Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢٨ - كتاب الطلاق
(١) باب
(١١٢٢) حديث
لَا تَلْبِسُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَنَتَحَمَّلَهُ عَنْكُمْ. هُوَ كَمَا يَقُولُونَ.
قال الباجي(١): يريد من تعدى الواضح من أمر الله في الطلاق، فقد لَبَّسَ
على نفسه، ودخل في أمر ملتبس مشتبه يحتاج المفتي فيه إلى البحث،
والاجتهاد، فيجعل لبسه به ويغلظ عليه، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه متى
ترددت الأدلة بين التحريم والإباحة، ولم يكن وجه الحكم بيّناً غلب التحريم
والمنع، والثاني: أن الطلاق المباح هو الذي يقتضي التحقيق، فمن خالفه إلى
الطلاق الممنوع المحرم اقتضى التغليظ عليه، اهـ.
وأخرج الدارمي(٢) عن النزال بن سبرة قال: ما خطب عبد الله خطبة
بالكوفة إلا شهدتها، فسمعته يوماً، وسئل عن رجل يطلق امرأته ثمانية وأشباه
ذلك، قال: هو كما قال، ثم قال: إن الله أنزل كتابه، وبَيَّنَ بيانَه، فمن أتى
الأمر من قبل وجهه فقد بَيَّنَ له، ومن خالف فوالله ما نطيق خلافكم.
(لا تلبسوا) بحذف النون، وللدارمي لا تلبسون بإثبات النون، قال
صاحب ((المحلى)): هو الظاهر، ويمكن توجيه الخلاف (على أنفسكم) أي لا
تخلطوا عليها بإيقاع الثلاث فما فوقها دفعة واحدة بخلاف أحكام القرآن
(ونتحمله عنكم) بارتكاب التأويل البعيد بأن نقول مثلاً: إنها بدعة محرمة،
والبدعة مردودة، فلا تقع شيئاً، أو نقول مثلاً: إنه خالف السنة، فيرجع إلى
السنة، فتقع به واحدة رجعية، كما تقدم في المذهب الثاني والثالث من
المذاهب الأربعة المذكورة تحت أثر ابن عباس.
(هو) أي الحكم والفتوى (كما يقولون) من أنه يقع الثلاث، وأخرج
الدارمي بإسناده إلى محمد بن سيرين عن علقمة قال: جاء رجل إلى عبد الله،
(١) ((المنتقى)) (٥/٤).
(٢) ((سنن الدارمي)) (٣٥/١) ح (١٠٢).
٢١

٢٨ - كتاب الطلاق
(١) باب
(١١٢٣) حديث
٣/١١٢٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ
أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لَه:
فقال: إنه طلّق امرأته البارحة ثمانياً، قال: بكلام واحد؟ قال: بكلام واحد،
قال: فيريدون أن يبينوا منك امرأتك؟ قال: نعم، قال: وجاءه رجل، فقال:
إنه طلّق امرأته مائة طلقة، قال: بكلام واحد؟ قال: بكلام واحد، قال:
فيريدون أن يبينوا منك امرأتك؟ قال: نعم، فقال عبد الله: من طلق كما أمره الله
فقد بين الله الطلاق، ومن لبس على نفسه وكلنا به لبسه، والله لا تلبسون على
أنفسكم، ونتحمله نحن هو كما تقولون.
وفي ((الدر المنثور)): أخرج عبد الرزاق(١) والبيهقي عن علقمة بن قيس:
قال: أتى رجل ابن مسعود، فقال: إن رجلاً طلّق امرأته البارحة مائة، قال:
قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم، قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم،
قال: هو كما قلت، قال: وأتاه رجل فقال: رجل طلّق امرأته البارحة عدد
النجوم، قال: قلتَها مرة واحدة؟ قال: نعم، قال: تريد أن تبين منك؟ قال:
نعم، قال: هو كما قلتَ، ثم قال: قد بيّن الله أمر الطلاق، فمن طلّق كما
أمره الله، فقد بين له، ومن لَبَّس على نفسه جعلنا به لبسته، والله لا تلبسون
على أنفسكم، ونتحمله عنكم، هو كما تقولون.
قال الزرقاني(٢): ولابن أبي شيبة أيضاً عن علقمة أن رجلاً قال لابن
مسعود: إني طلّقت امرأتي مائة قال: بانت منك بثلاث، وسائرهن معصية،
وفي لفظ ((عدوان)) وعنده أيضاً أن رجلاً قال: كان بيني وبين أهلي كلام،
فطلقتها عدد النجوم، فقال: بانت منك، فهي وقائع متعددة.
٣/١١٢٣ - (مالك عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر بن) محمد بن
عمرو بن (حزم) فنسبه إلى جد أبيه (أن عمر بن عبد العزيز قال له) أي سأل أبا
(١) ((مصنف عبد الرزاق)) (٣٩٤/٦، ٣٩٥)، و((سنن البيهقي)) (٣٣٥/٧).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٣).
٢٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(١) باب
(١١٢٤) حديث
البَتَّةُ، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهَا؟ قَالَ أَبُو بَكْرِ: فَقُلْتُ لَهُ: كانَ أَبَانُ بْنُ
عُثْمَانَ يَجْعَلُهَا وَاحِدَة. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ
أَلْفاً، مَا أَبْقَتِ الْبَثَّةُ منها شيئاً، من قال البتة فَقَدْ رَمَى الْغَايَةَ
الْقُصْوَى.
٤/١١٢٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَن ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ
مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم كَانَ يَقْضِي فِي الَّذِي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ
بكر (البتة) أي الطلاق بلفظ البتة (ما يقول الناس فيها؟) سأله عما بلغه من
أقوال الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم، وقد اختلفوا في ذلك اختلافاً
كثيراً، كما تقدم شيء منه في أول الباب، وسيأتي في آخره أيضاً.
