Indexed OCR Text
Pages 361-380
٢٧ - كتاب النكاح (٤) باب (٤) باب إرخاء الستور بدرهم، وفي ((الفتح))(١) عن مالك: أقله ثلاثة دراهم أو ربع دينار بناء على مقدار ما يجب فيه القطع، وقال الدراوردي لمالك لما سمعه يذكر هذه المسألة: تعرقت يا أبا عبد الله أي سلكت سبيل أهل العراق في قياسهم مقدار الصداق على مقدار نصاب السرقة. وقال القرطبي: استدل من قاسه بنصاب السرقة بأنه عضو محترم، فلا يستباح بأقل من كذا قياساً على يد السارق، وقد ضعّف جماعة من المالكية أيضاً هذا القياس، فقال أبو الحسن اللخمي: قياس قدر الصداق بنصاب السرقة ليس بالبين، لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالاً للمعصية، والنكاح مستباح بوجه جائز، ونحوه لأبي عبد الله بن الفخار منهم. نعم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ يدل على أن صداق الحرة لا بد أن يكون ما ينطلق عليه اسم مال له قدر ليحصل الفرق بينه وبين مهر الأمة، وأما قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ﴾ يدل على اشتراط ما يسمى مالاً في الجملة فَلّ أو كثر، وقد حَدَّه بعض المالكية بما تجب فيه الزكاة، وهو أقوى من قياسه على السرقة، وأقوى من ذلك رده إلى المتعارف، اهـ. وقال الباجي(٢): والدليل على ما نقوله أن هذا سبب لاستباحة العضو بمال. فيجب أن يكون مقدراً كالسرقة، ودليلٌ ثان: أن ما قصر عن ربع دينار لا يصح أن يكون مهراً، أصل ذلك ما لا يصح أن يكون ثمناً كقشرة البيضة، اهـ. (٤) ما جاء في إرخاء الستور جمع سِتْر، وهو عبارة عن التخلية بين الزوجين، وإن لم يكن هناك إرخاء ستور ولا إغلاق باب، وعَبّره الدردير بخلوة الاهتداء، قال الدسوقي: من (١) ((فتح الباري)) (٢٠٩/٩). (٢) ((المنتقى)) (٢٨٩/٣). ٣٦١ ٢٧ - كتاب النكاح (٤) باب الهدوء والسكون، لأن كل واحد من الزوجين سكن للآخر، وخلوة الاهتداء هي المعروفة عندهم بإرخاء الستور، كان هناك إرخاء ستور، أو غلق باب أو غيره، اهـ. والمعنى أن حصول الخلوة يكفي لإيجاب المهر (١). وقال الموفق(٢): إن الرجل إذا خلا بامرأته بعد العقد الصحيح استقر عليه مهرها، ووجبت عليها العدة، وإن لم يطأ، روي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وزيد، وابن عمر، وبه قال علي بن الحسين وعروة وعطاء والزهري والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي. وهو قديم قولي الشافعي؛ وقال شريح والشعبي وطاووس وابن سيرين والشافعي في الجديد: لا يستقر إلا بالوطء. وحكي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس، وروي نحو ذلك عن أحمد أنه قال: إذا صدقته المرأة أنه لم يطأها لم يكمل لها الصداق، وعليها العدة، لقوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ﴾(٣) الآية. وهذه طلقها قبل أن يمسَّها، وقال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾(٤) الآية، والإفضاء الجماع. ولنا إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، روى الإمام أحمد والأثرم بإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب المهر ووجبت العدة، وهذه قضايا تشتهر، ولم يخالفهم أحد في عصرهم، فكان إجماعاً، وما رووه عن ابن عباس لا يصح، قال أحمد: يرويه ليث، وليس بالقوي، ورواه حنظلة خلاف ما رواه (١) ((الشرح الكبير مع الدسوقي)) (٣٠٠/٢). وانظر: ((مغني المحتاج)) (٢٢٤/٣). (٢) («المغني)) (١٥٣/١٠). (٣) سورة البقرة: الآية ٣٦. (٤) سورة النساء: الآية ٢١. ٣٦٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٤) باب (١٠٧٥) حديث ١٠٧٥/ ١٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَضَى فِي الْمَرْأَةِ إِذَا تَزَوَّجَهَا الرَّجُلُ، أَنَّهُ إِذَا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ، فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ. ليث وحنظلة أقوى من ليث، وحديث ابن مسعود منقطع، قاله ابن المنذر، ولأن التسليم المستحق وجد من جهتها . وأما قوله تعالى: ﴿مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فيحتمل أنه كنى بالمسبب عن السبب الذي هو الخلوة، وأما قوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى﴾ فقد حُكِي عن الفراء أنه قال: الإفضاء الخلوة، دخل بها أو لم يدخل، وهذا صحيح، فإن الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو الخالي فكأنه قال: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. اهـ. قلت: ومذهب الإمام مالك - رضي الله عنه - موافق لجديد الشافعي، جزم به الباجي، وذكر الاختلاف مثل الموفق. وحكى