Indexed OCR Text

Pages 461-480

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٠٩٢) حديث
وللأمة الثلث، قال الباجي(١): وقد اختلف في ذلك قول مالك، فقيل: هذا
القول رواه ابن حبيب عن مالك إذا كان الزوج حراً، وفي ((المدونة)) من رواية
ابن القاسم عن مالك أنه رجع قبل موته إلى أن للحرة الثلثين من القسم،
وللأمة الثلث.
والقول الثاني: يقسم بينهما بالسواء، وهو اختيار ابن القاسم، قال ابن
الموّاز: وعليه ثبت مالك، وبه قال ربيعة، وهذا إذا كان الزوج حراً، فإن كان
عبداً، فلا خلاف في المذهب أن يسوّي بينهما في القسم، إلا ما قاله
ابن الماجشون، فإنه قال: يفضل الحرة على الأمة، اهـ.
وقال الدردير(٢): والزوجة الأمة المسلمة كالحرة في وجوب القسم في
المبيت، والتسوية بينهما فيه.
وقال الموفق(٣): ويقسم لزوجته الأمة ليلة، وللحرة ليلتين، وإن كانت
كتابية، وبهذا قال علي بن أبي طالب. وسعيد بن المسيب ومسروق،
والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وذكر أبو عبيد أنه مذهب الثوري
والأوزاعي، وأهل الرأي لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقول:
إذا تزوّج الحرة على الأمة قسم للأمة ليلة، وللحرة ليلتين، رواه الدارقطني،
واحتجّ به أحمد، اهـ.
قلت: ما حكى من مذهب الإمام الشافعي، فهو كذلك صرح به شارح
((الإقناع)) وغيره، وبه قالت الحنفية، قال صاحب ((الهداية))(٤): وإن كانت
(١) ((المنتقى)) (٣٢١/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٣٤٠/٢).
(٣) ((المغني)) (٢٤٦/١٠).
(٤) (٢١٦/١).
٤٦١

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٠٩٢) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَنْبَغِي لِحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً، وَهُوَ يَجِدُ طَوْلاً
لِحُرَّةٍ. وَلَا يَتَزَوَّجَ أَمَةً إِذَا لَمْ يَجِدْ طَوْلاً لِحُرَّةٍ، إِلَّا أَنْ يَخْشَى
الْعَنَتَ. وَذُلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ
مِنْكُمْ طَوْلًا
إحداهما حرة والأخرى أمة. فللحرة الثلثان من القسم، وللأمة الثلث، بذلك
ورد الأثر، ولأن حلّ الأمة أنقص من حل الحرة، فلا بد من إظهار النقصان
في الحقوق، وقال ابن الهمام: قضى به أبو بكر وعلي - رضي الله عنهما -،
وبالقضاء عن علي احتجّ الإمام أحمد، وتضعيف ابن حزم إياه بالمنهال بن
عمرو، وبابن أبي ليلى ليس بشيء، لأنهما ثبتان، حافظان، اهـ.
(قال مالك: ولا ينبغي) أي لا يجوز (لحر أن يتزوج أمة وهو يجد طولاً)
أي غنّى (الحرة) وهذا أحد الشرطين لجواز نكاح الحرة، ومع ذلك له شرط
آخر، ولذا قال: (ولا يتزوج أمة إذا لم يجد طولاً لِحُرَّةٍ) أي ولا يتزوجها مع
عدم الطول أيضاً (إلا أن يخشى العنت)، أي يخاف الزنا، وهذا شرطٌ ثانٍ.
قال الباجي(١): فلا يجوز له أن يتزوج الأمة إلا بشرطين: عدم الطول،
وخوف العنت، وهذا هو المشهور من مذهب مالك، رواه عنه في ((المدونة)).
ابن القاسم وابن وهب وعلي بن زياد وابن نافع، وفي ((العتبية))، و((الواضحة))
من سماع ابن القاسم عن مالك أنه أجاز للحر نكاح الأمة مع وجود الطول
وأمن العنت، اهـ. وتقدم اختلاف المالكية في ذلك.
(وذلك) أي دليل الشرطين المذكورين (أن الله تبارك وتعالى قال في كتابه)
وهذا بيان الشرط الأول (﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾) أي غنى.
قال الرازي(٢): الطول، الفضل، ومنه التطول، وهو التفضل، وأصل هذه
(١) ((المنتقى)) (٣٢٢/٣).
(٢) ((تفسير الرازي)) (٥٥/١٠).
٤٦٢