(قال أبو بكر: فقلت له: كان أبان بن عثمان ) بن عفان أمير المدينة
(يجعلها واحدة)، وحكي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - أيضاً (فقال عمر بن
عبد العزيز: لو كان الطلاق) أي عدد جملتها (ألفاً) بدل الثلاث (ما أبقت) لفظة
(البتة منه) أي من الألف (شيئاً) لأنها من البت، وهو القطع، فمعناه قطع جميع
الوصلة التي بينهما .
(من قال) لامرأته أنت طالق (البتة) أو أنت البتة (فقد رمى الغاية القصوى)
يريد أنه من قال: البتة في طلاقه، فقد بلغ أقصى الغايات في الطلاق، ومنع
التراجع؛ لأن ذلك هو مقتضى البتة، وعلى ذلك المعنى يستعمل في غير
الطلاق، فيقول الرجل: لا أفعل ذلك البتة أي لا سبيل إلى مخالفة قوله، ولا
إلى العدول منه بوجه، فكذلك من قال: أنت طالق البتة، معناه طلاقاً لا سبيل
فيه إلى مراجعة الزوجية.
٤/١١٢٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (أن مروان بن الحكم) الأموي
أمير المدينة أيضاً (كان يقضي) قال الباجي: يقتضي تكرار هذا القضاء منه،
وعلى هذا الوجه يستعمل هذا اللفظ فيمن يكثر منه الفعل (في الذي يطلق امرأته
٢٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(١) باب
(١١٢٤) حديث
الْبَنَّةَ، أَنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ.
البتة، أنها ثلاث تطليقات) وإنما استظهر مالك بذلك؛ لأن مروان كان أمير
المدينة في زمان جماعة من الصحابة وأجلة التابعين وعلمائهم، فالظاهر أنه
كان لا يقضي إلا عن مشورتهم، فإذا تكرر ذلك منه دل ذلك على أنه كان
الظاهر من أقوالهم، والمعمول به من مذاهبهم، كذا في ((المنتقى)) (١).
(قال مالك، وهذا) المذكور من كون البتة ثلاثاً (أحب ما سمعت) من
الأقوال المختلفة في ذلك (إليّ في ذلك) اللفظ، قال صاحب ((المحلى)): فيقع
عنده في البتة ثلاث تطليقات، نوى واحدة أو أكثر أو لم ينو شيئاً، دخل بها أو
لم يدخل، كذا في ((الرسالة))، اهـ.
وقال الباجي: اختلف أصحابنا في البتة فروي عن عمر بن الخطاب أنه
قال: هي واحدة، وبه قال أبان بن عثمان، وقال علي - رضي الله عنه -: هي
ثلاث، وروي أيضاً عن عمر - رضي الله عنه -، وبه قال الزهري وعمر بن
عبد العزيز، اهـ. هكذا قال، ولم يذكر اختلاف أصحابهم.
ثم قال: هذا في المدخول بها، وأما غير المدخول بها، فإن نوى الثلاث
أو لم ينو شيئاً، فلا خلاف في المذهب أنها ثلاث، وإن نوی واحدة فهل ينوي
أولا، فيه روايتان: إحداهما: لا ينوي وتلزمه الثلاث، وبه قال سحنون وابن
حبيب، والرواية الثانية: أنه ينوي، وبها قال مالك، اهـ.
وتقدم في أول الباب مذاهب الأئمة في ذلك، واستدل من قال: إن البتة
تحتمل الواحدة والثلاث بحديث ركانة إذ قال له النبي وسلم وقد طلق امرأته البتة:
آلله ما أردت إلا واحدة؟ فقال: الله ما أردت إلا واحدة، رواه أبو داود(٢) وغيره،
فهذا يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعن، وإلا لم يكن لتحليفه معنى.
(١) (٤ / ٧).
(٢) ((سنن أبي داود)) (٢٢٠٨).
٢٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(٢) باب ما جاء في الخلية والبرية وأشباه ذلك
(٢) ما جاء في الخلية والبرية وأشباه ذلك
قال الموفق (١): إن الطلاق لا يقع إلا بلفظ، فلو نواه بقلبه من غير لفظٍ
لم يقع في قول عامة أهل العلم، وقال الزهري: إذا عزم على ذلك طُلِّقَتْ،
وقال ابن سيرين فيمن طلَّق في نفسه: أليس قد علمه الله، ولنا، قوله وقلت :
((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل)) رواه
الترمذي وقال: صحيح، وإذا ثبت أنه يُعْتَبر فيه اللفظ، فاللفظ ينقسم إلى
صريح، وكناية، فالصريح يقع به الطلاق من غير نية، والكناية لا يقع بها
الطلاق حتى ينويه، أو يأتي بما يقوم مقامه.
وصريح الطلاق ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والسَّراح، والفراق، وما تَصَرَّفَ
مِنْهُنَّ، وهذا مذهب الشافعي، وذهب أبو عبد الله بن حامد إلى أن صريح
الطلاق لفظ الطلاق وحده، وما تصرف منه لا غير، وهو مذهب أبي حنيفة
ومالك.
وجه الأول أن هذه الألفاظ ورد بها الكتاب، بمعنى الفرقة بين الزوجين
فكانا صريحين فيه، قال تعالى: ﴿فَإِمِسَاءٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾(٢) وقال
تعالى: ﴿وَإِن يَنَفَرَّقَا يُغْنِ اَللَّهُ﴾(٣) الآية، ووجه قول ابن حامد وهو أصحُ أن
لفظ الفراق والسراح يُستعملان في غير الطلاق كثيراً، فلم يكونا صريحين، فإن
قال: فارقتك أو سرّحتك فمن يراه صريحاً أوقع به الطلاق بغير نية، ومن لم
يره صريحاً لم يُوقع به إلا أن ینویه.
والكنايات ثلاثة أقسام(٤): الأول؛ كناية ظاهرة، وهي ستة ألفاظ: خليّة،
(١) ((المغني)) (٣٥٥/١٠).
