Indexed OCR Text
Pages 501-520
٢٧ - كتاب النكاح
(١٦) باب
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ يَهُودِيَّةٍ وَلَا نَصْرَانِيَّةٍ. لِأَنَّ اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَاَلُْحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْحُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَهُنَّ الْحَرَائِرُ مِنَ الْيَهُودِيَّاتِ وَالنَّصْرَانِيَّاتِ.
أما أولاً فالمفهومان، أعني مفهوم الشرط والصفة ليس بحجة عندنا،
وموضعه الأصول، وأما ثانياً فبتقدير الحجية مقتضى المفهومين، عدم الإباحة
الثابتة عند وجود القيد المبيح، وعدم الإباحة أعم من ثبوت الحرمة أو
الكراهة، ولا دلالة للأعم على أخص بخصوصه، فيجوز ثبوت الكراهة عند
عدم الضرورة، وعند وجود طول الحرة، كما يجوز ثبوت الحرمة والكراهة
أقل، فتعينت، فقلنا بها، وبالكراهة صرح في ((البدائع))، اهـ.
(قال مالك: لا يحل نكاح أمة يهودية ولا نصرانية؛ لأن الله تبارك وتعالى
يقول في كتابه) في أول سورة المائدة ﴿اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُ الطَّيْبَثُّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَمْ﴾(١) (﴿ وَلَمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اُلْكِنَبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ (٢)) أي اليهود والنصارى. كما تقدم في البحث الثاني في
أول الباب (فهن) أي المراد بالمحصنات (الحرائر من اليهوديات والنصرانيات)
ففسر الإمام - رحمه الله - ﴿المُحْصِنَاتَ﴾ بالحرائر، وروي ذلك عن مجاهد
كما في ((الدر))(٣) برواية عبد بن حميد وابن جرير، وأخرج برواية عبد بن حميد
عن الضحاك: هن العفائف، وبرواية عبد الرزاق عن الشعبي قال: التي
أحصنت فرجها. واغتسلت من الجنابة.
وقال الجصاص(٤): الإحصان لفظ مشترك، متى أطلق لم يكن عموماً،
(١) سورة المائدة: الآية ١.
(٢) سورة المائدة: الآية ٥.
(٣) ((الدر المنثور)) (٢٦/٣).
(٤) ((أحكام القرآن)) (٢/ ١٦٤).
٥٠١
٢٧ - كتاب النكاح
(١٦) باب
وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَيَتِكُمُ﴾ فَهُنَّ الْإِمَاءُ
الْمُؤْمِنَاتُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ، فِيمَا نُرَى، نِكَاحَ الْإِمَاءِ
الْمُؤْمِنَاتِ. وَلَمْ يَحْلِلْ نِكَاحَ إِمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ. الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
كسائر الألفاظ المشتركة، وقال: اختلف في المراد بالمحصنات في قوله
تعالى: ﴿وَالْخُصَنَكُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾ فروي عن الحسن والشعبي وإبراهيم
والسدي: أنهن العفائف، وروي عن عمر - رضي الله عنه - ما يدل على أن
المعنى عنده ذلك، وقال مطرف عن الشعبي قال: إحصان اليهودية والنصرانية
أن تغتسل من الجنابة، وأن تحصن فرجها، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد
قال: الحرائر.
ثم قال الجصاص: فمن تأول قوله: ﴿وَاَلْحْصَنَتُ﴾ على الحرائر جعل
الإباحة مقصورة على نكاح الحرائر من الكتابيات، ومن تأوله على العفة أباح
نكاح الإماء الكتابیات، اهـ.
(وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ
اٌلْمُؤْمِنَتِ﴾) وفي حكمها المحصنات من أهل الكتاب للآية المتقدمة (﴿فَمِن ◌َّا
مَلَكَتْ أَيْمَشُكُم مِّن فَنَيَتِّكُمُ﴾ فهن) أي الفتيات (الإماء المؤمنات) لقيد المؤمنات
في الآية.
(قال مالك) هكذا في أكثر النسخ، وليس في بعضها هذا اللفظ، والأوجه
حذفه؛ لأن الكلام الآتي مرتب على ما سبق كالنتيجة للكلام السابق (فإنما)
وفي النسخ الهندية بالواو، والأوجه الفاء (أحلّ الله فيما نرى نكاح الإماء
المؤمنات) بشرط، كما في الآية الثانية (ولم يحلل) بالفك، وفي نسخة: ((يحل))
بالإدغام (نكاح إماء أهل الكتاب اليهودية والنصرانية) بل قيد حلها بالمحصنات
المراد بها الحرائر، كما في الآية الأولى، فعلم أن نكاح الإماء مقيد
٥٠٢
٢٧ - كتاب النكاح
(١٦) باب
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمَةُ الْيَهُودِيَّةُ وَالنَّصْرَانِيَّةُ تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِمِلْكِ
الْيَمِينِ. وَلَا يَحِلُّ وَظْهُ أَمَةٍ مَجُوسِيَّةٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
بالمؤمنات، وتقدمت المذاهب فيه في البحث السادس قريباً.
قال الباجي(١): يريد أن الإباحة إنما تعلقت بالحرائر خاصة، دون
الإماء؛ لأن التحريم عام في كل مشركة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَّى
يُؤْمِنٌ﴾ ثم خص هذا الحكم بقوله تعالى: ﴿وَأْخُصَنَكُّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ﴾
الآية، فأباح تعالى نكاح حرائرهن، وعلى ذلك جماعة الفقهاء، وقد تزوج
جماعة من الصحابة أهل الكتاب، منهم عثمان وطلحة بن عبد الله، ولا نعلم
أحداً منعه غير ابن عمر - رضي الله عنهما -.
