Indexed OCR Text

Pages 521-540

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
لأن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، ولنا، أنه أتى بمعنى المتعة، والعبرة في
العقود للمعاني، ولا فرق بين ما إذا طالت مدة التأقيت أو قصرت.
قال ابن الهمام(١): يعني أن النكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة، بل تبطل
هي، ويصح النكاح، وقوله: لا فرق بين ما إذا طالت نفي لرواية الحسن عن
أبي حنيفة أنهما إذا سميا مدة لا يعيشان إليها صح لتأبيده معنىّ، قلنا: ليس
هذا تأبيداً معنىً، بل توقيت بمدة طويلة، اهـ.
قال ابن عابدين(٢): هو مثل أن يتزوجها إلى مائتي سنة، قال ابن الهمام:
فإن قلت: لو عقد بلفظ المتعة وأراد النكاح الصحيح المؤبد، هل ينعقد أو لا؟
وإذا لم ينعقد، هل يكون من أفراد المتعة؟ فالجواب: لا ينعقد به النكاح وإن
قصد به النكاح، وحضره الشهود، وليس من نكاح المتعة؛ لأنه لم يذكر فيه
توقيت، بل التأبيد، وإنما كان كذلك؛ لأنه لا يصلح مجازاً عن معنى النكاح،
لما في المبسوط من أنه لا یفید الملك کالإحلال، اهـ.
قال الموفق(٣): وحكي عن ابن عباس أنها جائزة، وعليه أكثر أصحابه
عطاء وطاووس، وبه قال ابن جريج، وحكي ذلك عن أبي سعيد الخدري
وجابر، وإليه ذهب الشيعة، اهـ.
وقال ابن حزم(٤): ثبت على إباحتها بعد رسول الله وَلّ ابن مسعود،
ومعاوية، وأبو سعيد، وابن عباس، وسلمة ومعبد ابنا أمية بن خلف، وجابر،
وعمرو بن حريث، ورواه جابر عن جميع الصحابة مدة رسول الله وَليل وأبي بكر
.(١) انظر: ((فتح القدير)) (١٥٠/٣).
(٢) (رد المحتار)) (١٤٣/٤).
(٣) ((المغني)) (٤٦/١٠).
(٤) انظر: ((المحلى)) (١٢٩/٩).
٥٢١

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
وعمر إلى قرب آخر خلافة عمر - رضي الله عنه - قال: ومن التابعين طاووس
وسعيد بن جبير وعطاء وسائر فقهاء مكة.
قال الحافظ(١): وفي جميع ما أطلقه نظر، ثم بسط الحافظ في الروايات
عن ذلك، وفي أكثرها المنع عن ذلك، وفي بعض منها ذكر المتعة فقط، ليس
فيه بيان الوقت، كما روي عن أبي سعيد، قال: لقد كان أحدنا يستمتع بملء
القدح سويقاً، قال: وهذا مع كونه ضعيفاً ليس فيه التصريح بأنه كان بعد
النبي ◌َّر، وأما حديث جابر عن جميع الصحابة، فلفظه عند مسلم: وقد سُئل
عن المتعة؟ فقال: فعلناها مع رسول الله وَلّ، وفي لفظ: عن جابر: استمتعنا
على عهد رسول الله وَله وأبي بكر وعمر، زاد في أخرى: حتى نهى عنها عمر،
وفي رواية عنه عند مسلم: فنهانا عمر فلم نفعله بعدُ، فإن كان قوله: فعلنا يعُمُّ
جميع الصحابة؛ فقوله: ثم لم نَعُدْ يعم جميع الصحابة فيكون إجماعاً.
وقال ابن المنذر: جاء عن الأوائل الرخصة فيها، ولا أعلم اليوم أحداً
يجيزها إلا بعض الرافضة، وقال عياض: ثم وقع الإجماع من جميع العلماء
على تحريمها إلا الروافض، وأما ابن عباس فرُوي عنه أنه أباحها، وروي عنه
أنه رجع عن ذلك، قال ابن بطال: روى أهل مكة وأهل اليمن عن ابن عباس
إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة.
وقال الخطابي: تحريم المتعة كالإجماع إلا عن بعض الشيعة، ولا يصح
على قاعدتهم في الرجوع في المختلفات إلى علي وآل بيته، فقد صح عن علي
أنها نسخت، ونقل البيهقي عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي
الزنا بعينه، ويحكى عن ابن جريج جوازها، ونقل أبو عوانة في ((صحيحه)) عنه
أنه رجع عنها، وقال القرطبي: الروايات كلها متفقة على أن زمن إباحة المتعة
(١) ((فتح الباري)) (١٦٦/٩).
٥٢٢

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٤) حديث
١١٠٤/ ٤١ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ،
لم يطل، وأنه حرم، ثم أجمع السلف والخلف على تحريمها إلا من لا يلتفت
إليه من الروافض، وجزم جماعة من الأئمة بتفرد ابن عباس بإباحتها، كذا في
((الفتح)).
وفي ((المحلى)): روى الثعلبي في تفسيره عن عمران بن حصين، قال:
نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى، لم تنزل آية بعد نسخها، فأمرنا
رسول الله وَّلة، وتمتعنا مع رسول الله وَلّل، ومات ولم ينهنا عنها، قال رجل
بعده برأيه ما شاء، قال الثعلبي: فلم يرخص في نكاح المتعة إلا عمران بن
حصين وابن عباس وبعض أهل البيت، قال صاحب ((المحلى)): المراد بالمتعة
في حديث عمران متعة الحج، لا متعة النكاح كما وقع صريحاً في حديث
مسلم، والمراد بآية المتعة قوله تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجْ﴾ اهـ
ثم قال عياض: وأجمعوا على أن من شرط البطلان التصريح بالشرط،
فلو نوى عند العقد أن يفارق بعد مدة صح نكاحه إلا الأوزاعي فأبطله، كذا
في ((الفتح)) (١)، وكذا قال الموفق في ذلك إن النكاح صحيح في قول عامة أهل
العلم إلا الأوزاعي، قال: هو نكاح متعة، والصحيح أنه لا بأس به، اهـ.
٤١/١١٠٤ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عبد الله) بن محمد بن
علي بن أبي طالب أبو هاشم، ثقة، من رجال الكل عالم بالمذاهب، رُمِي
بالتشيّع، مات سنة تسع وتسعين، وقيل قبلها بسنة، ليس له في البخاري غير
هذا الحديث، رواه بمواضع من كتابه مقروناً بأخيه، كذا في ((الفتح))(٢).
(والحسن) بن محمد بن علي بن أبي طالب أبو محمد المدني، من رواة
۔
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٧٣/٩).
(٢) ((فتح الباري)) (١٦٧/٩).
٥٢٣

