Indexed OCR Text

Pages 101-120

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
في ((حياة الحيوان))(١) في السمك وغيره، وفي ((شرح الإقناع))(٢): يحرم ما
يعيش في بر وبحر، كضفدع وسرطان، ويسمى عقرب الماء، وحية، ونسناس،
وتمساح، وسلحفاة؛ لخبث لحمها، وللنهي عن قتل الضفدع، انتهى.
وقال الباجي(٣): جميع صيد البحر حلال عند مالك، وأما كلب الماء
وخنزيره، فقد روى الشيخ أبو القاسم: أنه مكروه غير محرم، وقاله ابن حبيب،
وفي ((الموازية)): اختلف في خنزير الماء، فأجاز أكله ربيعة، وكرهه يحيى بن
سعيد، وفي ((المدونة)) عن ابن القاسم: لم يكن مالك يجيبنا فيه بشيء،
ويقول: أنتم تقولون خنزير، وقال ابن القاسم: إني لأتقيه، ولو أكله رجل لم
أر حراماً، وأما الخريت، فقال ابن عباس: لا بأس بأكله؛ وهو ظاهر مذهب
مالك، وقال ابن حبيب: أنا أكرهه؛ لأنه يقال: إنه من الممسوخ، انتهى.
وقال الدردير (٤): المباح: طعام طاهر، والبحري بأنواعه، ولو آدميه، أو
خنزيره وإن ميتاً، وطير بجميع أنواعه، ولو جلّالةً وذا مخلب، انتهى.
وقال الأبي(٥): وفي كتاب الصيد من ((المدونة)): تَوَقَّفَ مالك أن يجيب
في خنزير الماء، وقال: أنتم تسمونه خنزيراً، فعلى أن توقفه لتعارض
العمومين، فهو توقف حقيقة، ورأى بعضهم أنه ليس بتوقف حقيقي، وإنما
توقف إنكاراً عليهم تسميتهم إياه خنزيراً، انتهى.
وعلم مما سبق أن صيد البحر بجميع أنواعه لا يحل عند الجمهور إلا في
(١) (٢٣٧/١).
(٢) (٣٢٦/٤).
(٣) ((المنتقى)) (١٢٨/٣).
(٤) (الشرح الكبير)) (١١٥/٢).
(٥) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٧٨/٥).
١٠١

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٣) حدیث
٩/١٠٣٣ - وحدّثني يَحْيَىُ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ
عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ
المرجح عند مالك، وحكى الرازي الإجماع على عدم جواز الضفدع، فعموم
إباحة صيد البحر مخصوص عند الجمهور، وخصته الحنفية بالسمك للحديث
المشهور ((أحلت لنا الميتتان))، والتخصيص بالحديث أولى من التخصيص بغيره
على أن عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اُلْمَيْنَةُ﴾ الآية يعمها كلها، ولا يختص
منها إلا بحديث مشهور، أو بدليل أقوى منه.
وفي ((الهداية)) (١): لا يؤكل من حيوان الماء إلا السمك، وقال مالك
وجماعة من أهل العلم: بإطلاق جميع ما في البحر، لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ
صَيْدُ اَلْبَحْرِ﴾ من غير فصل؛ وقوله عليه السلام في البحر: ((هو الطهور ماؤه،
الحل ميتته))، ولأنه لا دم في هذه الأشياء؛ إذ الدموي لا يسكن الماء،
والمحرم هو الدم فأشبه السمك.
ولنا قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ﴾ وما سوى السمك خبيث،
ونهى رسول الله وَ يّر عن دواء يتخذ فيه الضفدع، ونهى عن بيع السرطان،
والصيد المذكور فيما تلا محمول على الاصطياد، وهو مباح فيما لا يحل،
والميتة المذكورة فيما روي محمولة على السمك؛ لقوله وَ لقول: ((أحلت لنا
الميتتان: السمك والجراد))، الحديث، انتهى.
٩/١٠٣٣ - (مالك، عن نافع، أن عبد الرحمن بن أبي هريرة) لم أجد ترجمته
في ((التهذيب))، ولا ((التعجيل))، وفي ((التعليق الممجد)): (٢) قال القاري: قيل:
ليس لعبد الرحمن هذا حديث غير هذا في ((الموطأ))، وقد ذكره ابن حبان في ((ثقات
التابعين))، انتهى. قلت: وهذا الحديث أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن
المنذر عن نافع، كذا في ((الدر المنثور)). وسيأتي لفظه.
(١) (٤ / ١٤١/٧).
(٢) (٦٤٠/٢).
١٠٢