وإذا ثبت ذلك فقد كرهه مالك من غير تحريم، رواه عنه جماعة من
أصحابه، واحتجّ لذلك بأني لا أرى أن يضع ولده عند من يشرب الخمر ويأكل
الخنزير ويُغَذّيه، وإنما غذاء الابن بما تأكله المرأة ويُضاجعها الرجل، وهي لا
تغتسل، فترك ذلك أفضلُ من غير تحريم، وإنما أباح نكاح الإماء بالإيمان،
فقصر هذا الحکم علیھن دون غيرهن، اهـ.
(قال مالك: والأمة اليهودية والنصرانية تحِلّ لسيدها بملك اليمين) وهذا لا
خلاف في ذلك بين الفقهاء، كما تقدم في البحث الرابع، إلا ما حكي عن
الحسن البصري أنه كرهه(٢).
(قال مالك: ولا يحلّ وطء أمة مجوسية بملك اليمين) قال الباجي(٣): لا
يحل وطؤها بملك يمين ولا عقد نكاح، وعليه إجماع الفقهاء ما دامت على
مجوسيتها، وإن انتقلت إلى الإسلام جاز نكاحها ووطؤها بملك اليمين، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣/(٣٢٨).
(٢) انظر: ((الجامع لأحكام القرآن)) (٧١/٣)، و((المحلى)) (٥٩٥/٦).
(٣) ((المنتقى)) (٣٢٩/٣).
٥٠٣
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١٧) باب ما جاء في الإحصان
وتقدم في البحث الثاني فيه خلاف أبي ثور وداود وابن المسيب وعطاء
وطاووس وعمرو بن دينار، وفي ((المحلى)): كرهه ابن المسيب، وكان عطاء
وطاووس وعمرو بن دينار لا يرون بأساً، وروى ابن أبي شيبة عن حذيفة أنه
تَسَرَّی مجوسیةً، وبه قال ابن ثور، اهـ.
وقال الجصاص(١): ◌ُلُّ السلف وأكثر الفقهاء على أن المجوس ليسوا
أهل كتاب، وقال آخرون: هم أهل الكتاب، والقائلون بذلك شواذٌّ. وروى
سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسن بن محمد قال: كتب النبي ◌َّ إلى
مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام، قال: فإن أسلمتم فلكم ما لنا، وعليكم ما
علينا، ومن أبى فعليه الجزية غير أكل ذبائحهم، ولا نكاح نسائهم، اهـ.
(١٧) ما جاء في الإحصان
قال الرازي: الإحصان في اللغة المنع، وكذلك الحصانة، يقال: مدينة
حصينة، ودرع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة، قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ
صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ﴾(٢)، والحصن: الموضع الحصين لمنعه من يريده
بالسوء، والحصان بالفتح: المرأة العفيفة لمنعها فرجها من الفساد، قال تعالى:
﴿وَمَرَمَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ اُلَِّىّ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾(٣) ولفظ الإحصان جاء في القرآن على
وجوه:
أحدها: الحرية قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَن يَنْكِحَ
الْمُحْصَنَتِ﴾ (٤) أي الحرائر.
(١) «أحكام القرآن)) (٣٢٧/٢).
(٢) سورة الأنبياء: الآية ٨٠.
(٣) سورة التحريم: الآية ١٢.
(٤) سورة النساء: الآية ٢٥.
٥٠٤
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
والثاني: العفاف كما في قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ﴾.
وثالثها: الإسلام، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قيل في تفسيره إذا أسلمن.
والرابع: كون المرأة ذات زوج، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ
النِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾، اهـ.
وقال ابن الهمام(١): الإحصان في اللغة المنع، وأطلق في استعمال
الشارع بمعنى الإسلام، وبمعنى العقل، وبمعنى الحرية، وبمعنى الإصابة في
النكاح، وبمعنى العفة، اهـ.
قلت: ومراد المصنف بيان إحصان الرجم الوارد في الحديث المشهور:
((وزناً بعد إحصان)) روي من حديث عثمان وعائشة وأبي هريرة وابن مسعود،
ففي ((الصحيحين)) من حديث ابن مسعود: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى
ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)).
وروى الترمذي(٢) عن عثمان - رضي الله عنه - أنه أشرف عليهم يوم
الدار، وقال: أنشدكم بالله أتعلمون أن رسول الله وَ ل قال: ((لا يحل دم امرئ
مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان))، الحديث، ورواه الشافعي في
((مسنده))، والبزار والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، قاله
ابن الهمام.
وقال ابن رشد (٣): أما الإحصان فإنهم اتفقوا على أنه من شرط الرجم،
واختلفوا في شروطه، فقال مالك: البلوغ، والإسلام، والحرية، والوطء في
عقد صحيح، وحالة جائز فيها الوطء، والوطء المحظور هو الوطء في الحيض
(١) ((فتح القدير)) (٢٣/٥)، و((بدائع الصنائع)) (٥٥٣/٢).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٢١٥٨).
(٣) ((بداية المجتهد)) (٤٣٥/٢).
٥٠٥
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
أو في الصيام، فإذا زنا بعد الوطء الذي هو بهذه الصفة، وهو بهذه الصفات،
فحده عنده الرجم، ووافق أبو حنيفة مالكاً في هذه الشروط إلا في الوطء
المحظور، واشترط في الحرية أن تكون من الطرفين، ولم يشترط الشافعي
الإسلام، اهـ.
وقال الموفق(١): إن الرجم لا يجب إلا على المحصن بإجماع أهل
العلم، وللإحصان شروط سبعة.