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٤) حديث
ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِمَا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ .....
الست ثقة فقيه يقال: إنه أول من تكلم في الإرجاء، وتعقب عليه الحافظ في
(تهذيبه))(١) بأنه غير الإرجاء الذي يعيبه أهل السنة المتعلق بالإيمان، بل الذي
تكلم فيه أنه كان يرى عدم القطع على إحدى الطائفتين المقتتلتين في الفتنة
بكونه مخطئاً أو معصياً، وكان يرى أنه يرجئ الأمر فيهما، مات سنة مائة،
وقيل: قبل ذلك، (ابني محمد بن علي) بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية،
وهي أمه، اسمها خولة بنت جعفر بن قيس من بني حنيفة سُبِيَتْ في الرِّدة من
اليمامة.
(عن أبيهما) محمد بن علي أبو القاسم ابن الحنفية الهاشمي المدني ثقة،
عالم من كبراء التابعين، مات بعد الثمانين، وهو الذي يزعم السبائية من
الروافض أنه المهدي، وأنه لا يموت حتى يخرج في آخر الزمان، ومنهم من
أقرّ بموته، وزعم أن الأمر بعده صار إلى ابنه أبي هاشم، كذا في ((الفتح))،
وقال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحداً أسند عن علي ولا أصح مما أسند
محمد، وكان من أفاضل أهل المدينة، من رواة الستة.
(عن) أبيه أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) زاد في مسلم(٢) برواية
جويرية بنت أسماء عن مالك بهذا الإسناد أنه سمع علياً - رضي الله عنه - يقول
لفلان يعني ابن عباس: إنك رجلٌ تائهٌ (أن رسول الله ◌َليّ نهى عن متعة النساء)
وفي رواية عبيد الله عن الزهري عند مسلم بسنده إلى علي أنه سمع ابن عباس
يلين في متعة النساء، فقال: مهلاً يا ابن عباس، فإن رسول الله وَل نهى عنها،
وفي رواية الثوري ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عند الدارقطني أن علياً
سمع ابن عباس، وهو يُفتي في متعة النساء فقال: أما علمت!
(١) انظر: ((تهذيب التهذيب)) (٣٢٠/٢).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٣٣٧١) (٤/ ٩٧٢).
٥٢٤

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٤) حديث
يَوْمَ خَيْبَرَ.
(يوم خيبر) هكذا لجميع الرواة عن الزهري ((خيبر)) بالمعجمة أوله، والراء
آخره، إلا ما رواه عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد عن مالك في هذا
الحديث، فإنه قال: حنين، بمهملة أوله ونونين، أخرجه النسائي والدارقطني،
ونبها على أنه وهم، تفرد به عبد الوهاب، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى
عن يحيى بن سعيد، فقال: خيبر على الصواب، كذا في ((الفتح)).
وزعم ابن عبد البر أن ذكر يوم خيبر غلط، وقال السهيلي: إنه شيء لا
يعرفه أحد من أهل السير، وقال ابن عيينة: إن تاريخ خيبر في حديث علي،
إنما هو في النهي عن لحوم الحمر الإنسيَّة، قال البيهقي: يُشبه أنه كما قال،
كذا في ((التعليق الممجد))(١)، يعني وقع في حديث الباب تقديم وتأخير، ولفظ
البخاري برواية ابن عيينة عن الزهري بهذا الإسناد: نهى عن المتعة وعن لحوم
الحمر الأهلية، زمن خيبر، وذكر ابن عبد البر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر
عن لحوم الحمر الأهلية، وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر، قال البيهقي:
يشبه أن يكون كما قال لصحة الحديث في أنه و 8* رخص فيها بعد ذلك، ثم
نهى عنها، فلا يتم احتجاج علي إلا إذا وقع النهي أخيراً لتقوم به الحجة على
ابن عباس، وقال أبو عوانة في ((صحيحه)): سمعت أهل العلم يقولون: معنى
حديث علي أنه نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر، وأما المتعة فسكت عنها،
وإنما نهى عنها يوم الفتح.
وقال ابن القيم في ((الهدي))(٢): إن المتعة ثبت عنه و لّ أنه أحلّها عام
الفتح، وثبت أنه نهى عنها عام الفتح، واخْتُلف هل نهى عنها يوم خيبر على
قولين، الصحيح أن النهي إنما كان عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر كان عن
الحمر الأهلية، وإنما قال علي لابن عباس: إنه ◌َّ نهى عنهما محتجّاً عليه في
(١) (٥٤٧/٢).
(٢) انظر: ((زاد المعاد)) (٤٠٣/٣).
٥٢٥

