Indexed OCR Text
Pages 81-100
٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٧) حديث حَتَّى يُوقَفَ، فَإِمَّا أَنْ يُطَلِّقَ، وَإِمَّا أَنْ يَفِيَ. وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء والحسن ومسروق وقبيصة والنخعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وأصحاب الرأي: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وروي ذلك عن عثمان وعلي وزيد وابن عمر - رضي الله عنهم -، وروي عن أبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول والزهري، تطليقةٌ رجعيةٌ، وحكي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ: ﴿فَإِن فَآءُو﴾ فيهن ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(١) . وقال محمد في ((موطئه)): بلغنا عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت أنهم قالوا: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر قبل أن يفيء، فقد بانت بتطليقة بائنة، وهو خاطب من الخُطَّاب. وكانوا لا يرون أن يوقف بعد الأربعة. وقال ابن عباس في تفسير الآية: الفيء الجماع في الأربعة الأشهر وعزيمة الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر، فإذا مضت بانت بتطليقة، ولا يوقف بعدها، وكان عبد الله بن عباس أعلم بتفسير القرآن من غيره، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا . وفي ((التعليق الممجد))(٢): هذا البلاغ أسنده عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي، عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عمر وابن عباس قالوا: الإيلاء طلقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر قبل أن يفيء، فهي أحق بنفسها، وبسط فيه، وفي ((الدر المنثور(٣)) و((تنسيق النظام)) الآثار في ذلك (حتى يُوقف) ببناء المجهول أي يحبس عند الحاكم (فإما أن يطلق، وإما أن يفيء) أي يرجع عن اليمين، ويكفر عن يمينه، فإن امتنع طلق القاضي، وهو (١) سورة البقرة: الآية ٢٢٦. (٢) (٥٤١/٢). (٣) انظر: (٦١١/١). ٨١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. ١٨/١١٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَيُّمَا رَجُلِ آَلَى مِنِ امْرَأَتِّهِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، وُقِف حَتَّى يُطَلِّقَ، أَوْ يَفِيءَ. وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ. إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، حَتَّى يُوقَفَ. المشهور عن مالك. وبه قال الشافعي، وعن مالك رواية لا يطلق القاضي عليه، بل يجبر على الجماع أو الطلاق، ويعزر على ذلك إن امتنع، كذا حكاه النووي عن عیاض، انتهى. قال الباجي(١): ومن ذا الذي يوقع الطلاق؟ الظاهر من المذهب أن الحاكم يأمر بإيقاع الطلاق، فإن أوقعه كان على حسب ذلك، وإن أبى من إيقاعه مع امتناع من الفيئة، فقد قال مالك في ((المبسوط)): إن الإمام يلزمه ذلك طائعاً أو كارهاً، ورُوي عن ابن الماجشون يأمره الإمام بطلاقها إن لم يرد الفيئة، فإن طلّق وإلا طلق عليه الإمام، انتهى. وتقدم قريباً في كلام الموفق اختلاف الأئمة في ذلك. (قال مالك: وذلك) المذكور من أنه يوقف بعد أربعة أشهر، فإما أن يطلق، وإما أن يفيء (الأمر) المختار (عندنا) بالمدينة المنورة. ١٨/١١٣٨ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أنه كان يقول: أيما رجل آلى من امرأته، فإنه إذا مضت الأربعة الأشهر وقف) ببناء المجهول (حتى يطلق) بنفسه (أو يفيء) أي يرجع إلى جماعها (ولا يقع عليه طلاق، إذا مضت الأربعة الأشهر) ولم يجامع فيها (حتى يوقف)(٢) عند الحاكم، كما تقدم في الأثر السابق، وأثر ابن عمر - رضي الله عنهما - أخرجه البخاري برواية إسماعيل عن مالك. (١) ((المنتقى)) (٣١/٤). (٢) بصيغة المجهول: أي يمسك. ٨٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبَ، وَأَبَا بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، كَانَا يَقُولَانِ، فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ: إِنَّهَا إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ. وَلِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَة. مَا كَانَتْ فِي الْعِدَّةِ. ١٩/١١٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم كَانَ يَقْضِي فِي الرَّجُلِ إِذَا آلَى مِنِ امْرَأَتِهِ: أَنَّهَا إِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ. وَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ. مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا . قَالَ مَالِكٌ: وَعَلَى ذُلِكَ كَانَ رَأْيُ ابْنِ شِهَابٍ . (مالك عن ابن شهاب؛ أن سعيد بن المسيب)، التابعي الشهير (وأبا بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث المعدود في الفقهاء السبعة عند البعض (كانا يقولان في الرجل يولي من امرأته: إنها إذا مضت الأربعة الأشهر، فهي تطليقة) رجعية تقع بمضيها (ولزوجها عليها الرجعة ما كانت) أي ما دامت المرأة (في العدة) ولفظ محمد في ((موطئه)»(١) برواية مالك، عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: إذا آلى الرجل من امرأته، ثم فاء قبل أن تمضي أربعة أشهر، فهي امرأته لم يذهب من طلاقها شيء، فإن مضت الأربعة الأشهر قبل أن يفيء فهي تطليقة، وهو أملك بالرجعة ما لم تنقض عدتها . ١٩/١١٣٩ - (مالك أنه بلغه أن مروان بن الحكم) الأموي الأمير (كان يقضي في الرجل إذا آلى من امرأته أنها إذا مضت الأربعة الأشهر، فهي تطليقة) واحدة رجعية (وله عليها الرجعة ما دامت في عدتها). (قال مالك: وعلى ذلك) الذي حكي عن مروان (كان رأي ابن شهاب) الزهري، فوافق رأي الزهري رأي شيخيه ابن المسيب وأبي بكر. (١) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٣٨/٢). ٨٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حدیث قال الباجي(١): أظهر مالك - رحمه الله - خلاف العلماء لما اختاره من التوقيف بعد الأربعة الأشهر، وأورد أقوال العلماء في ذلك بخلاف ما اختاره بأن بانقضاء الأربعة الأشهر تقع تطليقة، سواء أراد الفيئة بعد ذلك أو لم يردها، وهذا فعل مثله من أهل الدين والفضل والتوسع في العلم، اهـ. وحكى بعض شراح الحديث بعد هذه الآثار أنها قول أبي حنيفة، وقد عرفت فيما سبق أن الحنفية لم يقولوا بأنها تطليقة رجعية، بل هي عندهم تطليقة بائنة، قال صاحب ((الهداية)): فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة؛ لأن الكفارة موجب الحنث وسقط الإيلاء، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة، وقال الشافعي: تبين بتفريق القاضي، قال ابن الهمام(٢): لم يقل الشافعي تبين، بل قال: يقع رجعياً، سواء طلّق الزوج بنفسه أو الحاكم، وبه قال مالك وأحمد. فالخلاف في موضعين، أحدهما: أن الفيء عنده يكون قبل مضي المدة وبعده، وعند مضيها يوقف إلى أن يفيء أو يطلق، وعندنا الفيء في المدة لا غير، الثاني: أن يمضي المدة تقع الفرقة بينهما طلاقاً بائناً عندنا، وعنده لا يكون إلا بطلاقه، أو بطلاق القاضي، ثم بسط في دلائل الفريقين. وقال الموفق(٣): المُولي إذا امتنع من الفيئة بعد التربص أُمِرَ بالطلاق، فإن طلّق وقع طلاقه الذي أوقعه واحدة كانت أو أكثر، وليس للحاكم إجباره على أكثر من طلقة، وإن امتنع من الطلاق طلق الحاكم عليه، وبهذا قال مالك. وعن أحمد رواية أخرى: ليس للحاكم الطلاق عليه، فيحبسه ويُضَيِّق (١) ((المنتقى)) (٣٣/٤). (٢) ((فتح القدير)) (٤٢/٤). (٣) ((المغني)) (١١ /٤٧). ٨٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ، فَيُوقَفُ، فَيُطَلِّقُ عَنْدَ انْقِضَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ. ثُمَّ يُرَاجِعُ امْرَأَتَهُ: إِنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدتُهَا، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا. وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا. إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، مِنْ مَرَضٍ، أَوْ سِجْنٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ مِنَ الْعُذْرِ. فَإِنَّ ارْتِجَاعَهُ إِيَّاهَا ثَابِتٌ عَلَيْهَا . عليه حتى يفيء أو يطلق، وللشافعي قولان كالروايتين. والطلاق الواجب على المولي رجعي، سواء أوقعه بنفسه أو طلّق الحاكم عليه، وبهذا قال الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى أن طلاق المولي رجعي، وتفريق الحاكم بائن. (قال مالك في الرجل يولي من امرأته، فيوقف) ببناء المجهول (فيطلق) ببناء الفاعل (عند انقضاء الأربعة الأشهر) كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، كما تقدم، والطلاق عندهم رجعي (ثم يراجع امرأته) إن أراد ذلك، فإن له الرجعة عندهم (إنه) أي الرجل، وهذا مقولة مالك في الصورة المذكورة (إن لم يصبها) أي لم يجامعها في زمان العدة (حتى تنقضي عدتها، فلا سبيل له إليها، ولا رجعة له عليها) يعني أن إصابتها وجماعها شرط في صحة رجوعه، وقال الشافعي: رجعته صحيحة، وإن لم يصبها، قاله الباجي. وقال الحافظ في ((الفتح)) (١): ذهب الجمهور إلى أن الطلاق يكون فيه رجعياً، لكن قال مالك: لا تصح رجعته إلا إن جامع في العدة، اهـ. وهكذا قال العيني، وزاد: ولا يعلم أحد قاله غيره، اهـ. يعني لم يشترط الجماع في العدة غير الإمام مالك - رحمه الله -. (إلا أن يكون له عذر) مانع من الجماع (من مرض) بيان للعذر (أو سجن أو ما أشبه ذلك من العذر) يعني لا تخصيص للعذرين المذكورين، بل هما تمثيل (فإن ارتجاعه إياها) باللسان (ثابت عليها) ومعتبر. (١) ((فتح الباري)) (٤٢٩/٩). ٨٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث وَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذُلِكَ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يُصِبْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، وُقِفَ أَيْضاً. فَإِنْ لَمْ يَفِئْ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ بِالْإِيْلَاءِ الْأَوَّلِ. إِذَا مَضَتِ الْأَرَبَعَةُ الْأَشْهُرِ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَكَحَهَا، قال الباجي(١): ومعنى ذلك أنه إن كان له عذر من مرض أو سجن أو سفر، فإن رجعته ثابتة عليها، فإذا زال العذر بقدومه من سفره أو إفاقته من مرضه أو انطلاقه من سجنه، فمكّن منها وأبى الوطء فرّق بينهما، إن كانت العدة قد انقضت، قاله مالك في ((المدونة)) و((المبسوط)). وقال عبد الملك: وتكون بائناً من يوم انقضت العدة، قال مالك: ولا عدة عليها الآن، قال ابن القاسم: ومحل ذلك عندي أن زوجها لم يخلُ بها في العدة، فإن خلا بها في العدة فعليها عدة الأزواج ولا رجعة عليها، بمنزلة رجل خلا بزوجته، وتقاررا(٢) على أنه لم يصبها، ثم طلقها فإن عليها العدة للأزواج ولا رجعة له عليها، اهـ. (وإن مضت عدتها) يعني لم يرجع حتى بانت بمضي العدة (ثم تزوجها بعد ذلك) وكانت مدة الإيلاء باقية بأنه كان آلى منها إلى زمان طويل أو إلى الأبد (فإنه إن لم يصبها) أي لم يجامعها بعد النكاح الجديد (حتى تنقضي الأربعة الأشهر) مرة أخرى (وقف) ببناء المجهول (أيضاً) عند الحاكم كالمرة الأولى (فإن لم يفئ) أي لم يرجع عن إيلائه إذ ذاك أيضاً (دخل عليها) بضمير التأنيث في النسخ الهندية، وعليه بضمير التذكير في المصرية (الطلاق) الآخر بتطليقة أو بتطليق الحاكم (بالإيلاء الأول) الذي كان باقياً بعد لطول المدة. (إذا مضت الأربعة الأشهر) هذا تأكيد لقوله: حتى تنقضي الأربعة الأشهر، (ولم يكن له عليها رجعة) بعد هذا الطلاق الثاني (لأنه) كان (نكحها) بعد (١) ((المنتقى)) (٣٤/٤). (٢) هكذا في الأصل والظاهر: تقرر. ٨٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا. فَلَا عِدَّةَ لَهُ عَلَيْهَا، الطلاق الأول نكاحاً جديداً (ثم طلقها قبل أن يمسها) لأنه لم يصبها بعد النكاح حتى انقضت الأربعة الأشهر، فهذا الطلاق الثاني وقع عليه قبل الدخول، والطلاق قبل الدخول يكون بائناً (فلا عدة له عليها) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾(١). قال الموفق(٢): إن المولي إذا أبان زوجته انقطعت مدة الإيلاء بغير خلاف علمناه، سواء بانت بفسخ، أو طلاق ثلاث، أو بخلع، أو بانقضاء عدتها من حين الطلاق الرجعي؛ لأنها صارت أجنبية منه، فإن عاد فتزوجها عاد حكم الإيلاء من حين تزوجها، واستؤنفت المدة حينئذ، فإن كان الباقي من مدة يمينه أربعة أشهر فما دون لم يثبت حكم الإيلاء؛ لأن مدة التربص أربعة أشهر، وإن كان أكثر من أربعة أشهر تربص أربعة أشهر، ثم وقف لها، فإما أن يفيء أو يطلق، وإن لم يطلق طَلَّق الحاكم عليه، وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن كان الطلاق أقل من ثلاث، ثم نكحها عاد الإيلاء، وإن استوفى عدد الطلاق لم يعد الإيلاء؛ لأن حكم النكاح الأول زال بالكلية، ولذا ترجع إليه على طلاق ثلاث، وقال أصحاب الشافعي: يتحصل من أقواله ثلاثة أقاويل، قولان كالمذهبين، وقول ثالث: لا يعود حكم الإيلاء بحال، وهو قول ابن المنذر؛ لأنها صارت بحالٍ لو آلى منها لم يصح إيلاؤه، فبطل حكم الإيلاء منها كالمطلقة ثلاثاً، اهـ. وفي (الهداية))(٣): فإن كان حلف على أربعة أشهر فقد سقطت اليمين؛ لأنها كانت مؤقتة به، وإن كان حلف على الأبد فاليمين باقية، فإن عاد (١) سورة الأحزاب: الآية ٤٩. (٢) («المغني)) (٥١/١١). (٣) (٢٥٩/١). ٨٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث وَلَا رَجْعَةَ . قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ، فَيُوقَفُ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، فَيُطَلِّقُ، ثُمَّ يَرْتَجِعُ وَلَا يَمَسُّهَا، فَتَنْقَضِي أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا: إِنَّهُ لَا يُوقَفُ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ. وَإِنَّهُ إِنْ أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، كَانَ أَحَقَّ بِهَا. وَإِنْ مَضَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَيْهَا. فتزوجها، عاد