٢٧ - كتاب النكاح
(١٢) باب
(١٠٩٢) حديث
أَن يَنْكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَشُكُم مِّن فَيَتِكُمُ
اٌلْمُؤْمِنَتِ﴾ وَقَالَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ اُلْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾
قَالَ مَالِكٌ: وَالْعَنَتُ هُوَ الزِّنَا .
الكلمة من الطُّوْلِ الذي هو خلاف القصر، لأنه إذا كان طويلاً ففيه كمال وزيادة،
وسمي الغنى طولاً لأنه يُنال به من المرادات ما لا يُنال عند الفقر (﴿أَن يَنْكِحَ﴾)
مفعول لطول (﴿اَلْمُحْصَنَتِ﴾) الحراير (﴿اَلْمُؤْمِنَتِ﴾) جرى على الغالب، فلا مفهوم
له (﴿فَمِن ◌َّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُم مِّن فَنَيَتِكُمُ﴾) جمع فتاة وهي الشابة من النساء
(﴿الْمُؤْمِنَتِ﴾، وقال) الله تعالى بعد ذلك، وهو بيان للشرط الثاني (﴿ذَلِكَ﴾) أي
نكاح الإماء عند عدم الطول (﴿لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾.).
(قال مالك: والعنت الزنا) وأصل العنت المشقة سُمِّ به الزنا، لأنه سببها
بالحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة، وقال الصاوي: أصل العنت الكسر بعد
الجبر، ثم نقل لكل مشقة تحصل للإنسان.
وقال الباجي(١): اختلف قول مالك في الطول المذكور في الآية، ففي
((المدونة)) من رواية ابن وهب وابن نافع عن مالك أن الطول: المال، ورواية
القاضي أبي الحسن عن مالك أن الطول أن يكون في عصمته حرة، رواه
ابن المواز عن مالك، وقال: إذا كانت تحته حرة لم يتزوج أمة وإن عدم الطول
الذي هو المال، وخاف العنت، وجه القول الأول، وهو الأظهر: أن الطول
في كلام العرب: الغنى وكثرة المال، ولا نعلم اسم الطول يقع على الحرة
بوجهٍ في لسان العرب.
ووجه آخر: أنه تعالى قال: ﴿وَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية فجعل
الطول مما يُتوصل به إلى نكاح الحرة، ولو كانت الحرة طَوْلاً لم يجعله شرطاً
في الوصول إليها، لأنه لا يصح أن يقول: ومن لم يستطع منكم حرة أن ينكح
حرة، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣٢٢/٣).
٤٦٣

٢٧ - كتاب النكاح
(١٣) باب
(١٠٩٣) حديث
(١٣) باب ما جاء في الرجل يملك امرأته وقد كانت تحته ففارقها
٣٠/١٠٩٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ،
(١٣) ما جاء في الرجل يملك المرأة وقد كانت
قبل ذلك تحته أي في نكاحها ففارقها
أي طلقها، يعني إذا ملك الرجل مطلقته هل يجوز له وطؤها أو يحتاج
لجواز الوطء إلى التحليل بزوج آخر؟
٣٠/١٠٩٣ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن أبي عبد الرحمن) قال
ابن عبد البر(١): اختلف في اسمه فقيل: سليمان بن يسار، وهو عندي بعيدٌ
لأنه أجلّ من أن يستر اسمه ويُكَنّى، وقيل: هو أبو الزناد وهو أبعد. لأنه لم
يرو عن زيد، ولا رآه، ولا روى عنه ابن شهاب، وقيل: هو طاووس وهو
أشبه بالصواب، وإنما كتم اسمه مع جلالته لأن طاووساً كان يطعن على بني
أمية، ويدعو عليهم في مجالسه، وكان ابن شهاب يدخل عليهم، ويقبل
جوائزهم، وقد سئل مرة في مجلس هشام: أتروي عن طاووس؟ فقال للسائل:
أما إنك لو رأيت طاووساً لعلمت أنه لم يكذب، ولم يجبه بأنه يروي أو لا
يروي، فهذا كله دليل على أن أبا عبد الرحمن المذكور هو طاووس، اهـ.
وحكى صاحب ((المحلى)) عن غيره: فيه نظر، فإن عند روايته لمالك قد
انقرض عصر بني أمية، فلا معنى لكتمان اسم من يطعن عليهم، اهـ.
قلت: قوله: ((فيه نظر)) صحيح، لكن في وجه النظر نظر، لأن الزهري
توفي في عهد هشام بن عبد الملك، فكيف انقراض عصر بني أمية؟ وقد كان
الزهري يقدح أبداً عند هشام في الوليد ويعيبه، ويقول: ما يحلّ لك إلا خلعه،
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٠/١٦)، و((تنوير الحوالك)) (ص٤٣٤).
٤٦٤

٢٧ - كتاب النكاح
(١٣) باب
(١٠٩٣) حديث
عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ، فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ الْامَةَ ثَلَاثاً، ثُمَّ
يَشْتَرِيهَا: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.
وجواب الزهري للسائل في مجلس هشام لا يستلزم أنه لا يظهر اسمه عند
التحديث، فقد أخرج أحمد بسنده إلى الزهري عن طاووس قال: قلت
لابن عباس: يزعمون أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((اغتسلوا يوم الجمعة))،
الحدیث.
وترجم الحافظ لأبي عبد الرحمن في ((التعجيل)) (١) ورقم له لمالك فقال:
أبو عبد الرحمن المدني مولى زيد بن ثابت، روى عن زيد بن ثابت، روى عنه
ابن شهاب حديثاً في الطلاق موقوفاً، وقع في ((رجال الموطأ)) لابن الحذاء أن
اسمه نسطاس، قال: وزعم يحيى بن بكير أنهم يقولون: إنه أبو الزناد كذا عند
مالك، قال: وليس هذا القول عند أهل المعرفة بشيء، وقد نقل ابن أبي مريم
عن مالك أنه سئل عن أبي عبد الرحمن هذا فقال: هو حميل بالحاء المهملة،
وزن عظيم يعني أنه مجلوب، قال: وهذا يدل على فساد قول من قال: إنه
أبو الزناد، قال: وقيل: إنه مولى كثير بن الصلت، وقيل مولى صفوان بن
أمية، اهـ.
(عن زيد بن ثابت) وقد أخرجه البيهقي بسنده إلى ابن بكير عن مالك
هكذا، وكذا أخرجه محمد في ((موطئه))(٢) وابن أبي شيبة في ((المصنف))(٣).
(أنه كان يقول في الرجل يطلق) امرأته (الأمة ثلاثاً ثم يشتريها) أي امرأته
المطلقة (إنها لا تحلّ له) أي لا يجوز وطؤها بالملك أيضاً (حتى تنكح) بعد
الطلاق والعدة (زوجا غيره) لعموم الآية.
(١) ((تعجيل المنفعة)) (ص٤٩٩).
(٢) ح (٥٧٢) (ص ١٩٢).
(٣) ((مصنف ابن أبي شيبة)) (٣٣٥/٦).
٤٦٥

.
٢٧ - كتاب النكاح
(١٣) باب
(١٠٩٤) حديث
٣١/١٠٩٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ
الْمُسَيَّبِ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، سُئِلَا عَنْ رَجُلِ زَوَّجَ عَبْدَاً لَهُ جَارِيَةً،
فَطَلَّقَهَا الْعَبْدُ الْبَنَّةَ، ثُمَّ وَهَبَهَا سَيِّدُهَا لَهُ. هَلْ تَحِلُّ لَهُ
وأخرجه البيهقي برواية ابن بكير عن مالك، وزاد بعده: قال: وسمعت
مالكاً يقول: قال ذلك غير واحد من أصحاب النبي وَّ، وأخرجه محمد في
(موطئه)) ثم قال: وبهذا نأخذ وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
قال الزرقاني(١): وعلى هذا الجمهور والأئمة الأربعة خلافاً لقول بعض
السلف: تحلّ لعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنْكُمْ﴾ قال أبو عمر: هذا خطأ لأنها لا
تبيح الأمهات والأخوات فكذا سائر المحرمات، اهـ.
قال الباجي(٢): يريد إذا طلقها ثلاثاً فقد حرم عليه الاستمتاع بها بكل
سبب، وعلى كل وجه إلا بعد زوج، وروي عن ابن عباس وطاووس وغيرهما
أنه يحل له بملك اليمين، والدليل على ما نقوله وهو قول فقهاء الأمصار أن
عقد النكاح في إباحة الوطء أقوى من عقد الشراء بدليل أنه مقصوده، فإذا لم
يستبح وطأها بعقد النكاح، فبأن لا نبيح له وطأها بملك اليمين أولى وأحری،
اهـ. وفي ((المحلى)): روي عن طاووس والحسن يطأها بملك اليمين، أخرجه
عنهما ابن أبي شيبة .
٣١/١٠٩٤ - (مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب) أحد العلماء الكبار
(وسليمان بن يسار) أحد الفقهاء السبعة (سُئِلا) ببناء المجهول (عن رجل زوّج
عبداً له) أي عبده (جارية له) وقوله: عبداً له. ليس باحتراز، بل المراد أن
رجلاً زوج جاريته رجلاً (فطلقها العبد البتة) أي مغلظة (ثم وهبها سيدها له) أي
وهب جاريته للناكح المطلق فـ (هل تحلّ) تلك الجارية (له) أي للموهوب
(١) ((شرح الزرقاني)) (١٤٧/٣).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٤/٣).
٤٦٦

٢٧ - كتاب النكاح
(١٣) باب
(١٠٩٥) حديث
بِمِلْكِ الْيَمِينِ؟ فَقَالَا: لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.
٣٢/١٠٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابِ عَنْ
رَجُلِ كَانَتْ تَحْتَهُ أَمَةٌ مَمْلُوكَةٌ فَاشْتَرَاهَا وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَقَالَ:
تَحِلُّ لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ مَا لَمْ يَبْتَّ طَلَاقَهَا. فَإِنْ بَتَّ طَلَاقَهَا، فَلَا تَحِلُّ
لَهُ بِمِلْكِ يَمِينِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ.
المطلق (بملك اليمين؟ فقالا: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره).
قال الباجي(١): لأن ملكه إياها هبة أو صدقة أو ابتياعاً أو ميراثاً لا
يختلف بوجه الملك صفة الملك، فلذلك لم يختلف في الإباحة.
قال صاحب ((الهداية)) (٢): وإن كان الطلاق ثلاثاً في الحرة أو ثنتين في
الأمة لم تحل حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويدخل بها، ثم الغاية
نكاح الزوج مطلقاً والزوجية المطلقة إنما تثبت بنكاح صحيح.
قال ابن الهمام(٣): ولذا قلنا: لو طلّقها ثنتين وهي أمة، ثم ملكها أو
ثلاثاً لحرة، فارتدّت ولحقت، ثم ظهر على الدار، فملكها لا يحلّ له وطؤها
بملك اليمين، حتى يزوّجها، فيدخل بها الزوج ثم يطلقها، اهـ.
٣٢/١٠٩٥ - (مالك أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن رجل كانت تحته
أمة مملوكة) لأحد (فاشتراها) الزوج (وقد كان طلقها) قبل ذلك (واحدة) لاثنتين
فإنها في حقها كالثلاث في حق الحرة (فقال) الزهري: (تحل له بملك يمينه ما
لم يبت) بتشديد التاء أي ما لم يغلظ (طلاقها فإن بَتَّ طلاقها، فلا تحلّ له
بملك يمينه حتى تنكح زوجاً غيره).
(١) ((المنتقى)) (٣٢٤/٣).
(٢) (٢٥٧/١).
(٣) ((فتح القدير)) (٤/ ٣١).
٤٦٧

