Indexed OCR Text
Pages 1-20
ء أوْجَ المَالِك إلى موظأمالكن الجُزْءُ الْحَادِي عَشَرَ تَألِيفُ الإِمَامِ المُحدِّثُ محمد زكريًّا الكان هلوي المدني المتوَفِى سَنَة ١٤٠٢ هـ اعتَنَ بِهِ وَعَلَّقَعَلَيْهِ الأسْتاذ الدكتور في الذين النّونيّ دار القلم دمشق ...... .................... ....... . ... .... ...... .... .... ....... .... ..... ... . ... .. . -- .. .. ................... ...... ...... .... ..... ......... . ... . . .................... ..... إِذ ◌َرُ السَّالِك إلى موظأ مالك الطَّبْعَةَ الْأَوْلى ب مُحَقّقَةٌ وَمُنَقّحَةٌ ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م حُقُوقُ الطَّبْعِ محَفُوظَةٌ لِلْمُحَقِّقِ = SHEIKH ABUL HASAN NADWI CENTER مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية For Research & Islamic Studies. مظفرفور - أعظم جراه يوبي (الهند). MOZAFFAR PUR, AZAMGARH, U.P. (INDIA). Tel: 0091 54622 70104 0091 54622 70317 Fax: 0091 54622 70786 . .. ... ( ٢٨ - كتاب الطلاق بسم الله الرحمن الرحيم ٢٨ - كتاب الطلاق بسم الله الرحمن الرحيم قُدِّمَتِ التسميةُ على الترجمة في أكثر النسخ المصرية، وفي بعضها كالهندية قدمت الترجمة؛ لأنها بمنزلة العنوان، واقتفيت الأول ليكون بدء الكتاب أيضاً بالتسمية. (٢٨) كتاب الطلاق اسم بمعنى المصدر الذي هو التطليق، كالسلام والسراح بمعنى التسليم والتسريح، ومنه قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ أي التطليق، والطلاق في اللغة حلّ الوثاق، مشتقٌ من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، وفلانٌ طلقُ اليد بالخير أي كثيرُ البذل، كذا في ((البذل))(١). وفي ((الدر المختار)) (٢): هو لغة رفع القيد لكن جعلوه في المرأة طلاقاً، وفي غيرها إطلاقاً، فلذا كان أنت مطلقة بالسكون كناية، قال ابن عابدين: عبارة ((البحر)) قالوا: إنه استعمل في النكاح بالتطليق، وفي غيره بالإطلاق حتى كان الأول صريحاً، والثاني كناية. قال في ((البدائع)) (٣): هذا الاستعمال في العرف، وإن كان المعنى في اللفظين لا يختلف في اللغة، كما يقال: حصانٌ بفتح الحاء في المرأة، وبكسرها في الفرس. قال الحافظ(٤): وفي الشرع حلّ عقدة التزويج فقط، وهو موافق لبعض (١) ((بذل المجهود)) (٢٣٨/١٠). (٢) (٢٤٩/٣). (٣) ((بدائع الصنائع)) (١٥٧/٣). (٤) ((فتح الباري)) (٣٤٦/٩). ٢٨ - كتاب الطلاق أفراد مدلوله اللغوي، قال إمام الحرمين: هو لفظ جاهليّ ورد الشرع بتقريره، وظَلْقَتْ المرأة بفتح الطاء وضم اللام وبفتحها أيضاً وهو أفصح، وطُلِّقَتْ أيضاً بضم أوله وكسر اللام الثقيلة، فإن خففت فهو خاصٌّ بالولادة، والمضارع فيهما بضم اللام، والمصدر في الولادة طلقاً بسكون اللام، فهي طالق فيهما. ثم الطلاق قد يكون حراماً أو مكروهاً أو واجباً أو مندوباً أو جائزاً، أما الأول: ففيما إذا كان بدعيّاً، وله صُوَرٌ، والثاني: فيما إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال، والثالث: في صور منها الشقاق إذا رأى ذلك الحكمان، والرابع: فيما إذا كانت غير عفيفة، وأما الخامس: فنفاه النووي، وصوره غيره بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه أن يتحمل مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع، فقد صرح الإمام أن الطلاق في هذه الصورة لا يكره، انتهى. وفي ((الدر المختار))(١): إيقاعه مباحٌ عند العامة لإطلاق الآيات. وقيل: الأصح حظره إلا لحاجة، والمذهبُ الأولُ، وقولهم: الأصل فيه الحظر معناه أن الشارع ترك هذا الأصل، بل يستحب لو مؤذية أو تاركة صلاة، ويجب لوفات الإمساك بالمعروف، ويحرم لو بدعياً، انتهى. وقال