محمد - رضي الله عنه - في ((موطئه)) (١) عن مالك أن الرجل إن طلقها بعد ذلك لم يكن لها إلا نصف المهر إلا أن يطول مكثها، ويتلذذ بها، اهـ. ١٠٧٥/ ١٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب) القرشي (أن عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (قضى في) قضية (المرأة إذا تزوجها الرجل أنه إذا أرخيت) ببناء المجهول (الستور) جمع ستر كناية عن التخلية (فقد وجب عليه الصداق) بنفس الخلوة، وإن عَرَا عن المسيس كما هو ظاهر اللفظ، ويؤيده ما في ((المحلى)): وروي أن عمر - رضي الله عنه - قال: ما ذنبهن إن جاء العجز منكم، اهـ. وأوّله المالكية بما إذا ادّعت المرأة المسيسَ، وأنكره الزوج، قال الباجي(٢): يريد إذا خلا الرجل بالمرأة، وانفرد انفراداً بيّناً، فقد وجب إكمال 7 (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٤٦٣/٢). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٢/٣). ٣٦٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٤) باب (١٠٧٦) حديث ١٣/١٠٧٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَقُولُ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِامْرَأَتِهِ، فَأُرْخِيَتْ عَلَّيْهِمَا السُّنُورُ، فَقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ. الصداق على الزوج، فظاهر اللفظ يقتضي أن بالخلوة يجب على الزوج إكمال الصداق، وإن لم يكن المسيس، غير أن معناه عند مالك فيما روى محمد عن ابن وهب أنه أريد بالحديث إذا أرخيت الستور الخلوة، وأريد بقوله: فقد وجب الصداق إذا ادّعت المرأة المسيس بمعنى أن الخلوة شاهدة لها، اهـ. قلت: وبمثل ما حُكِي عن المالكية أَوَّله شيخ مشايخنا الشاه ولي الله الدهلوي في ((إزالة الخفاء)) إذ قال بعد أثر عمر - رضي الله عنه - المذكور: كان الشافعي في القديم يقول بقول عمر - رضي الله عنه -، ويقول: عمر - رضي الله عنه - أعلم بكتاب الله، وقد يجوز أن يكون إنما أراد الله بالتي طلقت قبل أن تمسّ التي لم تخل بينه وبين نفسها، ثم رجع في الجديد إلى أن المهر إنما يجب كاملاً بالمسيس، واعتمد على ظاهر الكتاب. ويمكن الجمع بين قول عمر - رضي الله عنه - وبين ظاهر الكتاب بأنه إذا تصادقا على أنه لم يمسّها، فالقول بظاهر الكتاب، وإن قالت: مسّني، وقال: لم أمسّها، فإن أرخيت الستور صُدِّقَتْ بمسّها، وإن لم تُرخ الستور صُدِّق بيمينه، لأن الظاهر مع هذه في المسألة الأولى، ومع هذا في الثانية، فأظن هذا معنی قول عمر - رضي الله عنه -، اهـ. قلت: لكنه يخالف الجمهور، وعموم اللفظ وقول عمر - رضي الله عنه - ما ذنبهن إذ جاء العجز عنكم؟ ١٣/١٠٧٦ - (مالك، عن ابن شهاب أن زيد بن ثابت) الأنصاري - رضي الله عنه - أيضاً (كان يقول إذا دخل الرجل بامرأته) في الخلوة (وأرخيت عليهما الستور فقد وجب الصداق) بنفس الخلوة عند الجمهور. وبادّعاء المرأة عند المالكية كما تقدم في أثر عمر - رضي الله عنه -، وهذا الأثر أخرجه محمد ٣٦٤ ٢٧ - كتاب النكاح (٤) باب (١٠٧٦) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا، صُدِّقَ الرَّجُلُ عَلَيْهَا. وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ، صُدِّقَتْ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: أَرَى ذُلِكَ فِي الْمَسِيسِ. إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا فَقَالَتْ قَدْ مَسَّنِي، وَقَالَ لَمْ أَمَسَّهَا، صدِّقَ عَلَيْهَا. فَإِنْ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي بَيْتِهِ. فَقَالَ لَمْ أَمَسَّهَا، وَقَالَتْ قَدْ مَسَّنِي، صُدِّقَتْ عَلَيْهِ. في ((موطئه))، ثم قال: وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، وقال مالك بن أنس: إن طلقها بعد ذلك لم يكن لها إلا نصف المهر إلا أن يطول مكثها، ويتلذذ منها فيجب الصداق، اهـ. وأثر زيد بن ثابت هذا يوجد في جميع النسخ المصرية(١) من ((موطأ يحيى)) ولا يوجد في النسخ الهندية، والأولى إثباته، وقد وافقه محمد في ((موطئه)) (٢). (مالك، أنه بلغه) وقد عرفت أن بلاغات الإمام معتبرة (أن سعيد بن المسيب) - رضي الله عنه ــ (كان يقول: إذا دخل الرجل بالمرأة في بيتها) وادّعت المرأة وطأها، وأنكره الرجل (صُدِّق) ببناء المجهول (الرجلُ عليها) ويُقْبل إنكاره بيمينه، لأن الغالب أن النشاط لا يحصل في غير بيته (وإذا دخلت) المرأة (عليه) أي على الزوج (في بيته) ثم اختلفا في الوطء (صُدِّقَتْ) المرأة (عليه) أي على الرجل، لأن الظاهر حصول النشاط في بيته. (قال مالك) في توضيح أثر سعيد: (أرى