أحدها: الوطء في القبل، ولا خلاف في اشتراطه، ولا خلاف في أن
النكاح الخالي عن الوطء لا يحصل به إحصان، سواء حصلت فيه خلوة، أو
وَظْءٌ فيما دون الفرج، أو في الدبر، أو لم يحصل شيء من ذلك؛ لأنه لا
تصير به المرأة ثيباً، ولا تخرج به عن حد الإبكار، ولا بد أن يكون وطئاً
حصل به تغييب الحشفة في الفرج.
الثاني: أن يكون في نكاح.
الثالث: أن يكون نكاحاً صحيحاً، وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم
مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو ثور: يحصل الإحصان بالوطء في
نكاح فاسد، وحكي ذلك عن الليث والأوزاعي.
الرابع: الحرية، وهو شرط في قول أهل العلم كلهم إلا أبا ثور قال:
العبد والأمة هما محصنان يرجمان إذا زنيا. وحكي عن الأوزاعي في العبد
تحته حرة أنه محصن، وإن كان تحته أمة لم يرجم، وهذه أقوال تخالف النص
والإجماع.
الخامس والسادس: البلوغ والعقل، فلو وطئ وهو صبي أو مجنون لم
(١) ((المغني)) (٣١٤/١٢).
٥٠٦
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
يكن محصناً، هذا قول أكثر أهل العلم، ومذهب الشافعي، ومن أصحابه من
قال: يصير محصناً .
السابع: أن يوجد الكمال فيهما حال الوطء، وهذا قول أبي حنيفة
وأصحابه، ونحوه قول عطاء والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري
وإسحاق، قالوه في الرقيق، وقال مالك: إذا كان أحدهما كاملاً صار محصناً
إلا الصبي، إذا وطئ الكبيرة لم يحصنها، ونحوه عن الأوزاعي.
واختلف عن الشافعي، فقيل: له قولان: أحدهما كقولنا، والثاني: أن
الكامل يصير محصناً، وهذا قول ابن المنذر، وقال بعضهم: القولان في الصبي
دون العبد، فإنه يصير محصناً، قولاً واحداً، ولا يشترط الإسلام في
الإحصان، وبهذا قال الزهري والشافعي، فعلى هذا يكون الذميان محصنين،
وإن تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين، وعن أحمد رواية أخرى: أن
الذمية لا تحصن المسلم، وقال عطاء والنخعي والشعبي ومجاهد والثوري: هو
شرط الإحصان، فلا يكون الكافر محصناً، ولا تحصن الذمية مسلماً، اهـ.
وفي ((الهداية)) (١): إحصان الرجم أن يكون حراً عاقلاً بالغاً مسلماً، قد
تزوج امرأة نكاحاً صحيحاً، ودخل بها، وهما على صفة الإحصان، والشافعي
يخالفنا في اشتراط الإسلام، وكذا أبو يوسف في رواية، لهما: ما روي أن
النبي مَ﴾ رجم يهوديين قد زنيا، قلنا: كان ذلك بحكم التوراة ثم نسخ، يؤيده
قوله {ل: ((من أشرك فليس بمحصن)).
قال ابن الهمام(٢): قوله: إحصان الرجم، قيد به؛ لأن إحصان القذف
غير هذا، كما ذكر في محله، وقوله: الشافعي يخالفنا في اشتراط الإسلام،
وبه قال أحمد، وقول مالك فيه كقولنا .
أ
(١) (٣٤٢/١).
(٢) ((فتح القدير)) (٢٢/٥ - ٢٣).
٥٠٧
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
وفي ((المبسوط)): المتقدمون يقولون: شرائط الإحصان سبعةٌ، وعَدَّ ما
ذكرنا، واختلف في الاثنين من هذه: الإسلام، وكون كل واحد من الزوجين
مساوياً للآخر في شرائط الإحصان وقت الإصابة بحكم النكاح، فهو شرط
عندنا خلافاً للشافعي، حتى لو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو
مجنونة أو كتابية، ودخل بها لا يصير الزوج محصناً بهذا الدخول، حتى لو
زنی بعده لا یرجم عندنا .
وكذا لو تزوج الحرة البالغة العاقلة المسلمة من عبد أو مجنون أو صبي،
ودخل بها لا تصير محصنة، ولو تزوج مسلم ذمية، فأسلمت بعد ما دخل بها،
فقبل أن يدخل بها بعد الإسلام أي أن يطأها إذا زنى لا يرجم، وكذا لو
أعتقت الأمة التي هي زوجة الحر البالغ العاقل المسلم بعد ما دخل بها لو زنى
لا يرجم ما لم يطأها بعد الإعتاق، وكذا لو كانت تحته حرة مسلمة، وهما
محصنان فارتدا معاً بطل إحصانهما، فإذا أسلما لا يعود إحصانهما حتى يدخل
بها بعد الإسلام، اهـ.
وقال الدردير(١) بعد ما ذكر شرائط الإحصان: والحاصل أن شروط
الإحصان عشرة، إذا تخلف شرط منها لم يرجم، وهي: بلوغ، وعقل، وحرية،
وإسلام، وإصابة في نكاح لازم، ووطء مباح بانتشار، وعدم مناكرة، اهـ.
وخرج بالنكاح اللازم غير لازم، كنكاح عبد حرة، بلا إذن سيده،
ومعيب وفاسد يفسخ، فلا تكون زوجة العبد محصنة بوطئه لها، فإذا زنت لم
ترجم، أما إذا كان نكاح العبد للحرة بإذن سيده ووطئها بعد الإذن، فإن ذلك
النكاح يكون محصناً لموطوءته الحرة، والعبد لا يُرجم على كل حال؛ لأن
العبد نفسه لا يكون محصناً مطلقاً؛ لأن من شروط الإحصان الحرّيةَ، والمراد
(١) ((الشرح الكبير)) (٣٢٠/٤).