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٩.
(٣) سورة النساء: الآية ١٣٠.
(٤) ((المغني)) (٣٦٧/١٠).
٢٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
وبريّةً، وبائن، وبَتَّة، وبَتْلَةٌ، وأمرك بيدك، وحكى صاحب ((الشرح الكبير)) عن
الموفق سبعة، ولم يذكر فيها أمرك بيدك، بل عَدّ فيها أنت حرة، وأنت
الحرج، وذكرهما الموفق في النوع الآخر كما سيأتي، وأكثر الروايات عن
الإمام أحمد كراهة الفُتيا في هذه الكنايات مع ميله إلى أنها ثلاث، وحكى ابن
أبي موسى في ((الإرشاد)) عنه روايتين: إحداهما: أنهما ثلاث، والثانية: يُرْجَعُ
إلى ما نواه، اختارها أبو الخطاب، وهو مذهب الشافعي، قال: يرجع إلى ما
نوى، فإن لم ينو فواحدة، والثاني مختلف فيها في أنها كناية ظاهرة أو خفية.
وهي ضربان منصوص عليها، وهي عشرة: الحقي بأهلك، وحبلكِ على
غاربكِ، ولا سبيل لي عليك، وأنت على حرج، وأنت عليّ حرامٌ، واذهبي
فتزوّجي من شئت، وغطّ شعرك، وأنت حرة، وقد أعتقتك، هكذا ذكر الموفق
تسعة، وقال: فهذه عن أحمد فيها روايتان: إحداهما: أنها ثلاث، والثانية:
ترجع إلى ما نواه، فإن لم ينو شيئاً فواحدة كسائر الكنايات، اهـ.
والضرب الثاني مقيس على هذه، وهي: استبرئي رحمك، وحللت
للأزواج، وتَقَنَّعي ولا سلطان لي عليك، فهذه في حكم المنصوص عليها،
فیکون حُكْمُها حكمها .
القسم الثالث: الكناية الخفية نحو: اخرجي، واذهبي، وذوقي،
وتجرعي، وأنت مخلاة، واختاري، ووهبتكِ لأهلك، وسائر ما يدل على
الفرقة، ويؤدي معنى الطلاق سوى ما تقدم ذكره من الألفاظ.
وعَدَّ فيها في ((الشرح الكبير))(١): وخليتك، وأنت واحدة، ولست لي
بامرأة، واعتدّي أيضاً، فهذه على ما نوى، وإن لم ينو فواحدة، وهذا قول
الشافعي، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقع ثنتان، وإن نواهما وقع واحدة؛
لأن الكناية تقتضي البينونة دون العدد.
(١) (٢٥٨/٨).
٢٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
والبينونة بينونتان: صغرى، وكبرى، فالصغرى بالواحدة، والكبرى
بالثلاث، والطلاق الواقع بالكنايات رجعي ما لم يقع الثلاث في ظاهر
المذهب، وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة: كلها بوائن إلا اعتدِّي،
واستبرئي رحمك، وأنت واحدة، اهـ.
وفي ((الروض المربع)) (١): صريح الطلاق لفظ الطلاق وما تصرّف منه،
وكنايته نوعان: ظاهرة، وخفيّة، فالظاهرة الألفاظ الموضوعة للبينونة نحو: أنت
خليّة، وبريّة، وبائن، وبتة، والخفية الموضوعة للطلقة الواحدة نحو: اخرجي
واذهبي، وما أشبه، ولا يقع بالكناية ولو ظاهرة طلاق إلا بنية مقارنة للفظ إلا
حال خصومة أو غضب أو جواب سؤالها، فيقع بالكناية الظاهرة ثلاث وإن
نوى واحدة، وبالخفية ما نواه، فإن نوى الطلاق فقط فواحدة، اهـ.
وفي ((شرح الإقناع)) (٢): الطلاق ضربان فقط: صريح، وكناية، والصريح
ثلاثة ألفاظ: الطلاق، والسراح، والفراق، ولا يفتقر فيها إلى النية، والكناية:
كل لفظ احتمل الطلاق وغيره، وتفتقر في وقوع الطلاق بها إلى النية، وألفاظها
كثيرة لا تكاد تنحصر، مثل أنتِ خلية، وأنت بتة، وبائن، وما أشبه ذلك، اهـ.
وحكى الحافظان ابن حجر والعيني: أن قول الشافعي القديم أن الصريح
لفظ الطلاق أو ما تصرف منه فقط، والقول الجديد ثلاثة ألفاظ، ورجح جماعة
منهم القديم كالطبري والمحاملي وغيرهما .
وقال الدردير(٣): ألفاظ الطلاق ثلاثة: صريح، وكناية ظاهرة، وكناية
خفية، والكناية الظاهرة ثلاثة أقسام: ما يلزم فيه الطلاق الثلاث في المدخول
(١) (١٤٧/٣ - ١٥١).
(٢) (٤٩٠/٣، ٤٩١).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٣٧٨/٢).
٢٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
بها وغيرها ولا ينوي، وما يلزم فيه الثلاث في المدخول بها وينوي في غيرها،
وما يلزم فيه الثلاث وينوي مطلقاً، ثم ذكر في مثال الصريح لفظ الطلاق فقط
بصيغ مخصوصة، وفي النوع الأول من الكنايات الظاهرة أنت بتة، وحبلكِ
على غاربك، وفي النوع الثاني منه أنت واحدة بائنة، أنت كالميتة والدم،
وهبتك لأهلك، أنتِ حرام، أنتِ خليّة وبريّة، وغير ذلك، وفي النوع الثالث
منه خليت سبيلك.
