Indexed OCR Text
Pages 381-400
٢٧ - كتاب النكاح (٦) باب (١٠٧٩) حدیث والقسم الثالث: ما يبطل النكاح بأصله مثل أن يشترط توقيت النكاح، اهـ مختصراً. فالأئمة الثلاثة متفقون في ذلك، وما حكى الإمام الترمذي بعد حديث عقبة بن عامر: ((أحق الشروط ما استحللتم به الفروج)) من موافقة الشافعي أحمد، تعقبه الحافظ في ((الفتح))(١) فقال: النقل في هذا عن الشافعي غريب بل الحديث عندهم محمول على الشروط التي لا تنافي مقتضى النكاح، بل يكون من مقتضياته كاشتراط العشرة بالمعروف والإنفاق والكسوة والسكنى، اهـ. وما حكى الموفق من اتفاق الصحابة مشكل، فقد روي عن علي - رضي الله عنه - خلاف ذلك، أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عباد بن عبد الله قال: رفع إلى علي - رضي الله عنه - رجل تزوّج امرأة، وشرط لها دارها. فقال علي - رضي الله عنه -: شرط الله قبل شرطها أو قبل شرطه. ولم ير لها شيئاً، وشرط الله تعالى قوله عز اسمه: ﴿أَشْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ الآية وقد اختلفت الروايات عن عمر - رضي الله عنه -، فأخرج البخاري عنه تعليقاً مقاطع الحقوق عند الشروط. قال الحافظ(٢): وصله سعيد بن منصور بسنده إلى عبد الرحمن بن غنم قال: كنت مع عمر - رضي الله عنه - فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين تزوجت هذه، وشرطت لها دارها، وأني أجمع لأمري - أو لشأني - أن أنتقل إلى أرض كذا وكذا، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: هلك الرجال إذ لا تشاء امرأة أن تطلق زوجها إلا طُلِّقَت، فقال عمر - رضي الله عنه -: المؤمنون على شروطهم عند مقاطع حقوقهم. وروى ابن وهب بإسناد جيد عن عبيد بن السباق أن رجلاً تزوج امرأة (١) ((فتح الباري)) (٢١٨/٩). (٢) ((فتح الباري)) (٢١٧/٩). ٣٨١ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (٧) باب نكاح المحلل وما أشبهه فشرط لها أن لا يخرجها من دارها، فارتفعوا إلى عمر - رضي الله عنه -، فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها . قال أبو عبيد: تضادت الروايات عن عمر - رضي الله عنه - في هذا، وقد قال بالقول الأول عمرو بن العاص ومن التابعين طاووس وأبو الشعثاء وهو قول الأوزاعي، وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي - رضي الله عنه -، حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلاً، فرضيت بخمسين على أن لا يخرجها، فله إخراجها، ولا يلزمه إلا المسمى. وقالت الحنفية: لها أن ترجع عليه بما نقصته له من الصداق، وقال الشافعي: يصح النكاح، ويلغو الشرط، ويلزمه مهر المثل، وعنه يصح، وتستحق الكل. وأخرج الطبراني في ((الصغير)) بإسناد حسن عن جابر ((أن النبي وَ لّ خطب أم مبشر بنت البراء))، فقالت: إني شرطت لزوجي أن لا أتزوج بعده. فقال النبي ◌َّ﴾: ((إن هذا لا يصلح))(١)، اهـ. (٧) نكاح المحلل وما أشبهه والمحلل بكسر اللام من التفعيل، من تزوج مطلقة الغير ثلاثاً ليحلها له، قال تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَِّلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ قال ابن رشد(٢): اتفقوا على أن الطلاق نوعان: بائن ورجعيٌّ، وأن الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج رجعتها من غير اختيارها، وأن من شرطه أن يكون في مدخول بها ولا خلاف في هذا، وأما الطلاق البائن، فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قبل عدم الدخول، ومن قبل عدم التطليقات، ومن قبل العوض في الخلع على اختلاف بينهم هل الخلع طلاق أو فسخ. (١) أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٤٦٨/٤) ح (٧٣٢٩). (٢) ((بداية المجتهد)) (٦٠/٢). ٣٨٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب واتفقوا على أن البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات إذا وقعت متفرقة، واختلفوا إذا وقعت ثلاثاً في اللفظ دون الفعل، والطلاق البائن بما دون الثلاث، فذلك يقع في غير المدخول بها بلا خلاف، وفي المختلفة باختلاف، وحكم هذا الطلاق حكم ابتداء النكاح أعني في اشتراط الصداق والولي والرضاء. وأما البائنة بالثلاث، فإن العلماء كلهم على أن المطلقة ثلاثاً لا تحلّ لزوجها الأول إلا بعد الوطء لحديث رفاعة الآتي في ((الموطأ)» وشَذّ سعيد بن المسيب فقال: إنه جائز أن ترجع إلى زوجها الأول بنفس العقد لعموم قوله تعالى: ﴿حَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١) والنكاح ينطلق على العقد، وكلهم قالوا: التقاء الختانين يحلها إلا الحسن البصري، فقال: إلا بوطء بإنزال، وجمهور العلماء على أن الوطء الذي يوجب الحد ويفسد الصوم، ويحل المطلقة هو التقاء الختانين. وقال مالك وابن القاسم: لا يحلّها إلا الوطء المباح الذي يكون في العقد الصحيح في غير صوم أو حج أو حيض أو اعتكاف، ولا يحل الذمية لمسلم عندهما وطء ذمي ولا وطء من لم يكن بالغاً، وخالفهما في ذلك كله الشافعي وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي، فقالوا: يحل الوطء، وإن وقع في عقد فاسد وبوقت غير مباح وكذلك وطء المراهق عندهم يحل، وكذلك وطء الذمي الذمية للمسلم، وكذلك المجنون والخصي الذي يبقى له ما يُغَيِّبُه في الفرج، والخلاف في هذا كله آئل إلى هل يتناول اسم النكاح أصناف الوطء الناقص أم لا يتناوله؟ انتهى مختصراً. قلت: وما عزى إلى الحنفية من جواز التحليل في النكاح الفاسد يأبى مسـ (١) سورة البقرة: الآية ٢٣٠. ٣٨٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث ١٧/١٠٨٠ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ الْقَرَظِيِّ، عَنِ الزَّبِيرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الزَّبِيرِ؛ عنه كتب المذهب، ففي ((الدر المختار)) (١): لا ينكح مطلقة بالثلاث حتى يطأها غيره ولو مراهقاً بنكاح نافذ خرج الفاسد والموقوف، قال ابن عابدين: أي خرجا بقيد النافذ، وفيه أن الفاسد يقابل الصحيح لا النافذ، ثم قال بعد البحث في ذلك: ويجاب بأن النكاح المطلق هو الصحيح فيخرج به الفاسد، اهـ. ١٧/١٠٨٠ - (مالك، عن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو آخره راء مهملة (ابن رفاعة) بكسر الراء ابن أبي مالك (القرظي) بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة نسبة إلى بني قريظة، تابعي صغير ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة، له في ((الموطأ)) مرفوعاً هذا الحديث الواحد، قال الزرقاني(٢). (عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير) بن باطا بموحدة بلا همز ولا مد، ويقال: باطيا كما في ((تهذيب الأسماء))(٣) للنووي، تابعي ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وذكره البغوي في الصحابة لأجل هذا الحديث، وتعقبه الحافظ في ((الإصابة)) بأن الحديث مرسل، قال: وذكره البخاري في التابعين، وكذا ابن حبان وابن أبي حاتم، اهـ. وقال النسائي: الصواب مرسل ليس عنده غيره، اهـ. واختلف في ضبط الزبير هذا هل هو مصغر أو مكبر بعد ما اتفقوا على تكبير الجد؟ قال النووي: الزبير بن باطا بفتح الزاي وكسر الباء بلا خلاف بين العلماء وكلهم مصرحون به، وممن نقل الاتفاق عليه صاحب ((مطالع الأنوار)) اهـ. وأما الحفيد فقال الزرقاني: بفتح الزاي فيهما، ورواه ابن بكير بضم (١) انظر: ((رد المحتار)) (٤٣/٥). (٢) (شرح الزرقاني)) (١٣٧/٣). (٣) (١٩٤/١). ٣٨٤ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث أَنَّ رِفَاعَةَ بْنَ سِمْوَالٍ الأول، وروي عنه الفتح فيهما كسائر الرواة عن مالك، وهو الصحيح فيهما قاله ابن عبد البر، فقوله: الصحيح فيهما أي عن مالك، اهـ. ومَا أَوَّلَه الزرقاني كلام ابن عبد البر(١) يأبى عنه ما في هامش ((التجريد)) من النسخة المصرية، ولفظها هكذا هو الزبير بالفتح فيهما وابن بكير يرفع الواحد منهما، وهو الأول وليس بشيء، وهم زبيريون بالفتح فيهما قرظيون من بني قريظة، والزبير بن باطيا جدُّهم وجهٌ من وجوه بني قريظة، اهـ. فهذا السياق يدل على أن الصواب عند ابن عبد البر فيهما الفتح، وقال الحافظ في ((الإصابة)) الزبير جد هذا بفتح الزاي، وأما هذا فبضمها على الجادة، وقيل كجده، اهـ. وقال الباجي(٢): رواه يحيى بن يحيى وجماعة من رواة ((الموطأ)) بفتح الزاي فيهما، وقال ابن بكير: الأول بالضم، وقال الدارقطني وأبو الحسن وغيرهما من الحفاظ: هو الصواب، والذي وقع في روايتي من طريق يحيى بن يحيى بضم الزاي، اهـ. (أن رفاعة بن سموال) اختلف في ضبطه، فقال النووي في ((تهذيبه))(٣) بسين مهملة تفتح وتكسر ثم ميم ساكنة، وهكذا في ((الزرقاني)) بكسر السين وإسكان الميم، وضبطه الحافظ في ((الفتح)) سموأل بفتح المهملة والميم وسكون الواو وبعدها همزة ثم لام، اهـ. قال النووي: رفاعة القرظي الصحابي، هو رفاعة بن سموال، وقيل: رفاعة بن رفاعة القرظي المدني من بني قريظة، خال صفية أم المؤمنين، لأن أمها برة بنت سموأل، اهـ. وقال ابن عبد البر في ((الاستيعاب)): رفاعة بن سموال، ويقال: رفاعة بن (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٥٤/١٦)، و((التمهيد)) (٢٢١/١٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٨/٣). (٣) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١٩٠/١). ٣٨٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، تَمِيمَةَ بِنْتَ وَهْبٍ رفاعة القرظي، واقتصر الحافظ في ((الإصابة)) على رفاعة بن سموأل ولم يذكر غيره. ثم قال ابن عبد البر: وكذا لأكثر الرواة مرسل، ووصله ابن وهب عن مالك فقال: عن أبيه، وابن وهب من أجلّ من روى عن مالك هذا الشأن وأثبتهم فيه، وتابعه أيضاً ابن القاسم وعلي بن زياد وإبراهيم بن طهمان وعبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، كلهم عن مالك، وقالوا فيه: عن أبيه كذا في ((التنوير)) (١) يعني قالوا: عن زبير بن عبد الرحمن عن أبيه أن رفاعة طلق امرأته. وفي ((التجريد))(٢)، هكذا رواه يحيى مرسلاً، وتابعه أكثر رواة ((الموطأ))، وقال الحافظ في ((الفتح)) (٣): أخرجه ابن وهب والطبراني والدارقطني في ((الغرائب)) موصولاً، وهو في ((الموطأ)» مرسل. (طلق امرأته تميمة بنت وهب) قال الحافظ في ((الفتح)): هي بمثناة، واختلف هل هي بفتحها أو بالتصغير؟ والثاني أرجح، ووقع مجزوماً بها في النكاح لسعيد بن أبي عروبة من روايته عن قتادة، وقيل: اسمها سهيمة بسين مهملة مصغراً، أخرجه أبو نعيم وكأنه تصحيف، وعند ابن منده أميمة بالألف، وسمى أباها الحارث، وهي واحدة اختلف في التلفظ باسمها، والراجح الأول، اهـ. وقال في ((الإصابة)): تميمة بنت وهب لا أعلم لها غير قصتها مع رفاعة بن سموأل من رواية مالك في ((الموطأ))، كذا قال ابن عبد البر. وقال ابن منده: تميمة بنت أبي عبيد امرأة رفاعة القرظي، وروى (١) ((تنوير الحوالك)) (ص ٤٣٠). (٢) (ص١٦٩). (٣) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٩). ٣٨٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث . . .. فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ ثَلاثَاً. فَنَكَحَتْ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الزَّبِيرِ. ابن شاهين من تفسير مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا فِلُ لَهُ﴾ الآية، نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها، فطلقها طلاقاً بائناً. فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، فذكر القصة مطولة، قال أبو موسى: الظاهر أن القصة واحدة، قال الحافظ: وظاهر السياقين أنهما اثنان، لكن المشكل اتحاد اسم الزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير. قلت: ورجح في ((الفتح)) أيضاً التثنية كما سيأتي، وحكى خمسة أقوال في اسم رفاعة، ورجح كونها تميمة مصغراً، وسيأتي أن لا منافاة بين بنت وهب وبنت أبي عبيد، وفي ((العيني)): قال الطبراني في ((معجم الكبير)): لها ذكر في قصة رفاعة، ولا حديث لها، اهـ. (في عهد) أي زمن (رسول الله وَ ير ثلاثاً) وفي رواية للبخاري في كتاب الطلاق أنها قالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي، قال الحافظ(١): ظاهره أنه قال لها: أنتِ طالق البتة، ويحتمل أن يكون المراد أنه طلقها طلاقاً، حصل به قطع عصمتها منه، وهو أعمُّ من أن يكون طلقها ثلاثاً مجموعة أو مفرقة، ويؤيد الثاني ما في كتاب الأدب من البخاري أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، اهـ. وقال الباجي(٢): قوله: ثلاثاً يحتمل من جهة اللفظ أن يوقعها في مرة واحدة ويحتمل أن يوقعها في ثلاث مرات يطلق، ثم يرتجع ثم يطلق، غير أن إيقاعها عند مالك في مرة غير جائز كما سيأتي في محله (فنكحت عبد الرحمن بن الزبير) بفتح الزاي لا غير، وشذّ من ضمّه ابن باطا أو باطيا كما تقدم في ترجمة ابنه الراوي للقصة. (١) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٩). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٨/٣). ٣٨٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث قال النووي(١) في ((تهذيبه)) و((شرح مسلم): عبد الرحمن بن الزبير - بفتح الزاء وكسر الباء بلا خلاف، وهذا هو المشهور، أن عبد الرحمن الذي تزوّج امرأة رفاعة هو عبد الرحمن بن الزبير بن باطا اليهودي، وكذا ذكره ابن عبد البر والمحققون. وقال ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني في كتابيهما في ((معرفة الصحابة)): هو عبد الرحمن بن الزبير بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، والصواب الأول، وقُتِلَ الزبير بن باطا اليهودي يوم بني قريظة كافراً قتله الزبير بن العوام، اهـ. وقال الحافظ في ((الإصابة)): عبد الرحمن بن الزبير بن باطيا القرظي من بني قريظة، ويقال: هو ابن الزبير بن زيد بن أمية كذا ذكره ابن منده، فيحتمل أن يكون نسب إلى زيد بالتبني لصنيع الجاهلية وإلا فالزبير بن باطيا معروف في قريظة، اهـ. ولفظ البخاري عن هشام عن أبيه عن عائشة أن رفاعة تزوج امرأة. ثم طلقها فتزوجت آخر، الحديث. قال الحافظ(٢): سماه مالك في روايته عبد الرحمن بن الزبير - بفتح الزاي، واتفقت الروايات كلها عن هشام أن الزوج الأول رفاعة والثاني عبد الرحمن. وكذا قال عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: إن تميمة بنت أبي عبيد القرظية كانت تحت رفاعة، فطلّقها، فخلف عليها عبد الرحمن، وتسميته لأبيها لا تنافي رواية مالك، فلعل اسمه وهب وكنيته أبو عبيد إلا ما وقع عند ابن إسحاق في المغازي من رواية سلمة بن الفضل د (١) ((تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٩٥/١). (٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٤٦٤). ٣٨٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث فَاعْتَرَضَ عَنْهَا . عنه، وتفرد به عنه عن هشام عن أبيه، قال: كانت امرأة من قريظة يقال لها تميمة تحت عبد الرحمن بن الزبير، فطلقها فتزوجها رفاعة. ثم فارقها، فأرادت أن ترجع إلى عبد الرحمن بن الزبير وهو مع إرساله مقلوب، والمحفوظ ما اتفق له الجماعة عن هشام. وقد وقع لامرأة أخرى قريب من قصتها، فأخرج النسائي عن ابن عباس أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي ولم تشكو من زوجها أنه لا يصل إليها، الحديث. واسم زوج الغميصاء عمرو بن حزم، ولم أعرف اسم زوجها الثاني، ووقعت للثالثة قصة أخرى مع رفاعة رجل آخر غير الأول، والزوج الثاني عبد الرحمن بن الزبير أيضاً . أخرجه ابن مقاتل في ((تفسيره))، ومن طريقه ابن شاهين في الصحابة في قوله تعالى: ﴿فَلَ تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضرية كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك، وهو ابن عمها. فطلقها طلاقاً بائناً فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير ثم طلقها فأتت النبي ◌َّطير، فقالت: إنه طلّقني قبل أن يمّسني أفأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ الحدیث. وهذا الحديث إن كان محفوظاً، فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجته طلاق. فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير، فطلقها قبل أن يمسّها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص، وبهذا يتبين خطأ من وَحَّدَ بينهما ظناً منه أن رفاعة بن سموأل هو رفاعة بن وهب، ووقعت لأبي ركانة قصة أخرى، اهـ. (فاعترض عنها) بضم المثناة آخره ضاد معجمة أي حصل له عارض حال بينه وبين إتيانها، إما من الجن وإما من المرض، كذا في ((الفتح))، ولفظ محمد ٣٨٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا . في ((موطئه))(١) فأعرض عنها، وفي (المجمع)): فاعترض عنها، أي أصابه عارض من نحو مرض منعه عن إتيانها (فلم يستطع أن يمسّها) أي يجامعها لفظ البخاري: ((فأتت النبي ول﴿ فذكرت له أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة)). قال الحافظ (٢): ووقع في رواية: ((فلم يقربني إلا هَنَةً واحدةً، ولم يصل مني إلى شيء)) والهنة بفتح الهاء وتخفيف النون المرة الواحدة الحقيرة، والهُدْبة - بضم الهاء وسكون المهملة - طرف الثوب الذي لم ينسج، أرادت أن ذكره مثل الهدية في الاسترخاء وعدم الانتشار، واستدل به على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محللاً ارتجاع الزوج الأول إلا إن كان حال وطئه منتشراً، فلو كان ذكره أشلّ أو كان هو عنيناً أو طفلاً لم يكفِ على أصح أقوال العلماء، وهو الأصح عند الشافعية أيضاً. وفي لباس البخاري(٣): عن عكرمة ((أن رفاعة طلق امرأته، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار أخضر، فشكت إليها. وأَرَتْها خُضْرةً بجلدها، فلما جاء رسول الله وَطه - والنساء ينصر بعضهن بعضاً - قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى المؤمنات، لَجلدُها أشدَّ خضرة من ثوبها، قال: وسمع يعني زوجها أنها قد أتت رسول الله وَالر، فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه، وأخذت هدبة من ثوبها، فقال: كَذِبَتْ، والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزٌ تريد رفاعة، قال: وأبصر معه ابنين له، فقال: ((بنوك هؤلاء))؟، قال: نعم، قال: ((هذا الذي تزعمين ما تزعمين؟ فوالله لهم أشبه به من الغراب بالغراب)). (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٥٤٤/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤٦٥/٩). (٣) ((صحيح البخاري)) (٥٨٢٥). ٣٩٠ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث فَفَارَقَهَا. فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا . قال الكرماني: ((خضرة جلدها)) يحتمل أن تكون لهزالها أو من ضرب زوجها له، قال الحافظ (١): وسياق القصة يرجح الثاني، وقوله: ((بنوك هؤلاء»، فيه إطلاق الجمع على الاثنين، لكن في رواية وهيب ((ومعه بنون له))، ولم أقف على تسميتهم، قال الداودي: يحتمل تشبيهها بالهدبة انكسارَه وأنه لا يتحرك وأن شدته لا تشتدّ، ويحتمل أنها كنت بذلك على نحافته، أو وصفته بذلك بالنسبة إلى الأول، قال: ولذا يستحب نكاح البكر، لأنها تظن الرجال سواء بخلاف الثيب، اهـ مختصراً . والجمع بين لفظ ((الموطأ)) ((لم يستطع أن يمسها))، ولفظ البخاري ((إلا هنة واحدة)) أي لم يقربني بإرادة الجماع إلا مرة واحدة، وفيها أيضاً لم يستطع أن یجامع. (ففارقها) قال الباجي(٢): يريد أنه لما اعترض عنها ومنع وطأها فارقها، ويحتمل أن يكون فارقها حين لم تُرِدِ البقاء معه على ذلك، ولكن أضاف الفراق إليه لما كان هو الفاعل له، ولعله لما علم بكراهيتها، لذلك بادر الفراق من غير أن يتأجل في ذلك أجلاً، أو يعالج مداواة، اهـ. وقال عياض: هذا إخبار عما اتفق بعد شكايتها للمصطفى، ومناكرة عبد الرحمن لها، اهـ. ومناكرته ما تقدم من قوله: ((كذبت والله يا رسول الله إني لأنفضها نفض الأدیم». (فأراد رفاعة أن ينكحها) قال الباجي: يحتمل أن يكون اعتقد أن الثلاث لم تحرمها، ولعله لم يكن نزل بعد قولُه تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ﴾ الآية. ويحتمل أنه علم أن الثلاث تحرمها، وظن أن عقد الزوج عليها حلها، اهـ. (١) ((فتح الباري)) (٢٨٢/٩). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٩/٣). ٣٩١ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث وَهُوَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا. فَذَكَرَ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَهُ. فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا. وَقَالَ: ((لَا تَحِلُّ لَكَ حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ)). أخرجه البخاريّ في: ٨٧ - كتاب اللباس، ٦ - باب الإزار المهدّب. و٢٣ - باب ثياب الخضر. ومسلم في: ١٦ - كتاب النكاح، ١٦ - باب لا تحل المطلقة ثلاثاً لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره ويطأها ثم يفارقها وتنقضي عدتها، حديث ١١١ - ١١٥. (وهو زوجها الأول الذي كان طلَقَّها) ولا مانع من أنها أرادت الرجوع إليه وأراد هو الرجوع إليها، فإن النكاح لا يكون إلا بإرادة الطرفين (فذكر) ببناء المعلوم أي الزوج، ويحتمل بناء المجهول، فالأوجه المرأة كما هو معروف في الروايات، وعلى الأول لا مانع من أن كلا منهما ذكر ذلك (لرسول الله وَلخلقه فنهاه عن تزويجها). ولفظ البخاري(١) في: ((باب من قال لامرأته أنتِ على حرام))، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: طلق رجل امرأته، فتزوجت زوجاً غيره، فطلقها وكانت معه مثل الهدبة، فلم تصل منه إلى شيء تريده، فلم يلبث أن طلقها، فأتت النبي ◌َّ، فقالت: يا رسول الله إن زوجي طلقني، وإني تزوجت زوجاً غيره، فدخل بي ولم يكن معه إلا مثل الهدبة، فلم يقربني إلا هَنَةً واحدةً، لم يصل مني إلى شيء، أفأحل لزوجي الأول؟ فقال رسول الله وَالر: ((لا تحلين لزوجك الأول حتى))، الحديث. (وقال:) وَ ل﴾ ((لا تحل لك حتى تذوق العسيلة))) بضم العين وفتح السين المهملتين، وقال الحافظ(٢): اختلف في توجيهه، فقيل: هي تصغير العسل لأن العسل مؤنث، جزم به القزّاز، قال وأحسب التذكير لغة، وقال الأزهري: يُذَكَّرُ (١) (صحيح البخاري)) (٥٢٦٥)، ((فتح الباري)) (٣٧١/٩). (٢) ((فتح الباري)) (٤٦٦/٩). ٣٩٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث ويُؤَنَّث، وقيل: لأن العرب إذا حقرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث كقولهم: دريهمات، وقيل: التأنيث باعتبار الوطأة، وقيل: المراد قطعة من العسل، والتصغير للتقليل، إشارة إلى أن القدر القليل كاف للتحليل. وقال الأزهري: والصواب أن معنى العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، وأنث تشبيهاً بقطعة من العسل، وقيل: معنى العسيلة النطفة، وهذا يوافق قول الحسن البصري، وقال جمهور العلماء: ذوق العسيلة كناية عن الجماع، وهو تغييب الحشفة في الفرج، وزاد الحسن