ذلك) التصديق (في المسيس) أي الجماع، فالرجل (إذا دخل عليها) أي على المرأة (في بيتها فقالت: قد مسّني) أي جامعني (وقال: لم أمسّها صُدِّق) الرجل (عليها) فيجب نصف الصداق (فإن دخلت) المرأة (عليه) أي على الزوج (في بيته) ثم اختلفا (فقال: لم أمسّها فقالت: قد مسني، صُدِّقَتْ عليه) بيمينها . (١) انظر: ((الاستذكار)) (١٢٥/١٦). (٢) ((موطأ الإمام محمد)) (ص١٧٨). ٣٦٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٤) باب (١٠٧٦) حدیث قال الباجي(١): قول سعيد بن المسيب هذا خلاف لما تأوّله أصحابنا قولَ عمر - رضي الله عنه - وذلك أنهم حملوا قول عمر - رضي الله عنه - على أن بالخلوة حيث كانت يكون القول قول الزوجة في دعوى المسيس، وإن أنكره الزوج، وحملوا قول سعيد هذا على الخلوة على سبيل الالتذاذ بالزوجة دون البناء. فقال: إن كانت هذه الخلوة في منزل الزوجة، فالقول قول الزوج في إنكار المسيس، وإن كان في منزل الزوج فالقول قولها، وذلك لانبساط الزوج وقلة هيبته في بيته، وما جبل عليه الناس من الانقباض والحياء في البيت الذي یزور فیه. فأما خلوة السُفلاء، فحيث كانت أوجبت الصداق، وقد قال مالك بكلا القولين، وقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: حيث أخذ الغلق الزوجين في أهله أو في أهلها، فالقول قول المرأة إن ادّعت المسيس، وبه أخذ ابن وهب، اهـ. وفرّق الزرقاني(٢) بين الأثرين بخلوة الزيارة وخلوة الاهتداء، فقال: حاصله أنه يصدق الزائر منهما بيمين فيهما بخلاف خلوة الاهتداء فتصدق المرأة بيمين، لأن خلوة الزيارة لا تنشط النفوس فيها بخلاف الاهتداء، انتهى. وقال الدردير(٣): صُدِّقَتْ في دعوى الوطء في خلوة الاهتداء بيمين إذا اتفقا على الخلوة، وصُدِّقَ الزائر منهما في الوطء إثباتاً أو نفياً، فإن زارته صدقت في وطئه ولا عبرة بإنكاره، وإن زارها صُدِّق في نفيه، ولا عبرة بدعواها، وإن أقرَّ به الزوج فقط أُخِذ بإقراره في الخلوتين اهتداء وزيارة، انتھی . (١) ((المنتقى)) (٢٩٣/٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (١٣٤/٣). (٣) ((الشرح الكبير)) (٣٠١/٢). ٣٦٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٤) باب (١٠٧٦) حديث وقال ابن رشد(١): اتفق العلماء كلهم على أن الصداق كله يجب بالدخول والموت، واختلفوا هل من شرط وجوبه بالدخول المسيس أم ليس ذلك بشرط، بل يجب بالخلوة الذي يعنون بإرخاء الستور؟ فقال مالك والشافعي وداود: ولا يجب بإرخاء الستور إلا نصف المهر ما لم يكن المسيس، وقال أبو حنيفة: يجب المهر بالخلوة نفسها إلا أن يكون محرماً أو مريضاً أو صائماً في رمضان أو كانت المرأة حائضاً، وقال ابن أبي ليلى: يجب المهر كله بالدخول، ولم يشترط في ذلك شيئاً . وسبب اختلافهم معارضة حكم الصحابة لظاهر الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُوهُنَ﴾(٢)، وأما الأحكام الواردة عن الصحابة، فهو أن من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب عليه الصداق، ولم يختلف عليهم في ذلك فيما حكموا، واختلفوا من هذا الباب في فروع، وهو إذا اختلفا في المسيس أعني القائلين باشتراط المسيس، فالمشهور عن مالك أن القول قولها، وقيل: إن كان دخول بناء صُدِّقَتْ، وإن كان دخول زيارة لم تصدق، وقيل إن كانت بكراً نظر إليها النساء، فيتحصل فيها في المذهب ثلاثة أقوال، وقال الشافعي وأهل الظاهر: القول قوله، لأنه مدعی علیه، انتهى. وهذا توجيه آخر للأثرين بأن الفرق بينهما مبنيٌّ على القولين في مذهب الإمام مالك، وعُلِم منه أيضاً أن هذا كله في مسلك القائلين باشتراط المسيس، والذين لم يقولوا به يكفي عندهم إرخاء الستور سواء كان زائراً أو غيره، ولذا قال محمد بعد أثر سعيد: وبهذا نأخذ. (١) ((بداية المجتهد) (٢٢/٢). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٧. ٣٦٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (٥) باب المقام عند البكر والأيم (٥) المقام عند الأيم والبكر(١) هكذا في النسخ الهندية وأكثر المصرية. وفي بعض النسخ المصرية الثيب بدل الأيم، والمعنى واحد، والمقام: بفتح الميم وضمها مصدر ميمي بمعنى الإقامة، قال الجوهري: قد يكون كل منهما بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام، اهـ. يعني كم يقيم عندهما وقت البناء قبل القسمة. قال الخرقي: إذا أعرس عند بكر أقام عندها سبعاً ثم دار، ولا يحتسب عليها بما أقام عندها، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً، ثم دار، ولا يحتسب عليها أيضاً بما أقام عندها . قال الموفق(٢): متى تزوج