٢٧ - كتاب النكاح
(١٣) باب
(١٠٩٥) حديث
قَالَ مَالِكٌ، فِي الرَّجُلِ يَنْكِحُ الْأَمَةَ فَتَلِدُ مِنْهُ ثُمَّ يَبْتَاعُهَا: إِنَّهَا
لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، بِذْلِكَ الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ، وَهِيَ لِغَيْرِهِ،
حَتَّى تَلِدَ مِنْهُ، وَهِيَ فِي مِلْكِهِ. بَعْدَ ابْتِيَاعِهِ إِيَّاهَا .
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اشْتَرَاهَا وِهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ، ثُمَّ وَضَعَتْ عِنْدَهُ،
كَانَتْ أُمَّ وَلَدِهِ بِذْلِكَ الْحَمْلِ، فِيمَا نُرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال الباجي(١): في الذي يبتاع الأمة بعد أن طلقها واحدة أنها تحل له
بملك يمينه، وجهه أنه قد كان له استباحتها بالنكاح فلذلك جاز له استباحتها
بملك اليمين كالأجنبية، لأنه ملك التمتع بعقد يستباح به الوطء، فإذا لم يتقدم
فيه من الطلاق ما يمنع ارتجاعها جاز له أن يستبيحها بملك اليمين، وإذا كان
الذي تقدم له فيها من الطلاق يمنع ارتجاعها، فإنه يمنع استباحة وطئها بملك
اليمين كما لو ارتجعها، واستأنف نكاحها، اهـ.
(قال مالك في الرجل ينكح الأمة فتلد منه) بالزوجية (ثم يبتاعها) زوجها
(إنها لا تكون أم ولد له) أي للزوج المشتري (بذلك الولد الذي ولدت منه)
بالزوجيّة (وهي) أي والحال أنها إذ ذاك مملوكة (لغيره) إذ الولد حينئذ ملك
لسيدها، وأم الولد تكون إذا ولدت من مالكها، فحملها من السيد يكون حراً،
ثم يستمرّ ذاك أي عدم كونها أم ولد (حتى تلد منه، وهي) جملة حالية (في
ملكه بعد ابتياعه إياها) لأن الولد إذ ذاك يكون ملكاً له فيعتق.
(قال مالك: وإن اشتراها) رجلٌ (وهي حامل) من ذلك الرجل، ولم تلد
بعد (ثم وضعت عنده) أي ولدت بعد شرائها (كانت أم ولده) أي تصير أم ولد
للمشتري (بذلك الحمل) الذي ولدته في ملك الزوج السابق الذي اشتراه، زاد
في الهندية (فيما نرى، والله تعالى أعلم) بالأحكام.
قال الزرقاني(٢): وبه قال الليث، وقال الشافعي وأحمد: لا تكون أم ولد
(١) ((المنتقى)) (٣٢٤/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٨/٣).
٤٦٨

٢٧ - كتاب النكاح
(١٣) باب
(١٠٩٥) حديث
وإن ملكها حاملاً حتى تحمل منه في ملكه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا
ملكها بعد ولادتها منه صارت أم ولد، وَزَّيفَه ابن عبد البر(١): بأن ولدها
عبد تبع لها، فكيف تكون له أم ولد، قال: وهذا واضح، اهـ.
قال ابن رشد(٢): أما متى تكون أم ولد؟ فإنهم اتفقوا على أنها تكون أم
ولد إذا ملكها قبل حملها منه، واختلفوا إذا ملكها وهي حامل منه أو بعد أن
ولدت منه، فقال مالك: لا تكون أم ولد إذا ولدت منه قبل أن يملكها، وقال
أبو حنيفة: تكون أم ولد، واختلف قول مالك إذا ملكها وهي حامل، والقياس
أن تكون أم ولد في جميع الأحوال، اهـ.
وفي ((الهداية))(٣): من استولد أمة غيره بنكاح ثم ملكها صارت أم ولد
له، وقال الشافعي - رحمه الله -: لا تصير، لأنها علقت برقيق فلا تكون أم ولد
له، كما إذا علقت من الزنا، ثم ملكها الزاني، وهذا لأن أمومية الولد باعتبار
علوق الولد حراً، لأنه جزء الأم في تلك الحالة، والجزء لا يخالف الكل.
ولنا؛ أن السبب هو الجزئية، والجزئية إنما تثبت بينهما بنسبة الولد
الواحد إلى كل منهما كَمُلاً، وقد ثبت النسب، فثبتت الجزئية بهذه الواسطة،
بخلاف الزنا. لأنه لا نسب فيه للولد إلى الزاني، وإنما يعتق على الزاني، لأنه
جزؤه حقيقة بغير واسطة، قال ابن الهمام(٤): قوله: صارت أم ولد، أي بذلك
الولد الذي ولدته بعقد النكاح، ولو كان نكاحاً فاسداً، وهو قول أحمد في
رواية، اهـ.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٦/١٦).
(٢) ((بداية المجتهد)) (٣٩٣/٢).
(٣) (٣١٥/١).
(٤) ((فتح القدير)) (٣٣٦/٤).
٤٦٩