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٤) حديث
المسألتين، فظنّ بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفصلين، فرواه
بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفصلين وقيده بيوم خيبر، اهـ.
قال الحافظ(١): والحامل لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد
زمن خيبر، كما أشار إليه البيهقي، لكن يُمكن الانفصال عن ذلك بأن علياً -
رضي الله عنه - لم تبلغه الرخصة فيها يوم الفتح لوقوع النهي عنها عن قريب،
قال السهيلي: وقد اختلف في وقت تحريم المتعة، فأغرب ما روي في ذلك
رواية من قال: في غزوة تبوك، ثم رواية عمرة القضاء، والمشهور في تحريمها
أن ذلك كان في غزوة الفتح، كما أخرجه مسلم عن الربيع بن سبرة عن أبيه،
وفي رواية عنه أخرجه أبو داود أنه كان في حجة الوداع، قال: ومن قال من
الرواة غزوة أوطاس، فهو موافق لمن قال عام الفتح.
قال الحافظ: فتحصل مما أشار إليه ستة مواطن: خيبر، ثم عمرة
القضاء، ثم الفتح، ثم أوطاس، ثم تبوك، ثم حجة الوداع، وبقي حنين، فإما
أن يكون ذهل عنها، أو تركها عمداً لخطأ رواتها، أو لكون غزوة أوطاس
وحنين واحداً، ثم خرّج الحافظ روايات هذه المواضع، وتكلم عليها، ثم قال:
فلم يبق من المواطن صحيحاً صريحاً سوى غزوة خيبر وغزوة الفتح، وفي غزوة
خيبر من كلام أهل العلم ما تقدم.
وزاد ابن القيم في ((الهدي)) (٢): أن الصحابة لم يكونوا يستمتعون
باليهوديات، يعني فيُقَوِّي أن النهي لم يقع يوم خيبر، أو لم يقع هناك نكاح
متعة، لكن يمكن أن يجاب بأن يهود خيبر كانوا يُصاهرون الأوس والخزرج
قبل، فيجوز أن يكون هناك من نسائهم من وقع منهم التمتع بهن، فلا ينهض
الاستدلال بما قال.
(١) ((فتح الباري)) (١٦٩/٩).
(٢) ((زاد المعاد)) (٣٠٥/٤).
٥٢٦

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٤) حديث
قال الماوردي في ((الحاوي)): في تعيين موضع تحريم المتعة وجهان:
أحدهما: أن التحريم تكرر ليكون أظهر وأشهر حتى يعلمه من لم يكن علمه؛
لأنه قد يحضر في بعض المواطن من لا يحضر في غيرها، والثاني: أنها
أبيحت مراراً، ولذا قال في المرة الأخيرة: ((إلى يوم القيامة)) إشارةً إلى أن
التحريم الماضي كان مُؤْذِناً بأن الإباحة تُعْقبه، بخلاف هذا، فإنه تحريم مؤيّدٌ
لا تُعْقبُه إباحةٌ أصلاً، وهذا الثاني هو المعتمد.
وقال النووي(١): الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعتا مرتين. فكانت
مباحة قبل خيبر، ثم حُرِّمت فيها، ثم أُبيحت عام الفتح، وهو عام أوطاس، ثم
حُرِّمت تحريماً مؤبداً، قال: ولا مانع من تكرير الإباحةِ، ونقل غيرُه عن
الشافعي أن المتعة نُسخت مرتين، انتهى مختصراً.
وقال ابن العربي(٢): نكاح المتعة من غرائب الشريعة، أبيح ثم حُرِّم، ثم
أبيح، ثم حُرِّمَ، فالإباحةُ الأولى أن الله سكت عنه في صدر الإسلام، فجرى
الناس في فعله على عادتهم، ثم حُرِّم يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح وأوطاس،
على حديث جابر وغيره، ثم حُرِّم تحريماً مؤبداً يوم الفتح على حديث سبرة،
وقال عياض: تحريمها يوم خيبر صحيح لا شك فيه، وتقدم عن ابن عابدين
تبعاً لابن همام أن تحريم المتعة كان في حجة الوداع، وكان تحريم تأبيدٍ.
وقال الموفق(٣) بعد ذكر حديث الباب، وحديث الربيع بن سبرة عن أبيه
((أن النبي ◌َّ﴾ نهى عنه في حجة الوداع)): اختلف أهل العلم في الجمع بين
هذين الحديثين، فقال قوم: في حديث علي تقديم وتأخير، وتقديره أن النبي وَلتر
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٨١/٩/٥).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (٤٨/٥).
(٣) ((المغني)) (٤٧/١٠).
٥٢٧

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٤) حديث
وَعَنْ أَكْلٍ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ.
أخرجه البخاريّ في: ٦٤ - كتاب المغازي، ٣٨ - باب غزوة خيبر.
ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ٢ - باب نكاح المتعة، حديث ٢٩ - ٣٢.
نهى عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، ونهى عن متعة النساء، ولم يذكر
ميقات النهي عنها، وقد بيّنه الربيع في حديثه أنه كان في حجة الوداع، حكاه
الإمام أحمد عن قوم، وذكره ابن عبد البر، وقال الشافعي: لا أعلم شيئاً
أحلّه الله ثم حَرَّمه، ثم أحلّه، ثم حرّمه إلا المتعة، فحمل الأمر على ظاهره،
وأن النبي ◌ُّ حرمها يوم خيبر، ثم أباحها في حجة الوداع ثلاثة أيام، ثم
حرمها ، اهـ.
ورجح الحافظ حرمتَها المؤبدة في فتح مكة، كما تقدم، وقال: وأما
حجة الوداع فالذي يظهر أنه وقع فيها النهي مجرداً، إن ثبت الخبر في ذلك؛
لأن الصحابة حجوا فيها بنسائهم، بعد أن وسّع عليهم، فلم يكونوا في شدة
ولا طُول غُربة، وإلا فمخرج حديث سبرة راويه هو من طريق ابنه الربيع عنه،
وقد اختلف عليه في تعيينها، والحديث واحد في قصة واحدة، فتعين الترجيح،
والطريق التي أخرجها مسلم مصرحة بأنها في زمن الفتح أرجح، فتعين المصير
إليها ، اهـ.
وقال في موضع آخر: أما حجة الوداع، فهو اختلاف على الربيع بن
سبرة، والرواية عنه بأنها في الفتح أصح وأشهر، فإن حفظ فليس في سياق
أبي داود سوى مجرد النهي، فلعله ولو أراد إعادة النهي ليشيع ويسمعه من لم
يسمعه قبل ذلك، اهـ (١).
(وعن أكل لحوم الحمر) بضمتين جمع حمار (الإنسية) قال النووي(٢):
(١) (فتح الباري)) (٩/ ١٧٠).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٨٩/٩/٥).
٥٢٨