الإيلاء، فإن وطئها وإلا وقعت بمضي أربعة أشهر تطليقة أخرى؛ لأن اليمين باقية، فإن تزوجها ثالثاً عاد الإيلاء، ووقعت بمضي أربعة أشهر أخرى إن لم يقربها، فإن تزوجها بعد زوج آخر لم يقع بذلك الإيلاء طلاق لتقييده بطلاق هذا الملك، واليمين باقية لإطلاقها وعدم الحنث، فإن وطئها كَفَّرَ عن يمينيه لوجود الحنث، اهـ. وذكر شُرّاح ((الهداية))(١) في المطلقة الثلاثة خلافاً لزفر إذ يبقى عنده حكم الإيلاء فيها أيضاً (ولا رجعة) لأن الطلاق قبل الدخول يكون بائناً. (قال مالك في الرجل يُولي من امرأته، فيوقف) ببناء المجهول (بعد الأربعة الأشهر) كما هو وظيفة المولي عند المالكية وغيرهم (فيطلق، ثم يرتجع) بالمسِّ وغيره (ولا يمسّها) أي لا يجامعها (فتنقضي أربعة أشهر قبل أن تنقضي عدتها) لطول العدة بحمل أو تأخير حيض (إنه لا يوقف) ببناء المجهول (ولا يقع عليه طلاق) آخر (وإنه إن أصابها قبل أن تنقضي عدتها، كان أحق بها) لصحة الرجوع بالجماع في العدة (وإن مضت عدتها قبل أن يصيبها، فلا سبيل له إليها) هكذا في الهندية وأكثر المصرية، وفي بعضها ((عليها)) لما تقدم قريباً من أن الجماع في العدة شرط لصحة الرجوع عند الإمام مالك، فإن لم يجامع في العدة فلا يصح الرجوع عنده. (١) انظر: ((فتح القدير)) (٤٧/٤). ٨٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذُلِكَ. (قال مالك: وهذا) التفصيل المذكور (أحسن ما سمعت في ذلك) قال الباجي(١): وهذا كما قال: إنه إذا طلق عليه لامتناعه من الفيئة، فارتجع في العدة، فإنه لا يُوَقَّفُ مرة أخرى غير التوقيف الأول، ولا يطلق عليه طلاق آخر، وإنما يكون أمره مراعى، فإن مسَّ في العدة صحت الرجعة، وبطل الإيلاء لوجود الحنث فيه، وإن لم يطأ في العدة مع ارتفاع الموانع بطلت الرجعة. وقال الشافعي: إن راجع في العدة، فمضت أربعة أشهر، ولم يطأ، وُقِف مرة أخرى، فإن فاء وإلا طلقت عليه طلقة بائنة، فإن ارتجع وفعل، فحسب ذلك من التوقيف والطلاق، حتى يكمل ماله فيه من الطلاق، اهـ. ومذهب أحمد في ذلك موافق للشافعي كما صرح به الموفق(٢)، إذ قال: إذا طلّق دون الثلاث، فراجعها في عدتها استُؤْنِفَت المدة من حين رجعته. فإن كان الباقي منها أقل من أربعة أشهر سقط الإيلاء، وإن كان أكثر منها تربَصَّنا به أربعة أشهر، ثم وقفناه ليفي أو يطلق، ثم يكون الحكم هاهنا كالحكم في وقفه الأول. فإن طلق أو طلق الحاكم عليه واحدة، ثم راجع وقد بقي من مدة الإيلاء أكثر من أربعة أشهر، انتظرناه أربعة أشهر، ثم طولب بالفيئة أو الطلاق، فإن طلق فقد كملت الثلاث وحرمت عليه، وهذا مذهب الشافعي، اهـ. قلت: وكذلك عند الحنفية يتكرر الطلاق إلا أن الطلاق عندهم بائن، كما تقدم في محله، فيدار الحكم عندهم على التزوج الجديد محل الرجوع، كما تقدم قريباً في كلام صاحب ((الهداية)) من قوله: فإن عاد فتزوجها، عاد الإيلاء، فإن وطئها وإلا وقعت بمضي أربعة أشهر أخرى. (١) ((المنتقى)) (٣٤/٤). (٢) («المغني)) (٤٩/١١). ٨٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حدیث قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا، فَتَنَقْضِي الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّةِ الطَّلَّاقِ. قَالَ: هُمَا تَطْلِيقَتَانِ. إِنْ هُوَ وُقِفَ وَلَمْ يَفِىءُ. وَإِنْ مَضَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ قَبْلَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ، فَلَيْسَ الْإِيلَاءُ بِطَلَاقٍ. وَذُلِكَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَشْهُرِ الَّتِي كَانَت توقَفُ بَعْدَهَا، مَضَتْ وَلَيْسَتْ لَهُ، يَوْمَئِذٍ، بِامْرَأَةٍ . (قال مالك في الرجل يولي من امرأته، ثم يطلقها) طلاقاً رجعياً مستأنفاً في مدة الإيلاء (فتنقضي الأربعة الأشهر) التي هي مدة التربص (قبل انقضاء عدة الطلاق) المستأنف (قال) مالك في الصورة المذكورة (هما تطليقتان) مستقلتان لكن كون الإيلاء إذ ذاك مشروطاً بشرطين: أحدهما: يوقفه المرأة، والثاني: تنقضي مدة التربص قبل انقضاء عدة الطلاق. ولذا بينهما بقوله: (إن هو) الرجل (وقف) عند الحاكم (ولم يفئ) فيطلق هو أو يطلق عليه الحاكم. (وإن مضت عدة الطلاق) أي انقضت عدتها من الطلاق المستأنف (قبل الأربعة الأشهر، فليس) يكون (الإيلاء) حينئذ (بطلاق) لأن المرأة صارت في حق الرجل المولي أجنبية بإنقضاء العدة، ولذا قال: (وذلك) أي دليل أن الإيلاء لا يكون حينئذ طلاقاً (أن الأربعة الأشهر) يعني مدة التربص (التي كان) الرجل (يوقف بعدها مضت، وَليست) الواو حالية أي لم يبق المرأة (له يومئذ بامرأة). قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن المولي منها يصح إيقاع الطلاق عليها؛ لأنها زوجته، ولا يبطل طلاقه حكم الأشهر؛ لأنه طلاق رجعي يلحق فيه الطلاق والظهار، فلحق فيه حكم الإيلاء، فإذا انقضت الأشهر، وهي في عدتها أنها توقفه إن شاءت، فإن فاء فحكم الفيئة أن يطأ، فإن لم يفئ طلقت عليه بالإيلاء، وكانت مع الطلقة التي أوقعها تطليقتين على ما ذكر، قال في (١) ((المنتقى)) (٣٥/٤). ٩٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ يَوْماً أَوْ شَهْراً، ثُمَّ مكَثَ حَتَّى يَنْقَضِيَ أَكْثَرُ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ. فَلَا يَكُونُ ذُلِكَ إِيلَاءً. وإِنَّمَا يوقف في الإِيلَاء ((المبسوط)): فإذا أوقفه الإمام فلا بد أن يفيء أو يطلق بعد، ولا يجزئ عنه ما مضى من الطلاق، اهـ. قلت: فإن فاء يكون رجوعاً عن الطلاق المستأنف أيضاً؛ لأنه رجعي، قال الباجي: وقوله: فإن مضت عدة الطلاق، يريد أن الطلاق، الذي أوقعه إن انقضت عدته قبل إنقضاء الأشهر، فقد بطل حكم الأشهر؛ لأنها قد بانت منه، ولم يبق لها عليه حق مطالبة بوطء، ولذا قال: وليست له بامرأة، اهـ. وتقدم قريباً في كلام الموفق، أن المولي إذا أبان زوجته انقطعت مدة الإيلاء بغير خلاف نعلمه، سواء بانت بانقضاء عدتها من الطلاق الرجعي أو غيره. وقال محمد في (كتاب الآثار))(١): أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: إذا آلى الرجل من امرأته ثم طلّقها، فالطلاق يهدم الإيلاء، وأخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن الشعبي قال: [إذا] آلى الرجل من امرأته ثم طلّقها، فهما كَفْرسَي رهانٍ، إن جاوزت الأربعة الأشهر وهي في شيء من عدتها، وقعت تطليقة الإيلاء مع التطليقة التي طلق، وإن انقضت العدة قبل أن يجيء وقت الأربعة الأشهر سقط الإيلاء، قال محمد: فقلت لأبي حنيفة: بأي القولين تأخذ؟ قال: بقول الشعبي، قال محمد: وبه نأخذ، اهـ. (قال مالك: ومن حلف أن لا يطأ امرأته يوماً أو شهراً) مثلاً (ثم مكث) عن الوطء (حتى ينقضي أكثر من الأربعة الأشهر، فلا يكون ذلك إيلاء) لأن شرط الإيلاء الحلف على أربعة أشهر عند الحنفية، وعلى أكثر منها عند الأئمة الثلاثة (إنما يُؤْقف) عند الحاكم (في الإيلاء) هكذا في النسخ المصرية وهامش (١) (ص١١٨). ٩١ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث مَنْ حَلَفَ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ. فَأَمَّا مَنْ حَلَفَ أَنَّ لَا يَطَأَ امْرَأَتَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، أَوْ أَدْنَى مِنْ ذُلِكَ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ إِيلَاءٍ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَاءَ الْأَجَلُ الَّذِي يُوقَفُ عِنْدَهُ، خَرَجَ مِنْ يَمِينِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَقْفٌ. قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ لِمْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا حَتَّى تَفْطِمَ وَلَدَهَا، فَإِنَّ ذُلِكَ لَا يَكُونُ إِيلَاءً. النسخ الهندية، وأما في متونها بدله ((إنما الإيلاء)) (من حلف على) ترك الوطء (أكثر من الأربعة الأشهر، فأما من حلف أن لا يطأ امرأته أربعة أشهر، أو أدنى من ذلك، فلا أرى عليه، إيلاء؛ لأنه إذا جاء الأجل الذي يوقف عنده) وهو بعد أربعة أشهر (خرج من يمينه) لتمام مدة الحلف (ولم يكن عليه وقف) أي حبس إذ ذلك، كما تقدم في الشرط الثاني من شرائط الإيلاء في كلام الموفق في أول الباب، اهـ. (قال مالك: ومن حلف لامرأته أن لا يطأها حتى تفطم ولدها) فطام الصبي: فصاله عن أمه، يقال: فطمت الأم ولدها تفطمه بالكسر فطاماً، فهو فطيم، كذا في ((مختار الصحاح)) (فإن ذلك لا يكون إيلاء) قال الباجي(١): ومعنى ذلك أنه ليس بالإيلاء الذي يثبت به حكم الإيلاء من توقيف الزوج عند انقضاء أربعة أشهر، وإن كان اسم الإيلاء يقع عليه؛ لأنه لا خلاف أنه حلف من جهة اللغة؛ إلا أن المولي الذي يلزمه التوقيف هو الذي وجد منه الإيلاء الشرعي، وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي، وله قول آخر: إنه مُولٍ، ولا اعتبار برضاع الولد، وبه قال أبو حنيفة. والدليل على ما نقوله أن الإيلاء الشرعي تعتبر فيه معانٍ قررها الشرع من أن يكون الحالف إنما قصد الإضرار بالزوجة في ذلك؛ لأنه تعالى قد منع من إمساك النساء على وجه الإضرار بهن، فقال عز اسمه: ﴿وَلَا تُسِكُوُهُنَ ضِرَارًا (١) ((المنتقى)) (٣٦/٤). ٩٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (٦) باب (١١٣٩) حديث وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ سُئِلَ عَنْ ذُلِكَ، فَلَمْ يَرَهُ إِيلَاءَ. لِيَعْنَدُواْ﴾(١) وروي عن النبي ◌َّر أنه قال: ((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة(٢) حتى ذكرت أن فارس والروم تفعله)) نبه بقوله هذا على أنه مما يخاف ضرره، وإنما ترك النهي عنه على وجه من التوكيد؛ لأن ضرره ليس بلازم، اهـ. وتقدم في أول الباب اختلاف العلماء في ذلك، من كلام الموفق قال: ولنا، عموم الآية؛ لأنه مانع نفسه من جماعها بيمينه، فكان مولياً كحال الغضب، يحققه أن حكم الإيلاء يثبت لحق الزوجة، فيجب أن يثبت سواء قصد الإضرار أو لم يقصد، كاستيفاء ديونها وإتلاف مالها، ولأن الطلاق والظهار وسائر الأيمان سواء في الرضى والغضب، فكذلك الإيلاء، ولأن حكم اليمين في الكفارة وغيرها سواء في الغضب والرضا، فكذلك في الإيلاء، أهـ(٣). (قال مالك) ذكره تقوية لقوله المذكور سابقاً (وقد بلغني) سيأتي وصله (أن علي بن أبي طالب) رضي الله عنه (سئل) ببناء المجهول (عن ذلك) أي الحلف على ترك الوطء مدة الرضاع (فلم يره إيلاء) روى عبد الرزاق(٤) عن سعيد بن جبير قال: أتى رجل علياً - رضي الله عنه - فقال: إني حلفت أن لا آتي امرأتي سنتين، فقال: إني أراك قد آليت، فقال: حلفت من أجل أنها ترضع ولدها؟ قال: فلا إذاً، كذا في ((المحلى)). وقال السيوطي في ((الدر))(٥): أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي (١) سورة البقرة: الآية ٢٣١. (٢) الغِيلَةُ: وطء الرجل امرأته في حال الرضاع، كذا في ((الاستذكار» (١٠٨/١٧). (٣) انظر: ((المغني)) (٢٦/١١). (٤) ((مصنف عبد الرزاق)) (٤٥١/٦). (٥) (٦١٢/١). ٩٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (٧) باب (٧) باب إيلاء العبد حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ إِيلَاءِ الْعَبْدِ؟ فَقَالَ: هُوَ نَحْوُ إِيلَاءِ الْحُرِّ. وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ. وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ . عن عطية بن جبير قال: ماتت أم صبي بيني وبينه قرابة، فحلف أبي أن لا يطأ أمي حتى تفطمه، فمضى أربعة أشهر، فقالوا: قد بانت منك، فأتى علياً، فقال: إن كنت حلفت على تضرةٍ فقد بانت منك وإلا لا، وأخرج أيضاً عنه بطرق، وكذا البيهقي(١) اهـ. (٧) إيلاء العبد كذا بالإفراد في النسخ الهندية، وأكثر المصرية، وفي بعضها العبيد بالجمع . (مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن إيلاء العبد؟، فقال) أي أجاب الزهري (هو نحو إيلاء الحر) في اللزوم (وهو) أي الحلف (عليه واجب) أي لازم، قال الباجي(٢): يريد أنه نحو إيلاء الحر في لزومه حكم الأيمان واعتباره مدة التربص والتوقيف عند انقضائها مع بقاء اليمين، فإن فاء وإلا طلق عليه، اهـ. قلت: ويقع الطلاق بمضي المدة عند الحنفية كالحر كما تقدم الخلاف في الحر. (وإيلاء العبد شهران) قال الباجي: هو قول مالك سواء كان تحته الأمة أو الحرة، وقال أبو حنيفة: إيلاء العبد من الحرة أربعة أشهر، ومن الأمة شهران، وقال الشافعي: إيلاؤه منهما أربعة أشهر، والدليل على ما نقوله ما استدل به (١) ((السنن الكبرى)) (٣٨٣/٧). (٢) ((المنتقى)) (٤/ ٣٧). ٩٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (٨) باب ظهار الحر القاضي أبو محمد أن مدة الإيلاء يتعلق بها حكم البينونة، فوجب أن لا يساوي فيه الحرُ العبدَ أصلَ ذلك الطلاق، اهـ. وقال الموفق(١): مدة الإيلاء في حق الأحرار والعبيد والمسلمين وأهل الذمة سواء، ولا فرق بين الحرة والأمة والمسلمة والذمية والصغيرة والكبيرة في ظاهر المذهب، وهو قول الشافعي وابن المنذر، وعن أحمد رواية أخرى: أن مدة إيلاء العبيد شهران، وهو اختيار أبي بكر، وقول عطاء والزهري ومالك وإسحاق؛ لأنهم على النصف في الطلاق وعدد المنكوحات، فكذلك في مدة الإيلاء، وقال الحسن والشعبي: إيلاؤه من الأمة شهران، ومن الحرة أربعة، وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة، وهو قول أبي حنيفة، اهـ. فما في ((الزرقاني)) (٢) من موافقة أبي حنيفة والشافعي في ذلك ليس بصحيح، قال صاحب ((الهداية))(٣): مدة إيلاء الأمة شهران؛ لأن هذه مدة ضربت أجلاً للبينونة، فتتنصف بالرق كمدة العدة، اهـ. (٨) ظهار الحر قيّده بالحر لما في ظهار الحر والعبد من الاختلاف في بعض الفروع، وسيأتي ظهار العبد قريباً . والظهار بكسر الظاء المعجمة مصدر ظاهر مفاعلة من الظهر، قال الحافظ (٤): الظهار قول الرجل لامرأته: أنتِ عليّ كظهر أمي، وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محل الركوب غالباً، ولذلك سمي (١) ((المغني)) (٣٠/١١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٦/٣). (٣) (٢٦٠/١). (٤) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٣٢). ٩٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب المركوب ظهراً، فشبّهت الزوجة بذلك، لأنها مركوب الرجل، اهـ. وقال ابن الهمام(١): وقيل: الظهر منها مجاز عن البطن، لأنه إنما يركب البطن، فكظهر أمي أي كبطنها بعلاقة المجاورة، ولأنه عموده، لكن لا يظهر ما هو الصارف عن الحقيقة من النكات، وقيل: خص الظهر؛ لأن إتيان المرأة من ظهرها كان حراماً، فإتيان أمه من ظهرها أحرم، فكثر التغليظ. وقال الزرقاني(٢): قيل: مأخوذ من الظهر؛ لأن الوطء ركوب، وهو غالباً إنما يكون على الظهر، يؤيده أن عادة كثير من العرب وغيرهم إتيان النساء من قبل ظهورهن، ولم تكن الأنصار تفعل غيره استبقاءً للحياء وطلباً للستر وكراهةً الاجتماع الوجوه حينئذ والاطلاع على العورات، والمهاجرون يأتونهن من قبل الوجه، فتزوج مهاجر من أنصارية، فراودها على ذلك فامتنعت، فأنزل الله: ﴿نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ﴾ الآية على أحد الوجوه في نزولها، اهـ قال الموفق(٣): في هذه المسألة فصول خمسة: أحدها: أنه متى شبّه امرأته بمن تحرم عليه على التأبيد، فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي أو أختي، فهو مظاهر، وهذا على ثلاثة أضرب. أحدها: أن يقول: أنت عليّ كظهر أمي، فهذا ظهار إجماعاً، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن تصريح الظهار، أنت علي كظهر أمي. الضرب الثاني: أن يُشَبِّهَها بظهر من تحرم عليه من ذوي رحمه، كجدته وعمته وخالته وأخته، فهذا ظهار في قول أكثر أهل العلم، منهم الحسن وعطاء وجابر بن زيد والشعبي والنخعي والزهري والثوري والأوزاعي ومالك وإسحاق (١) ((فتح القدير)) (٨٥/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٧٧/٣). (٣) ((المغني)) (١١/ ٥٧). ٩٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي، وهو جديد قولي الشافعي، وقال في القديم: لا يكون ظهاراً إلا بأم أو جدة؛ لأنها أيضاً أم؛ لأن اللفظ الذي ورد به القرآن مختص بالأم، وإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه. ولنا، أنهن محرمات بالقرابة فأَشْبَهْنَ الأَمَّ، فأما الآية، فقد قال فيها: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًّا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾(١) وهذا موجود في مسألتنا فجرى مجراه . الضرب الثالث: أن يُشَبِّهَهَا بظهر من تحرُم عليه على التأبيد سوى الأقارب، كالأمهات المرضعات، والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء والأبناء، وأمهات النساء، والربائب اللائي دخل بأمهن، فهذا ظهار أيضاً، والخلاف فيها كالتي قبلها، ووجه المذهبين ما تقدم. وقال الباجي(٢): قال: إذا علّقه بظهر غير الأم مثل أن يقول: أنت علي كظهر فلانة، فلا يخلو أن تكون المرأة المذكورة من ذوي محارمه، أو أجنبية، فإن كانت من ذوي محارمه، فهو مظاهر في قول مالك، وإن كانت أجنبية، فسيأتي بيانه قريباً. الفصل الثاني: إذا شَبَّهَهَا بظهْرٍ مَن تحرُمُ عليه تحريماً مؤقتاً، كأخت امرأته وعمتها أو الأجنبية، فعن أحمد فيه روايتان، إحداهما: أنه ظهار، وهو اختيار الخرقي، وقول أصحاب مالك، والثانية: ليس بظهار؛ لأنها غير محرمة على التأبيد، وقال الباجي: وإن كانت أجنبية، فقد قال مالك: هو مظاهر، كان له زوج أم لا، وقال عبد الملك: يكون طلاقاً، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون طلاقاً ولا ظهاراً، انتهى. (١) سورة المجادلة: الآية ٢. (٢) ((المنتقى)) (٣٩/٤). ٩٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب وإن شَبَّهَهَا بظهر أبيه أو غيره من الرجال، أو قال: كظهر البهيمة، أو أنت كالميتة، ففي ذلك كله روايتان؛ إحداهما: أنه ظهار، وبهذا قال ابن القاسم صاحب مالك فيما إذا قال: أنت علي كظهر أبي. ورُوي ذلك عن جابر بن زيد، والرواية الثانية: ليس بظهار، وهو قول أكثر العلماء؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع أشبه ما لو قال: أنت عليَّ كمال زید. وفي ((الدر المختار)) (١) عن ((البدائع)): من شرائط الظهار كون المظاهر به من جنس النساء، حتى لو شبهها بظهر أبيه أو ابنه لم يصح؛ لأنه إنما عرف بالشرع، والشرع إنما ورد في النساء، انتهى. قال الموفق(٢): فإن قال: أنتِ عندي أو مِنِّي أو مَعِي كظَهْرِ أمِّي كان ظهاراً بمنزلة عليَّ؛ لأن هذه الألفاظ في معناه، وإن قال: جُمْلتُكِ أو بدنُكِ أو جسمُكِ أو ذاتُكِ كظهر أمي كان ظهاراً، وإن قال: أنتِ علي كأمي أو مثل أمي، ونوى به الظهار، فهو ظهار في قول عامة العلماء، منهم أبو حنيفة وصاحباه والشافعي وإسحاق. وإن