٥٠٨
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٢) حدیث
٣٩/١١٠٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: الْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ هُنَّ
بعدم المناكرة أي بين الزوجين في الوطء، بأن يعترفا بحصوله لا أن أقرّ
أحدهما بحصوله وأنكره الآخر، قاله الدسوقي.
وقال الباجي(١): فإن لم يكن الذكر منتشراً، فقد روى ابن حبيب عن
أصبغ عن ابن القاسم في التي تزوجت شيخاً كبيراً، فأدخلت بإصبعها ذكره في
فرجها، إن انتشر بعد ذلك أحلّها للمطلق ثلاثاً وإن بقي على ذلك لم يُحلِّها،
قال محمد عن ابن القاسم: فإن وطئها فوق الفرج، فدخل ماؤه في فرجها،
فأنزلت هي لم يحصنها ذلك ولم يحلها، اهـ.
وقال الدردير (٢): تحصن كلٌّ من الزوجين الرقيقين دون صاحبه بالعتق.
والوطء بعده بشروطه المتقدمة، فإذا عتق وزوجته مطيقة غير بالغ أو كافرة
وأصابها تحصن دونها، فإن عتقت فقط تحصنت دونه إن أصابها وهي بالغة
مسلمة عاقلة، والحاصل أن الذكر المكلف الحر المسلم يتحصن بوطء زوجته
المطبقة ولو صغيرة أو كافرة أو أمة.
والأنثى تتحصن بوطء زوجها إن كان بالغاً، ولو عبداً أو مجنوناً، فعلم
أن شرط تحصين الذكر زيادة على العشر المتقدمة إطاقة موطوءته، وشرط
تحصين الأنثى بلوغ واطئها فقط زيادة على العشرة، لا يقال: وإسلامه، لأن
الكافر لا يصح نكاحه المسلمة، فهو خارج بالنكاح الصحيح، اهـ.
٣٩/١١٠٢ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن سعيد بن المسيب)
وأخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي (أنه
قال) في تفسير قوله عز اسمه: (المحصنات من النساء هن) أي المراد
(١) (المنتقى)) (٣٣٢/٣).
(٢) ((الشرح الكبير» (٣٢١/٤).
٥٠٩
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٢) حديث
أُولَاتُ الْأَزْوَاجِ. وَيَرْجِعُ ذُلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الزَّنَا.
بالمحصنات (أولات الأزواج) وقد روي هذا التفسير عن جماعة غير
ابن المسيب، كما سيأتي (ويرجع ذلك) وفي بعض الطرق، عن ابن المسيب:
((ومرجع ذلك)) (إلى أن الله تعالى حَرَّم الزنا) واختلفوا في المراد عن تفسير
ابن المسيب.
وتقدم أولاً ما قال الرازي من الأقاويل في تفسير الآية. فقال: فيه
مسائل؛ منها، ما قال الواحدي: اختلف القُرَّاء في المحصنات، فقرءوا بكسر
الصاد وفتحها في جميع القرآن إلا التي في هذه الآية، فإنهم أجمعوا على
الفتح فيها، فمن قرأ بالكسر جعل الفعل لهن، يعني أسلمن، واخترن العفاف،
وتزوجن وأحصن أنفسهن بسبب هذه الأمور، ومن قرأ بالفتح جعل الفعل
بغيرهن، يعني أحصنهن أزواجهن، اهـ.
قلت: وهذا بخلاف ما قال ابن الهمام: إن المحصن من الأحرف التي
جاء الفاعل منها على مفعل بفتح العين يقال: أحصن يحصن فهو محصن، في
ألفاظ معدودة هي أسهب فهو مسهب إذا طال وأمعن في الشيء، وألفج بالفاء
والجيم افتقر فهو ملفج الفاعل والمفعول فيه سيّان، اهـ.
ومنها ما قال الرازي(١): في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ﴾ قولان: أحدهما:
المراد منها ذوات الأزواج، وعلى هذا التقدير ففي قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ
أَيْمَنُكُمْ﴾، وجهان: الأول: أن المرأة إذا كانت ذات زوج، حرمت على غير
زوجها، إلا إذا صارت ملكاً للإنسان، فإنها تحلّ للمالك، الثاني: أن المراد
بملك اليمين ههنا ملك النكاح، والمعنى أن ذوات الأزواج حرام عليكم إذا
ملكتموهن بنكاح جديد بعد وقوع البينونة بينهن وبين أزواجهن، والمقصود من
هذا الكلام الزجر عن الزنا والمنع من وطئهن إلا بنكاح جديد، أو بملك يمين
(١): ((تفسير الرازي)) (١٤٥/١١).
٥١٠
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٢) حديث
إن كانت المرأة مملوكة، وعبّر عن ذلك بملك اليمين، لأن ملك اليمين حاصل
في النكاح، وفي الملك، اهـ.
قلت: وهذا هو المراد عندي من كلام ابن المسيب، قال الرازي:
والقول الثاني أن المراد ههنا بالمحصنات الحرائر، ففي قوله: إلا ما ملكت
أيمانكم، وجهان: الأول: المراد منه العدد، أي إلا العدد الذي جعله الله ملكاً
لكم، وهو الأربع فصار التقدير: حرمت عليكم الحرائر إلا هذا العدد، الثاني:
الحرائر محرماتٌ عليكم إلا ما أثبت الله لكم ملكاً عليهن، وذلك عند حضور
الوليّ والشهود وسائر المعتبرة في الشريعة، اهـ مختصراً.