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٤) باب ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين، والمرأة وابنتها
(١٤) ما جاء في كراهية - بتخفيف الياء مصدر كره مثل كراهة - إصابة
الأختين - أي جمعهما في الوطء - بملك اليمين و
الجمع في الوطء بين - المرأة وبنتها - عطف على أختين أي إصابتهما .
هكذا في النسخ المصرية و((المحلى)) وهامش النسخ الهندية بلفظ ((المرأة
وبنتها))، وفي متون النسخ الهندية بدلها، ((والجمع بينهما))، والأوجه الأول،
لأنه على هذه النسخة تكون في الباب مسألتان، وعلى نسخة: ((والجمع
بينهما))، تكون مسألة واحدة، ولم يبق للأثر الأول محل في الباب، وذكر
الموفق(١) الكلام في ذلك في عدة فصول، فأذكر منه ومن غيره فصولاً في
الباب، وما كان من غيره أعزوہ إلی قائله.
الأول: يجوز الجمع بين الأختين في الملك، بغير خلاف بين أهل
العلم، وكذلك بينها وبين عمتها وخالتها، ولو اشترى جارية فوطئها حلّ له
شراء أختها وعمتها وخالتها، لأن الملك يقصد به التمول دون الاستمتاع،
وكذلك حلّ له شراء المجوسية، والوثنية، والمُزَوَّجَة، والمحرمة عليه بالرضاع
والمصاهرة.
الثاني: لا يجوز الجمع بين الأختين من إمائه في الوطء، نص عليه أحمد
في رواية جماعة، وكرهه عمر، وعثمان، وعلي، وعمار، وابن عمر
وابن مسعود، وممن قال بتحريمه جابر بن زيد وطاووس ومالك والأوزاعي
وأبو حنيفة والشافعي، وروي عن ابن عباس أنه قال: أحلتهما آيةٌ، وحرمتهما
آيةٌ، ولم أكن لأفعله، ورُوي نحو ذلك عن علي، وروى ابن منصور عن
أحمد، وسئل عن الجمع بين الأختين المملوكتين أحرام هو؟ قال: لا أقول:
حرام، ولكن ننهى عنه، وظاهره أنه مكروه غير محرم.
(١) انظر: ((المغني)) (٥٣٧/٩).
٤٧٠

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
وقال داود وأهل الظاهر: لا يحرم استدلالاً بالآية المحللة، لأن حكم
الحرائر في الوطء مخالف لحكم الإماء، ولذا تحرم الزيادة على أربع في
الحرائر، وتباح في الإماء بغير حصر، والمذهب تحريمه للآية المحرمة.
قال الحافظ(١): الجمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع، سواء
كانتا شقيقتين أَمْ من أب أو من أم، وسواء النسب والرضاع، واختلف فيما إذا
كانتا بملك اليمين، فأجازه بعض السلف، وهو رواية عن أحمد والجمهور
وفقهاء الأمصار على المنع، وحكاه الثوري عن الشيعة، اهـ.
الثالث: إذا كان في ملكه أختان فله وطء إحداهما في قول أكثر أهل
العلم، وقال الحكم وحماد: لا يقرب واحدةً منهما، ورُوي ذلك عن النخعي،
وذكره أبو الخطاب مذهباً لأحمد، ولنا: أنه ليس يجمع بينهما في الفراش فلم
يحرم.
الرابع: إذا وطئ إحداهما فليس له وطء الأخرى قبل تحريم الموطوءة
على نفسه بإخراج عن ملكه أو تزويج، وهو قول علي وابن عمر - رضي الله
عنهم - والحسن والأوزاعي وإسحاق والشافعي، وقال قتادة: إن استبرأها حلّت
له أختها، لأنه قد زال فراشه.
الخامس: إذا أخرجها عن ملكه لم تحلّ له أختُها حتى يستبرئ المخرجة،
ويعلم براءتها من الحمل.
السادس: إن وطئ أمتيه الأختين معاً فوطء الثانية مُحَرَّمٌ، ولا حد فيه،
ولا يحل له وطء إحداهما حتى يحرّم الأخرى، ويستبرئها، وقال القاضي
وأصحاب الشافعي: الأولى باقية على الحل، لأن الوطء الحرام لا يحرم
الحلال، إلا أن القاضي قال: لا يطؤها حتى يستبرئ الثانية.
(١) ((فتح الباري)) (١٦٠/٩).
٤٧١

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٦) حديث
١٠٩٦/ ٣٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا، مِنْ مِلِكْ الْيَمِينِ. تُوطَأُ إِحْدَاهُمَا
بَعْدَ الْأُخْرَى. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَخْبُرَهُمَا
ولنا: أن الثانية قد صارت فراشاً له، يلحقه نسب ولدها، فحرمت عليه أختها
كما لو وطئها ابتداء، وقولهم: إن الحرام لا يحرم الحلال ليس بخبر صحيح، وهو
متروك بما لو وطئ الأولى في حيض أو إحرام حرمت عليه أختها، وتحرم عليه
أمها وبنتها على التأبيد، قال ابن عابدين: لو اشترى أخت أمته الموطؤة جاز له
وطء الأولى، وليس له وطء الثانية ما لم يحرم الأولى على نفسه، ولو وطئها أثم،
ثم لا يحلّ له وطء واحدة منهما حتى يحرم الأخرى، اهـ.
السابع: ما قال ابن كثير: أجمع المسلمون على أن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾(١) إلى آخر الآية أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن
سواء، اهـ.
٣٣/١٠٩٦ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله)
مصغراً (ابن عبد الله) مكبراً (ابن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية (ابن
مسعود عن أبيه) عبد الله بن عتبة الهذلي ابن أخي عبد الله بن مسعود - رضي الله
عنه - (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (سئل) ببناء المجهول (عن المرأة
وابنتها) أي عن وطئهما (من ملك اليمين توطأ) ببناء المجهول (إحداهما بعد
الأخرى) سواء توطأ الأم بعد البنت أو عكسها .
(فقال عمر) - رضي الله عنه -: (ما أُحِبُّ أن أجيزهما) كذا في النسخ
الهندية و((المحلى)) بالجيم والزاي، وفي جميع النسخ المصرية من المتون
والشروح بلفظ أخبرهما، قال الزرقاني(٢): بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة
(١) سورة النساء: الآية ٢٣.
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٨/٣)، و((الاستذكار)) (٢٤٨/١٦).
٤٧٢