وفي الكناية الخفية أنتِ منطلقة، مطلوقة، مطلقة، بسكون الطاء، اذهبي،
انصرفي، لم أتزوجك، أنت حرة، الحقي بأهلك، لست لي بامرأة، ثم قال:
إن بعض الألفاظ كخلية، وبرية، وحبلك على غاربك، وكالدم والميتة، إنما
يلزم بها ما ذكر إذا جرى بها العرف، وأما إذا تُنُوسِيَ استعمالُها في الطلاق
بحيث لم تَجرِ بين الناس كما هو الآن، فيكون من الكنايات الخفية، اهـ.
ويقع الطلاق إذا قصد النطق باللفظ الصريح، والكناية الظاهرة ولو لم
يقصد حل العصمة، ويقع في الكناية الخفية إذا قصد حل العصمة، كما جزم به
الدردير، فالكناية الظاهرة عندهم يشبه الصريح في أنها لا تحتاج إلى نية حل
العصمة .
وقال ابن رشد (١): أما اختلافهم في أحكام صريح ألفاظ الطلاق، ففيه
مسألتان مشهورتان؛ إحداهما: أن مالكاً والشافعي وأبا حنيفة اتفقوا على أنه لا
يقبل قول المطلق إذا نطق بألفاظ الطلاق أنه لم يُرد به طلاقاً، إذا قال لزوجته:
أنت طالق، واستثنت المالكية بأن قالت: إلا أن تقترن بالحالة أو بالمرأة قرينة
تدل على صدق دعواه، وفقه المسألة عند الشافعي وأبي حنيفة أن الطلاق لا
يحتاج عندهم إلى نية، وأما مالك فالمشهور عنه أن الطلاق عنده يحتاج إلى
النية، لكن لم ينوه هاهنا لموضع التهم.
(١) ((بداية المجتهد)) (٧٤/٢).
٢٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
والمسألة الثانية: اختلافهم فيمن قال لزوجته: أنت طالق، وادّعى أنه
أراد بذلك أكثر من واحدة، إما ثنتين وإما ثلاث، فقال مالك: هو ما نوى وقد
لزمه، وبه قال الشافعي إلا أن يقيد، فيقول: طلقة واحدة، وفيه خلاف أبي
حنيفة إذ العدد لا يتضمنه لفظ الإفراد لا كناية ولا تصريحاً.
وأما ألفاظ الطلاق التي ليست بصريح، فمنها: ما هي كناية ظاهرة،
ومنها: ما هي كناية محتملة، ومذهب مالك أنه إذا ادّعى في الكناية الظاهرة أنه
لم يرد طلاقاً لم يقبل قوله، إلا أن تكون هنالك قرينة تدل على ذلك كرأيه في
الصريح، وكذلك لا يقبل عنده ما يدعيه من دون الثلاث في الكنايات الظاهرة،
وذلك في المدخول بها، وأما غير المدخول بها، فيصدق في الكناية الظاهرة
فيما دون الثلاث، وأما ألفاظ الطلاق المحتملة غير الظاهرة، فعند مالك يعتبر
فيها نيته، اهـ.
وحكى الحافظ(١) عن الإمام مالك أنه إذا خاطبها بأيّ لفظٍ كان، وقصد
الطلاق طلقت، حتى لو قال: يا فلانة، يريد به الطلاق فهو طلاق، وبه قال
الحسن بن صالح بن حي، اهـ.
قلت: وهو كذلك، ويعد نحو هذا عندهم من الكنايات الخفية، قال
الدردير(٢): إن قصد الطلاق باسقني الماء، أو بكل كلام كـ ادخلي وكلي،
واشربي، لزمه ما قصد من الطلاق وعدده لا أن قصد التلفظ بالطلاق، فلفظ
بهذا غلطاً بأن سبقه لسانه، فلا يلزمه شيء لعدم وجود ركنه، وهو اللفظ
الصريح أو غيره مع نيته، بل أراد إيقاعه بلفظه، فوقع في الخارج غيره، اهـ.
وفي ((الدر المختار))(٣): ألفاظه صريح، وملحق به، وكناية، قال ابن
(١) ((فتح الباري)) (٣٧١/٩).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٨٣/٢).
(٣) (٤١٩/٤).
٢٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
عابدين: الصريح: ما لا يستعمل إلا في حل عقدة النكاح، سواء كان الواقع به
رجعياً أو بائناً، وقوله: ملحق به، أي من حيث عدم احتياجه إلى النية كلفظ
التحريم، أو من حيث وقوع الرجعي به وإن احتاج إلى نية كـ اعتدى، واستبرئي
رحمك، وأنت واحدة، والكناية: ما لم يوضع للطلاق واحتمله وغيره.
ثم قال صاحب ((الدر)): صريحه ما لم يستعمل إلا فيه، كطلقتك وأنت
طالق، ويقع بها واحدة رجعية، وإن نوى خلافهما من البائن أو أكثر خلافاً
للشافعي، قال ابن عابدين: راجع إلى قوله: أو أكثر فقط، والأولى أن يقول:
خلافاً للأئمة الثلاثة. وهو القول الأول للإمام؛ لأنه نوى محتمل لفظه، وقوله:
رجعية، أي عند عدم ما يجعل بائناً، ففي ((البدائع)) (١): الصريح نوعان، صريح
رجعيٌّ، وصريح بائن، فالأول أن يكون بحروف الطلاق غير مقرون بعوض،
ولا بعدد الثلاث، ولا موصوف بصفة تنبئ عن البينونة، ولا مشبه بعدد أو صفة
تدل عليها، وأما الثاني فبخلافه، اهـ.
وفي ((الهداية))(٢): الكناية على ضربين، منها ثلاث ألفاظ يقع بها الطلاق
الرجعي، ولا يقع بها إلا واحدة، وهي: اعتدّي، واستبرئي رحمك، وأنت
واحدة، وبقية الكنايات إذا نوى بها الطلاق كانت واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثاً
كانت ثلاثاً، وإن نوى ثنتين كانت واحدة، وبحث ابن الهمام في بعض الألفاظ
من بقية الكنايات هل يقع فيها رجعي أو بائن؟
وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): وضابط ذلك أن كل كلام أفهم الفرقة ولو
مع الدقة يقع به الطلاق مع القصد، فأما إذا لم يفهم الفرقة من اللفظ، فلا يقع
(١) انظر: ((بدائع الصنائع)) (١٧٤/٣).