وقال الباجي(١): قول سعيد بن المسيب: إن المحصنات هن أولات
الأزواج قد قال به جماعة من الصحابة، منهم عبد الله بن مسعود وابن عباس
وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري، وقال به جماعة من التابعين، وروي عن
عطاء وطاووس أن المراد به جماعة النساء إلا من أحلّ له بالتزويج، قال
القاضي أبو إسحاق: وإنما قالوا بذلك جملة، ولم يبلغوا به استقصاء التفسير،
وكذلك قالوا في تفسيرها: إنما حرم الزنا، ولم يبينوا أيضاً مذهبهم.
وإنما جاء حقيقة التفسير على قولين: أحدهما: من قال: إن ذلك مما
ملكت يمين الرجل من المسلمات، فإن له إذا اشتراها ولها زوج أن يغشاها،
والقول الآخر: ما جاءت به الرواية في سبي أوطاس، فإن الآية إنما نزلت في
النساء اللاتي لهن أزواج في بلاد الشرك، فإذا سُبَيْنَ انقطعت العصمة بينهن
وبين أزواجهن، وهذا هو الوجه الذي عليه عمل الناس، فإن نكاح الأمة بإذن
سيدها ثابت بإجماع المسلمين، فليس يجوز نقضه إلا بحجة، ولا نعلم للذين
قالوا خلاف هذا القول حجة.
(١) ((المنتقى)) (٣٢٩/٣).
٥١١
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٢) حديث
يريد القاضي أبو إسحاق الردّ على من قال: بيع الأمة طلاقها، وهو قول
سعيد بن المسيب، ويريد أنه لم يُتمّوا التفسير الذي أشاروا إليه، وما قاله
سعيد بن المسيب، معناه عنده أنه حرم ذوات الأزواج إلا ما ملكت اليمين،
بابتياع جارية لها زوج، فإنها تحلّ له؛ لأن بيع الأمة يفسخ نكاح زوجها،
ويزيل عصمته عنها، فأنكر ذلك القاضي أبو إسحاق، وذهب إلى أن معناه إلا
من سبى جارية، لها زوج ببلد الحرب، فإنها تحلّ له بملك اليمين؛ لأن السبي
يفسخ النكاح، فاختار لذلك أن المحصنات من ذوات الأزواج، ولم ينقل مالك
من قول سعيد بن المسيب أن بيع الأمة طلاقها لما لم ير ذلك، وأن الصواب
قول من قال: إن بيع الأمة لا يؤثر في نكاحها فرقة، وبه قال أبو حنيفة
والشافعي.
وقول سعيد بن المسيب، ورجع ذلك إلى أن الله حرم الزنا، وروى
ابن مزيّن عن عيسى بن دينار أن معناه لا يكون إحصان بزنا، ولا يكون إلا
بنكاح، وهذا فيه نظر؛ لأنه ليس في الآية ذكر للزنا، ولا سيما على تأويل
سعيد بن المسيب.
قال الباجي(١): والأظهر عندي أن يكون معناه أن المحصنات إذا كن
ذوات أزواج، ولا يمكن أن ينعقد عليهن عقد نكاح، فإنما يتوجه التحريم إلى
الوطء دون العقد، وذلك زنا إلا بملك اليمين والذي استثناه، اهـ.
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٢) بعدما ذكر أثر سعيد المذكور:
وروى معمر عن ابن طاووس عن أبيه في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾
قال: فزوجتك مما ملكت يمينك، يقول: حرّم الله الزنا لا يحلّ لك أن تطأ
(١) ((المنتقى)) (٣٣٠/٣).
(٢) ((أحكام القرآن)) (١٣٨/٢)، و((الاستذكار)) (٢٧٨/١٦).
٥١٢
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٢) حديث
امرأة إلا ما ملكت يمينك، وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد: ((والمحصنات من
النساء))، قال: نهى عن الزنا، وعن عطاء بن السائب، قال: كل محصنة عليك
حرام إلا امرأة تملكها بنكاح، فكان تأويلها عند هؤلاء أن ذوات الأزواج محرم إلا
على أزواجهن، قال: وليس يمتنع أن يكون ذلك من مراد الله تعالى بالآية لاحتمال
اللفظ له، وذلك لا يمنع إرادة المعاني التي تأولها الصحابة عليها من إباحة وطء
السبايا اللاتي لهن أزواج حربيون، فيكون محمولاً على الأمرين، والأظهر أن ملك
اليمين هي الأمة دون الزوجات، لأن الله عز اسمه فرق بينهما، فقال: ﴿وَلَِّيْنَ هُمْ
لِفُرُوجِهِمْ خَفِظُونٌ ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَلُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
الآية، فجعل ملك اليمين غير الزوجات، اهـ.
وقال السيوطي في ((الدر)) (١): أخرج الطيالسي، وعبد الرزاق، والفريابي،
وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي،
والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطحاوي،
وابن حبان، والبيهقي، عن أبي سعيد الخدري(٢): ((أن رسول الله وَّل بعث يوم
حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدواً فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا،
فكان ناساً من أصحاب رسول الله وَ له تحرّجوا من غشيانهم من أجل أزواجهم من
المشركين، فأنزل الله في ذلك ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ الآية، يقول: إلا ما أفاء الله
عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهن، وعلى هذا فالمراد السبايا ذوات الأزواج
خاصة، فقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ يعني منهن لهدم السبي النكاح، وبه قال
الأكثر والأئمة الأربع، وهو الصواب، قاله الزرقاني (٣).
(١) ((الدر المنثور)) (٤٤٨/٢).