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٦) حديث
جَمِيعاً. وَنَهِى عَنْ ذُلِكَ.
وضم الموحدة أي أَطأُهما، يقال للحَراثِ: خبير، ومنه المخابرة، اهـ.
وقال الباجي(١): معناه أعرف حال هذه وهذه بالوطء مأخوذ من
الاختبار، اهـ. ولفظ محمد في ((موطئه))(٢) لا أحبّ أن أجيزهما جميعاً،
ونهاه، وهو من الإجازة أي لا أحب أن أجيز الجمع بينهما وطئاً، وهكذا بلفظ
أجيزهما، حكى الأثر المذكور ابن كثير عن مالك (جميعاً ونهاه عن ذلك) نهي
تحريم باتفاق العلماء، إلا ما رُوي عن ابن عباس، أحلتهما آية وحرمتهما آية
ولم أكن لأفعله، ولم يوافقه أحد، لأن الله حرم ذلك في النكاح، وملك اليمين
تبع له إلا في العدد، قاله الزرقاني(٣).
قال الباجي(٤): يريد لا أحب أن أكون واطئاً لهما جميعاً، وذلك يقتضي
أنه متى وطئ إحداهما أيتهما كانت، امتنع من وطء الأخرى، قال ابن وهب:
وقد بلغني عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: قد نزل في القرآن النهي عن ذلك،
يريد - والله أعلم - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾ الآية، وفيها ﴿وَأُمَّهَتُ
نِسَابِكُمْ وَرَبَيِّبُكُمْ﴾ الآية.
وهذا على أن يحمل النساء على مقتضى اللغة دون عرفها، وكذلك
الربائب فيكون التحريم عاماً في الوطء بالنكاح وبملك اليمين، قال مالك: ولا
بأس أن يجمع بينهما بملك اليمين، فمن وطئ منهما الأم أو البنت فقد حرمت
عليه بذلك الأخرى أبداً، اهـ.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعد ما حكى الأثر المذكور: قال
(١) ((المنتقى)) (٣٢٥/٣).
(٢) (ص ١٨٠) ح (٥٣٧).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (١٤٨/٣).
(٤) ((المنتقى)) (٣٢٥/٣).
٤٧٣

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٧) حدیث
٣٤/١٠٩٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَنِ الْأُخْتَيْنِ مِنْ
مِلْكِ الْيَمِينِ، هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ.
وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ .
الشيخ ابن عبد البر(١): لا خلاف بين العلماء أنه لا يحلّ لأحد أن يطأ امرأة
وبنتها من ملك اليمين، لأنه تعالى حرم ذلك في النكاح، قال: ﴿وَأُمَّهَتُ
نِسَابِكُمْ﴾ الآية. وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما رُوي عن ابن عمر
وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى، ولا من تبعهم وحكي من
طريق قيس قلت لابن عباس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له، قال:
أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله.
٣٤/١٠٩٧ - (مالك عن ابن شهاب) الزهري (عن قبيصة) بفتح القاف
وكسر الموحدة (ابن ذؤيب) بضم المعجمة وفتح الهمزة مصغراً ابن حلحلة
بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة الخُزاعي المدني، له رؤية من رواة الستة،
توفي سنة بضع وثمانين (أن رجلاً) لم يسم قاله الزرقاني، وقال الباجي(٢): اسم
السائل قباذ الأسلمي كذا في الأصل، والظاهر عندي أنه تحريف من الناسخ،
والصواب: نيار الأسلمي، كما سيأتي من رواية البيهقي.
(سأل عثمان بن عفان عن الأختين من ملك اليمين، هل يجمع) ببناء
المجهول (بينهما؟) بالوطء (فقال عثمان) - رضي الله عنه -: (أحلّتهما آية
وحرّمتهما آية) زاد في النسخ الهندية بعد ذلك لفظ ((أخرى)) وليس هذه في
المصرية، قال ابن حبيب يريد بآية التحليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا
مَلَكَتْ أَيْمَلُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥١/١٦).
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٥/٣ -٣٢٦).
٤٧٤

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٧) حديث
فَأَمَّا أَنَا فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَصْنَعَ ذُلِكَ.
مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ) ومعنى ذلك أنه عمّ، ولم يخص أختين من غيرهما.
ويريد بآية التحريم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾(١) فإنها عامة في
تحريم الجمع، ولم يخص ملك يمين ولا غيره، فاتفق فيهما أهل الأمصار على
المنع من ذلك، وهو المشهور عن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، كذا في
((المنتقى)).
وعزا الزرقاني الآية الثاني من آيتي التحليل إلى ابن حبيب، والأُولى إلى
غيره، وحُكي عن ابن عبد البر: يريد تحليل الوطء بملك اليمين مطلقاً في غير
ما آية، فكأنه حمل الآية على الجنس.
قال الباجي(٢): وجه الدليل أن آية التحريم عامة في الملك، خاصة في
الأختين، وقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ﴾ عامة في الأختين وغيرهما،
خاصة في ملك اليمين، فكلا الآيتين خاصة من وجهٍ عامة من وجهٍ آخر، إلا
أن آية ملك اليمين قد دخلها التخصيص بإجماع، وهي في العمة والخالة والأم
من الرضاعة، فإنه لا يجوز وطؤهن بملك اليمين، وآية التحريم لم يدخلها
تخصيص، فوجب حملها على عمومها، وتخصيص الأخرى بها أولى
وأحری، اهـ.
وفي ((تفسير ابن كثير)): قال ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن مسعود: إنه
سُئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه، فقال له يعني السائل: قال تعالى:
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمَّ﴾ فقال له ابن مسعود: بعيرك مما ملكت يمينك، اهـ.
(فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك) أي الجمع بين الأختين بملك اليمين في
الوطء، إما احتياطاً لتعارض الدليلين، وإما على الوجوب، تقديماً للحظر على
الإباحة.
(١) سورة النساء: الآية ٢٣.
(٢) ((المنتقى)) (٣٢٦/٣).
٤٧٥