البصري: الإنزال، وهذا الشرط انفرد به عن الجماعة، قاله ابن المنذر وآخرون. وقال ابن بطال: شذّ الحسن في هذا، وخالفه سائر الفقهاء، وتعقبه ابن العربي فقال: مغيب الحشفة في الفرج هي العسيلة، وأما الإنزال فهي الدُّبيلة، فإن الرجل لا يزال في لذة من الملاعبة حتى إذا أولج فقد عسل، ثم يتقاطر بعد ذلك ما فيه عناء نفسه وإتعاب أعضائه فهو إلى الحنظلية أقرب منه إلى العسيلية، لأنه يبدأ بلذة، ويختم بالألم، اهـ. قال الأبي(١): هذا منه ذهاب إلى أن ما قبل الإنزال أمتع من ساعة الإنزال، وقال محمد بن عرفة: من له ذوق يعرف ذلك، وقال الغزالي: ساعة الإنزال ألذ لذات الدنيا، وإن دامت قتلت، قاله الزرقاني(٢). ومحصل ما في ((الدر المختار)) (٣): إن المشروط ذوق والإنزال شبع، وقال أبو عبيد: العسيلة لذة الجماع، والعرب تسمى كل شيء تستلّذه عسلاً، (١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٥٨/٤). (٢) (شرح الزرقاني)) (٣٨/٣). (٣) (٤٥٤/٣). ٣٩٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث وهو في التشديد يقابل قول سعيد بن المسيب في الرخصة، وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع إلا سعيد بن المسيب، ثم ساق بسند صحيح عنه قال: يقول الناس: لا تحلّ للأول حتى يجامعها الثاني. وأنا أقول: إذا تزوجها تزويجاً صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها للأول فلا بأس أن يتزوجها الأول، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور، وفيه تعقب على من استبعد صحته عن سعيد. قال ابن المنذر: وهذا القول لا نعلم أحداً وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج، ولعله لم يبلغه الحديث، فأخذ بظاهر القرآن، ويؤخذ من كلام ابن المنذر أن نقل أبي جعفر النحاس وتبعه عبد الوهاب المالكي في ((شرح الرسالة)) القول بذلك عن سعيد بن جبير وهم، وأعجب منه أن أبا حيان جزم به عن السعيدين ابن المسيب وابن جبير، وحكى ابن الجوزي عن داود أنه وافق سعيد بن المسيب على ذلك، اهـ. قال العيني(١): أجمعت الأمة على أن الدخول شرط الحل للأول، ولم يخالف في ذلك إلا ابن المسيب والخوارج والشيعة وداود الظاهري وبشر المريسي، اهـ. وقال في موضع آخر: وذكر في ((كتاب القنية)) لأبي الرجاء أن سعيد بن المسيب رجع عن مذهبه هذا، اهـ. وبسط الحافظ في ((الفتح)) الكلام على الحديث، واستنبط منها المسائل: منها؛ ما قال القرطبي: يستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلق بأقل ما ينطلق عليه الاسم خلافاً لمن قال: لا بد من حصول جميعه، وفي قوله: ((حتى تذوقي عسيلته))، إشعار بإمكان ذلك، لكن قوله: ليس معه إلا مثل الهدية ظاهر في تعذر الجماع المشترط، فأجاب الكرماني بأن مرادها التشبيه بها في الدقة والرقة لا الرخاوة وعدم الحركة واستبعد ما قال. (١) ((عمدة القاري)) (٤٧٩/٩). ٣٩٤ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث وسياق الخبر يعطي بأنها شكت منه عدم الانتشار ولا يمنع من ذلك قوله وَّ: ((حتى تذوقي)) لأنه عَلَّقَه على الإمكان. وهو جائز الوقوع، فكأنه قال: اصبري حتى يتأتى منه ذلك. ومنها؛ ما قال: واستدل بإطلاق وجود الذوق منهما لاشتراط علم الزوجين به حتى لو وطئها نائمة أو مغمىّ عليها لم يكف ولو أنزل، وبالغ ابن المنذر فنقله عن جميع الفقهاء وتعقب، قال القرطبي: فيه حجة لأحد القولين في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحلّ، وجزم ابن القاسم بأن وطء المجنون يحلّ، وخالفه أشهب -. وفي ((الدر المختار)) عن ((شرح المشارق)) لابن الملك: لو وطئها نائمة لا يحلها للأول لعدم الذوق، وينبغي أن يكون الوطء في حالة الإغماء كذلك. قال ابن عابدين(١): فيه أن هذا الكتاب ليس موضوعاً لنقل المذاهب. وإطلاق المتون والشروح يردُّه والذوق للنائمة موجودة حكماً ألا ترى أنه إذا وجد البلل يجب عليه الغسل، وكذا المغمى عليه مع أن خروج المنى لا يوجبه إلا مع اللذة، والمجنون يُحِلَّها، وهو فوق الإغماء والنوم، ورأيت في ((معراج الدراية)»: وطء النائمة والمغمى عليه يحل عندنا، وفي أحد قولي الشافعي هكذا رأيته في نسخة سقيمة، فليراجع نسخة أخرى، اهـ. ومنها؛ ما قال استدل به على جواز رجوعها لزوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني لكن شرط المالكية ونقل عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني. ولا إرادة تحليلها للأول، وقال الأكثر: إن شرط ذلك في العقد فسد وإلا فلا، اهـ. قال الموفق(٢): نكاح المحلل حرام، باطل في قول عامة أهل العلم، (١) ((حاشية