الدردير(٢): إن الطلاق من حيث هو جائزٌ، وقد تعتريه الأحكام الأربعة من حرمة، كما لو علم أنه إن طلقها وقع في الزنا لتعلقه بها، أو لعدم قدرته على زواج غيرها، وكراهةٌ كما لو كان له رغبة في النكاح أو يرجو به نسلاً، ووجوبٌ كما لو علم أن بقاءها يوقعه في محرم من نفقة أو غيرها، وندبٌّ كما لو كانت بذيّة اللسان، فالسُنِّي ما استوفي فيه الشروط ولو حرم، وما لم يستوفها فبدعيٌّ، ولو وجب كمن لم يقدر على القيام بحقها، انتهى بزيادة من الدسوقي. (١) (٤ / ٤١٤). (٢) ((الشرح الكبير)) (٣٦١/٢). ٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١) باب ما جاء في البتة قال الزرقاني(١): وفي مشروعية النكاح مصالح للعباد دينية ودنيوية، وفي الطلاق إكمال لها إذ قد لا يوافقه النكاح، فيطلب الخلاص منه عند تباين الأخلاق وعروض البغضاء، فشرعه رحمة منه سبحانه وتعالى، وفي جعله عدداً حكمة لطيفة؛ لأن النفس كذوبة، ربما تظهر عدم الحاجة إلى المرأة، فإذا وقع حصل الندم، وضاق الصدر، فشرعه سبحانه وتعالى ثلاثاً ليجرب نفسه في المرة الأولى، فإذا كان الواقع صدقَها استمَرَّ حتى تنقضي العدة، وإلا أمكنه التدارك بالرجعة، اهـ. (١) ما جاء في البتة بفتح الموحدة والفوقية المشددة، أي فيمن قال لامرأته: أنت طالق البتة، قال الحافظ(٢): في قصة رفاعة القرظي وامرأته إذ قالت: فَبَتَّ طلاقي أنه ظاهر في أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أن يكون المراد طلقها طلاقاً حصل به قطع عصمتها منه، وهو أعمُّ من أن يكون طلقها ثلاثاً مجموعة أو مفرقة، اهـ. وأصل البت القطع، واختلفوا في طلاق البتة، وهي عند الإمام مالك ثلاث، كما سيأتي التصريح بذلك في آخر الباب، ولذا ورد في الباب روايات ثلاث، وإن لم تكن بلفظ البتة. قال الموفق(٣)، في من قال: أنتِ خليّة، أنتِ بريّةٌ، أنتِ بائنٌ ونحو ذلك: أكثرُ الروايات عن أبي عبد الله كراهةُ الفتوى في ذلك مع ميله إلى أنها ثلاث، وحكى ابن أبي موسى في ((الإرشاد)) عنه روايتين؛ إحداهما: أنها ثلاث، والثانية: يرجع إلى ما نواه، اختارها أبو الخطاب، وهو مذهبُ (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٦/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٦٧/٩). (٣) ((المغني)) (٣٦٤/١٠). ٧ ..... ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب الشافعي، قال: يرجع إلى ما نوى، فإن لم ينو شيئاً وقعت واحدة، ونحوه قول النخعي إلا أنه قال: يقع طلقة بائنة؛ لأن لفظه يقتضي البينونة، ولا يقتضي عدداً، وروى حنبل عن أحمد ما يدل على ذلك. واحتجّ الشافعيّ رحمه الله بما رواه أبو داود(١) بإسناده: ((أن رُكانة طلّق امرأته البتة، فأخبر النبيَّ وَّ بذلك، وقال: والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله وَله: اللَّهِ ما أردتَ إلا واحدة؟ فقال رُكانةُ: آللَّهِ، فردَّها رسول الله وَلـ إليه)) الحديث. وقال الثوري وأصحابُ الرأي: إن نوى ثلاثاً فثلاثٌ، وإن نوى اثنتين أو واحدة فواحدة، ولا يقع اثنتين؛ لأن الكناية تقتضي البينونة دون العدد، والبينونةُ بينونتان صغرى وكبرى، فالصغرى بالواحدة، والكبرى بالثلاث، ولو أوْقعْنَا اثنتين كان موجبه العدد، وهي لا تقتضيه. وقال ربيعة ومالك: يقع بها الثلاث، وإن لم ينو إلا في خلع أو قبل الدخول، فإنها تَطْلُقُ واحدةً، لأنها تقتضي البينونة، وهي تحصل في الخلع وقبل الدخول بواحدة، فلم يَزِدْ عليها؛ لأن اللفظ لا يقتضي زيادة عليها، وفي غيرهما يقع الثلاث ضرورة أن البينونة لا تحصل إلا بها، ووجه ثلاث بأنه قول أصحاب رسول الله وَ لآل، اهـ. وفي ((الروض المربع))(٢): الكنايةُ نوعان: ظاهرة وخفية، وعَدّ من الأولى أنتِ بائن، وبتّةٌ، ثم قال: لا يقع بكناية ولو ظاهرةً طلاقٌ إلا بنيةٍ إلا حالَ خصومةٍ أو غضبٍ أو جواب سؤالها، فيقع، ولو لم ينو، ويقع بالكناية الظاهرة ثلاثاً وإن نوى واحدة؛ لقول علماء الصحابة، ويقع بالخفية ما نواه من واحدة أو أكثر، اهـ. (١) ((سنن أبي داود)) (٢٦٣/٢) باب البتة، من كتاب الطلاق. (٢) (١٥١/٣). ٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث ١/١١٢١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِائَةَ تَطْلِيقَةٍ. وهكذا مذهب المالكية كما في ((الدردير)) إذ قال: ألفاظ الطلاق ثلاثة: صريح، وكناية ظاهرة، وكناية خفية، ثم قال في القسم الثاني: أي الكناية الظاهرة تلزم الثلاث في المدخول بها وغيرها في أحد هذين اللفظين: أنت بتة؛ وحبلك على غاربك، اهـ. وما حكى الموفق من مذهب مالك من التفريق بين المدخول بها وغيرها ليس في لفظ البتة، بل في ألفاظ أخر من لفظ أنتِ طالقٌ بائنةٌ، وغيره، كما بسطه الدردير، وكذا ما سيأتي عن ابن همام من موافقة مالك وأحمد للشافعي في ذلك ليس بوجيه. ففي ((الهداية)): إذا وصف الطلاق بضرب من الشدة كان بائناً، مثل أن يقول: أنتِ طالق بائن أو البتة، وقال الشافعيّ: يقع رجعياً إذا كان بعد الدخول بها، قال ابن الهمام: وبقوله قال مالك وأحمد، ولنا: أنه وصف الطلاق بما يحتمله وهو البينونة، فإنه يثبت به البينونة قبل الدخول في الحال وبعده بعد العدة، فيقع واحدة بائنة، إذا لم تكن له نية أو نوى الثنتين، أما إذا (١) نوى الثلاث فثلاث، انتهى . فعُلِمَ من هذا كله أن البتة ثلاثٌ وإن نوى واحدة أو اثنتين عند مالك وأحمد، وواحدة رجعية عند الشافعي، إن لم ينو شيئاً وإلا ما نواه، وثلاث عندنا إذا نواه وإن لم ينو الثلاث فواحدة بائنة. ١/١١٢١ - (مالك أنه بلغه) مما رواه عبد الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن جبير وغيره قاله الزرقاني، وسيأتي عن السيوطي (أن رجلاً قال لابن عباس): أي لعبد الله بن عباس (إني طلقت امرأتي مائة تطليقة)، الظاهر بکلام واحد. (١) انظر: ((فتح القدير)) (٣٨٧/٣). ٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَلُقَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ. وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا . وقال الباجي(١): يحتمل إيقاعها مجتمعة ومفترقة، ولا تأثير للزائد على الثلاث في جمعها إلا ماله من التأثير في تفريقها، وذلك أنه آثم فيها، ولا يعتدّ عليه بشيء منها، إن جدّد نكاحها بعد زوج، وإنما الذي فرق بينهما أن التي يطلقها واحدة بعد أخرى يتعين له التي يحرم بها عليه، وهي الثلاث الأول، وما بعدها من الطلاق، فإنما يتناول امرأة أجنبية لا يتعين بها طلاق، والذي يجمع لا يتعين له الثلاث التي تحرم بها عليه، وهذا لا تأثير له في الحكم إلا في الاستثناء. وهو إذا قال لها: طلقتك مائة إلا تسعة وتسعين، فقد روي عن سحنون أنها بائن منه بثلاث، وروي عنه أنه قال: لا يقع عليها إلا واحدة، فمن جعل ما زاد على لفظ ثلاث ليس له غير حكم الثلاث، ألزمه الثلاث بمنزلة قوله: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، ومن جعل للفظ المائة تأثيراً جعل لما زاد من الاستثناء على الثلاث تأثيراً، فلم يبق من الطلاق إلا واحدة، اهـ. (فماذا ترى علي) في ذلك هل يقعن كلهن أو بعضهن؟ (فقال له ابن عباس: طلقت) ضبطه في ((المحلى)) بفتح الطاء وضم اللام، وهكذا أعرب في النسخ المصرية، ويحتمل ضم الطاء وكسر اللام المشددة (منك بثلاث) الأول في المفترقة، وغير المعينة في المجتمعة يعني أن الثلاث تعلقت بها، دون ما زاد على ذلك، فإنها لا تعلق لها بها (وسبع وتسعون اتخذت) بضمير الخطاب (بها آيات الله) المفعول الأول لقوله: اتخذت، والثاني قوله: (هزوا) أي مهزوءاً بها، وروي بمعنى ما في الباب مرفوعاً، كما سيأتي بعد الأثر الآتي. قال الباجي(٢): يريد أنه أتى بها تلاعباً واستهزاء ومخالفة لما أتت به (١) ((المنتقى)) (٢/٤). (٢) ((المنتقى)) (٤/٤). ١٠ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حدیث آيات الله عز وجل من أن: ﴿الطّلَقُ مَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾(١) وهي الثالثة عند كثير من العلماء منهم قتادة، وقال غيره: إن الثالثة قوله عز وجل: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَ تِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾(٢) فإذا كان الباري عز اسمه قد نَصَّ في كتابه الكريم على أن الطلاق ثلاث، ثم طلق رجل أكثر من ثلاث، فقد خالف كتاب الله، وقصد الاستهزاء والتلاعب، اهـ. وفي ((المحلى)): إشارة إلى ما ذكر بعد قوله تعالى: ﴿الطَّلَقُ مَّتَانٍ﴾ إلخ. ﴿وَلَا نَّخِذُوَأْ ءَايَتِ اللَّهِ هُزُواْ﴾(٣) وقال السيوطي في تفسير هذه الآية: أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس أنه جاءه رجل فقال: إني طلقت امرأتي ألفاً، وفي لفظ: مائة، قال: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتهن وزرٌ، اتخذت آيات الله هزواً. وفي ((المغني)) (٤): روى الدارقطني(٥) بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: ((طلّق بعض آبائي امرأته ألفاً، فانطلق بنوه إلى رسول الله وصل*، فقالوا: يا رسول الله إن أبانا طلّق أُمَّنا ألفاً، فهل له مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله، فيجعل له من أمره مخرجاً، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبعة وتسعون إثم في عنقه)). وعزاه في ((الدر المنثور))(٦) إلى ابن مردويه وابن عساكر، وفيه أيضاً أخرج عبد الرزاق عن داود بن عبادة بن الصامت قال: ((طلق جدي امرأة له (١) سورة البقرة: الآية ٢٢٩. (٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٠. (٣) سورة البقرة: الآية ٢٣١. (٤) (٣٣٤/١٠). (٥) ((سنن الدارقطني)) (٢٠/٤). (٦) انظر: ((الدر المنثور)) (٦٤٩/١). ١١ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث ألف تطليقة، فانطلق أبي إلى رسول الله وَل#، فذكر ذلك له، فقال النبي : ـَى اللّه ما اتَّقَى الله جدُّك. أما ثلاث فله، وتسعمائة وسبعة وتسعون فعدوانٌ وظلمٌ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له))، وفي أثر الباب دليل على وقوع الثلاث إذا طلق ثلاثاً، فما فوقها دفعة واحدة، وهو قول الأئمة الأربعة والجمهور. وحكى الشيخ في ((البذل)) (١) عن ((هدي الشيخ ابن القيم)) أنهم اختلفوا في ذلك على أربعة مذاهب. أحدها: يقع، وهذا قول الجمهور كما سيأتي، الثاني: أنها لا تقع بل تُرَدُّ؛ لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة؛ لقوله وَلّ: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)) وهذا المذهب حكاه محمد بن حزم، وحكي للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول الرافضة، وحكاه الباجي عن بعض أهل الظاهر، وقال: إنما يُروى هذا عن الحجّاج بن أرطاة ومحمد بن إسحاق. الثالث: أنه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود عنه، قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق يقول: خالف السنة، فيرد إلى السنة، وهو قول طاووس وعكرمة واختيار الشيخ ابن تيمية. الرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها وتقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب ((اختلاف العلماء))، انتهى. وحكى الموفق(٢) هذا المذهب عن عطاء وطاووس وسعيد بن جبير وأبي