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٥) حديث
٤٢/١١٠٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمٍ
ضبطوه بوجهين: كسر الهمزة وسكون النون وفتحهما جميعاً، ورجّحه عیاض
فقال: رواه الأكثر بفتح الهمزة والنون، ورواه بعض بكسر الهمزة وسكون النون،
والإنس بالفتح والكسر الناس. ولا خلاف في الأخذ بالنهي إلا ما يروى عن
ابن عباس وعائشة وغيرهما، قال النووي: في هذا الحديث تحريم الحمر الإنسيّة،
وهو مذهبنا، ومذهب العلماء كافة إلا طائفة يسيرة من السلف، اهـ.
وتقدم في كتاب الصيد ما قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء
المسلمين اليوم في تحريمها، اهـ. واختلف في علة النهي، هل هي إنها لم تكن
قُسِمَتْ، أو خوف فناء الظهر أو لأنها جلالة، روايات، وقيل: تحريم لغير
علة، وفي حديث أنس عند الشيخين أنها رجس، وقيل: لأنها لم يُخَمَّس، وفيه
نظر، لأن أكل الطعام والعلف من الغنيمة قبل القسمة جائز، لا سيما في
المجاعة، وقد صرح بالمجاعة في رواية النسائي، كذا في ((المحلى)).
قال الحافظ(١): والحكمة في جمع علي - رضي الله عنه - بين النهي عن
الحمر والمتعة أن ابن عباس - رضي الله عنه - كان يُرَخِّصُ في الأمرين معاً،
فرد عليه في الأمرين، اهـ. وفي ((المحلى)): قيل: ثلاثة أشياء نسخت مرتين:
المتعة ولحوم الحمر الأهلية، والتوجه إلى القبلة، اهـ.
١١٠٥/ ٤٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عروة بن الزبير أن خولة
بنت حكيم) بن أمية السلمية، يقال لها: أم شريك، ويقال لها: خويلة أيضاً
بالتصغير، صحابية مشهورة، يقال: إنها التي وهبت نفسها للنبي ◌ّر، وكانت
قبل ذلك تحت عثمان بن مظعون، قاله الزرقاني(٢)، وتبعه صاحب ((التعليق
(١) ((فتح الباري)) (١٧٠/٩ - ١٧١).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٥٤/٣).
٥٢٩

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٥) حديث
دَخَلَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ: إِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةً
الممجد))(١) وفي الصحابيات اثنتان أخريان، يقال لهما: خولة بنت حكيم
(دخلت على عمر بن الخطاب) في زمن خلافته (فقالت: إن ربيعة بن أمية)(٢) بن
خلف القرشي الجمحي أخو صفوان، أسلم يوم الفتح وشهد حجة الوداع،
وجاء عنه فيها حديثٌ مسندٌ، فذكره لأجله في الصحابة من لم يُمعن النظر في
أمره منهم البغوي وأصحابه: ابن شاهين وابن السكن والماوردي والطبراني،
وتبعهم ابن منده وأبو نعيم، لكن ورد أنه ارتدّ في زمن عمر - رضي الله عنه -.
وروى يعقوب بن شبة في ((مسنده)) بسنده أن أبا بكر - رضي الله عنه -
كان من أعبر الناس للرؤيا، فأتاه ربيعة، فقال: إني رأيت في المنام كأني في
أرض معشبة مخصبة، وخرجت منها إلى أرض مجدبة كالحة، ورأيتك في
جامعة من حديد عند سرير إلى الحشر، فقال: إن صدقت رؤياك فستخرج من
الإيمان إلى الكفر، وأما أنا فإن ذلك ديني جمع لي في أشدّ الأشياء إلى يوم
الحشر، قال: فشرب ربيعة الخمر في زمن عمر، فهرب منه إلى الشام، ثم
هرب إلى قيصر، فتنصّر ومات عنده.
وذكر ابن عبد البر هذه القصة في ((الاستيعاب)) مختصرة، وأن عمر هو
الذي عبّرها له، وعن سعيد بن المسيب أن عمر - رضي الله عنه - غَرَّبَ ربيعة
في الخمر إلى خيبر، فلحق بهرقل فتنصّر، فقال عمر: لا أُغَرِّبُ بعده أحداً
أبداً .
قال الحافظ في ((الإصابة)): وله قصة أخرى مع عمر ذكرها مالك في
((الموطأ)) فذكر حديث الباب.
قلت: وذكر ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): أن ربيعة أسلم يوم الفتح،
(١) (٥٤٨/٢).
(٢) انظر: ترجمته في ((الإصابة)) (٢٢٣/٢).
٥٣٠