رد المختار)) (٣٥٥/٣). (٢) ((المغني)) (٤٩/١٠). ٣٩٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث منهم الحسن والنخعي وقتادة ومالك والليث والثوري وابن المبارك وسواء قال: زوجتكما إلى أن تطأها، أو شرط أنه إذا أحلها فلا نكاح بينهما، أو أنه إذا أحلّها للأول طلقها، وحكي عن أبي حنيفة أنه يصح النكاح، ويبطل الشرط، وقال الشافعي في الصورتين الأوليين: لا يصح، وفي الثالثة على قولين. ولنا: ما روي عن رسول الله وَالر أنه قال: ((لعن الله المحلل والمحلل له)»، رواه أبو داود (١) والترمذي، وقال: حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي ◌ُّ منهم عمر بن الخطاب وعثمان وعبد الله بن عمر وهو قول الفقهاء من التابعين، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس، فإن شرط عليه التحليل قبل العقد، ولم يذكره في العقد، ونواه فيه أو نوى التحليل من غير شرط؛ فالنكاح باطل أيضاً، وهو قول الحسن والنخعي والليث ومالك والثوري وإسحاق. وقال أبو حنيفة والشافعي: العقد صحيح، وذكر القاضي في صحته وجهاً مثل قولهما، لأنه خلا من شرط يفسده، فأشبه ما لو نوى طلاقها لغير الإحلال، وروي عن عمر - رضي الله عنه - ما يدل على إجازته في قصة حديث ذي الرُّفْعَتَيْن، فإن شرط عليه قبل العقد أن يحلها، فنوى بالعقد غير ما شرطوا، وقصد نكاح رغبة صح العقد، وعلى هذا يحمل حديثٍ ذي الرُّفْعَتَيْن، وإن قصدت المرأة للتحليل أو وليها دون الزوج لم يؤثر ذلك في العقد. وقال الحسن، وإبراهيم: إذا هَمَّ أحد الثلاثة فسد النكاح، قال أحمد: الحديث عن النبي ◌ّلي: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة)) ونية المرأة ليس بشيء، إنما قال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله المحلل والمحلل له))، ولأن العقد إنما يبطل بنية الزوج، لأنه الذي إليه المفارقة والإمساك، ولا تملك المرأة (١) ((سنن أبي داود)) (٢٠٧٦)، ((سنن الترمذي)) (١٣١٩). ٣٩٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حديث شيئاً، إنما لعن المحلل له إذا رجع إليها بذلك التحليل، لأنها لم تحل له فكان زانياً، اهـ. وقال الباجي(١): الاعتبار في نكاح التحليل لنية الزوج، قال مالك في ((الموازية)) و((العتبية)): لا يجوز أن يتزوجها، علمت هي أو زوجها الأول أو لم يعلما، فإذا لم ينو الزوج الثاني التحليل فهو جائز، وإن علمت المرأة التحليل، وسألته الطلاق أو خالعته بمال، فذلك جائز، اهـ. وقال العيني(٢): قال ابن بطال: اختلفوا في نكاح المُحَلِّلِ، فقال مالك: لا يحلها إلا بنكاح رغبة، فإن قصد التحليل لم يحلها سواء علم الزوجان بذلك أو لم يعلما، ويفسخ قبل الدخول وبعده وهو قول الليث وسفيان وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: النكاح جائز، وله أن يقيم على نكاحه أو لا، وهو قول عطاء والحكم، وقال القاسم وسالم وعروة والشعبي: لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم بذلك الزوجان، وهو مأجور بذلك، وهو قول ربيعة ویحیی بن سعید. وذهب الشافعي وأبو ثور إلى أن الذي يفسد هو الذي يعقد في النكاح أنه إنما يتزوجها ليحلها ثم يطلقها، ومن لم يشترط ذلك فهو عقد صحيح، وروي عن أبي حنيفة مثله، وروي عنه أنه إذا نوى الثاني تحليلها للأول لم يحل له ذلك، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وروي عن زفر عن أبي حنيفة أنه إن شرط عليه في نفس العقد أنه يتزوجها ليحلها للأول، فإنه نكاح صحيح، ويبطل الشرط، وله أن يمسكها فإن طلقها حلت للأول. وفي ((الدر المختار)) (٣): لا ينكح مطلقة بالثلاث حتى يطأها غيره، ولو (١) ((المنتقى)) (٢٩٩/٣). (٢) ((عمدة القاري)) (٢٤٠/١٤). (٣) (٤٤٩/٣ - ٤٥٠ - ٤٥١). ٣٩٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث مراهقاً أو خصياً أو مجنوناً بنكاح صحيح نافذ، وكره التزوج للثاني تحريماً بشرط التحليل كتزوّجتك على أن أحللك. وإن حلت للأول لصحة النكاح وبطلان الشرط فلا يجبر على الطلاق، وإن أضمرا ذلك لا يكره. وكان الرجل مأجوراً بقصد الإصلاح وتأويل اللعن إذا شرط الأجر. قال ابن عابدين: قوله: كره التزوج للثاني كذا في ((البحر))، وفي ((القهستاني)): يكره الأول والثاني، وينبغي أن يزاد المرأة، بل هي أولى من الأول في الكراهة، لأن العقد بشرط التحليل جرى بينها وبين الثاني، والأول ساع في ذلك، ولفظ الحديث يشمل الكل، لأن المحلل له يصدق على المرأة أيضاً . وقوله: وإن حلت للأول، هذا قول الإمام، وعن أبي يوسف يفسد النكاح لأنه في معنى المؤقت ولا يحلها، وعن محمد: يصح، ولا يحلها، لأنه استعمل ما أخّره الشرع كما في قتل المورث. قوله: وإن أضمرا ذلك لا يكره بل يحل في قولهم جميعاً، قوله: وتأويل اللعن، قال في ((الفتح)): وهنا قول آخر، وهو أنه مأجور، وإن شرط لقصد الإصلاح، وتأويل اللعن عند هؤلاء إذا شرط الأجر، قال ابن عابدين: واللعن على هذا الحمل أظهر، لأنه كأخذ الأجرة على عسب التيس، وهو حرام، ويُقرّبه أنه عليه السلام سماه التيس المستعار، اهـ. ومنها ما قال الحافظ في ((الفتح)) (١): اتفقوا على أن النكاح الفاسد لم يحلل، وشَذَّ الحكم، فقال يكفي، اهـ. وتقدم قريباً اشتراط النكاح النافذ في كلام صاحب ((الدر المختار)) قال: خرج منه النكاح الفاسد والموقوف، فلو نكحها عبدٌ بلا إذن سيده، ووطئها قبل الإجازة لا يحِلّها حتى يطأها بعدها، (١) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٩). ٣٩٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث وقال النووي: لو وطئها في نكاح فاسد لم تحل للأول على الصحيح، اهـ. قال الموفق(١): وبهذا قال الحسن والشعبي وحماد ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي والشافعي في الجديد، وقال في القديم: يُحِلُّها ذلك أي النكاح الفاسد، وهو قول الحكم، وخَرَّجَه أبو الخطاب وجهاً في المذهب، اهـ. ومنها ما قال الحافظ(٢): استدل به على أن المرأة لا حق لها في الجماع، لأن هذه المرأة شكَتْ أن زوجها لا يطأها، وأنه ليس معه ما يُغْني عنها، ولم يفسخ النبي ◌َ﴿ نكاحها بذلك، ومِن ثَمَّ قال إبراهيم بن عُلَيّة وداود بن علي: لا يفسخ بالعنة، ولا يُضْرب للعنين أجل، وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع، فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرة واحدة لم يؤجل أجل العنين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق، وقال أبو ثور: إن ترك جماعها لعلة أجّل له سنة، وإن كان لغير علة فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أن للمرأة حقاً في الجماع فيثبت الخيار لها إذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلة بهما، ويضرب للعِنِين أجلُ سنة لاحتمال زوال ما به، وأما استدلال داود ومن يقول بقوله بقصة امرأة رفاعة فلا حجة فيها، لأن في بعض طرقه أن الزوج الثاني كان أيضاً طلقها كما وقع عند مسلم صريحاً من طريق القاسم عن عائشة قالت: طَلّق رجل امرأته ثلاثاً فتزوّجها رجل آخر، فطلقها قبل أن يدخل بها، الحديث. وفي لفظ ((الموطأ)) ففارقها، اهـ. (١) ((المغني)) (٥٤٩/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٩). ٣٩٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٧) باب (١٠٨٠) حدیث قال ابن عابدين: كلام صاحب ((الدر)) و((البدائع)) يشير إلى أن الحق في التمتع للرجل لا للمرأة كما ذكره السيد أبو السعود في ((حواشي مسكين)) فله وطؤها جبراً إذا امتنعت بلا مانع شرعي، وليس لها إجباره على الوطء بعد ما وطئها مرة وإن وجب عليها أحياناً ديانة، اهـ. ومنها ما قال الموفق(١): اشترط أصحابنا أن يكون الوطء حلالاً، فإن وطئها في حيض أو إحرام أو في صوم فرض لم تحل، وهذا قول مالك لأنه وطء حرام، لحقّ الله تعالى، فلم يحصل به الإحلال، وظاهر النص حلها لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنكِحَ﴾ الآية. وقوله عليه الصلاة والسلام: ((حتى تذوقي عسيلته)) وقد وجد، وهذا أصح إن شاء الله، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، اهـ. ومنها؛ ما قال الحافظ(٢): قال ابن حزم: أخذ الحنفية بالشرط الذي في هذا الحديث، وهو زائد على ظاهر القرآن، ولم يأخذوا اشتراط خمس رضعات لأنه زائد على ما في القرآن، فيلزمهم الأخذ به أو ترك حديث الباب، وأجابوا بأن النكاح عندهم حقيقة في الوطء، فالحديث موافق لظاهر القرآن. ونقل ابن العربي أنّه أورد على حديث الباب بأنه يلزم من القول به، أما الزيادة بخبر الواحد على ما في القرآن، فيلزم نسخ القرآن بالسنة التي لم تتواتر، أو حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين مع ما فيه من الإلباس. والجواب عن الأول أن الشرط إذا كان من مقتضيات اللفظ لم تكن إضافته نسخاً ولا زيادة، وعن الثاني أن النكاح في الآية أضيف إليها، وهي لا تتولى العقد بمجردها، فتعين أن المراد في حقها الوطء، ومن شرطه اتفاقاً أن يكون وطئاً مباحاً، فيحتاج إلى سبق العقد، ويمكن أن يقال: إن اللفظ لما كان محتملاً للمعنيين بَيِّنَتِ السنة أنه لا بد من حصولهما، اهـ. (١) («المغني)) (٥٥١/١٠). (٢) ((فتح الباري)) (٤٦٨/٩). ٤٠٠