(٢) (١٩٩/٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٣٧١/٩).
٣٠

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٥) حديث
٥/١١٢٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كُتِبَ إِلَى
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ الْعِرَاقَ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِمْرَأَتِهِ: حَبْلُكِ عَلَى
غَارِبكِ .
الطلاق ولو قصد إليه، كما لو قال: كلي واشربي ونحو ذلك، وهذا تحرير
مذهب الشافعي في ذلك، وقاله قبله الشعبي وعطاء وعمرو بن دينار وغيرهم،
وبهذا قال الأوزاعي وأصحاب الرأي، وقال مالك: إذا خاطبها بأي لفظ كان،
وقصد الطلاق طلقت، اهـ.
٥/١١٢٥ - (مالك أنه بلغه) هكذا أخرجه البيهقي برواية الشافعي عن
مالك، وأخرج بمعناه بطريق آخر كما سيأتي (أنه كتب) ببناء المجهول وفاعله
عامل عمر - رضي الله عنه - على العراق على الظاهر كما يدل عليه السياق،
وعلى هذا فكان عامل عمر - رضي الله عنه - سأله عن أمر رجل قال لامرأته
هكذا، ويحتمل أن يكون السائل صاحب القول بنفسه، وأجابه عمر - رضي الله
عنه - بتوسط عامله لمصالح لا تخفى (إلى عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه -
(من العراق) على حسب ما يلزم من مطالعة رأي الإمام العليم بما يقع للناس
من المسائل التي لم يتقدم فيها قول أو تقدم فيها الخلاف، وفيها إشكال، ولم
تقرر أحكامها بعد، ولا اتّضح وجه الحكم فيها، كذا في ((المنتقى)) (١).
(أن رجلاً قال لامرأته: حبلك على غاربك) الغارب ما تقدم من الظهر
وارتفع من العنق، والمعنى خليت سبيلك، كما يخلى البعير في الصحراء،
ويترك زمامه على غاربه ليرعى كيف شاء، وقال الدردير(٢): أي عصمتك على
كتفك كنايةٌ عن كونه لم يكن له عليها عصمة، كالممسك بزمام دابّته، يرميه
على كتفها، وفي ((المنتقى)): قال أبو بكر بن الأنباري: الغارب من البعير أسفل
(١) (٤ / ٧) .
(٢) ((الشرح الكبير)» (٣٧٩/٢).
٣١

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٥) حديث
فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَامِلِهِ: أَنْ مُرْهُ يُوَافِينِي بِمَكَّةَ فِي
الْمَوْسِمِ. فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، إِذْ لَقِيَهُ الرَّجُلُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ
عُمَرُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَمَرْتَ أَنْ أُجْلَبَ عَلَيْكَ. فَقَالَ
عُمَرُ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّ هُذِهِ الْبَنِيَّة،
السنام، وهو ما انحدر من العنق، وقال أبو العباس: كانت العرب في الجاهلية
يُطَلِّقُونَ نساءَهم بهذا الكلام، اهـ.
(فكتب عمر بن الخطاب إلى عامله) على العراق (أن مره) بصيغة الأمر أي
مر القائل بذلك (أن يوافيني) أي يُواجهني (بمكة في الموسم) أي أيام الحج،
قال الباجي(١): هذا مما يجب على المفتي والناظر في أمور المسلمين أن يفعله
إذا أُشْكلت عليه مسألة أن يُشخص من نزلت به، ويُسائله ويُناجيه عن فصولها،
والمعاني التي يَتَعلق الحكم بها، ولعل عمر - رضي الله عنه - وقّت له الموسم؛
لأنه الأيسرُ على القاصد في وروده وانصرافه، ويضيف إلى ذلك عمل الحج،
وتحصيل عبادة في الموسم إن تيسر ذلك له، ولو أشخصه إلى موضع آخر لم
يحصل له من ذلك ما يحصل لمن قصد مكة، ويحتمل أيضاً أنه قصد المبالغة
في وعظه واستخبار جلية ما عنده باستحلافه على ذلك عند البيت، لما يتعين
من تعظيم المسلمين له، اهـ.
(فبينما) بزيادة الميم في النسخ المصرية، وفي الهندية ((فبينا عمر)) بدون
الميم (عمر) - رضي الله عنه - إذ ذهب في الموسم بمكة (يطوف بالبيت، إذ
لقيه الرجل) القائل لامرأته: حبلك على غاربك (فسلم) الرجل (عليه، فقال
عمر) - رضي الله عنه -: (من أنت؟) لعله سأله لما أنكر قصده إياه بالسلام إذ
ذاك وهو يطوف (فقال) الرجل (أنا الذي أمرت) بصيغة الخطاب لعمر - رضي الله
عنه - (أن أجلب) بضم الهمزة وسكون الجيم ببناء المجهول أي أجرّ (عليك،
فقال) له (عمر) - رضي الله عنه - (أسألك برب هذا البيت) هكذا في النسخ
(١) ((المنتقى)) (٦/٤).
٣٢

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٥) حديث
مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ؟ فَقَالَ لَّهُ الرُّجُلُ: لَوِ اسْتَحْلَفْتَنِي
فِي غَيْرِ هذَا الْمَوْضِعِ مَا صَدَقْتُكَ. أَرَدْتُ، بِذْلِكَ، الْفِرَاقَ. فَقَالَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هُوَ مَا أَرَدْتَ.
الهندية، وفي جميع النسخ المصرية من المتون والشروح ((برب هذه البنية)).