صاحبُ النسوة امرأةً جديدةً قطع الدور، وأقام عندها سبعاً، إن كانت بكراً، ولا يقضيها للباقيات، وإن كانت ثيباً أقام عندها ثلاثاً، ولا يقضيها إلا أن تشاء هي أن يقيم عندها سبعاً، فإنه يقيمها عندها ويقضي الجميع للباقيات، روي ذلك عن أنس، وبه قال الشعبي والنخعي ومالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وابن المنذر. وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وخلاس بن عمرو ونافع مولى ابن عمر للبكر ثلاث، وللثيب ليلتان، ونحوه قال الأوزاعي، وقال الحكم وحماد، وأصحاب الرأي: لا فضل للجديدة في القسم، فإن أقام عندها شيئاً قضاها للباقیات، اهـ. وحكى الزرقاني(٣) عن ابن المسيب والحسن والأوزاعي يقيم عند البكر سبعاً والثيب أربعاً، فإذا تزوج بكراً على ثيب مكث ثلاثاً، وإذا تزوج ثيباً على (١) هذا الترتيب في العنوان في نسخة الشارح. (٢) «المغني)) (٢٥٦/١٠). (٣) ((شرح الزرقاني)) (١٣٤/٣). ٣٦٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٧) حديث ١٤/١٠٧٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمِ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ حِينَ تَزَوَّجَ أَمَّ سَلَمَةَ، وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، قَالَ لَهَا: بكر مكث يومين، اهـ. وما حكى الموفق من موافقة مالك لهم في التسبيع للثيب مع القضاء ليس بصحيح، كما سيأتي. ١٤/١٠٧٧ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو) بفتح العين (ابن حزم) الأنصاري المدني (عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي) المدني (عن أبيه) أبي بكر بن عبد الرحمن أحد الفقهاء السبعة بالمدينة المنورة، اختلف في اسمه، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد. (أن رسول الله وَ (3) قال ابن عبد البر (١): هذا حديث ظاهره الانقطاع أي الإرسال، وهو متصل مسند صحيح، قد سمعه أبو بكر من أم سلمة، كما صرح به عند مسلم(٢) وأبي داود والنسائي وابن ماجه، اهـ. قلت: كذا أخرجه مسلم مرسلاً برواية مالك ومسنداً بروايات أخر، وحكى النووي عن الدارقطني أرسله عبد الله بن أبي بكر، وعبد الرحمن بن حميد. (حين تزوج) أم المؤمنين (أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية (وأصبحت عنده قال لها). قال الباجي(٣): هذا يقتضي أنه قال لها في أول يوم أصبحت عنده، وقد روي أنه قال لها ذلك بعد انقضاء الثلاثة أيام، رواه مسلم أن رسول الله وَليه (١) ((الاستذكار)) (١٣٦/١٦). (٢) أخرجه مسلم (١٤٦٠/٤٢)، وأبو داود في النكاح (٢١٢٢)، والنسائي في عشرة النساء (٤٠) وابن ماجه (١٩١٧). (٣) ((المنتقى)) (٢٩٤/٣). ٣٦٩ ٠ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٧) حديث ((لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ. حين تزوج أم سلمة فدخل عليها، فأراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال رسول الله : ((إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث))، ويحتمل أن يكون قال لها ذلك ◌َ ل# أول يوم، فاختارت الثلاثة، ثم قال ذلك بعد انقضاء الثلاثة أيام حين تعلقت بثوبه إعادة للتخيير، اهـ. قلت: وأوضح من لفظ مسلم لفظ أبي داود ((أنه ول# لما تزوّج أم سلمة أقام عندها ثلاثاً، ثم قال: ليس بك)) الحديث ((ليس بك) بكسر الكاف (على أهلك هوان) أي احتقار، في ((مختار الصحاح)) الهون بالضم الهوان وأهانه: استخفّ به، والاسم الهوان والمهانة يقال: رجل فيه مَهانة أي ذلٌّ وضُعْفٌ، اهـ. قال الشيخ في ((البذل))(١) تبعاً للقاري: المراد بالأهل قبيلتها، والهاء للسببية أي لا يلحق أهلك بسببك هوان، وقيل: أراد بالأهل نفسه ومَّةٍ وكان من الزوجين أهل، والباء متعلقة بهوان أي ليس اقتصارى على الثلاثة لهوانك علي، ولا لعدم رغبة فيك، ولكن لأنه الحكم، اهـ. قال الباجي(٢): يريد أنها ليست بهيّنة عليه، بل يريد إكرامها وموافقة إرادتها في المقام عندها، وإنه إن أقام عندها ثلاثة أيام مع أن المقام عند البكر سبع، فليس لهوانها عليه، وإنما ذلك لأن حق سائر الزوجات متعلق بالمقام عندها، وهذا يقتضي أن المقام عند الثيب حق لا يقضي به سائر الزوجات مقاماً، ولا لهن فيه اعتراض لتعليقه ذلك بمشيئة أم سلمة دون مشيئة سائرهن. وقد اختلف أصحابنا في ذلك هل هو حق للزوج أو حق للزوجة؟ قال القاضي أبو محمد: في ذلك روايتان، قال: وفائدة الخلاف أنه إذا كان حقاً له جاز له فعله وتركه، وإذا كان حقاً للزوجة لم يكن له تركه إلا بإذنها. انتهى. (١) ((بذل المجهود)) (١٥٦/١٠). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٤/٣). ٣٧٠ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٧) حديث إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ. وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ)) فَقَالَتْ: ثَلِّثْ. أخرجه مسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع، ١٢ - باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، حديث ٤١ - ٤٤. (إن شئت) بكسر التاء (سبعت عندك) من التسبيع أي أقمت عندك سبعاً، في ((النهاية)) اشتقوا الفعل من الواحد إلى العشر، فمعنى: ((سَبَّعَ)) أقام عندها سبعاً (وسبَّعت عندهن) أي أقمت عند كل واحدة من بقية الزوجات سبعاً سبعاً. قال الطيبي(١): اختلفوا، فقيل: لا شركة لبقية الأزواج في المدة المذكورة أعني السبع والثلاث، فيستأنف القسم بعده، وقيل: لبقيتها استيفاء هذه المدة، واحتجوا بهذا الحديث، فإنه لو كان للثيب الثلاث لم يكن لباقي الأزواج التسبيع، بل التربيع، لأن الثلاث حق أم سلمة، وأجيب بأن اختيارها وطلبها لما هو أكثر من حقها أسقط اختصاصها بما هو حقها، انتهى. (وإن شئت ثلثت عندك) أي اكتفيت على الثلاث التي أقمت فيها عندك (ودرت) بصيغة المتكلم من الدوران (عليهن))) أي أدور على بقية الزوجات يوماً يوماً عند القائلين بتفضيل الجديدة بالثلث، وثلاثاً ثلاثاً عند القائلين بعدم التفضيل، ولذا قال محمد في ((موطئه))(٢) بعد هذا الحديث: وبه نأخذ، ينبغي إن سبّع عندها أن يُسبّع عندهن لا يزيد لها عليهن شيئاً، وإن ثلث عندها أن يثلث عندهن وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. (فقالت) أم سلمة (ثَلْثْ) أي اكتفِ بالثلاث، قال عياض: اختارت التثليث مع أخذها بثوبه حرصاً على طول إقامته عندها، لأنها رأت أنه إذا سَبَّعَ لها وسبع لغيرها لم يقرب رجوعه إليها . (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٢٥٩/٦). (٢) ((موطأ الإمام محمد)) (ص١٧٦). ٣٧١ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٨) حديث ١٥/١٠٧٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُمَيْدِ الطَِّيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ قال الزرقاني: (١) وفيه تخيير الثيب بين الثلث بلا قضاء والسبع والقضاء، وإليه ذهب الجمهور والشافعي وأحمد، وقال مالك وأصحابه: لا تُخَيَّرُ، وتركوا حديث أم سلمة لحديث أنس للبكر سبعٌ، وللثيب ثلاث، قاله ابن عبد البر، وبه تعقب، نقل النووي عن مالك موافقة الجمهور، وقال المازري: يمكن عندي أن مالكاً رأى ذلك من خصائصه و #، لأنه خص في النكاح بخصائص، انتهى. وتعقب بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، انتهى. وقال الباجي(٢): قوله: ((إن شئت)) إلخ يقتضي التخيير لها، قال القاضي أبو الحسن: إن اختارت التسبيع قضى سائر نسائه سبعاً سبعاً، وقال ابن المواز عن مالك: لا يُخَيِّرُها في ذلك، وقد مضت السنة أن يقيم عندها ثلاثاً، وجه القول الأول التعلق بظاهر الحديث، ووجه القول الثاني ما يثبت من الفعل فصار ذلك حكماً على جميع الزوجات، انتهى. وقال القرطبي: لم يكن القسم واجباً عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ﴾ الآية، وهذا على مذهب مالك، وذهب الأكثر إلى وجوبه عليه وَل قاله الزرقاني. ١٥/١٠٧٨ - (مالك، عن حميد) مصغراً ابن أبي حميد (الطويل) البصري (عن أنس بن مالك) موقوفاً، وقد ورد مرفوعاً كما بسطه الحافظ في ((الفتح))(٣) ولفظ البخاري عن أبي قلابة عن أنس، ((ولو شئت أن أقول قال النبي وَّل، ولكن قال: السنة إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً، وإذا تزوج الثيب أقام (١) ((شرح الزرقاني)) (١٣٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٩٥/٣). (٣) ((فتح الباري)) (٣١٤/٩). ٣٧٢ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٨) حديث أَنْهُ كَانَ يَقُولُ: لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَيِّبِ ثَلَاثٌ. أخرجه البخاريّ في: ٦٧ - كتاب النكاح، ١٠٠ - باب إذا تزوج البكر على الثيب. و١٠١ - إذا تزوج الثيب على البكر. ومسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع، ١٢ - باب قدر ما تستحقه البكر والثيب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، حديث ٤٥ و٤٦. عندها ثلاثاً))، (أنه كان يقول: للبكر سبع وللثيب ثلاث). قال الباجي(١): يقتضي ظاهره أنه حق للمرأة، ولو كان حقاً للزوج لقال للزوج في البكر سبع، وفي الثيب ثلاث، والمعنى أن الطارئة يلحقها من الاستيحاش والانقباض ما يحتاج به إلى التأنيس، وذلك لا يكون إلا بطول القيام عندها، ولما كانت البكر أكثر حياء وانقباضاً احتاجت من التأنيس أكثر مما تحتاجه الثيب، وهذا التعليل على أصل من جعله حقاً للزوجة، وأما على أصل من جعله حقاً للزوج، فقد قال أبو محمد: لما كان التذاذ الزوج بالطارئة أكثر من التذاذه بالقديمة جعل له من المقام عندها ما يحصل له ذلك. وقال: قد اختلف أصحابنا في ذلك هل هو حق للزوج أو الزوجة؟ قال القاضي أبو محمد: في ذلك روايتان، وفائدة الخلاف أنه إذا كان حقاً له جاز له فعله وتركه، وإذا كان حقاً للزوجة لم يكن له تركه إلا بإذنها. وجه القول الأول حديث أم سلمة: ((ليس بك على أهلك هوان إن شئت سبعتُ عندك)) إلخ فأخبر بأن ذلك على وجه الإكرام. فالظاهر أنه ليس من حقوقها، لأن الإكرام لا يستعمل في إعطاء الحقوق، ولو كان ذلك من حقوقها لقال ليس بنا منع حقك، ووجه القول الثاني حديث الباب، انتهى. وقال الدردير(٢): لا تُجاب الثيب لسبع إن طلبتها كما لا تُجاب البكر (١) ((المنتقى)) (٢٩٥/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٣٣٩/٢). ٣٧٣ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٨) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَذُلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا. قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ غَيْرُ الَّتِي تَزَوَّجَ. فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا. بَعْدَ أَنْ تَمْضِيَ أَيَّامُ الَّتِي تَزَوَّجَ بِالسَّوَاءِ. وَلَا يَحْسِبُ عَلَى الَّتِي تَزَوَّجَ، مَا أَقَامَ عِنْدَهَا . لأكثر منها، قال الدسوقي: قوله إن طلبتها أي على المشهور خلافاً لمن قال: إنها تجاب، انتهى. وههنا بحث آخر وهو ما في ((الفتح)) (١)، قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب الزفاف سواء كان عنده زوجة أم لا ، وحكى النووي أنه يستحب إذا لم يكن عنده غيرها وإلا فيجب. وهذا يوافق كلام أكثر الأصحاب، واختار النووي أن لا فرق، وإطلاق الشافعي يعضده، ويشهد للأول ما في رواية للبخاري: (إذا تزوج البكر على الثيب))، الحديث، وللثاني ما في رواية له أخرى بلفظ: ((إذا تزوج البكر أقام عندها سبعاً)) الحدیث، انتھی. (قال مالك: وذلك) عندي إشارة إلى حديث أنس (الأمر) المرجَحُ (عندنا) بالمدينة المنورة من التسبيع والتثليث، ولا اختيار للمرأة في اختيار التسبيع بدون القضاء كما قال به الشافعي وأحمد من أنها إن اختارت السبع لها ذلك بالقضاء كما تقدم قريباً . (قال مالك: فإن كانت له امرأة غير) الجديدة (التي تزوج) بها (فإنه يقسم بينهما) الأيام بالسوية (بعد أن تمضِيَ أَيَّامَ التي تَزَوَّجَ) أي بعد أن تَمْضِيَ أيامها المخصوصة، وهي الثلاث إن كانت ثيباً، والسبع إن كانت بكراً (بالسواء) متعلق بيقسم (ولا يحسب) ببناء المعلوم أي الزوج (على) الجديدة (التي تزوّج) بها (ما) أي المدة التي (أقام عندها) فلا يقضي هذه الأيام الثلاثة أو السبعة للقديمة بل يبتدئ القسم بينهما . (١) ((فتح الباري)) (٣١٥/٩). ٣٧٤ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٨) حديث قال الباجي(١): وذلك كما قال: إنه إذا تزوج امرأة وكانت عنده غيرها، فأقام عند الحديثة ما قدمناه من المقام لها، فإنه يقسم بينهما بعد ذلك على السواء، وبأيتهما شاء يبدأ، قال ابن الموّاز عن مالك: يبدأ بأيتهما أحبُّ، وأحبُّ إليّ أنّ يبدأ بالقديمة كأنه خرج من عند الأخرى. وصفة القسمة أن يكون عند كل واحدة يوماً وليلة، قاله ابن حبيب، قال: ولا يجوز أن يقسم لكل واحدة يومين، رواه ابن المواز عن مالك، قال: ولو جاز لجاز ثلاثاً وأربعاً، ووجه ذلك ما روي أن سودة - رضي الله عنها - وهبت يومها لعائشة، وكان ◌ّليل يقسم لعائشة بيومها ويوم سودة، انتهى. وقال الموفق(٢): يقسم بين نسائه ليلةً ليلةً، فإن أحبّ الزيادة على ذلك لم يجز إلا برضاهن، وقال القاضي: الأولى ليلة وليلة، لأنه أقرب للعهد بهن، وتجوز الثلاث، لأنها في حد القلّة فهي كالليلة، وهذا مذهب الشافعي. ولنا: أن النبيِ وَ لّ قسم ليلةً ليلةً، ولأن التسوية واجبة، فإذا بات عند واحدة ليلة تعينت الليلة الثانية حقاً للأخرى، فلم يجز جعلها للأولى بغير رضاها . وفي ((الدر المختار))(٣): يقيم عند كل واحدة منهن يوماً وليلة، وإن شاء ثلاثاً، ولا يقيم عند إحداهما أكثر إلا بإذن الأخرى، وفي ((الهداية)): الاختيار في مقدار الدور إلى الزوج، لأن المستحق هو التسوية دون طريقه، انتهى. قال ابن الهمام(٤): هذا الإطلاق لا يمكن اعتباره على صرافته، فإنه لو (١) ((المنتقى)) (٣٩٥/٣). (٢) («المغني)) (٢٤٨/١٠). (٣) (٢٢٧/٣). (٤) ((فتح القدير)) (٣٠٢/٣). ٣٧٥ ٢٧ - كتاب النكاح (٥) باب (١٠٧٨) حديث أراد أن يدور سنة سنة ما يظن إطلاق ذلك له بل ينبغي أن لا يطلق له مقدار مدة الإيلاء وإذا كان وجوبه للتأنيس ودفع الوحشة وجب أن تعتبر المدة القريبة، وأظن أكثر من جُمعةٍ مضارّة إلا أن يرضيا به، انتهى. وتعقبه في ((البحر)) بأن الظاهر الإطلاق لأنه لا مضارة حيث كان على وجه القسمة لأنها مطمئنة بمجيء نوبتها، انتهى. وتعقبه ابن عابدين(١) في ((هامشه)) وفي ((الرد المحتار)) بما في ((النهر)) حيث قال: في نفي المضارة مطلقاً نظر لا يخفى، وحكى عن القهستاني له أن يقيم عند امرأة ثلاثة أو سبعة، وعند أخرى كذلك كما في ((قاضي خان)) و((السراجية)) وغيرهما، ويؤيده ما في ((شرح درر البحار)) من التوفيق بين الأدلة، انتھی. والمراد من التوفيق بين الأدلة ما قاله تحت قول المصنف: البكر والثيب والجديدة والقديمة سواء لإطلاق الآية، قال ابن عابدين: أي قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ﴾ أي في المحبة ﴿فَلَا تَمِيلُواْ﴾ في القسم، قاله ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وغايته القسم وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نَعْدِلُواْ﴾ ولإطلاق أحاديث النهي. وأما ما روي من نحو للبكر سبع وللثيب ثلاث، فيحتمل أن المراد التفضيل في البداية دون الزيادة، فوجب تقديم الدليل القطعي كما في ((البحر)) وفي ((شرح درر البحار)) أن الحديث لا يدل على نفي التسوية، بل على اختيار الدور بالسبع والثلاث جمعاً بينه وبين ما رويناه، انتهى. (١) انظر: ((رد المحتار على الدر المختار)) (٣٨١/٤ - ٣٨٤). ٣٧٦ ٢٧ - كتاب النكاح (٦) باب (١٠٧٩) حديث (٦) باب ما لا يجوز من الشروط في النكاح ١٦/١٠٧٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَشْتَرِطُ عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِهَا مِنْ بَلَدِهَا. فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: يَخْرُجُ بِهَا إِنْ شَاءَ. وما عَلَّلُوا به من وحشة الجديدة واستئناسها بزيادة الأيام، تعقبه ابن الهمام بأن تخصيص القديمة أولى، لأن الوحشة في حقها متحققة، وفي الجديدة متوهمة، وفي ((البحر الرائق)): لا شك أن الأحاديث محتملة، فلم تكن قطعية الدلالة، فوجب تقديم الدليل القطعي. (٦) ما لا يجوز من - بيان لما - الشروط في النكاح قال الخطابي(١): الشروط في النكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقاً، وهو ما أمر الله به من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومنها؛ ما لا يوفى به اتفاقاً كسؤال طلاق أختها، ومنها ما اختلف فيه كاشتراط أن لا يتزوج عليها، أو لا يتسرَّى أو لا ينقلها من مكانها . ١٦/١٠٧٩ - (مالك أنه بلغه) قال ابن عبد البر(٢): رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن المبارك عن الحارث بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن سعيد بن المسيب به، اهـ. (أن سعيد بن المسيب سُئِلَ) ببناء المجهول (عن المرأة تشترط) في النكاح (على زوجها أنه لا يخرج بها من بلدها؟ فقال سعيد بن المسيب) في جواب هذا السؤال: إنه يجوز له أن (يخرج بها إن شاء). قال الباجي(٣): ومعنى ذلك أنه لا يلزمه بالحكم، وأما على الوفاء لها (١) انظر: ((فتح الباري)) (٢١٧/٩ - ٢١٨). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (١٤٣/١٦). (٣) ((المنتقى)) (٢٩٦/٣). ٣٧٧ ٢٧ - كتاب النكاح (٦) باب (١٠٧٩) حدیث قَالَ مَالِكٌ: فَالْأَمْرُ عِنْدَنَا أَنَّهُ إِذَا شَرَطَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَإِنْ كَانَ ذُلِكَ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ، من الشروط فإنه مأمور به، رواه محمد عن أشهب عن مالك فيمن تزوج امرأة على أن لا يمنعها الخروج إلى المسجد، فإنه ينبغي أن يفي لها بذلك، ولا يقضي به عليه، وقال ابن حبيب: وقد استحب مالك وغيره من أهل العلم أن يفي لها بما شرط، وأن ذلك غير لازم للزوج. وروى أشهب عن مالك في كتاب محمد والعتبي أني لأكره أن ينكح على مثل هذا أحد لا يخرجها من بلدها ولا يمنعها من داخل يدخل عليها، ولا يمنعها من حج ولا عمرة، قال: فإذا كان هكذا فهو لا يملكها إذاً ملكاً تاماً، ولا يُستباح البضع إلا بملك تامٍّ، ويُكْره أن يشترط في تملكه هذه الشروط التي تمنع تمام ملكه، قال مالك: ولقد أشرت منذ زمان أن أنهى الناس أن يتزوجوا بالشروط، وأن لا يتزوجوا إلا على دين الرجل وأمانته، وأنه كتب بذلك كتاباً وصيح به