(٢) أخرجه مسلم (١٤٥٦)، وأبو داود (٢١٥٥)، والترمذي (١١٣٢)، والنسائي (٣٣٣٣)،
وأحمد (١١٢٩٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٥١/٣).
٥١٣
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٢) حدیث
وقال ابن كثير(١): قوله تعالى: ﴿وَالْمُعْصَنَتُ﴾ الآية، أي حرّم عليكم من
الأجنبيات المحصنات، وهي المزوجات ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ يعني إلا ما
ملكتموهن بالسبي، فإنه يحلّ لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في
ذلك، ثم أخرج حديث أبي سعيد المذكور، ثم قال: وقد روى الطبراني من
حديث الضحاك عن أنس أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث
أبي سعيد.
وذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقاً لها من زوجها أخذاً
بعموم هذه الآية، وروى بسنده إلى إبراهيم أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج، قال:
كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها، ويتلو هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ﴾ الآية، وروي
ذلك عن ابن مسعود - رضي الله عنه - بطرق، وفي لفظ: إذا بيعت الأمة ولها زوج
فسيدها أحق ببضعتها، وقال أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس، قالوا:
بيعها طلاقها، وروي ذلك عن ابن المسيب والحسن، فهذا قول هؤلاء من السلف،
وزاد فيهم الحافظ في ((الفتح))(٢) مجاهداً.
وقد خالفهم الجمهور قديماً وحديثاً، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقاً لها؛
لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان أخرج عن ملكه هذه المنفعة،
وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في
((الصحيحين)) وغيرهما. فإن عائشة رضي الله عنها - اشترتها، وأعتقتها، ولم
ينفسخ نكاحها عن زوجها مغيث، بل خيّرها رسول الله وَطّو بين الفسخ والبقاء،
فاختارت الفسخ، والقصة مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها، كما قال
هؤلاء، ما خَيَّرها رسول الله بَّهَ، فلما خيّرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد
من الآية المسبيات فقط.
(١) ((تفسير ابن كثير)) (١٩/٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٠٤).
٥١٤
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٣) حديث
٤٠/١١٠٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَبَلَغَهُ عَنِ
الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ؛ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ: إِذَا نَكَحَ الْحُرُّ الْأَمَةَ فَمَسَّهَا،
فَقَدْ أَخَّصَنَتْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ كَانَ يَقُولُ ذُلِكَ: تُحْصِنُ الْأَمَةُ
الْحُرَّ. إِذَا نَكَحَهَا فَمَسَّهَا، فَقَدْ أَحْصَنَتْهُ.
قَالَ مَالِكٌ: يُحْصِنُ الْعَبْدُ الْحُرَّةَ إِذَا مَسَّهَا بِنِكَاحِ. وَلَا تُحْصِنُ
.....
الْحُرَّةُ الْعَبْدَ، إِلَّا أَنْ يُعْتَقَ، وَهُوَ زَوْجُهَا، فَيَمَسَّهَا بَعْدَ عِثْقِهِ.
٤٠/١١٠٣ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري سماعاً (وبلغه) أي مالكاً (عن
القاسم بن محمد) بن الصديق الأكبر بواسطة أحد (أنهما) أي الزهري والقاسم (كانا
يقولان: إذا نكح الحر الأمة فمسّها) أي جامعها (فقد أحصنته) أي يصير الحر
محصناً بهذا الجماع؛ لما تقدم في أول الباب أن الحر يصير محصناً عند مالك ومن
معه بجماع الأمة بشرائطه، ولا يصير مُحصناً عند الحنفية ومن معهم بجماع الأمة،
ولا تُحصن الأمة إجماعاً بهذا الجماع، لفقدان شرط الحرية في حقها .
(قال مالك: وكل من أدركت) من أهل العلم في المدينة (كان يقول ذلك)
أي مثل ما قال الزهري والقاسم، ثم أوضح المشار إليه بقوله (تُحصن الأمة)
بالرفع على الفاعلية (الحر) بالنصب على المفعولية (إذا نكحها فمسها) أي
جامعها، وهذا بيان لاسم الإشارة.
(قال مالك: يُحصن) بضم التحتية وسكون الحاء من الإحصان (العبد)
بالرفع (الحرة) بالنصب (إذا) نكحها نكاحاً صحيحاً (مسّها بنكاح) أي جامعها
جماعاً حلالاً (ولا تحصن) بضم الفوقية وسكون الحاء (الحرة) بالرفع (العبد)
بالنصب، لفقدان شرط الحرية في حقه (إلا أن يعتق) العبد ببناء المجهول، أي
يعتقه سيده (وهو) أي العبد (زوجها) أي الحرة المذكورة (فيمسّها بعد عتقه) أي
يجامعها بعد العتق، فيصير محصناً بذلك الجماع، ولا يمنعه عن الإحصان كون
النكاح في حالة الرق إذا تحقق الجماع في الحرية.
٥١٥
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٣) حديث
فَإِنْ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يُعْتَقِ فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ. حَتَّى يَتَزَوَّجَ بَعْدَ عِتْقِهِ،
وَيَمَسَّ امْرَأَتَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَالْأَمَةُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ
تُعْتِقُ. فَإِنَّهُ لَا يُحْصِنُهَا نِكْاحُهُ إِيَّاهَا وَهِيَ أَمَةٌ. حَتَّى تُنْكَحَ بَعْدَ
عِتْقِهَا. وَيُصِيبَهَا زَوْجُهَا. فَذَلِكَ إِحْصَانُهَا .