قال الباجي: هكذا رواه قوم البنية، وهو اسم واقع على كل مبتنى، لكنه
خص البيت بالإشارة إليه، كما قال: ورب هذا البناء، ورُوِي برب هذه البنية،
على مثل فعيلة، قال ابن السكيت: البنية: الكعبة، يقال: لا ورب هذه
البنية، اهـ.
وفي ((المجمع))(١): وكانت تدعى بنية إبراهيم، وقال المجد: البنية بالضم
والكسر: ما بنيته جمعه بنى بالضم والكسر، والبنية كغنية: الكعبة لشرفها، اهـ.
وسأله بربها لما علم من تعظيم المسلمين للبيت، وصدق كثير ممن يستبيح
الكذب في غير ذلك الموضع إذا استحلف فيه.
(ما أردتَ بقولك: حبلك على غاربك؟) أي ما قصدت بقولك (فقال) له
(الرجل: لو استحلفتني في غير هذا المكان ما صدقتك) إخبار عن تعظيمه للقسم
في هذا الموضع، وإنما يلتزم من البر في حلفه عنده ما لا يلتزم في غيره،
ولعله كان يمنعه من صدقِه ندمُه على الطلاق وفرط محبته لمن طلق (أردت
بذلك) الكلام (الفراق، فقال عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - إبتداء أو
موافقة لقول علي - رضي الله عنه -: (هو ما أردت).
وأخرجه البيهقي(٢) برواية الشافعي عن مالك بهذا اللفظ، ثم أخرج برواية
علي بن المديني عن غسّان بن مضر عن سعيد بن يزيد عن أبي الحلال العتكي
قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إنه قال لامرأته: حبلكِ على
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٢١/١).
(٢) ((السنن الكبرى)) (٣٤٣/٧).
٣٣

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٥) حديث
غاربكِ فقال له عمر: وافِ مَعَنَا الموسمَ، فأتاه الرجل في المسجد الحرام،
فقصّ عليه القصة، فقال، ترى ذلك الأصلع يطوف بالبيت، اذهب إليه فسله،
ثم ارجع، فأخبرني بما رجع إليك. قال: فذهب إليه، فإذا هو علي - رضي الله
عنه - فقال: من بعثك إليّ فقال: أمير المؤمنين، فقال: استقبل البيت، واحلف
بالله ما أردت طلاقاً، فقال الرجل: وأنا أحلف بالله ما أردت إلا الطلاق،
فقال: بانت منك امرأتك.
ثم روى براوية هشيم عن منصور عن عطاء بن أبي رباح أن رجلاً قال
لا مرأته: حبلك على غاربك، قال ذلك مراراً، فأتى عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه - فاستحلفه بين الركن والمقام، ما الذي أردت بقولك؟ قال: أردت
الطلاق ففرق بينهما، قال البيهقي: وكأنه إنما استحلفه على إرادة التأكيد
بالتكرير دون الاستيناف، وكأنه أقرّ فقال: أردت بكل مرة إحداث طلاق،
ففرق بينهما .
قال الشافعي - رحمه الله - في كتاب القديم: وذكر ابن جريج عن عطاء:
أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رفع إليه رجل قال لامرأته: حبلك على
غاربك، فقال لعلي - رضي الله عنه -: انظر بينهما، فذكر معنى ما روينا إلا أنه
قال: فأمضاه علي - رضي الله عنه - ثلاثاً، قال: وذكر عن سعيد عن قتادة عن
الحسن عن علي - رضي الله عنه - مثله، قال البيهقي: وهذا لا يخالف رواية
مالك، وكان عمر - رضي الله عنه - جعلها واحدة، كما قال في البتة، وعلي
- رضي الله عنه - جعلها ثلاثاً، ويحتمل أنهما جميعاً جعلاها ثلاثاً لتكريره
اللفظ في المدخول بها ثلاثاً وإرادته بكل مرة إحداث طلاق، كما قلنا في رواية
منصور عن عطاء، اهـ.
وقال الزرقاني(١) في حديث الباب: هو ما أردت، فنواه، وفي ((المدونة))
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٩/٣).
٣٤

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٥) حديث
عن مالك يلزمه الثلاث ولا ينوي، وظاهره مدخولاً بها أم لا، وفي ((الموازية))
عنه ينوي في غير المدخول بها ويحلف، وفي ((النوادر)) عن أشهب عن مالك لو
ثبت عندي أن عمر - رضي الله عنه - قال: ينوي ما خالفته، وقال بعض
البغداديين: يحتمل أن ما جاء عن عمر - رضي الله عنه - لم يدخل بها إذ ليس
في أثره أنه بنى أو لم یین، اهـ.
وقال الباجي(١): قوله: ما أردت، يريد أنه ألزمه الفراق وحكم به عليه،
ولم يبين في الحديث مقداراً أهو طلقة واحدة رجعية أو طلقة واحدة لا رجعة
فيها؛ لأنه آخر ما بقي له فيها؛ أو ثلاث تطليقات، ولفظ الفرقة عند مالك
ثلاث لا ينوي في المدخول بها، رواه أشهب عن مالك في ((العتبية)) قال: فإن
لم يدخل بها فعسى أن تكون واحدة، ولو ثبت عندي أن عمر - رضي الله عنه -
قال: ينوي ما خالفته، وقد قال بعض أصحابنا العراقيين: يحتمل ما جاء عن
عمر في التي لم يدخل بها، ولم يذكر في الحديث بنى بها أو لم يبن فهو
محتمل .
وهذا يقتضي أنه حمل قول عمر في الفرقة على أنها واحدة، وقول
مالك: لو ثبت عندي أنه نواه ما خالفته، يحتمل معنيين؛ أحدهما: أنه من أهل
اللغة، وهو أعلم بما يقتضيه هذا اللفظ، فإن كان هذا اللفظ يقتضي عنده أنه
ينوي لما خالفه العرب؛ لأن العرب لا تخالف في اللغة لا سيما مع ما يقترن
بذلك من علم عمر - رضي الله عنه - ودينه وفقهه.