الشَّعَاء وعمرو بن دينار، قلت: والأول مذهب الجمهور، قال الموفق: إن طلق ثلاثاً بكلمة واحدة وقع الثلاث، وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره، ولا (١) ((بذل المجهود)) (٢٩٩/١٠). (٢) ((المغني)) (٣٣٤/١٠). ١٢ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث فرق بين قبل الدخول وبعده، روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن مسعود وأنس، وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم. قال الزرقاني(١): والجمهور على وقوع الثلاث، بل حكى ابن عبد البر الإجماع قائلاً: إن خلافه شذوذ لا يلتفت إليه، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح))(٢) بعد ما أطال الكلام في ذلك: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء، أعني قول جابر: إنها كانت تفعل على عهد النبي وَل98 وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر - رضي الله عنه -، قال: ثم نهانا عمر - رضي الله عنه - عنها فانتهينا، فالراجح في الموضعين تحريم المتعة وإيقاع الثلاث الإجماع الذي انعقد في عهد عمر - رضي الله عنه - على ذلك، ولا يحفظ أن أحداً في عهد عمر - رضي الله عنه - خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ، وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك، حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر - رضي الله عنه - فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق، اهـ. وقال العيني(٣): مذهب جماهير العلماء أن من طلق امرأته ثلاثاً وقعن. ولكنه يأثم، وقالوا: من خالف في ذلك فهو شاذٌ مخالف لأهل السنة، وإنما تعلق به أهل البدع ومن لا يلتفت إليه لشذوذه عن الجماعة التي لا يجوز عليهم التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة، اهـ. (١) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٣٦٥/٩). (٣) ((عمدة القاري)) (٢٣٦/١٤). ١٣ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث قال الدسوقي: نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على لزوم الثلاث في حق من أوقعها، وحكي في ((الارتشاف)) عن بعض المبتدعة أنه إنما يلزمه واحدة، وبعض الفسقة نسبه للإمام أشهب أن يضل به الناس، وقد كذب على هذا الإمام، اهـ. زاد الباجي فيمن قال بلزوم الثلاث عمران بن حصين وعائشة، وقال: والدليل على ما نقوله إجماع الصحابة، لأن هذا مروي عن هؤلاء ولا مخالف لهم، وما روي عن ابن عباس في ذلك من رواية طاووس قال فيه بعض المحدثين: هو وهم، وقد روى ابن طاووس عن أبيه عن ابن وهب خلاف ذلك، وإنما وقع الوهم في التأويل. قال الباجي(١): وعندي أن الرواية عن ابن طاووس بذلك صحيحة، فقد رواه عنه الأئمة: معمر وابن جريج وغيرهما، والحديث الذي يشيرون إليه هو ما رواه ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله وَّله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر - رضي الله عنه - طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر - رضي الله عنه -: قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. ومعنى الحديث أنهم كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات، ويدل على صحة هذا التأويل أن عمر - رضي الله عنه - قال: إنهم قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناةٌ، فأنكر عليهم أن أحدثوا استعجال أمر كانت لهم فيه أناة، فلو كان حالهم من أول الإسلام ما قاله ما عاب عليهم الاستعجال، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي عن ابن عباس من غير طريق أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة، فإن كان هذا معنى حديث (١) ((المنتقى)) (٤/٤). ١٤ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث . ابن طاووس، فهو الذي قلنا، وإن حمل على ما يتأوّل به من لا يعبأ بقوله، فقد رجع ابن عباس إلى قول الجماعة، وانعقد الإجماع، اهـ. وروى سعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومجاهد ومالك بن الحويرث عن ابن عباس خلاف رواية طاووس، أخرجه أبو داود، كذا في ((المغني)) (١) وقال: قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس بأي شيء تدفعه؟ فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث، اهـ. وسيأتي في طلاق البكر عن ابن عباس أنه وافق أبا هريرة في أن الثلاث محرمة. قال الزرقاني(٢): وفي أبي داود بإسناد صحيح عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل فقال: إنه طلّق ثلاثاً، فسكت حتى ظننت أنه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم فيركب الحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ يَخْرَجًا﴾(٣) وأنت لم تتق الله، فلم أجد لك مخرجاً، عصيتَ ربَك، وبانت منك امرأتك. وأخرج أبو داود وغيره بطرق كثيرة عن ابن عباس أنه أفتى بلزوم الثلاث لمن أوقعها مجتمعة، وبسط الحافظ(٤) الكلام على هذا الباب، وذكر لحديث ابن عباس ثمانية أجوبة: منها: أن المراد بها لفظ البتة، كما في حديث ركانة، فإن أبا داود رجّح أنه طلّق امرأته البتة، فبعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثاً، قال الحافظ: وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في ((باب (١) ((المغني)) (٣٣٤/١٠). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٣). (٣) سورة الطلاق: الآية ٢. (٤) ((فتح الباري)) (٣٦٥/٩). ١٥ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث من جوّز الطلاق الثلاث)) الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حُمل على الثلاث إلا إن أراد المُطَلِّقُ واحدةً فيُقْبَلُ، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة الواحدة، فلما كان عهد عمر - رضي الله عنه - أمضى الثلاث في ظاهر الحكم. ومنها: أنه ورد في صورة خاصة، وهي تكرير لفظ أنتِ طالق أنتِ طالق أنتِ طالقٌ، وكانوا أولاً على سلامة صدورهم يُقْبل منهم، أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمان عمر - رضي الله عنه -، وكثُر فيهم الخداعُ ونحوه مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، وحمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم، وهذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقال النووي: هذا أصح الأجوبة، اهـ. وهذان الجوابان أرجح الأجوبة عندي، فاكتفيت عليهما روماً للاختصار في هذا ((الأوجز)). وقال شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في ((إزالة الخفاء)): إن في حديث طاووس إشكالاً قوياً؛ لأن النسخ لا يتصور بعد وفاة النبي وَ لّ، فحكى البغوي للعلماء فيه ثلاث تأويلات، إحداها: معناه قول الرجل: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، كانوا في الزمن الأول يُصَدَّقَون في أنهم أرادوا واحدةً، فلما رأى عمر - رضي الله عنه - في زمانه أموراً أنكرها ألزمهم الثلاث، ثانيها: قول الرجل لغير المدخول بها: أنت طالق ثلاثاً، ذهب أصحاب عبد الله بن عباس إلى أنها واحدة، وقول عمر - رضي الله عنه - وعليه جمهور أهل العلم: إنها ثلاث، ثالثها: معناه أنت بتة، كان عمر - رضي الله عنه - رآها واحدة، فلما تتابع الناس ألزمهم الثلاث. والأوجه عندي أن قوله: أنتِ طالق ثلاثاً دفعة واحدة لفظاً؛ لأنه أرسل الكلمة دفعة واحدة، وثلاث دفعات معنًى؛ لأنه أراد أن يقول: أنتِ طالق، ١٦ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث أنتِ طالق، أنتِ طالق، فاختصر كلامه، وقال: أنت طالق ثلاثاً. فكان الناس في زمانه وَّي لم ينكشف لهم الأمر، فكانوا كثيراً ما يذهبون إلى الاحتمال الأول، وكذلك في زمان الصديق - رضي الله عنه - فلما كان عمر - رضي الله عنه - ورفعت إليه المسألة أفتاهم بالمعنى الثاني، وصرح بذلك، ولم يدع محلاً لخلاف، ولما قلنا نظائر كثيرة، فسرها أهل العلم، كنحو منها حديث بيع أمهات الأولاد، اهـ. وفي ((المحلى)): اختلفوا مع الاتفاق على وقوع الثلاث، قيل: يكره أو يحرم أو يباح، فقال الشافعي: يجوز جميعاً ولو دفعة، وإن الأولى تفريقها، وقال بعض المالكية: اثنين مكروه، والثلاث ممنوع، وقال الحنفية: يكون بدعياً إذا أوقعه بكلمة واحدة لحديث ابن عمر عند الدارقطني، قلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثاً، فقال: إذاً عصيتَ ربك، وبانت منك امرأتك، اهـ. وقال الباجي(١): أما العدد فإنه لا يحل أن يوقع أكثر من طلقة واحدة، فمن أوقع طلقتين وثلاثاً فقد طلق بغير السنة، وقال الشافعي: مُؤْقِعُ الثلاثِ جملة مُطَلِّقٌ للسنة، اهـ وقال الموفق(٢): اختلفت الرواية عن أحمد في جمع الثلاث، فروي عنه أنه غير محرم، اختاره الخرقي، وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وداود، وروي ذلك عن الحسن بن علي وعبد الرحمن بن عوف والشعبي؛ لأن عويمر العجلاني لما لَا عَنَ امرأتَه قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها (١) ((المنتقى)) (٣/٤). (٢) ((المغني)) (٣٣٠/١٠ - ٣٣٣). ١٧ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢١) حديث ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله وَ له، متفق عليه، ولم ينقل إنكار النبي وَل. وعن عائشة أن امرأة رفاعة جاءت إلى رسول الله (صلى، فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني، فبت طلاقي، متفق عليه، وفي حديث فاطمة بنت قيس أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. والرواية الثانية أن جمع الثلاث طلاقُ بدعةٍ محرَّمٌ، اختارها أبو بكر وأبو حفص، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهم - وهو قول مالك وأبي حنيفة، قال علي - رضي الله عنه -: لا يطلق أحد للسنة فيندم، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا أتي برجل طلق ثلاثاً أوجعه ضرباً، وعن مالك بن الحارث قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إن عمي طلّق امرأته ثلاثاً، فقال: إن عمك عصى الله، وأطاع الشيطان، فلم يجعل الله له مخرجاً . وروى النسائي(١) بإسناده إلى محمود بن لبيد قال: أخبر رسول الله وَل عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فغضب، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل، فقال يا رسول الله أفلا أقتله؟ وروى الدارقطني بإسناده إلى علي قال: سمع النبي وَلّ رجلاً طلّق البتة فغضب، وقال: ((تتخذون آيات الله هزواً، أو دين الله لعباً، من طلّق البتة ألزمناه ثلاثاً لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ولأنه تحريم للبُضع من الزوج من غير حاجة، فحرم كالظهار، بل هذا أولى؛ لأن الظهار يرفع تحريمه بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال)). ولأنه ضرر، وإضرار بنفسه، وبامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي، وربما كان وسيلة إلى عوده إليها حراماً، أو بحيلة لا تزيل التحريم وقوع (١) (سنن النسائي)) (١١٦/٦). ١٨ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢٢) حديث ٢/١١٢٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: إِنِّي طَلَّقْتِ امْرَأَتِي ثَمَانِيَ تَطْلِيقَاتٍ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَمَاذَا قِيلَ لَكَ؟ الندم وخسارة الدنيا والآخرة، فكان أولى بالتحريم من الطلاق في الحيض الذي ضرره بقاؤها في العدة أياماً يسيرة. أو الطلاق في طهر مسّها فيه الذي ضرره احتمال الندم بظهور الحمل، فإن ضرر جمع الثلاث يتضاعف على ذلك أضعافاً كثيرة، ولأنه قول من سمينا من الصحابة، رواه الأثرم وغيره، ولم يصح عندنا في عصرهم خلاف قولهم فيكون ذلك إجماعاً، ولا خلاف بين الجميع في أن الاختيار والأولى أن يطلق واحدة. ثم يدعها حتى تنقضي عدتها إلا ما قيل: إنه يطلق في كل قرء طلقة، والأول أولى، فإن في ذلك امتثالاً لأمر الله سبحانه، وموافقة لقول السلف، وأمناً من الندم، فإنه متى ندم راجعها، فإن فاته ذلك بانقضاء عدتها، فله نكاحها . قال محمد بن سيرين: إن علياً - كرم الله وجهه - قال: لو أن الناس أخذوا بما أمر الله من الطلاق ما يتبع رجل نفسه امرأة أبداً، يطلقها تطليقة، ثم يدعها ما بينها وبين أن تحيض ثلاثاً؛ فمتى شاء راجعها، اهـ. ٢/١١٢٢ - (مالك أنه بلغه) وقد رواه ابن أبي شيبة عن علقمة، قاله الزرقاني، وذكره السيوطي في ((الدر)) (١) برواية عبد الرزاق والبيهقي عن علقمة كما سيأتي (أن رجلاً جاء إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني طلقت امرأتي ثماني) بالياء في النسخ الهندية، وبحذفها في المصرية (تطليقات) قال الزرقاني(٢): في كلمة بأن قلت لها: أنت طالق ثمان تطليقات، وهو كذلك في رواية الدارمي الآتية (فقال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟) أي بأي شيء أفتاك المفتون. (١) ((الدر المنثور)) (٦٣٠/١). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٦٧/٣). ١٩ ٢٨ - كتاب الطلاق (١) باب (١١٢٢) حديث قَالَ: قِيلَ لِي إِنَّهَا قَدْ بَانَتْ مِنِّي. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: صَدَقُوا. مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ. ومَنْ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لَبْساً، جَعَلْنَا لَبْسَهُ مُلْصَقاً بِهِ. قال الباجي(١): يحتمل أنه قال ذلك ليرى أقوال الناس في ذلك، ويعلم اتفاقهم من اختلافهم، وربما كان للمفتي في ذلك شيء إلى(٢) أمر أغفله، وإن وجد العلماء قد خالفوا ما ظهر إليه حمله ذلك على إعادة النظر، والزيادة في الاجتهاد والتثبت، وإن رأى الفقهاء قد وافقوا رأيهم قوي في نفسه وظهر إليه وشكر الله تعالى على ما أعانه عليه. (قال) السائل: (قيل لي: إنها قد بانت مني) فلا تحل لي إلا بعد زوج آخر (فقال ابن مسعود: صدقوا) أي المفتون (من طلق كما أمره الله تعالى فقد بين الله له) قال الزرقاني كما أمره الله بقوله: ﴿الطَّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾، فقد بين الله له أن المراد الذي فيه الرجعة بقوله: ﴿فَإِمْسَاءٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، اهـ وفي (المحلى))(٣): كما أمره الله في كتابه بقوله: ﴿الطّلَقُ مَرَّتَانٍ﴾ بأن طلق ثلاثاً متفرقة، اهـ. قال الباجي: يريد أن سنن الطلاق بينة قد بينها الله عز وجل في كتابه، لا يحتاج العامل بها، ولا المفتي فيها إلى بحث ولا نظر ولا اجتهاد، فمن أطاع الله تعالى في طلاقه، وأوقعه على حسب ما أمره به فهو بين واضح، اهـ. (ومن لبس) بفتح الموحدة بالتخفيف، وفي ((المحلى)): بتشديد الموحدة وهو لغة في اللبس بمعنى الخلط، والمعروف التخفيف، اهـ. (على نفسه لبساً) بإسكان الموحدة خلطاً أي من اختلط على نفسه خلطاً بأن طلق أكثر مما أمر الله به (جعلنا لبسه به) أي ملصقاً وملزماً به. (١) ((المنتقى)) (٥/٤). (٢) كذا في الأصل. ((ش)). (٣) (١٧٢/١٠). ٢٠