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٧) حديث
قَالَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَقِيَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ،
فَسَأَلَهُ عَنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ لِي مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، ثُمَّ وَجَدْتُ
أَحَداً فَعَلَ ذُلِكَ، لَجَعَلْتُهُ نَكَالاً .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أُرَاهُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
(قال) قبيصة: (فخرج) السائل (من عنده) أي عثمان - رضي الله عنه -
(فلقي رجلاً) آخر (من أصحاب النبي ◌ّ، فسأله عن ذلك؟) لأن عثمان -
رضي الله عنه - لم يجزم الحكم بالتحريم وسيأتي من رواية البيهقي قريباً أن
الصحابي المذكور سأل عنه بما أفتى (فقال) الصحابي المذكور: (لو كان لي من
الأمر شيء) أي من الخلافة والحكومة، يعني لو كانت لي حكومة على الناس
بالعقوبة (ثم وجدت أحداً فعل ذلك) أي جمع بين الأختين (لجعلته نكالاً)
بالفتح أي عذاباً، أي لأجريت عليه عقوبةً زاجرةً عن مثل ذلك، قال الأزهري:
النكال العقوبة التي تنكل الناس عن فعل ما جعلت له جزاء.
قال ابن عبد البر: لم يقل حددته حد الزنا، لأن المتأوّل ليس بزانٍ
إجماعاً، وإن أخطأ إلا ما لا يُعْذر بجهله، وهذا شبهته قوية، وهي قول عثمان
وغيره، اهـ. قال عياض: وهذا الخلاف كان من بعض السلف، ثم استقرّ
الإجماع بعده على المنع إلا طائفة من الخوارج لا يلتفت إليها .
(قال ابن شهاب: أراه) أي الصحابي الثاني المذكور في قول قبيصة
(علي بن أبي طالب) قال ابن عبد البر في (الاستذكار)) (١): إنما كَنَّى قبيصةُ عن
علي - رضي الله عنه - لصحبته عبد الملك بن مروان، وبنو أمية كانوا يستثقلون
ذكر علي - رضي الله عنه - لا سيّما ما خالف فيه عثمان.
ثم أخرج ابن عبد البر(٢) بسنده إلى إياس بن عامر قال: سألت علياً -
(١) (١٦/ ٢٥١).
(٢) (١٦/ ٢٥٢).
٤٧٦

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٧) حدیث
رضي الله عنه - أن لي أختين مما ملكت يميني، اتّخذت إحداهما سريّة،
فولدت لي أولاداً، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي - رضي الله
عنه -: تُعْتِقُ التي كنت تطأها، ثم تطأ الأخرى، قلت، فإن ناساً يقولون: بل
تزوجها، ثم تطأ الأخرى، فقال علي - رضي الله عنه -: أرأيت إن طلقها
زوجها أو مات عنها، ليست ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلمُ إليك.
ثم أخذ علي - رضي الله عنه - بيدي. فقال لي: إنه يحرم عليك مما
ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله - عز وجل - من الحرائر إلا العدد،
أو قال إلا الأربع، ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من
النسب.
قال ابن كثير في تفسيره)) (١): وقد روي عن علي - رضي الله عنه - نحو
ما روي عن عثمان. قال أبو بكر بن مردويه بسنده إلى ابن عباس قال: قال
علي - رضي الله عنه -: حرّمتهما آية وأحلّتهما آية، الحديث.
وقال السيوطي في ((الدر))(٢): أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق
أبي صالح عن علي - رضي الله عنه - قال في الأختين المملوكتين: أحلّتهما
آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر ولا أنهى ولا أحلّ ولا أحرم ولا أفعله أنا ولا
أهل بيتي.
وزاد الجصاص من طريق الشعبي عن علي: فإذا أحلتهما آية وحرمتهما
آية، فالحرام أولى، وأخرج السيوطي بطرق عن ابن عباس أنه قال: أحلّتهما
آية، وحرمتهما آية، وفي طريق عن ابن عباس، وأن تجمعوا بين الأختين،
قال: ذلك في الحرائر، فأما المماليك فلا بأس، وفي أخرى عن ابن عباس،
أنه كان لا يرى بأساً أن يجمع بين الأختين المملوكتين.
(١) (٤٦٩/١ - ٤٧٥).
(٢) ((الدر المنثور)) (٤٤٦/٢).
٤٧٧

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٧) حديث
قال ابن كثير: قال ابن عبد البر(١): وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة
من السلف منهم ابن عباس، ولكن اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد
من فقهاء الأمصار والحجاز والعراق، ولا ما وراءهما من المشرق، ولا بالشام
والمغرب إلا من شذّ عن جماعتهم باتباع الظاهر، وترك القياس.
وجماعةُ الفقهاء متفقون على أنه لا يحلّ الجمع بين الأختين بملك اليمين
في الوطء، كما لا يحلّ ذلك في النكاح، وقد أجمع المسلمون على أن معنى
قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُنَّهَتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك اليمين في
هؤلاء كلهن سواء، اهـ.
قلت: وأثر الباب عن عثمان - رضي الله عنه -، أخرجه البيهقي(٢) برواية
الشافعي عن مالك، وقال السيوطي في ((الدر))(٣): أخرجه مالك والشافعي
وعبد بن حميد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي في
((سننه))، من طريق ابن شهاب عن قبيصة، فذكر نحوه.
ثم أخرج البيهقي برواية الليث عن يونس عن ابن شهاب، أنه سُئل عن
الجمع بين الأختين فيما ملكت اليمين؟ فقال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب، أن
نيار الأسلمي سأل رجلاً من أصحاب النبي و # عن ذلك، فقال له: أحلّتهما
آية، وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعل ذلك، قال: فخرج نيارٌ من عند ذلك
الرجل، فلقيه رجل آخر من أصحاب رسول الله ﴿ ﴿، فقال: ما أفتاك به
صاحبك الذي استفتيته؟ فأخبره، فقال: إني أنهاك عنهما ولو جمعت بينهما،
ولي عليك سلطان عاقبتك عقوبة مُنَكَّلَة.
(١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٥٠/١٦).
(٢) ((السنن الكبرى)) (١٦٣/٧ - ١٦٤).
(٣) ((الدر المنثور)) (٤٤٥/٢).
٤٧٨