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٣) حديث
سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ، فَنَهَاهُ عَنْ أَكْلِهِ .
قَالَ نَافِعٌ: ثُمَّ انْقَلَبَ عَبْدُ اللَّهِ فَدَعَا بِالْمُصْحَفِ، فَقَرَأَ: ﴿أُحِلَّ
لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ﴾ قَالَ نَافِعٌ: فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِلَى
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ.
(سأل عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (عما لفظ) بالفاء والظاء
المعجمة أي: طرح (البحر) أي: رماه البحر إلى الساحل، من أكلت التمر،
ولفظت النواة، أي: رميتها (فنهاه عن أكله ذلك) وليس لفظ ذلك في النسخ
المصرية، فيكون الأكل مضافاً إلى مفعوله، والضمير إلى الموصول، وعلى
وجوده، فالمصدر مضاف إلى فاعله، وذلك مفعوله، والإشارة إلى الموصول.
(قال نافع: ثم انقلب) أي: انصرف ورجع (عبد الله) بن عمر - رضي الله
عنهما - إلى أهله، ولفظ السيوطي في ((الدر)) (١) عن نافع؛ أن عبد الرحمن بن
أبي هريرة سأل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن حيتان ألقاها البحر، فقال ابن
عمر - رضي الله عنهما -: أمَيْتَة هي؟ قال: نعم، فنهاه، فلما رجع عبد الله إلى
أهله أخذ المصحف، فقرأ سورة المائدة، فأتى على هذه الآية: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَعًا
نَّكُمْ﴾ فقال: طعامه هو الذي ألقاه، فألحقْهُ، فمره بأكله.
(فدعا بالمصحف) ليقرأه (فقرأ) سورة المائدة، فأتى على هذه الآية:
(﴿أُحِلَّ لَكُمُ﴾) أيها الناس! حلالاً كنتم أو محرمين (﴿صَيِّدُ اُلْبَحْرِ﴾) أي: ما
صيد منه بالحيلة (﴿وَطَعَامُ﴾) أي البحر، وهو ما قذفه البحر حياً، أو ميتاً، أو
نضب عنه الماء، كما تقدم في أول الباب، ولا يجوز عند الحنفية ما قذفه
البحر ميتاً كما سيأتي، فيختص عندهم بما قذفه حياً.
(قال نافع: فأرسلني عبد الله بن عمر إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة)
لأبلغه رجوع ابن عمر - رضي الله عنهما - عن قوله الأول وأخبره (إنه لا بأس
بأكله) قال محمد في ((موطئه)): وبقول ابن عمر - رضي الله عنهما - الآخر
(١) ((الدر المنثور)) (١٨٢/٣).
١٠٣