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٥) حدیث
اسْتَمْتَعَ بِامْرَأَةٍ. فَحَمَلَتْ مِنْهُ. فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَزِعاً، يَجُرُّ
رِدَاءَهُ. فَقَالَ: هَذِهِ الْمُتْعَةُ. وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ فِيهَا، لَرَجَمْتُ.
وكان قد رأى رؤيا، فقصها على عمر - رضي الله عنه - فقال: رأيت كأني في
وادٍ مشعبٍ، ثم خرجت منه إلى وادٍ مجدبٍ، ثم انتبهتُ وأنا في الواد
المجدب، فقال عمر: تؤمن ثم تكفر، ثم تموت وأنت كافر، فقال: ما رأيت
شيئاً، فقال عمر - رضي الله عنه - قُضِي لك كما قضي لصاحِبَي يوسف، قالا:
ما رأينا شيئاً، فقال يوسف: ﴿قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، اهـ.
ولا يبعد عندي أنه رآها في زمن الصديق الأكبر، وعبّرها له الصديق بما
مضى، ثم أراد ربيعة استخبارها عند عمر - رضي الله عنه - في ذلك رجاء أن
يُعَبِّرَها بغيره إلا أنه وافق الصديق رضي الله عنه -.
(استمتع بامرأة مولّدة) بتشديد اللام المفتوحة، قال صاحب ((المجمع)):
المولّدة: من ولدت بين العرب، ونشأت مع أولادهم، وتأدَّبت بآدابهم،
والتليدة من ولدت ببلاد العجم. وحُمِلَتْ فنشأت ببلاد العرب، اهـ.
وفي ((مختار الصحاح)): عربية مولّدة. ورجل مُولّد إذا كان عربياً غير
محض، وقال المجد: المولّدة المولودة بين العرب كالوليدة والمحدثة من كل
شيء.
(فحملت) المرأة (منه) أي من ربيعة. (فخرج عمر بن الخطاب) - رضي الله
عنه - (فزعا) بفتح الفاء وكسر الزاي (يجر رداءه) من الفزع والعجلة وشدة
الغضب (فقال: هذه المتعة) التي ثبت نهيه وّل عنها واستقر نسخ إباحتها (ولو
كنت تقدمت فيها لرجمتُ) بزنة المتكلم المعلوم في كليهما، يعني: لو أعلمتُ
الناس قبل ذلك أن المتعة لا تحلّ لرجمت من فعل ذلك بعد تقدمي، كذا فسره
الشافعي في ((الأم))، وضبطه بعضهم، لو كنت تقدمتَ على صيغة الخطاب،
وكذا قوله: رُجِمْتَ بزنة المخاطب المجهول، والمعنى أنك سُومحت بالعقوبة
بجهلك بالنسخ، كذا في ((المحلی)).
٥٣١

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٥) حديث
وقال الباجي(١): قوله: لو كنت تقدمت إلخ يريد لو أعلمت الناس إعلاماً
شائعاً بما أعتقد في ذلك، وأخذ به من التحريم حتى لا يخفى ذلك على من
فعله، فأشار بذلك إلى أن من جهل التحريم، وكان الأمر المحرم مما لا يمكن
أن يخفى مثله ولا يُعْلم علمه، وقد تقدمت فيه إباحة، فإنه يُدْرَأ فيه الحدُّ،
ويحتمل أن يكون علم بعض الخلاف من أحد من الصحابة في ذلك فأراد
بقوله: لو تقدمَتْ بينةٌ ما عندي فيه من النص الذي لا يحتمل التأويل، فيزول
الخلاف لرجمتُ لتقدم الإجماع وانعقاده.
ويحتمل أن يريد بذلك، لو كنت أعلمت الناس برأيي في ذلك، من
تحريمه ووجوب الحدّ؛ فيه لأقمتُ الحد لأن الأحكام لا تجري عند الخلاف،
إلا على ما رآه الإمام الذي يحكم في ذلك لا سيما إذا كان عنده في ذلك من
النص، أو وجه التأويل ما يمنع قول المخالف، اهـ.
وقال ابن عبد البر (٢): الخبر عن عمر - رضي الله عنه - من رواية مالك
منقطعٌ ورويناه متصلاً، ثم أسنده عن يحيى بن سعيد عن نافع عن ابن عمر
قال: قال عمر: لو تقدمت فيها لرجمت، يعني المتعة، وهذا القول منه قبل
نهيه عنها وهو تغليظٌ ليرتدع الناس، وينزجروا عن سوء مذهبهم وقبيح
تأويلاتهم، واحتمال أنه لو تقدم بإقامة الحجة من الكتاب والسنة على تحريمها
لرجمتُ، ضعيفٌ، لا يصح إلا على من وطئ حراماً، لم يتأوّل فيه سنة ولا
قرآنا، اهـ.
وروى ابن مزين عن عيسى بن دينار، وعن يحيى بن يحيى عن ابن نافع
أنه يرجم من فعل ذلك اليوم إن كان محصناً، ويجلد من لم يحصن، وقال
(١) ((المنتقى)) (٣٣٥/٣).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٦/١٦).
٥٣٢

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٥) حديث
ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ عن ابن القاسم: لا رجم فيه.
وإن دخل على معرفة منه بمكروه ذلك، ولكن يُعاقب عقوبةً موجعةً لا يبلغ بها
الحد، وروي عن مالك أنه قال: يدرأ فيه الحد، ويعاقب إن كان عالماً بمكروه
ذلك، وجه قول عيسى بن دينار، ما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك
للناس وخطبهم به، وخطبه تنتشر، وقضاياه تنتقل، ولم ينكر ذلك عليه أحد،
ولا حفظ له مخالف.
ووجه القول الثاني ما احتجّ به أصبغ إن كل نكاح حَرَّمْته السنة، ولم
يُحَرِّمه القرآن، فلا حَدّ على من أتاه عالماً عامداً، وإنما فيه النكال، وكل نكاح
حَرَّمَه القرآن أتاه رجل عالماً عامداً فعليه الحد، قال: وهذا الأصل الذي عليه
ابن القاسم.
قال الباجي(١): وعندي أن ما حرمته السنة، ووقع الإجماع، والإنكار
على تحريمه يثبت فيه الحد، كما يثبت فيما حرمه القرآن، قال: والذي عندي
في ذلك، أن الخلاف إذا انقطع، ووقع الإجماع على أحد أقواله بعد موت
قائله، وقبل رجوعه عنه، فإن الناس مختلفون فيه، فذهب القاضي أبو بكر إلى
أنه لا ينعقد الإجماع بموت المخالف، فعلى هذا حكم الخلاف باقٍ في حكم
قضية المتعة، وبذلك لا يحد فاعله.
وقال جماعة: ينعقد الإجماع بموت إحدى الطائفتين، فعلى هذا وقع
الإجماع على تحريم المتعة؛ لأنه لم يبق قائل به، فعلى هذا يحدّ فاعله، وهذا
على أنه لم يصح رجوع ابن عباس عنه، ومما يدل على أنه لم ينعقد الإجماع
على تحريمه أنه يلحق به الولد، ولو انعقد الإجماع بتحريمه، وأتاه أحد عالماً
بالتحريم لوجب أن لا يلحق به الولد، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣٣٦/٣).
٥٣٣

٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١١٠٥) حديث
وقال النووي(١): مذهبنا أنه لا يُحَدُّ لشبهة العقد وشبهة الخلاف، ومأخذ
الخلاف اختلاف الأصوليين في أن الإجماع بعد الخلاف هل يرفع الخلاف
ويصير المسألة مجمعاً عليه؟ الأصح عند أصحابنا أنه لا يرفعه بل يدوم
الخلاف، ولا يصير المسألة بعد ذلك مجمعاً عليه أبداً، وبه قال القاضي
أبو بكر الباقلاني، اهـ.
وفي ((نور الأنوار)): قيل: يشترط للإجماع اللاحق عدم الاختلاف السابق
عند أبي حنيفة، يعني إذا اختلف أهل عصر في مسألة وماتوا عليه، ثم يريد من
بعدهم أن يجمعوا على قول واحد منهما، قيل: لا يجوز ذلك الإجماع عند
أبي حنيفة، وليس كذلك في الصحيح، بل الصحيح أنه ينعقد عنده إجماع
متأخر، ويرتفع الخلاف السابق من البين، وفي هامشه على قوله: عند أبي حنيفة
اختار هذا القول أحمد بن حنبل، ومن الشافعية الغزالي، اهـ.
وقال الموفق(٢): لا يجب الحد بالوطء في نكاح مختلف فيه، كنكاح
المتعة والشغار وغيرهما، وهذا قول أكثر أهل العلم، لأن الاختلاف في إباحة
الوطء فيه شبهة، والحدود تُدْرأ بالشبهات، قال ابن المنذر: أجمع كل من
نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تُدْرأ بالشبهة، أهـ.
وقال محمد في (موطئه)) (٣) بعد أثر الباب: وقول عمر - رضي الله عنه -:
لو كنت تقدمت فيها لرجمت، إنما نضعه من عمر - رضي الله عنه - على
التهديد، وهذا قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا .
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٨١/٩/٥).
(٢) انظر: «المغني)) (١٢/ ٣٤٣).
(٣) ح (٥٨٤) ((التعليق الممجد)) (٥٤٨/٢).
٥٣٤

٢٧ - كتاب النكاح
(١٩) باب
(١١٠٦) حديث
(١٩) باب نكاح العبيد
١١٠٦/ ٤٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ يَقُولُ: يَنْكِحُ الْعَبْدُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ.
(١٩) نكاح العبد
هكذا في أكثر النسخ المصرية والهندية، وفي نسخة ((الزرقاني)) نكاح العبيد
بصيغة الجمع، والمقصود بيان بعض أحكام نكاح العبد، وفي حكمه الأمة.
٤٣/١١٠٦ - (مالك أنه سمع ربيعة) الرأي وهو (ابن أبي عبد الرحمن)
فروخ (يقول: ينكح العبد) أي يجوز له أن ينكح (أربع نسوة) بالكسر والضم
جمع امرأة على غير لفظها (قال مالك: وهذا) أي جواز الأربعة للعبد كالحر
سواء (أحسن ما سمعت في ذلك) أي في نكاح العبد من الأقوال المختلفة.
قال الباجي(١): يريد هذا العدد مباح له أن يجمع بينهن كالحر، ولا
خلاف في الجواز للحر، وهل يجوز ذلك للعبد أم لا؟ قال مالك بجوازه،
وروى أشهب عن مالك أنه قال: إنا لنقول ذلك، وما أدري ما هذا، وروى
ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يتزوج العبد إلا اثنتين، وبه قال الليث
وأبو حنيفة والشافعي وابن حنبل، وبالأول قال سالم، والقاسم، ومجاهد،
والزهري، وداود؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَنكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ﴾ الآية، لم يفرق بين
العبد والحر، وبالثاني قال عمر وعلي وعبد الرحمن بن عوف، قال أبو عمر:
لا أعلم لهم مخالفاً من الصحابة.
قال الموفق(٢): أجمع أهل العلم على أن للعبد أن ينكح اثنتين،
واختلفوا في الأربع، فمذهب أحمد أنه لا يباح له إلا اثنتان، وهذا قول عمر
(١) ((المنتقى)) (٣٣٦/٣).
(٢) («المغني)) (٤٧٢/٩).
٥٣٥