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٨) حديث
٣٥/١٠٩٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ
الْعَوَّامِ مِثْلُ ذُلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ، فِي الْأَمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيُصِيبُهَا، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ
يُصِيبَ أُخْتَهَا: إِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ، حَتَّى يُحَرِّمَ عَلَيْهِ فَرْجَ أُخْتِهَا.
.....
بِنِكَاحِ، أَوْ عِتَاقَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذُلِكَ. يُزَوِّجُهَا عَبْدَهُ،
٣٥/١٠٩٨ - (مالك أنه بلغه عن الزبير بن العوام مثل ذلك) أي مثل الذي
روي عن علي - رضي الله عنه -، فإن الجصاص ذكره مع علي - رضي الله عنه -
وغيره من القائلين بمنع الجمع بينهما، وحكى مذهب عثمان وابن عباس -
رضي الله عنهم - أنهما قالا: أحلّتهما آية وحرّمتهما آية.
وفي ((كنز العمال)) (١) برواية ابن جرير بسنده إلى سليمان بن يسار، قال:
سأل نيار الأسلمي عثمان - رضي الله عنه - عن الأختين، من ملك اليمين
أيجمع بينهما؟ قال عثمان: أما أنا أو أحد من ولدي فلا نفعل ذلك، ثم خرج
نيار، فلقي علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فسألهما عن ذلك، فكلاهما
نهاه عن ذلك.
(قال مالك في الأمة تكون عند الرجل فيصيبها) أي يجامعها (ثم يريد أن
يصيب أختها) أي يجامعها (إنها) أي الأخت الجديدة (لا تحلّ له، حتى يحرم
عليه) أي على نفسه (فرج أختها) الموطوءة القديمة (بنكاح) أي بأن يزوجها من
غيره (أو عتاقة)، قال الزرقاني(٢): ناجزة أو مؤجلة (أو كتابة) أي بأن يكاتبها
وفيه خلاف سيأتي (أو ما أشبه ذلك). قال الزرقاني كأسر وإباق وإياس وبيع.
(يزوجها عبده) أيضاح لقوله أولاً ((بنكاح)) أي يستوي في حلتهما نكاحها
بعبده أو بغيره، ثم قوله: يزوجها، بدون حرف العطف في جميع النسخ
(١) (٤٥٧١١)، (١٦ / ٥١٨).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (١٤٩/٣).
٤٧٩

٢٧ - كتاب النكاح
(١٤) باب
(١٠٩٨) حديث
أَوْ غَيْرَ عَبْدِهِ.
المصرية، وهو الأوجه، لأنه بيان لقوله أولاً ((بنكاح)) وفي النسخ الهندية بحرف
العطف، ((بلفظ)) أو يزوجها (أو غير عبده) هكذا في جميع النسخ الهندية
والمصرية إلا نسخة الزرقاني ففيها: ((أو عبد غيره))، وزاد في الشرح ((أو حراً
بشرطه))، اهـ.
وأما على النسخ الأولى، فلا حاجة إلى هذه الزيادة، فإن غير عبده
يشمل عبد الغير والحر، قال الباجي(١): وهكذا كما قال: إنه لا يحلّ الجمع
بينهما في المسيس بملك اليمين ولا غيره، ولا بأس باجتماعهما في ملك
يمينه، فإن اجتمعا في ملكه قبل الوطء فله أن يطأ أيتهما شاء، فإذا وطئ
إحداهما حرمت عليه الأخرى حتى يحرم على نفسه التي (٢) وطئ، لأن معنى
الجمع بينهما في أن يستبيح وطأهما وهما في ملكه، فإذا نال إحداهما حرم
عليه نيل الأخرى، اهـ.
واختلفت نقلة المذاهب في أسباب التحريم، ففي ((المحلى)) بعد قوله: أو
يُزَوّجها عبد غيره: وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تحل بالتزويج
والكتابة، ويشهد لقوله ما رواه ابن أبي شيبة عن علي - رضي الله عنه -: ((لا
يطأ الأخرى حتى يخرجها عن ملكه)) وله عن ابن عمر: ((لا يقع على الأخرى،
ما دامت الأخرى في ملكه))، وروى محمد في ((الآثار))(٣) عن ابن عمر، أنه
قال في الأمتين الأختين تكونان عند الرجل يطأ إحداهما: إنه لا يطأ الأخرى
حتى يملك فرج أمة (٤) وطئ غيره. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول
أبي حنيفة، اهـ.
(١) ((المنتقى)) (٣٢٦/٣).
(٢) كذا في الأصل. ش.
(٣) (ص٩٧).
(٤) كذا في ((المحلى)) وفي ((الآثار)) حتى يملك فرج التي وطئ عبده اهـ. ((ش)).
٤٨٠