والمعنى الثاني: أن يكون الأمر فيه بعض الإشكال، ولا يترجَّحُ بين أن
ينويه أو لا ينويه، ويترجَّح عنده الآن أنه لا ينويه في المدخول بها، فلو صحَّ
عنده أن عمر بن الخطاب نواه في مثل هذه القصة التي قد شاعت لترجح عنده
(١) ((المنتقى)) (٨/٣).
٣٥

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٥) حديث
هذا القول، وظاهر قصة عمر - رضي الله عنه - يقتضي أنها كانت فيمن لم يبق
له إلا طلقة واحدة، أو فيمن كان له فيها جميع الطلاق، فألزم الثلاث، وذلك
مقتضى مذهب مالك فيمن قال لإمرأته: حبلك على غاربك، ووجه ذلك أن
الحبل هو الذي كان بيد الزوج منها، وذلك كناية عن عصمة الزوجة وملكه
لها. فإذا قال: حبلك على غاربك، فقد أقرّ بخروجه عن يده وكونه بيدها،
وذلك يقتضي أن يكون طلاقه لا رجعة فيه؛ لأنه إن كان له فيها رجعة، فليس
حبلها على غاربها، بل هو بيده، ويرتجعها متى شاء، فخروج الملك من يد
الزوج حين إيقاعه لا يكون إلا بالثلاثة وبآخر الطلاق، اهـ.
وفي ((المحلى)): قال الشافعي في ((الأم)) (١): وبهذا نقول، وفيه دلالة على
أن كل كلام أشبه الطلاق لم يحكم به حتى يسأل قائله، فإن أراد الطلاق يكون
طلاقاً، وخالف مالك وأتباعه عمر - رضي الله عنه - في ذلك، فزعموا أنه يقع
بذلك القول ثلاث طلقات، وقال ابن أبي زيد المالكي في ((رسالته)): هي ثلاث
في التي دخلت بها، وينوي في التي لم يدخل بها، وفي ((شرح الرسالة)) ما
ذكره هو في كتاب ابن المواز، وفي ((المدونة)): في ((كتاب التنجيز)): أنه لا
ينوي قبل ولا بعد. وعلى هذا مشى الشيخ خليل في ((مختصره)) وقرنها بمسألة
البتة، اهـ.
وتقدم أول الباب في كلام الدردير: أنها من كلمات تلزم بها الثلاث في
المدخول بها وغيرها، ولا ينوي، وفي كلام الموفق: أن لأحمد فيه روايتين،
إحداهما: أنها الثلاث، والثانية: ترجع إلى ما نواه، وإن لم ينو شيئاً، فواحدة
رجعية كسائر الكنايات، وهو مذهب الشافعي، والواقع بالكنايات عندهما رجعي
ما لم يقع الثلاث، وعَدّها صاحب ((الهداية)) في الكنايات التي إذا نوى بها
الطلاق، كانت واحدة بائنة، سواء نوى واحدة أو ثنتين وإن نوى ثلاثاً فثلاث.
(١) (٢٥٩/٥).
:
٣٦

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٦) حديث
٦/١١٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنِ
أَبِي طَالِبٍ كَانَ يَقُولُ، فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ:
إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ .
قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ
٦/١١٢٦ - (مالك أنه بلغه) قال الزرقاني: مما صحّ من طرق، اهـ.
قلت: ويأتي بعض طرقه (أن علي بن أبي طالب كان يقول في الرجل يقول
لإمرأته: أنت علي حرامٌ: إنها ثلاث تطليقات) وقد أخرج البيهقي بسنده إلى
جعفر بن عون عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: كان علي - رضي الله
عنه - يجعل الحرام ثلاثاً، ثم أخرج بطريق آخر عن حسن عن أبي سهل عن
الشعبي عن علي قال: الحرام إذا نوى فهو بمنزلة الثلاث، قال البيهقي: فإنما
جعلها ثلاثاً في هذه الرواية إذا نوى، والرواية الأولى أصح.
ثم أخرج بموضع آخر بسنده إلى عبثر بن القاسم عن مطرف عن عامر
الشعبي في الرجل يجعل امرأته عليه حراماً، قال: يقولون: إن علياً - رضي الله
عنه - جعلها ثلاثاً، قال عامر: ما قال علي - رضي الله عنه - هذا، إنما قال:
لا أحلّها ولا أحرمها، وحكى ابن التركماني عن صاحب ((الاستذكار))(١):
الصحيح عن علي - رضي الله عنه - أنها ثلاث، اهـ.
قال الشوكاني: روى ابن حزم عن علي - رضي الله عنه - الوقف في
ذلك، قلت: هو مُؤَدَّى الرواية الأولى، وقال الباجي(٢): وقد رُوي أن علي بن
أبي طالب - رضي الله عنه - قضى بها في عدي بن قيس الكلابي، وقال له:
والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك.
(قال مالك: وذلك) أي ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنها ثلاث
(١) (٢٩/١٧).
(٢) ((المنتقى)) (٩/٤).
٣٧

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٦) حديث
أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ.
تطليقات مع الاختلاف عند المالكية في تفاريعها كما سيأتي (أحسن ما سمعت
في ذلك) أي فيمن قال لإمرأته: أنتِ عليّ حرام، ويدل على أنه - رحمه الله -
سمع في ذلك أقوالاً مختلفة، وهو كذلك، قال الحافظ: في المسألة اختلاف
كثير عن السلف بلّغها القرطبي إلى ثمانية عشر قولاً، وزاد غيره عليها، وفي
مذهب مالك فيها تفاصيل أيضاً يطول استيعابها .