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٣) حديث
نأخذ، لا بأس بما لفظه البحر، وبما حسر عنه الماء، وإنما يكره من ذلك
الطافي، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا .
وقال الباجي(١): ما لفظه البحر على ضربين: أحدهما: أن يلفظ حياً،
والثاني: أن يلفظه ميتاً، فأما ما لفظه حياً فمذهب مالك جواز أكله، وكذلك ما
لفظه ميتاً سواء مات بسبب، أو بغير سبب، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:
لا تؤكل ميتته إلا ما مات بسبب، مثل أن يؤخذ فيموت، أو يموت من شدة
حر، أو برد، أو تقتله سمكة أخرى، أو ينضب عنه الماء فيموت، أو يلفظه
البحر حياً فيموت، أما إن مات حتف أنفه، أو لفظه البحر ميتاً فإنه لا يؤكل.
والدليل على ما نقوله الحديث المتقدم في كتاب الطهارة: ((هو الطهور
ماؤه الحل ميتته))، ودليلنا من جهة القياس: أن هذا سمك لو مات في البر
لأكل، فإذا مات في البحر وجب أن يؤكل أصله إذا مات بسبب، وأيضاً فإن
الذكاة إنما تكون بقصد قاصد يصح منه القصد، ولا خلاف أن ذلك لا يعتبر
في الحوت، فوجب أن لا تعتبر فيه الذكاة، انتهى.
وقال الموفق(٢): السمك وغيره من ذوات الماء، إذا ماتت فهي حلال،
سواء ماتت بسبب أو غير سبب، لقوله 18 في البحر: ((هو الطهور ماؤه الحل
ميتته). قال أحمد: هذا خير من مائة حديث، وأما ما مات بسبب مثل: إن
صاده إنسان، أو نبذه البحر، أو جزر عنه، فإن العلماء أجمعوا على إباحته،
وكذلك ما حبس في الماء بحظيرة، حتى يموت فلا خلاف أيضاً في حله،
وقال أحمد: الطافي يؤكل، وما جزر عنه الماء أجود، والسمك الذي نبذه
البحر لم يختلف الناس فيه.
(١) ((المنتقى)) (١٢٨/٣).
(٢) ((المغني)) (٢٩٩/١٣).
١٠٤

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٣) حديث
وإنما اختلفوا في الطافي، وممن أباح الطافي أبو بكر الصديق وأبو أيوب
- رضي الله عنهما -، وبه قال مالك، والشافعي، وممن أباح ما وجد من
الحيتان عطاء، ومكحول، والثوري، والنخعي، وكره الطافي جابر، وطاووس،
وابن سيرين، وجابر بن زيد؛ لأن جابراً قال: قال رسول الله وَالر: ((ما ألقى
البحر أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه فطفا، فلا تأكلوه))، رواه أبو داود(١).
ولنا: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ الآية قال ابن عباس: طعامه
ما مات فيه، وأيضاً الحديث الذي قدمناه، وقال أبو بكر: الطافي حلال،
وحديث جابر موقوف عليه، كذلك قال أبو داود: رواه الثقات، فأوقفوه على
جابر، وإنما أسند من وجه ضعيف، وإن صح فنحمله على نهي الكراهة؛ لأنه
إذا مات رسب في أسفله، فإذا أنتن طفا، فكرهه لنتنه لا لتحريمه، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): ولنا حديث جابر، وعن جماعة من الصحابة مثل
مذهبنا، وميتة البحر؛ ما لفظه البحر ليكون موته مضافاً إلى البحر، لا ما مات
فيه من غير آفة، انتهى. وهذا جواب عن الحديث المشهور: ((الحل مينته)).
وممن قال كقول الحنفية جابر، وعلي وابن عباس - رضي الله عنهم -،
وسعيد بن المسيب، وأبو الشعثاء، والنخعي، وطاووس، والزهري، ذكر عنهم
الآثار ابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وغيرهما، كذا في ((التعليق الممجد))(٣)،
وما تكلموا على حديث جابر أجاب عنه الزيلعي في ((نصب الراية)) ولخصه
الشيخ في ((البذل)) (٤) وأكثر ما أوردوا عليه أنه موقوف، قال القاري في
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٨١٥).
(٢) (٤/ ١٤٤/٧).
(٣) (٦٤١/٢).
(٤) ((بذل المجهود)) (١٤١/١٦).
١٠٥

