ لأن اللام قد تكون بمعنى على، وهذا الذي قاله غير صحيح من وجوه: (١) ((المنتقى)) (٥٥/٤). ١٤٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حديث وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْم. أحدها: أن اللام على أصلها، لا يجوز أن يعدل بها عن ذلك إلا بدليل، والثاني: في أنه وَ ﴿ زجر عن ذلك، فقال وَلّ: ((ما بال رجال يشترطون)) الحديث وفيه: ((وإنما الولاء لم أعتق)). ووجه ثالث: ما روى هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي ◌ّ خطب في ذلك، فقال: ((ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق يا فلان، والولاء لي، وإنما الولاء لمن أعتق)). وروى عبد الله بن يوسف عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر: أرادت عائشة أن تشتري جارية لتعتقها، قال أهلها: على أن ولاءها لنا، قال رسول الله وَله: ((لا يمنعك ذلك))، فإن الولاء لمن أعتق، وهذا نص في منع هذا التأويل، اهـ. وفي رواية ابن عمر عند البخاري: ((إنما الولاء لمن أعتق))، وكذا في عدة طرق عن عائشة، ويستفاد منه الحصر، وإلا لما لزم من إثبات الولاء للمعتق نفيه عن غيره، وهو الذي أريد من الخبر. ويؤخذ منه أنه لا ولاء للإنسان على أحد بغير العتق، فينتفي من أسلم على يده أحد، والخلاف فيه مشهور، وأنه لا ولاء للملتقط خلافاً لإسحاق، ولا لمن خالف إنساناً خلافاً لطائفة من السلف، وبه قال أبو حنيفة، ويؤخذ من عمومه أن الحربي لو أعتق عبداً، ثم أسلما أنه يستمر ولاؤه، وبه قال الشافعي، وقال ابن عبد البر: إنه قياس قول مالك، ووافق على ذلك أبو يوسف، وخالف أصحابه، فإنهم قالوا: للعتيق في هذه الصورة أن يتولى من شاء، قاله الحافظ. والسنة الثالثة (ودخل رسول الله وَطير) في حجرة عائشة (والبرمة) بضم الموحدة وسكون الراء المهملة، قال ابن الأثير: هي القِدْرُ مطلقاً، وجمعها بُرَمٌ، وهي في الأصل المتخذ من الحجر المعروف بالحجاز (تفور) بالفاء أي تغلي (بلحم) . ١٤٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حدیث فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْم الْبَيْتِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟)) فَقَالُوا: بَلَىَ يَا رَسُولُ الله. وَلْكِنْ ذُلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيْرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ وَه: ((هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا مِنْهَا هَدِيَّةٌ)). أخرجه البخاريّ في: ٦٨ - كتاب الطلاق، ١٤ - باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً . ومسلم في: ٢٠ - كتاب العتق، ٢ - باب إنما الولاء لمن أعتق، حديث ١٤. قال الحافظ(١): وقع في بعض الشروح أنه كان لحم بقر، وفيه نظر، بل جاء عن عائشة تُصُدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة، فهو أولى أن يؤخذ به، زاد في رواية: فدعا بالغداء (فقرب) بضم القاف وتشديد الراء المكسورة (إليه) وَالآ (خبز وأدم) بضم الهمزة وسكون الدال المهملة جمع إدام، وهو ما يؤكل مع الخبز أي شيء كان (من أدم) بصيغة الجمع فيهما في النسخ الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها إدام بالمفرد، في الموضعين (البيت) الإضافة للتخصيص. قال الباجي(٢): يريد ما يكون