قال القرطبي: قال بعض علمائنا: سبب الاختلاف أنه لم يقع في القرآن
صريحاً، ولا في السنة نص ظاهر صحيح يُعتمد عليه في حكم هذه المسألة،
فتجاذبها العلماء، فمن تمسك بالبراءة الأصلية قال: لا يلزمه شيء، ومن قال:
إنه يمين، أخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اَللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾(١) بعد قوله
تعالى: ﴿وَأَتُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَعَلَ اَللَّهُ لَكَّ﴾(٢) ومن قال: تجب الكفارة وليست
بيمين بناه على أن معنى اليمين التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى، ومن
قال: تقع به طلقة رجعية حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة. ومن قال:
بائنة فلاستمرار التحريم بها ما لم يجدد العقد، ومن قال: ثلاث حمل اللفظ
على منتهى وجوهه، ومن قال: ظهار نظر إلى معنى التحريم، وقطع النظر عن
الطلاق، فانحصر الأمر عنده في الظهار، اهـ.
وقال الشوكاني: ومن المطولين للبحث في هذه المسألة الحافظ ابن القيم
في ((الهدي))(٣) تكلم عليها كلاماً طويلاً، وذكر ثلاثة عشر مذهباً أصولاً تفرعت
إلى عشرين مذهباً، وذكر في ((إعلام الموقعين)) (٤) خمسة عشر مذهباً، وسنذكر
المذاهب على طريق الاختصار عن الشوكاني، ونزيد عليه فوائد عن غيره.
(١) سورة التحريم: الآية ٢.
(٢) سورة التحريم: الآية ١.
(٣) ((زاد المعاد)) (٢٧٦/٥).
(٤) انظر: (٨٤/٣ - ٩٠).
٣٨

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٦) حديث
الأول: أن هذا القول لغو وباطل لا يترتب عليه شيء، وهو إحدى
الروايتين عن ابن عباس، وبه قال مسروق وعطاء والشعبي وجميع أهل الظاهر
وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية، واختاره أصبغ بن الفرج
منهم، وبه قال ربيعة، كما في ((الفتح))(١).
الثاني: أنها ثلاث تطليقات، وهو قول علي وزيد بن ثابت وابن عمر
والحسن البصري، وحكي عن أبي هريرة، واعترض ابن القيم(٢) على الرواية،
عن زيد بن ثابت وابن عمر، وقال: الثابت عنهما ما رواه ابن حزم أنهما قالا :
عليه كفارة يمين ولم يصح عنهما خلاف ذلك، وحكى الحافظ عن بعضهم،
أنها ثلاث تطليقات، ولا يسئل عن نيته، وبه قال مالك.
الثالث: أنها بهذا القول حرام عليه، قال ابن حزم وابن القيم: صح عن
أبي هريرة، والحسن، وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد، وقتادة، ولم يذكر
هؤلاء طلاقاً، بل أمروه باجتنابها فقط، وصح عن علي - رضي الله عنه -
أيضاً، فإما أن يكون عنه روايتان أو أراد تحريم الثلاث.
الرابع: الوقف وصح عن علي وهو قول الشعبي، الخامس: إن نوى
الطلاق فهو، وإن لم ينوه فيمين. وهو قول طاووس، والزهري، والشافعي،
ورواية عن الحسن، وحكاه في ((الفتح)) عن النخعي، وإسحاق، وابن مسعود،
وابن عمر، السادس: إن نوى الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة،
وإن نوى يميناً فيمين، وإن لم ينو شيئاً فهو كذبة لا شيء فيها قاله سفيان،
وحكاه النخعي عن أصحابه، وهكذا حکی ابن رشد مذهب الثوري.
السابع: مثل هذا، غير أنه إذا لم ينو شيئاً فهو يمين يكَفِّرها، وهو قول
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣٧٢/٩).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) (٢٧٧/٥).
٣٩

٢٨ - كتاب الطلاق
(٢) باب
(١١٢٦) حديث
الأوزاعي، الثامن: مثل هذا، غير أنه إذا لم ينو شيئاً فواحدة بائنة إعمالاً للفظ
التحريم، هكذا ((في إعلام الموقعين)) (١) ولم يحكه عن أحد، وحكاه ابن حزم
عن إبراهيم النخعي، التاسع: فيه كفارة الظهار، حكاه في ((المحلى)) عن
إسحاق، قال ابن القيم: صح عن ابن عباس، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير،
ووهب بن منبه، وعثمان البتي، وهو إحدى الروايات عن أحمد، وقال ابن
القيم: هذا أقيس الأقوال، العاشر: أنها تطليقة واحدة، وهو إحدى الروايتين
عن عمر، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة.
الحادي عشر: أنه ينوي ما أراد من أصل الطلاق وعدده، وإن نوى
تحريماً بغير طلاق فيمين مكفرة، وهو قول الشافعي كما حكاه ابن القيم،
وتقدم في القول الخامس أنه مذهب الشافعي، وهو الذي حكاه عنه في
((الفتح))، بل حكاه عنه ابن القيم بنفسه قاله الشوكاني، وأنت خبير بأنه ليس بين
هذا والخامس كبير فرق غير نية التحريم وعدم النية.
الثاني عشر: أنه ينوي ما شاء من عدد الطلاق، إلا أنه إذا نوى واحدة
فبائنة وإن لم ينو شيئاً فإيلاء، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي
حنيفة وأصحابه كما قاله ابن القيم، وفي ((الفتح)) عن الحنفية: أنه إذا نوى ثنتين
فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقاً فهو يمين، ويصير مولياً، وفي رواية عن
أبي حنيفة: أنه إذا نوى الكذب دُيّن، ولم يقبل في الحكم، ولا يكون مظاهراً
عنده نواه أو لم ينوه. ولو صرح به فقال: أعني به الظهار لم يكن مظاهراً.
الثالث عشر: أنه يمين يكفره ما يكفر اليمين على كل حال، قال ابن
القيم: صح ذلك عن أبي بكر، وعمر، وابن العباس، وعائشة، وزيد بن ثابت،
وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة، وعطاء، وقتادة، والحسن،
(١) انظر: (٨٧/٣).
٤٠