(فإن فارقها قبل أن يعتق) ببناء المجهول (فليس بمحصن) لأن الوطء
السابق كان في الرق (حتى يتزوج بعد عتقه ويمسّ امرأته) بعد العتق، قال
الباجي(١): إن العبد إنما يحصن زوجته الحرة بنكاح أذن فيه السيد، فإن
أصابها بنكاح لم يأذن فيه السيد، ففرق بينهما، فلا خلاف على المذهب نعلمه
أنه لا يقع به الإحصان، وإن أجاز السيد النكاح بعد أن وطئها، فالمشهور من
المذهب أنه لا يحصنها ما تقدم من وطئها .
وكذلك كل وطء فيه خيار لأحد، كوطء المجبوب والمجنون والمجذوم
قبل أن تعلم الزوجة داءه، فإنه لا يقع بشيء من ذلك الإحصان، فإن وطئ بعد
الإجازة فلا خلاف نعلمه في المذهب أن الإحصان يحصل للزوجة الحرة؛ لأنه
وطء كامل لا خيار فيه لأحد صادف من كملت له صفات الإحصان، فوجب
أن يحصن.
(قال مالك: والأمة إذا كانت تحت الحر، ثم فارقها) الحر (قبل أن تعتق)
ببناء المجهول (فإنه لا يحصنها نكاحه إياها وهي أمة) جملة حالية (حتى تنكح)
تلك المرأة (بعد عتقها ويُصيبها زوجُها فذلك) أي الوطء بعد العتق (إحصائها)
لأن الوطء السابق كان في حالة الرق، وإنما قال: حتى تنكح، لقوله: ثم
فارقها، وليس عقد النكاح بعد العتق شرطاً في إحصانها، بل إذا تحقق الوطء
بعد العتق يكفي للإحصان، ولو كان العقد في حال الرق.
(١) انظر: ((المنتقى)) (٣٣٢/٣).
٥١٦
٢٧ - كتاب النكاح
(١٧) باب
(١١٠٣) حديث
وَالْأَمَةُ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ الْحُرِّ، فَتُعْتِقُ وَهِيَ تَحْتَهُ. قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهَا .
فَإِنَّهُ يُحْصِنُهَا إِذَا عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَهُ، إِذَا هُوَ أَصَابَهَا بَعْدَ أَنْ تُعْتِقَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: وَالْحُرّةُ النَّصْرَانِيَّةُ، وَالْيَهُودِيَّةُ، وَالْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ
يُحْصِنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ. إِذَا نَكَحَ إِحْدَاهُنَّ، فَأَصَابَهَا .
(قال مالك: والأمة إذا كانت تحت الحر فتعتق) ببناء المجهول (وهي
تحته) جملة حالية (قبل أن يفارقها أنه) أي الزوج (يحصنها إذا عتقت، وهي
عنده إذا هو أصابها) أي جامعها (بعد أن تُعتق) ببناء المجهول، فإن لم يصبها
بعد العتق، فلا يحصنها؛ لأن الوطء السابق كان في حالة الرقّ.
وهذه كلها فروع لأصل متقدم في أول الباب، أن أحدهما إذا كان كاملاً
يحصن بوطء العبد أو الأمة، ولا يحصن العبد ولا الأمة إلا بالوطء بعد
العتق، وهذا مذهب الإمام مالك، ويشترط الكمال فيهما معاً عند الحنفية
وأحمد، كما تقدم في أول الباب، فلا يتحقق الإحصان عندهم في هذه
الفروع، إلا إذا وجد الوطء بعد عتقهما معاً، واختلف في ذلك قول الإمام
الشافعي، كما تقدم.
(وقال مالك: والحرة النصرانية و) كذا الحرة (اليهودية) والمراد الحرة
الكتابية، وقيدها بالحرة، لما تقدم قريباً أنه لا يصح نكاح المسلم الأمة الكتابية
عند مالك (والأمة المسلمة يحصِنّ) بضم الياء وسكون الحاء وكسر الصاد
المهملتين بصيغة الجمع. وفي النسخ الهندية ((تُحصن)) بالإفراد أي كل واحدة
منهن (الحر المسلم) بالنصب على المفعولية (إذا نكح) الحر المسلم (إحداهن)
مفعول (فأصابها) أي جامعها، فيحصنه وطء الكتابية الحرة والأمة المسلمة،
لكونه حراً مسلماً وطئ وطئاً كاملاً، وهذا مذهب مالك، وقول للشافعي،
والثاني له، وهو مذهب الحنفية، وأحمد: أن ذاك الحر المسلم لا يكون
محصناً بفقدان شرط الكمال في جانب المرأة، ويشترط عندهم كمالهما حالة
الوطء.
٥١٧
٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
(١٨) باب نكاح المتعة
(١٨) نكاح المتعة
هو النكاح إلى أجل معين، من التمتع بالشيء: الانتفاع به كأنه ينتفع به
إلى أمد معلوم، كذا في ((المجمع))، وقال الراغب(١): المتاع: انتفاع ممتد
الوقت، يقال: متّعه الله بكذا وأمتعه، وتمتع به، ومتعة النكاح هي أن الرجل
كان يشارط المرأة بمال معلوم يعطيها إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل
فارقها من غير طلاق، اهـ.
وهل يشترط فيه مادة المتع؟ ظاهر فروع الحنفية، نعم، إذ ذكروا نكاح
المتعة والنكاح المؤقت قسمين، وقالوا: بطل نكاح المتعة، والمؤقت، قال
ابن نجيم: فرق بينهما في ((النهاية)) و((المعراج)) بأن يذكر في المؤقت لفظ
النكاح، أو التزويج مع التوقيت، وفي المتعة لفظ أتمتّع بكِ، أو أستمتع، وفي
((العناية)) بفرق آخر أن المؤقت يكون بحضرة الشهود، ويُذكر فيه مدة معينة
بخلاف المتعة، فإنه لو قال: أتمتّع بِك، ولم يذكر مدة كان متعة. والتحقيق ما
في ((فتح القدير))(٢)، اهـ.