مدخراً في البيوت كالسمن والملح، ولا يكاد يعدم منها (فقال رسول الله وَله)، إنكاراً لتقديمهم إليه ما دون اللحم من الإدام مع وجود اللحم (ألم أر برمة) على النار والهمزة للتقرير (فيها لحم) قال الباجي: فيه أن أكل الإنسان أفضل ما معه من الإدام ليس بمنافٍ للورع لقوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُواْ مِنَ الَّتِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾(٣) الآية. (فقالوا: بلى يا رسول الله ولكن ذلك) الذي في القدر (لحم تصدق) ببناء المجهول (به على بريرة) مولاة لنا (وأنت لا تأكل الصدقة) إخبار له بالوجه الذي منع من تقديمه إليه، وهو أن لا يأكل الصدقة (فقال رسول الله وَالت: هو عليها) وفي رواية لها (صدقة وهو لنا منها) أي من بريرة (هدية) حيث أهدته (١) ((فتح الباري)) (٤٠٦/٩). (٢) ((المنتقى)) (٥٥/٤). (٣) سورة البقرة: الآية ١٧٢. ١٤٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٥) حديث لنا؛ لأن الصدقة يسوغ للفقير التصرف فيها بالإهداء والبيع وغير ذلك. أفاد أن التحريم إنما هو على الصفة لا على العين، فإذا تغيرت صفة الصدقة تغير حكمها، فيجوز للغني ولو هاشمياً أكلها وشراؤها، وقوله في حديث أم زرع(١): ((ولا يسأل عما عهد)) ليس من هذا؟ وإنما ذلك أن يقول فيما عهد: أين هو، وما صنع به؟ وأما شيء يجده فيقول: ما هذا؟ فليس منه، مع أن سؤاله وَلّو إنما كان ليبين لهم حكم ما جهلوا؛ لأنه علم أنهم لم يقدموا له إدام البيت دون سيد الأدم إلا لأمر اعتقدوه، فکان کذلك، فبيّن لهم حکمه. قال الحافظ(٢): وقع في رواية الأسود عن عائشة: ((وأتي النبي ◌َّر بلحم فقالوا: هذا ما تُصُدِّق على بريرة))، وكذا في حديث أنس في الهبة، ويجمع بينهما بأنه لما سأل عنه أتي به، وقيل له ذلك، ووقع في رواية القاسم عن عائشة في كتاب الهبة، فأهدي لها لحم، فقيل: هذا تُصُدِّق به على بريرة، فإن كان الضمير لبريرة، فكأنه أطلق على الصدقة عليها هدية لها، وإن كان لعائشة، فلأن بريرة لما تصدقوا عليها باللحم أهدت منه لعائشة. ويؤيده ما وقع في رواية القاسم عند أحمد وابن ماجه: دخل علي رسول الله وَلّ، والمرجل يفور بلحم، فقال: ((من أين لك هذا؟)) قلت: أهدته لنا بريرة، وتُصُدِّق به عليها . قال الباجي(٣): ولا خلاف بين المسلمين أنها تنتقل من حكم الصدقة إلى حكم البيع والهبة والميراث، فيرثها الغني عن مورثه الفقير، وتصير إليه عنه بالهبة وغير ذلك من أنواع التمليك، ولا يكون لشيء من ذلك حكم الصدقة، وإنما له حكم الوجه الذي نقل آخره، انتهى. (١) أخرجه البخاري ح (٥١٨٩)، ((باب: حسن المعاشرة مع الأهل)). (٢) ((فتح الباري)) (٤٠٦/٩). (٣) ((المنتقى)) (٥٦/٤). ١٤٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٦) حديث ٢٦/١١٤٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبَّدِ فَتُعْتَقُ: إِنَّ الْأَمَةَ لَهَا الْخِيَارُ مَا لَمْ يَمَسَّهَا . ٢٦/١١٤٦ - (مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما (أنه كان يقول في الأمة) التي (تكون تحت العبد فتعتق) ببناء المجهول أي الأمة، ولها الخيار حينئذ إجماعاً لكون زوجها عبداً (إن لها الخيار ما) بمعنى ما دام (لم يمسها) الزوج، وقد أخرج أبو داود في قصة بريرة ((فخيّرها رسول الله وَلَه، وقال لها: إن قربك فلا خيار لك)). قال الشيخ في ((البذل)) (١): فيه دليل على أن خيار من عتقت على التراخي، وأنه يبطل إذا مكنت الزوج من نفسها، وإلى ذلك ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد، وهو قول للشافعي، وله قول آخر: إنه على الفور، وفي رواية عنه إلى ثلاثة أيام، وقيل: بقيامها من مجلس الحاكم، وقيل: من مجلسها، وهذان القولان للحنفية، والقول الأول هو الظاهر لإطلاق التخيير لها إلى غاية، هي تمكينها من نفسها، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد (٢) عن النبي وَله بلفظ: إذا أعتقت الأمة فهي بالخيار، ما لم يطأها إن تشاء فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها، ولا تستطيع فراقه، وفي رواية للدار قطني(٣): إن وطئك فلا خيار لك. . وفي ((البدائع)) (٤): وهذا الخيار يبطل بالإبطال نصاً ودلالةً من قول أو فعل يدل على الرضا بالنكاح، ويبطل بالقيام عن المجلس؛ لأنه دليل الإعراض كخيار المخيرة، ولا يبطل بالسكوت، بل يمتدّ إلى آخر المجلس إذا لم يوجد منها دليل الإعراض، انتهى. (١) ((بذل المجهود)) (٣٦٨/١٠). وانظر ((نيل الأوطار)) (٢٣٦/٤). (٢) أخرجه أحمد (٦٥/٤) و(٣٧٨/٥). (٣) ((سنن الدار قطني)) (٢٩٤/٣). (٤) (٢ / ٦٤٣). ١٥٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٦) حديث وقال الباجي(١): لا يختص خيارها بالمجلس الذي يعلم فيه بعتقها، بل لها ذلك ما لم تمكنه من نفسها طائعة، أو يترك ذلك ابتداءً، أو يوقضها السلطان، فإما قضت وإما أخرج ذلك من يدها، انتهى. وقال الخرقي: إن أُعْتِق قبل أن تختار أو وطئها بطل خيارُها، علمت أن الخيار لها أو لم تعلم، وقال الموفق(٢): إن خيار المعتقة على التراخي، ما لم يوجد أحدُ هذين الأمرين؛ عتقِ زوجها، أو وطئِه لها. ولا يُمْنَعُ الزوج من وطئها، وممن قال: إنه على التراخي مالك والأوزاعي، ورُوي ذلك من ابن عمر وأخته حفصة - رضي الله عنهما -، وبه قال سليمان بن يسار، ونافع، والزهري، وقتادة، وحكاه بعض أهل العلم عن الفقهاء السبعة، وقال أبو حنيفة وسائر العراقيين: لها الخيار في مجلس العلم، وللشافعي ثلاثة أقوال؛ أظهرها: كقولنا، والثاني: على الفور كخيار الشفعة، والثالث: إلى ثلاثة أيام، وقال ابن عبد البر: لا أعلم لابن عمر وحفصة - رضي الله عنهما - مخالفاً في الصحابة، انتهى. قلت: هذا المذكور أثر ابن عمر وسيأتي أثر حفصة قريباً، وقال محمد في ((موطئه))(٣) بعدهما: قال محمد: إذا عَلِمَتْ أن لها خياراً، فأمرُها بيدها ما دامت في مجلسها، ما لم تقم منه، أو تأخذ في عمل آخر، أو يمسُّها، فإذا كان شيء من هذا بطل خيارها، فأما إن مَسَّها، ولم تعلم بالعتق، أو علمت به ولم تعلم أن لها الخيار، فإن ذلك لا يُبطل خيارها، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٥٦/٤). (٢) ((المغني)) (٧١/١٠). (٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٣١/٢ - ٥٣٢). ١٥١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٧) حدیث قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ مَسَّهَا زَوْجُهَا فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَهِلَتْ، أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ. فَإِنَّهَا تُتَّهَمُ وَلَا تُصَدَّقُ بِمَا اذَّعَتْ مِنَ الْجَهَالَةِ. وَلَا خِيَارَ لَهَا بَعْدَ أَنْ يَمَسَّهَا . ٢٧/١١٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنْ مَوْلَاةُ لِبَنِي عَدِيِّ يُقَالُ لَهَا زَبْرَاءُ. أَخْبَرَتْهُ (قال مالك: وإن مسها زوجها فزعمت) أي ادّعت (أنها جهلت) أي لم تعلم (أن لها الخيار، فإنها تُنَّهَمُ) ببناء المجهول (ولا تصدق) ببناء المجهول أيضاً (بما ادّعت من الجهالة) بيان لما (ولا خيار لها) في فراق الزوج (بعد أن مسها) الزوج، قال الزرقاني(١): لاشتهار الحكم بذلك، وقال الموفق: إن وطئها بطل خيارها علمت بالخيار أو لم تعلم، نص عليه أحمد، وهو قول من سمينا في المسألة الأولى. وذكر القاضي وأصحابه أن لها الخيار وإن أصيبت ما لم تعلم، فإن أصابها بعد علمها فلا خيار لها، وهذا قول عطاء والحكم وحماد والثوري والأوزاعي وإسحاق؛ لأنها إذا أُمْكَنَتْ من وطئها قبل علمها، فلم يوجد منها ما يدل على الرضا. وفي ((الدر المختار)) (٢): الجهل بخيار العتق عذر، قال ابن عابدين: لاشتغالها بخدمة المولى، فلا تتفرغ للتعلم، ثم إذا علمت يبطل بما يدل على الاعتراض في مجلس العلم، كخيار المُخَيَّرة، انتهى. ٢٧/١١٤٧ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير أن مولاة لبني عدي) بن كعب من قريش (يقال لها زبراء) بزائ مفتوحة فموحدة ساكنة فراء فألف ممدودة، كما ضبطها ابن الأثير، قاله الزرقاني، وفي ((التعجيل)): زبراء مولاة عدي بن كعب عن حفصة في قصة جرت لها (أخبرته) أي أخبرت (١) ((شرح الزرقاني)) (١٨٢/٣). (٢) (٣٣٨/٤). ١٥٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٨) حديث أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ. وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ. فَعُتِقَتْ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ وََّ. فَدَعَتْنِي. فَقَالَتْ: إِنِّي مُخْبِرَتُكِ خَبَراً. وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئاً. إِنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ، مَا لَمْ يَمْسَسْكِ زَوْجُكِ. فَإِنْ مَسَّكِ فَلَيْسَ لَكِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: هُوَ الطَّلَاقُ. ثُمَّ الطَّلَاقُ. ثُمَّ الطَّلَاقُ. فَفَارَقَتْهُ ثَلَاثًا . ٢٨/١١٤٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ زبراءُ عروة (أنها كانت تحت عبد، وهي أمة يومئذ فعُتِقَتْ) ببناء المجهول. (قالت) زبراء: (فأرسلَتْ) بسكون التاء (إليّ) بياء المتكلم، أي أرسلت إليّ رسولاً (حفصةزوج النبي ◌َِّ) فاعل أرسلَتْ (فدعتني) فجئتها (فقالت: إني مخبرتك) بضم الميم وسكون المعجمة بصيغة المتكلم المؤنث من الإخبار (خبراً، وما أحب أن تصنعي شيئاً) من المفارقة وغيرها، حتى تتأملي في أمرك حق التأمل. وقال الباجي(١): وهذا يقتضي دين حفصة وفضلها، وأنها لم تقصد بذلك أذى الزوج، وإنما قصدت إعلامها بما يجب لها، ثم أعلمتها أنها لا تحب أن تفارقه، بل تحب أن تبقى على حكم الزوجية، ثم أعلمتها بحكمها، فقالت: (إن أمركٍ بيدكٍ) بكسر الكافين، ولفظ إن بكسر الهمزة جملة مبنية للخبر أو بفتحها فيكون بدلاً عن الخبر (ما لم يمسّك) وفي نسخة ما لم يَمْسَسْك بفك الإدغام (زوجك، فإن يمسك) زوجك (فليس لك من الأمر شيء) أي لا يبقى خيارك (قالت) زبراء: (فقلت: هو الطلاق ثم الطلاق، ثم الطلاق، ففارقته ثلاثاً) أي فارقته ثلاث مرات لكراهتها البقاء معه، ولفظ محمد في ((موطئه))(٢): قالت: وفارقته، واختلف أهل العلم في قول المرأة لزوجها : هو طالق، كما تقدم، في أول الطلاق. ٢٨/١١٤٨ - (مالك أنه بلغه عن سعيد بن المسيب) هكذا أخرجه البيهقي (١) ((المنتقى)) (٥٧/٣). (٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٣١/٢). ١٥٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٤٩) حدیث أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهِ جُنُونٌ أَو ضَرَرٌ، فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ. فَإِنْ شَاءَتْ قَرَّتْ. وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ. ٢٩/١١٤٩ - قَالَ مَالِكٌ، فِي الْأَمَةِ تَكُونُ تَحْتَ الْعَبْدِ، ثُمَّ تُعْتَقُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَوْ يَمَسَّهَا: إِنَّهَا إِنِ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَلَا صَدَاقَ لَهَا. وَهِيَ تَطْلِيقَةٌ. برواية ابن بكير عن مالك، وقد أخرجه محمد في ((موطئه)) برواية مالك: أخبرنا مجبر عن سعيد بن المسيب، ومجبر تقدمت ترجمته في آخر الحج، ويحتمل عندي أن يكون تصحيف مخبر، فإن مجبراً من رواة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يبعد أن يروي عن سعيد بن المسيب، وابنه عبد الرحمن بن مجبر من شيوخ مالك. (أنه) أي سعيداً. (قال: أيما رجل تزوج امرأة وبه) أي بالزوج (جنون أو ضرر) آخر كالبرص والجذام وغير ذلك من العيوب التي بسطت في محله (فإنها) أي المرأة (تخير إن شاءت قَرَّت) أي بقيت عند الزوج (وإن شاءت فارقت) أي اختارت الفراق، وتقدم اختلافهم في التخيير بعيوب أحد الزوجين مفصلاً . وقال محمد في ((موطئه))(١) بعد أثر الباب: قال محمد: إذا كان أمراً لا يحتمل خُيِّرَتْ، فإن شاء قرت، وإن شاء فارقت، وإلا لا خيار لها، إلا في العِنِّيْن والمجبوب. ٢٩/١١٤٩ - (قال مالك، في الأمة تكون تحت العبد ثم تعتق) ببناء المجهول (قبل أن يدخل بها أو) قبل أن (يمسها: إنها) أي المرأة (إن اختارت نفسها) ولا ترضى البقاء معه (فلا صداق لها) لأن الفرقة جاءت من نفسها ووقعت قبل المسيس (وهي) الفرقة (تطليقة) واحدة، قال الباجي(٢): هذا على (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٧٥/٢). (٢) ((المنتقى)) (٥٨/٤). ١٥٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٥٠) حديث وَذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا . ٣٠/١١٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: إِذَا خَيَّرَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، فَاخْتَارَتْهُ. فَلَيْسَ ذَلِكَ قول ابن نافع: إنه لم يوقع غير واحدة أو لم ينو شيئاً، ولو أوقعت الطلاق لكان لها ذلك، وعلى الرواية الثانية عن مالك أنه ليس لها غير طلقة؛ لأنها تبین بها، انتھی. (وذلك الأمر عندنا) بالمدينة المنورة، وقال الموفق (١): وفرقة الخيار فسخ لا ينقص بها عدد الطلاق، نص عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافاً، قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقاً؟ قال: لأن الطلاق ما تكلم به الرجل، ولأنها فُرقَةٌ لاختيار المرأة، فكانت فسخاً كالفسخ لِعُنّة، انتهى. قلت: نفي الخلاف ليس بصحيح، فقد عرفت قول مالك. وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): اختلف في التي تختار الفراق هل يكون ذلك طلاقاً أو فسخاً؟ فقال مالك والأوزاعي والليث: تكون طلقة بائنة، وثبت مثله عن الحسن وابن سيرين، أخرجه ابن أبي شيبة، وقال الباقون: يكون فسخاً لا طلاقاً، انتهى. في ((الدر المختار))(٣): فإن اختارت نفسها فلا مهر لها، قال ابن عابدين: إن لم يدخل بها الزوج؛ لأن اختيارها نفسها فسخ من الأصل، وإن كان دخل بها فالمهر لسيدها؛ لأن الدخول بحكم نكاح صحيح، فتقرر به المسمى، انتهى. ٣٠/١١٥٠ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أنه سمعه يقول: إذا خير الرجل امرأته) في البقاء في عصمته وفراقه (فاختارته) أي الزوج (فليس ذلك) (١) ((المغني)) (٧٠/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (٤٠٨/٩). (٣) (٣٣٦/٤). ١٥٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٥٠) حديث بِطَلَاقٍ . قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ. قَالَ مَالِكٌ، فِي الْمُخَيَّرَةِ: إِذَا خَيَّرَهَا زَوْجُهَا، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، فَقَدْ طَلُقَتْ ثَلَاثاً . أي تخييره واختيارها الزوج (بطلاق) وبه قال الأئمة الثلاثة الباقية والجمهور لما في ((الصحيحين)) عن عائشة - رضي الله عنها - خَيَّرنا النبي ◌َّ فاخترناه، فلم يَعُدَّ ذلك علينا شيئاً، انتهى. (قال مالك: وذلك) أي عدم كونه طلاقاً (أحسن ما سمعت) من أهل العلم في ذلك وفيه أنه سمع فيه غير ذلك أيضاً، قال الموفق(١): فإن خَيَّرها فاختارت زوجها، أو ردّت الخيارَ أو الأمرَ لم يقع شيء، نص عليه أحمد في رواية الجماعة، ورُوي ذلك عن عمر وعلي وزيد وابن مسعود وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري والشافعي وابن المنذر، وعن الحسن: تكون واحدة رجعية، وروي ذلك عن علي، ورواه إسحاق بن منصور عن أحمد قال: فإن اختارت زوجها فواحدة يملك الرجعة، وإن اختارت نفسها فثلاث، قال أبو بكر: انفرد بهذا إسحاق بن منصور، والعمل على ما رواه الجماعة. (قال مالك في المخيرة) بصيغة المفعول التي خَيَّرَها زوجها (إذا خَيَّرَها زوجها، فاختارت نفسها، فقد طلقت) أي صارت مطلقة (ثلاثاً) لأن التخيير ثلاث طلقات عند المالكية، والمسألة خلافية عند الأئمة، كما سيأتي. قال الباجي(٢): يريد أن إطلاق لفظ التخيير يقتضي تملكها ثلاث تطليقات؛ لأنه تخيير بين قطع العصمة وإبقاء الزوجية، وذلك لا يكون في (١) («المغني)) (٣٩١/١٠). (٢) ((المنتقى)) (٥٨/٤). ١٥٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٥٠) حديث وَإِنْ قَالَ زَوْجُهَا: لَمْ أُخَيِّرْكِ إِلَّا وَاحِدَةً. فَلَيْسَ ذُلِكَ لَهُ . وَذْلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُه. المدخول بها إلا بثلاث تطليقات، وقد اختلف العلماء في معنى التخيير، فذهب أبو بكر القاضي إلى أن التخيير مكروه، لما فيه من جمع الطلاق الثلاث، قال الشيخ أبو عمران: وما علمت من كرهه، وهذا القول عليه جمهور العلماء، لحديث عائشة: ((خَيَّرَنا رسول الله وَّ فاخترناه))، الحديث. والفرق بين هذا وبين إيقاع الطلاق الثلاث جميعاً إن هذا ليس بإيقاع طلاق، وإنما هو تمليك الزوجة إياه وإنما منع هو من إيقاعه، فإذا قلنا: إن التخيير مباح للزوج، فهل يحرم على الزوجة اختيار الفرقة وهي ثلاث؟ قال الشيخ أبو عمران: إنما يكره ذلك للزوج دون الزوجة، انتهى. (وإن قال) شرطية (زوجُها: لم أخيرك) إلا طلقة (واحدة فليس ذلك) له أي للزوج؛ لأن التخيير عند مالك لا يكون إلا بثلاث طلقات (وذلك) أي كون التخيير ثلاث طلقات (أحسن ما سمعت) من أهل العلم. قال الموفق(١): لفظة التخيير لا يقتضي بمطلقها أكثر من تطليقة رجعية، قال أحمد: هذا قول ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعمر وعائشة رضي الله عنهم، وروي ذلك عن جابر وعبد الله بن عمرو، وقال أبو حنيفة: هي واحدة بائنة، وهو قول ابن شُبْرمة؛ لأن اختيارها نفسها يقتضي زوال سلطانه عنها، ولا يكون إلا بالبينونة. وقال مالك: هي ثلاث في المدخول بها؛ لأن المدخول بها لا تبين بأقل من ثلاث إلا أن تكون بعوض، ولنا، إجماع الصحابة، قال: من سمينا منهم قالوا: إن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحق بها، رواه النجاد عنهم بأسانيده، ولأن قوله: اختاري تفويض مطلق، فيتناول أقل ما يقع عليه الاسم، وذلك طلقة واحدة. (١) («المغني)) (٣٩١/١٠). ١٥٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٥٠) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ خَيَّرَهَا فَقَالَتْ: قَدْ قَبِلْتُ وَاحِدَةً وَقَالَ: لَمْ أُرِدْ هُذَا وَإِنَّمَا خَيَّرْتُكِ فِي الثَّلَاثِ جَمِيعاً. أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَقْبَلْ إِلَّا وَاحِدَةً، أَقَامَتْ عِنْدَهُ على نكاحها وَلَّمْ يَكُنْ ذُلِكَ فِرَاقاً إن شاء الله تعالى. (قال مالك: وإِن خيرها) الزوج (فقالت: قد قبلت) طلقة (واحدة) فقط لا غير (وقال) الزوج: (لم أرِدُ هذا) أي واحدة (إنما خيرتك في الثلاث) كلها (جميعاً أنها) أي المرأة (إن لم تقبل) أي لم تختر (إلا واحدة أقامت) المرأة (عنده)، أي الزوج في عصمته (على نكاحها ولم يكن ذلك) أي اختيارها وقبولها الواحدة (فراقاً إن شاء الله عز وجل) وليس التعليق بالمشية في النسخ الهندية . وقال الباجي(١): لأن تخييره يقتضي التخيير بين المقام أو قطع العصمة، فإذا اختارت واحدةً، فقد أعرضت عما جعل لها، فاختارت غيره، فلم يلزمه ما اختارته؛ لأنه لم يجعل ذلك إليها، انتهى. وقال الموفق(٢) بعد أن قال: إنها تطليقة رجعية، لكن إن جعل إليها أكثر من ذلك، فلها ما جعل إليها سواء جعله بلفظه، مثل أن يقول: اختاري ما شئت، أو اختاري الطلقات الثلاث إن شئتِ، فلها أن تختار ذلك، فإن قال: اختاري من الثلاث ما شئت، فلها أن تختار واحدة أو اثنتين، وليس لها اختيار الثلاث بكمالها؛ لأن ((مِنْ)) للتبعيض، فقد جعل لها اختيار بعض الثلاث فلا يكون لها اختيار الجميع أو جعله نيّته، وهو أن ينوي بقوله: اختاري عدداً، فإنه يرجع إلى ما نواه؛ لأن قوله: اختاري كناية خَفِيَّةٌ، فيرجع في قدر ما يقع بها إلى نيته، كسائر الكنايات الخفية، فإن نوى ثلاثة أو اثنتين أو واحدة فهو على ما نوى، وإن أطلق النية فهي واحدة، وإن نوى ثلاثة، فطلقت أقل منها وقع ما طلقته؛ لأنه يعتبر قولهما جميعاً، فيقع ما اجتمعا عليه، اهـ. (١) ((المنتقى)) (٦٠/٤). (٢) («المغني)) (٣٩١/١٠ - ٣٩٣). ١٥٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١٠) باب (١١٥٠) حديث وتقدم في أبواب التمليك أن الفرق بينه وبين التخيير بخمسة وجوهٍ عند الحنفية، منها: أنه تصح نية الثلاث في التمليك لا التخيير، وفي ((الهداية))(١): إذا قال لامرأته: اختاري ينوي بذلك الطلاق، فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك. فإن قامت منه أو أخذت في عمل آخر خرج الأمر من يدها؛ لأن المُخَيَّرة لها المجلس بإجماع الصحابة، فإن اختارت نفسها كانت واحدة بائنة، والقياس أن لا يقع بهذا شيء، وإن نوى الزوج الطلاق؛ لأنه لا يملك الإيقاع بهذا اللفظ، فلا يملك التفويض إلى غيره، إلا أنا استحسناه لإجماع الصحابة، ولا يكون ثلاثاً وإن نوى الزوج ذلك، لأن الاختيار لا يتنوع بخلاف الإبانة، لأن البينونة قد تتنوّع. قال ابن الهمام (٢): وروي عن زيد بن ثابت أنه ثلاث، وبه أخذ مالك في المدخول بها، وفي غيرها يقبل منه دعوى الواحدة، وعن عمر، وابن عباس، وابن مسعود واحدة رجعيّة، وبه أخذ الشافعي وأحمد، وثبت عن علي - رضي الله عنه - أن الواقع به واحدة بائنة، توسط بين الغايتين، ولفظ اخترت نفسي بل نفس تخييرها يفيد ملكها نفسها إذا اختارتها؛ لأنه يُنبئ عن الاستخلاص من ذلك الملك، وهو بالبينونة وإلّا لم تحصل فائدة التخيير، إذا كان له أن يراجعها شاءت أو أبت. وقد روى الترمذي عن ابن مسعود وعمر - رضي الله عنهما - أن الواقع بها بائنة كما روي عنهما الرجعية، فاختلفت الرواية عنهما، ثم هو غير متنوع؛ لأنه إنما يفيد الخلوص والصفاء، والبينونة تثبت فيه مقتضى، فلا يعم، بخلاف أنت بائن ونحوه، فلا يقع الثلاث في قوله: اختاري، وإن نواها بخلاف التفويض بقوله: أمرك بيدك، حيث تصح نية الثلاث فيه؛ لأن الأمر شامل (١) (٢٣٦/١). (٢) انظر: ((فتح القدير)) (٤١٣/٣). ١٥٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١١) باب (١١) باب ما جاء في الخلع بعمومه لمعنى الشأن للطلاق، فكان من أفراده لفظاً، والمصدر يحتمل نية العموم. وقيل: الفرق أن الوقوع بلفظ الاختيار على خلاف القياس بإجماع الصحابة، وإجماعهم انعقد على الطلقة الواحدة بخلاف تلك المسائل، أي بائن ونحوه، لأن الوقوع مقتضى نفس الألفاظ، ومقتضاها البينونة وهي متنوّعة، وفيه نظر، لانتفاء إجماعهم على الوحدة، لما قدمنا من قول زيد بن ثابت أن الواقع به ثلاث، اهـ. وفيه أن ثبوت الطلاق بذلك بإجماع الصحابة، بخلاف القياس، وإجماعهم على الوحدة ثابت، بخلاف ما زاد، فإنهم لم يجمعوا عليه، بل اختلفوا فيه. (١١) ما جاء في الخلع بضم المعجمة وسكون اللام، مأخوذ من الخلع، بفتح الخاء، النزع، سُمِّي به؛ لأن كلاً من الزوجين لباس للآخر معنًى، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِيَاسُ لَّهُنَّ﴾(١) فكأنه بمفارقة الآخر نزع لباسه، وضُمَّ مصدرُه، تفرقةً بين الحِسّي والمعنوي. وفي ((الدر المختار)) (٢): الخلع لغةً: الإزالة، واستعمل في إزالة الزوجية، بالضم، وفي غيره بالفتح، اهـ. وذكر أبو بكر بن دريد في ((أماليه)) أن أول خلع كان في الدنيا أن عامر بن الظرب - بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء وموحدة - زوج بنته لابن أخيه عامر بن الحارث بن الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، (١) سورة البقرة: الآية ١٨٧. (٢) (٤٨٢/٣). ١٦٠