٢٧ - كتاب النكاح
(١٩) باب
(١١٠٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ مُخَالِفٌ لِلْمُحَلِّل. إِنْ أَذِنَ لَهُ سَيِّدُهُ. ثَبَتَ
نِكَاحُهُ. وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ سَيِّدُهُ. فُرِّقَ بَيْنَهُمَا. وَالْمُحَلِّلُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
عَلَى كُلِّ حَالٍ، إِذَا أُرِيدَ بِالنِّكْاحِ التَّحْلِيلُ.
وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وبه قال عطاء والحسن والشعبي وقتادة والثوري
والشافعي وأصحاب الرأي، وقال القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله،
وطاووس، ومجاهد، والزهري، وربيعة، ومالك، وأبو ثور، وداود: له نكاح
أربع لعموم الآية.
ولنا، قول من سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان .
إجماعاً، وقد روي عن الحكم بن عتيبة، قال: أجمع أصحاب رسول الله وَ لقر على
أن العبد لا ينكح أكثر من اثنتين، ويقوي هذا ما روى الإمام أحمد بإسناده عن
ابن سيرين أن عمر - رضي الله عنه - سأل الناس كم يتزوج العبد؟ فقال عبد الرحمن
ابن عوف: باثنتين، وطلاقه باثنتين، فدل هذا على أن ذاك كان بمحضر من
الصحابة وغيرهم، فلم يُنْكَرْ، وهذا يخص عموم الآية على أن فيها ما يدل على
إرادة الأحرار، وهو قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ اهـ.
قال الزرقاني(١): وفي البخاري عن الحكم أجمع الصحابة على أن
المملوك لا يجمع من النساء أربعاً، اهـ.
(قال مالك: والعبد) إذا تزوّج بغير إذن سيده (مخالفٌ) في بطلان النكاح
وإثباته (للمحلل) أي لمن تزوّج للتحليل، وبيان المخالفة أن العبد (إن أذن له
سيده ثبت) ونفذ (نكاحه) وإن كان غير جائز أولاً (وإن لم يأذن له) أي للعبد
(سيدُه فُرِّق) ببناء المجهول (بينهما) أي بين العبد وامرأته (والمحلل يفرق
بينهما) أي بينه وبين امرأته التي تزوجها للتحليل (على كل حال) سواء كان بإذن
الزوج الأول أو الولي أو غيرهما أو يكون بدون إذن أحدٍ (إذا أريد بالنكاح
التحليل) كما تقدم مبسوطاً مع اختلاف الأئمة في نكاح المحلل.
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٥/٣).
٥٣٦

٢٧ - كتاب النكاح
(١٩) باب
(١١٠٦) حديث
وغرض الإمام - رضي الله عنه - أن نكاح العبد بغير إذن سيده لا يجوز،
كما أن نكاح التحليل أيضاً لا يجوز إلا أن بينهما فرقاً، وهو أن نكاح العبد
يصح وينفذ بعد الأذن، ونكاح التحليل يُفسخ أبداً، حتى لو أراد من تزوج
للتحليل إبقاء المرأة في نكاحه يجدد النكاح عند الإمام مالك، كما تقدم في
نكاح المحلل، وذلك لأن نكاح التحليل باطل عنده، ونكاح العبد بدون الإذن
موقوف إلا أنهما مشتركان في عدم الجواز ابتداءً.
قال الموفق(١): أجمع أهل العلم على أنه ليس للعبد أن ينكح بغير إذن
سيده، فإن نكح لم ينعقد نكاحه في قولهم جميعاً، وقال ابن المنذر: أجمعوا على
أن نكاحه باطل، والصواب ما قلنا، فإنهم اختلفوا في صحته، وعن أحمد في ذلك
روايتان: أظهرهما أنه باطل، وبه جزم الخرقي، وهو قول عثمان وابن عمر، وبه
قال شريح، وهو مذهب الشافعي، وعن أحمد أنه موقوف على إجازة السيد، فإن
أجازه جاز، وإن ردّه بطل، وهو قول أصحاب الرأي، اهـ. قلت: هو المشهور من
مذهب مالك وعليه رواية ((الموطأ)) كما ترى، والمسألة خلافية عند المالكية أيضاً.
قال الباجي(٢): السيد يملك نكاح العبد وله أن يجبره عليه، وبه قال
أبو حنيفة، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجبره، وإذا عقد العبد على نفسه،
فلا يخلو أن يتزوج بإذن سیده أو بغير إذنه، فإن تزوج بإذنه فنكاحه صحیح؛
لأنه من جنس من يصح عقده، وإنما اعتبر في ذلك إذن السيد لتعلق حقه
بمنافعه وماله، وإن تزوج بغير إذن سيده فإن للسيد فسخه، وهل له أن يجيزه؟
المشهور من المذهب أن له إجازته. وحكى القاضي أبو الفرج أن القياس
يقتضي أنه لا يجوز إجازة السيد، قال: وهو الصحيح عندي، قال الباجي:
والقول الأول أصح، اهـ.
(١) ((المغني)) (٤٣٦/٩).
(٢) ((المنتقى)) (٣٣٧/٣).
٥٣٧

٢٧ - كتاب النكاح
(١٩) باب
(١١٠٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْعَبْدِ إِذَا مَلَكَتْهُ امْرَأَتُهُ، أَوِ الزَّوْجُ يَمْلِكُ
إِمْرَأَتَهُ: إِنَّ مِلْكَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، يَكُونُ فَسْخاً بِغَيْرِ طَلَاقٍ.
وَإِنْ تَرَاجَعَا بِنِكَاحِ بَعْدُ، لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْفُرْقَةُ طَلَاقاً .
(قال مالك في العبد إذا ملكته امرأته) بأي سبب كان من شراء أو هبة أو
إرث أو غير ذلك (أو الزوج يملك امرأته) كذلك بأي سبب كان، (إن) بكسر
الهمزة وشدة النون، اسمه ملك كل واحد، وخبره يكون فسخاً (ملك كل واحد
منهما) أي الزوجين (صاحبه يكون فسخاً) للنكاح إجماعاً، قال الباجي: لأن
ملك اليمين ينافي النكاح، ولذلك لا يجوز للرجل أن يتزوج أمته، ولا يجوز
للمرأة أن تتزوج عبدها، اهـ.
وفي ((الدر المختار)) (١): حرم نكاح المولى أمته والعبد سيدته؛ لأن
المملوكية تُنافي المالكية، قال ابن عابدين: أي ولو ملك بعضها، زاد في
((الجوهرة)): وكذا إذا ملك أحدهما صاحبه أو بعضه فسد النكاح (بغير طلاق)
يعني هذا الفسخ لا يعتدّ طلاقاً.
وثمرة ذلك أنهما (إن تراجعا بنكاح) ولا بد من النكاح للتراجع؛ لأن
النكاح السابق انفسخ (بعد) أي: بعد زوال الملك (لم تكن) أي لم تعتدّ (تلك
الفرقة) التي حصلت بالملك (طلاقاً) بل تكون المرأة معه بعصمةٍ جديدةٍ.
قال الباجي(٢): يريد أنهما لا يتراجعان إلا بنكاح جديد، ولا رجعة له
عليها بحكم النكاح الأول؛ لأنه قد انفسخ وبطل حكمه، وخرجا عنه بغير
طلاق، ولذلك إذا تزوّجا بنكاح جديد لم تعتدّ عليه فرقة الفسخ طلقةً، بل يبقى
له عليها ثلاث تطليقات إن كان حراً، أو طلقتان إن كان عبداً، اهـ. وذلك لأن
العبرة للزوج في عدد الطلاق عند مالك بخلاف الحنفية، فإن العبرة عندهم
للزوجة.
(١) ((رد المحتار)) (١٣١/٤).
(٢) ((المنتقى)) (٣٤٠/٣).
٥٣٨