ونصه: قال شيخ الإسلام في الفرق بينهما أن يذكر المؤقت بلفظ النكاح
والتزويج، وفي المتعة أتمتّع، وأستمتع، يعني ما اشتمل على مادة متعة، والذي
يظهر مع ذلك عدم اشتراط الشهود في المتعة، وتعيين المدة، وفي المؤقت
الشهود، وتعيينها، ولا شك أنه لا دليل لهؤلاء على تعيين كون النكاح المتعة
الذي أباحه وَ ◌ّر ثم حَرَّمه، هو ما اجتمع فيه مادة م تع للقطع من الآثار، بأن
المتحقق ليس إلا أنه أذن لهم في المتعة.
وليس معنى هذا أن من باشر هذا يلزمه أن يخاطبها بلفظ أتمتّع ونحوه،
(١) ((مفردات القرآن)) (٧٥٧).
(٢) انظر: ((فتح القدير)) (١٤٩/٣ - ١٥٠).
٥١٨
٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
لما عرف أن اللفظ يُطلق، ويراد معناه، فإذا قيل: تمتّعوا، فمعناه أوجدوا معنى
هذا اللفظ، ومعناه المشهور أن يُوجِد عقداً على امرأة لا يُراد به مقاصد عقد
النكاح من القرار للولد، وتربيته، بل إلى مدة معينة ينتهي العقد بانتهائها، أو
غير معينة، بمعنى بقاء العقد ما دام معها إلى أن ينصرف عنها، فلا عقد،
فيدخل فيه ما بمادة المتعة، والنكاح المؤقت أيضاً، فيكون من أفراد المتعة،
وإن عقد بلفظ التزويج وأحضر الشهود، ولم يعرف في شيء من الآثار لفظ
واحد ممن باشرها من الصحابة - رضي الله عنهم -، بلفظ تمتعت بك ونحوه،
انتهى مختصراً.
قلت: وعامة أصحاب الفروع من فروع الأئمة الأربعة فسّروها بالنكاح
إلى أجل.
قال الزرقاني(١): هو النكاح لأجلٍ، كما فسره في ((المدونة)) وقال
الباجي(٢): هي النكاح المؤقت مثل أن يتزوج الرجل المرأة إلى سنة أو شهر أو
أكثر من ذلك أو أقل، فإذا انقضت المدة، فقد بطل حكم النكاح وكمل أمره،
قاله ابن المواز وابن حبيب، زاد ابن حبيب: أو مثل أن يقول المسافر يدخل
البلد: أتزوّجك ما أقمت حتى أقفل، اهـ.
قال الموفق(٣): معنى نكاح المتعة أن يتزوج المرأة مدة، مثل أن يقول:
زوّجتك ابنتي شهراً، أو سنة، أو إلى انقضاء الموسم، أو قدوم الحاج،
وشبهه، سواء كانت المدة معلومة أو مجهولة، فهذا نكاح باطل، اهـ.
قال ابن عابدين (٤) تبعاً لابن الهمام: إن تحريم المتعة كان في حجة
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٥٢/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣٣٤/٣).
(٣) («المغني)) (٤٦/١٠).
(٤) ((رد المحتار)) (١٤٣/٤).
٥١٩
٢٧ - كتاب النكاح
(١٨) باب
الوداع، وكان تحريم تأبيدٍ لا خلاف فيه بين الأئمة وعلماء الأمصار، إلا طائفة
من الشيعة، ونسبة الجواز إلى مالك كما وقع في ((الهداية)) غلط، اهـ.
وقال ابن دقيق العيد(١): ما حَكَى بعض الحنفية عن مالك من الجواز
خطأ، فقد بالغ المالكية في منع النكاح المؤقت حتى أبطلوا توقيت الحلّ
بسببه، فقالوا: لو علّق على وقتٍ لا بد من مجيئه، وقع الطلاق الآن، لأنه
توقيت للحل فيكون في معنى نكاح المتعة، كذا في ((الفتح)).
وفي ((المدونة)): لا يجوز النكاح إلى أجل قريب أو بعيد، وإن سمى
صداقاً، وهذه المتعة، اهـ. كذا في ((المحلى)).
قال الموفق(٢): هذا نكاح باطل نص عليه أحمد، فقال: نكاح المتعة
حرام، وقال أبو بكر: فيه رواية أخرى: أنها مكروهة غير حرام؛ لأن
ابن منصور سأل أحمد عنها، فقال: يجتنبها أحب إليّ، قال: فظاهر هذا
الكراهية دون التحريم، وغير أبي بكر من أصحابنا يمنع هذا، ويقول: في
المسألة رواية واحدة في تحريمها، وهذا قول عامة الصحابة والفقهاء، وممن
روي عنه تحريمها عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير.
قال ابن عبد البر: وعلى تحريم المتعة مالك، وأهل المدينة، وأبو حنيفة
في أهل الكوفة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والشافعي،
وسائر أصحاب الآثار، وقال زفر: يصح النكاح، ويبطل الشرط، اهـ.
قلت: ما حكي عن زفر إنما هو في النكاح المؤقت دون المتعة.
ففي ((الهداية))(٣): النكاح المؤقت باطل، وقال زفر: هو صحيح لازم؛
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٧٣/٩).
(٢) («المغني)) (٤٦/١٠).
(٣) (١٩٠/١).
٥٢٠