في الأسواق، اهـ. قال الدردير(١): وألغي الشرط المناقض بعد الدخول، واحترز بالشرط المناقض عن المكروه، وهو ما لا يقتضيه العقد ولا ينافيه، كأن لا يتسرَّىُ عليها أو يتزوج عليها أو لا يخرجها من مكان كذا، فلا يفسخ قبل ولا بعد، ولا يلزم الوفاء به، وإنما يستحب، وإنما كره لما فيه من التحجير، اهـ. قلت: وأباح الإمام أحمد اشتراط الدار خلافاً للأئمة الثلاثة كما سيأتي قريباً. (قال مالك: والأمر) الثابت (عندنا أنه إذا شرط الرجل للمرأة وإن كان ذلك) الشرط (عند عقدة النكاح) بضم العين اسم لما يعقد من نكاح أو يمين أو غيرهما، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِتَبُ أَجَلَمْ﴾(٢) والمعنى وإن كان الشرط عند انعقاد النكاح وفي صلبه. (١) ((الشرح الكبير)) (٢٣٨/٢). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٥. ٣٧٨ ٢٧ - كتاب النكاح (٦) باب (١٠٧٩) حديث أَنْ لَا أَنْكِحَ عَلَيْكِ، وَلَا أَتَسَرَّرَ: إِنَّ ذُلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ. إِلَّ أَنْ يَكُونَ فِي ذُلِكَ يَمِينٌ بِطَلَاقٍ، أَوْ عِتَاقَةٍ، فَيَجِبُ ذُلِكَ عَلَيْهِ، وَيَلْزَمُهُ. ثم بين الشرط وهو (أن لا أنكح عليك) مثلاً (وأن لا أتسرر) عليك (إن ذلك) الشرط (ليس بشيء) أي لا يلتفت إليه (إلا أن يكون في ذلك) الشرط (يمين بطلاق) أي علّق الطلاق بهذا الشرط (أو عتاقة) بفتح العين مصدر عتق أي يكون في ذلك يمين عتاق بأن علّق العتاق بذاك الشرط (فيجب ذلك) الشرط (عليه) بيمينه وتعليقه (ويلزمه) الطلاق والعتاق. وقال الباجي(١): إن مجرد الشرط لا يلزمه، وله أن يفعل ذلك كله ولا شيء عليه فيه، ولا يمنع من فعله إلا أن يقيده الزوج بيمين، فتلزمه تلك اليمين سواء علّق يمينه بطلاق أو عتاق أو غيره من الأيمان التي تلزم إلا أن الذي يحكم به عليه من ذلك الطلاق أو العتاق، وأما ما يحلف به من اليمين بالله أو المشي أو غير ذلك فإنه إن خالف ما حلف لها عليه حنث لكنه لا يحكم عليه بالكفارة، اهـ. وقال الموفق(٢): الشروط في النكاح تنقسم أقساماً ثلاثة، أحدها: ما يلزم الوفاء به، وهو ما يعود إليها نفعه مثل أن يشترط أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يسافر بها أو لا يتزوج عليها ولا يتسرَّى عليها، فهذا يلزمه الوفاء لها به، فإن لم يفعل فلها فسخ النكاح، يروى هذا عن عمر وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن العاص - رضي الله عنهم -، وبه قال شريح وعمر بن عبد العزيز وجابر بن زيد وطاووس والأوزاعي وإسحاق، وأبطل هذه الشروط الزهري وقتادة وهشام بن عروة ومالك والليث والثوري والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي. (١) ((المنتقى)) (٢٩٧/٣). (٢) («المغني)) (٤٨٣/٩). ٣٧٩ ٢٧ - كتاب النكاح (٦) باب (١٠٧٩) حديث قال أبو حنيفة والشافعي: ويفسد المهر دون العقد، ولها مهر المثل، واحتجّوا بقول النبي ◌ّ﴾: ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط)) (١)، هذا ليس في كتاب الله، وقال النبي وَّ: ((المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحلّ حراماً أو حرم حلالاً))، وهذا يحرم الحلال، وهو التزويج والتسِّري. ولنا، قول النبي ◌َ﴾: ((إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج)) متفق عليه، ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولا نعلم لهم مخالفاً في عصرهم. فكان إجماعاً . فإن شرطت عليه أن يطلق ضرَّتَها لم يصح الشرط لنهيه وَّ ر أن تشترط المرأة طلاق أختها، وقال أبو الخطاب: هو شرط لازم، لأنه لا ينافي العقد، ولها فيه فائدة، فأشبه ما لو شرطت عليه أن لا يتزوّجها . والنوع الثاني: ما يبطل الشرط، ويصح العقد مثل أن يشترط أن لا مهر لها، أو أن لا ينفق عليها، أو أن لا يطأها، أو يعزل عنها، أو يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر، أو لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو شرط لها النهار دون الليل، أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئاً، فهذه الشروط كلها باطلة، والعقد صحيح. وقد نقل عن أحمد كلام في بعض هذه الشروط يحتمل إبطال العقد، نقل عنه المرُّوذِيُّ في النهاريات والليليات. ليس هذا من نكاح أهل الإسلام، وممن كره نكاح النهاريات حماد بن أبي سليمان وابن شبرمة، وقال الثوري: الشرط باطل، وكان الحسن وعطاء لا يريان بنكاح النهاريات بأساً، وإن شرط عليه ترك الوطء احتمل أن يفسد العقد، لأنه شرط ينافي مقصود النكاح، وهذا مذهب الشافعي. (١) أخرجه البخاري (٢٥٦١)، ومسلم (١٥٠٤). ٣٨٠