٢٧ - كتاب النكاح
(١٩) باب
(١١٠٦) حديث
وقال الموفق(١): يحرم على العبد نكاح سيدته، قال ابن المنذر: أجمع
أهل العلم على أن نكاح المرأة عبدها باطل، وروى الأثرم بإسناده إلى جابر
قال: جاءت امرأة إلى عمر - رضي الله عنه - ونحن بالجابية، وقد نكحت
عبدها، فانتهرها عمر، وَهَمَّ أن يرجمها، وقال: لا يحل لك، ولأن أحكام
النكاح مع أحكام الملك يتنافيان، وليس للسيد أن يتزوج أمته؛ لأن ملك الرقبة
يفيد ملك المنفعة، وإباحة البضع، فلا يجتمع معه عقد أضعف منه، ولو ملك
زوجته وهي أمة انفسخ نكاحها، وكذلك لو ملكت المرأة زوجها انفسخ
نكاحها، ولا نعلم في هذا خلافاً.
ولا يجوز أن يتزوج أمة له فيها ملك، ومتى مات الأب، فورث أحد
الزوجين صاحبه أو جزءاً منه انفسخ النكاح، وكذلك إن ملكه أو جزءاً منه بغير
الإرث، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن الحسن قال: إذا اشترى امرأته للعتق،
فأعتقها حين ملكها، فهما على نكاحهما، ولا يصح لأنهما متنافيان، فلا
يجتمعان قليلاً ولا كثيراً، فبمجرد الملك لها انفسخ نكاحه سابقاً على عتقها.
وفي ((الدر المختار)) (٢): قالت لمولى زوجها: أعتقه عني بألف، ففعل
فسد النكاح لتقدم الملك اقتضاءً، كأنه قال: بعته منك وأعتقته عنك، اهـ.
ثم قال الموفق(٣): وهذا الفسخ ليس بطلاق، فمتى أعتقته، ثم تزوّجها،
لم تحتسب عليه بتطليقة، وبهذا قال الحكم وحماد ومالك والشافعي وابن المنذر
وإسحاق. وقال الحسن والزهري وقتادة والأوزاعي: هي تطليقة، وليس
بصحيح؛ لأنه لم يلفظ بطلاق صريح، ولا كناية، وإنما انفسخ النكاح بوجود
(١) ((المغني)) (٥٧٤/٩).
(٢) (٢٠٠/٣).
(٣) ((المغني)) (٥٧٦/٩).
٥٣٩

٢٧ - كتاب النكاح
(١٩) باب
(١١٠٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَبْدُ إِذَا أَعْتَقَتْهُ امْرَأَتُهُ، إِذَا مَلَكَتْهُ، وَهِيَ فِي عِدَّةٍ
مِنْهُ، لَمْ يَتَرَاجَعَا إِلَّ بِنِكَاحِ جَدِيدٍ .
ما ينافيه، فأشبه انفساخه بإسلام أحدهما أو رِدّته، ولو ملك الرجل بعض
زوجته انفسخ نكاحها، وحرم وطؤها في قول عامة المفتين، حتى يستخلصها،
فتحل له بملك اليمين، وروي عن قتادة أنه قال: لم يزده ملكه إلا قرباً، وليس
بصحيح، لأن النكاح لا يبقى في بعضها وملكه لم يتم عليها، ولا يثبت الحل
فیما لا يملكه، ولا نکاح فيه، اهـ.
قلت: وهذا الفسخ ليس بطلاق عندنا الحنفية أيضاً، ففي ((الدر
المختار)): الفرقة إن من قبلها ففسخ لا ينقص عدد طلاق ولا يلحقها طلاق،
إلا في الردة، وإن من قبله فطلاق إلا بملك أو رِدّة، اهـ.
(قال مالك: والعبد إذا أعتقته امرأته) أي زوجته (إذا ملكته وهي في عِدة
منه) يعني أن العبد إذا طلق امرأته، وهي في العدة، فملكت العبد إذ ذاك
وأعتقته إذاً (لم يتراجعا إلا بنكاح جديد) قال الباجي(١): يعني أن العبد إذا
ملكته امرأته بعد أن طلقها، وهي في عدة منه وأعتقته، وصار ممن يجوز له
أن يتزوجها لخروجه عن ملكها، فإنهما لا يتراجعان إلا بنكاح جديد، لأنه
وإن كان طلاقه إياها رجعيّاً، فإن ملكها إياه قد قطع ما كان له عليها من
الرجعة، وقد ارتفع ذلك الملك، ووجه ذلك أن ما أزال الملك منع
الرجعة، اهـ.
وهذا ظاهر لا غبار عليه لما تقدم أن الملك يفسخ النكاح مطلقاً فضلاً
عن الرجعة، فإنها تترتب على بقاء النكاح، وعلى هذا فلا بد من نكاح جديد،
إن لم تكن العدة عن المغلظة، وإلا فلا بد من التحليل.
(١) ((المنتقى)) (٣٤٠/٣).
٥٤٠