نوى به الكرامة والتوقير، أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة، فليس بظهار، والقول قوله في نيته. وإن أطلق، فقال أبو بكر: هو صريح في الظهار، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان: أظهرهما أنه ليس بظهار حتی ینویه، وهو قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحریم، فلم ینصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق. وقال الباجي(٣): إن قال: أنت علي كأمي، فقد قال مالك: هو مظاهر، قال أبو القاسم: كانت له نية أو لا . (١) (٥١٣/٣). (٢) («المغني)) (٦٠/١١). (٣) ((المنتقى)) (٣٩/٤). ٩٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٠) حديث ٢٠/١١٤٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ سَعِيدٍ قال ابن القاسم: وكذلك إن قال: أنت أمي، خلاف لأبي حنيفة والشافعي في قوليهما إن لم ينو الظهار، فهو محمول على البر والكرامة، انتھی . الفصل الثالث: إذا قال: أنت علي حرام، فإن نوى الظهار فهو ظهار في قول عامتهم. وبه يقول أبو حنيفة والشافعي. وبسط الباجي اختلاف فروع المالكية في ذلك. الرابع: أنه إذا شَبَّهَ عضواً من امرأته بظهر أمه أو عضو من أعضائها، فهو مظاهر، فإن قال: فرجك أو ظهرك أو رأسك أو جلدك عليَّ كظهر أمي أو بدنها أو رأسها فهو مظاهر. وبهذا قال مالك. وهو نص الشافعي. وعن أحمد رواية أخرى: ليس بمظاهر حتى يُشَبِّهَ جملة امرأته، وقال أبو حنيفة: إن شَبَّهَهَا بما يحرُمُ النظر إليه من الأم، كالفرج والفخذ ونحوهما فهو مظاهر، وإن لم يحرم النظر إليه كالرأس والوجه لم يكن مظاهراً. وقال الباجي(١): إن شَبَّهَ امرأته بعضو من أمه مثل أن يقول: أنت عليَّ كرأس أمي أو يقول كالبطن أو القدم أو العضد، ففي ((المدونة)): يكون مظاهراً في هذا كله، وإذا عَلَّقَ بغير الظهر بغير الأم مثل أن يقول: أنت عليَّ كرأس فلانة أو يدها، فهو ظهار سواء يضاف إلى ذات محرم بنسب أو صهر أو رضاع أو أجنبية، اهـ مختصراً. الخامس: أن المظاهر يَحْرُمُ عليه وطءُ امرأته قبل أن يُكَفِّرَ، وليس في ذلك اختلاف إذا كانت الكفارة عتقاً أو صوماً. وأكثر أهل العلم على أن التكفير بالإطعام مثل ذلك، وسيأتي الكلام على ذلك في محله، اهـ. ٢٠/١١٤٠ - (مالك عن سعيد) بكسر العين المهملة، وقيل بسكونها (١) ((المنتقى)) (٣٨/٤). ٩٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (٨) باب (١١٤٠) حديث ابْنِ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمِ الزُّرَقِيِّ؛ أَنَّهُ سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ رَجُلِ طَلَّقَ امْرَأَةً، إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا. فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّ رَجُلاً جَعَلَ امْرَأَةً عَلَيْهِ كَظَهْرٍ أُمِّهِ، إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا. فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، إِنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، أَنْ لَا يَقْرَبَهَا، حَتَّى يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْمَتَظَاهِرِ . بالياء، وفيمن اسمه سعيد ذكره الحافظ في ((التعجيل))(١) وقال: قال البخاري: قيل: اسمه سعد (ابن عمرو) بفتح العين (ابن سليم) بضم السين المهملة (الزرقي) بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف الأنصاري وثّقه ابن معين وابن حبان، وقال: مات سنة ١٣٤هـ. (أنه سأل القاسم بن محمد) بن أبي بكر (عن رجل طلق امرأة إن هو تزوجها) يعني علّق طلاقها على تزوجه إياها (فقال القاسم بن محمد) قال البيهقي: هذا منقطع، فإن القاسم بن محمد لم يدرك عمر - رضي الله عنه - (إن رجلاً جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها) يعني كان رجل علق ظهارها على تزوجه إياها (فأمره عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (إن هو تزوجها لا يقربها حتى يكفر كفارة المظاهر) يعني جاوبه القاسم بما روي عن عمر - رضي الله عنه - في مسألة الظهار، فقاس تعليق الطلاق على تعليق الظهار في اللزوم بجامع ما بينهما من تحريم المرأة. وههنا مسألتان: إحداهما: مسألة الطلاق، والثانية: مسألة الظهار، أما الأولى: فإن العلماء كافة أجمعوا على أنه لا يقع طلاق الناجز على الأجنبية، وأما تعليق الطلاق فقد قال الحافظ في ((الفتح)) (٢): هي من المسائل الخلافية الشهيرة وللعلماء فيه مذاهب، الوقوع مطلقاً، وعدم الوقوع مطلقاً، والتفصيل بين ما إذا عيّن أو عَمَّمَ، ومنهم من توقف، فقال بعدم الوقوع الجمهور، وهو (١) ((تعجيل المنفعة)) (ص١٥٤). (٢) ((فتح الباري)) (٣٨٦/٩). ١٠٠