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٣) حديث
((المرقاة)): لا يضر من وقفه، فإن الموقوف في هذا كالمرفوع كما هو
المعروف، انتھی.
وأخرج ابن ابي
برواية حفص بن غياث، عن جعفر،
((مصنفه))(١)
شيبة فى
عن أبيه قال: قال علي - رضي الله عنه -: الجراد والحيتان ذكي كله إلا ما
مات في البحر فإنه ميتة، وفي رواية أخرى عنه: ما مات في البحر فإنه ميتة،
وأخرج عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: سأل رجل ابن عباس فقال: إني آتي
البحر، فأجده قد حفل سمكاً كثيراً، فقال: كُلْ ما لم تر سمكاً طافياً .
وأخرج السيوطي في ((الدر المنثور))(٢) برواية أبي الشيخ من طريق قتادة،
عن أنس، عن أبي بكر - رضي الله عنه - في الآية، قال: صيده ما حويت
عليه، وطعامه ما لفظ إليكم، وبرواية عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي
حاتم، وأبي الشيخ عن عكرمة، أن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: صيد البحر
ما تصطاده أيدينا، وطعامه ما لاثه البحر، وفي لفظ: طعامه كل ما فيه، وفي
لفظ طعامه ميتته، انتهى.
وأنت خبير بأن ميتته على ما تقدم في كلام صاحب ((الهداية)): هو ما
يكون موته مضافاً إلى البحر، وهو ما لفظه البحر، فلا يبعد أن من روى عنه:
أن الطافي حلال، كما علقه البخاري عنه، وأسنده ابن أبي شيبة استنبطه من
قوله ((طعامه مینته)).
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣): إنما تأول السلف قوله تعالى:
﴿وَطَعَامُ﴾ على ما قذفه البحر، وعندنا ما قذفه البحر ميتاً فليس بطافٍ، وإنما
الطافي ما يموت في البحر حتف أنفه.
(١) (٤ / ٦٢٠).
(٢) (١٨١/٣).
(٣) (٤٧٨/٢).
١٠٦

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٤) حديث
١٠/١٠٣٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
سَعْدٍ الْجَارِيِّ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
فإن قيل: إنهم قالوا: ما قذفه البحر ميتاً، وهذا يوجب أن يكون قد مات
فيه ثم قذفه، وهذا يدل على أنهم أرادوا به الطافي، قيل له: ليس كل ما قذفه
البحر ميتاً يكون طافياً. انتهى، وبسط في الكلام على الطافي، وبسط أيضاً في
طرق حديث جابر في المنع عن أكل الطافي، وحكى كراهته عن علي، وجابر،
وابن عباس، من الصحابة، وعن جابر بن زيد، وعطاء، وسعيد بن المسيب،
والحسن، وابن سيرين، وإبراهيم.
وقال السرخسي في ((المبسوط)): لا تؤكل السمكة الطافية، أما ما انحسر
عنه الماء، أو نبذه، فلا بأس بأكله، وقال الشافعي: لا بأس بأكل الطافي،
وحجتنا في ذلك حديث جابر، ولا يقال: هذا نهي إشفاق، لما قيل: إن
الطافي يورث البرص؛ لأن الاستكثار من السمك يورث البرص، الطافي وغيره
سواء، وإنما بعث رسول الله وَليل مبيناً للأحكام، دون الطب.
وحرمة تناول الطافي مروي عن علي، وابن عباس، حتى قال علي -
رضي الله عنه - للسماكين: لا تبيعوا الطافي في أسواقنا، وقال ابن عباس:
أكل الطافي حرام، والموجب للحرمة من الآثار يترجح على الموجب للحل،
لقوله وَر: ((الحلال بيّن والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات))(١)، ((فدع ما
يريبك إلى ما لا يريبك))(٢)، انتهى.
١٠/١٠٣٤ - (مالك، عن زيد بن أسلم) المدني مولى عمر - رضي الله
عنه - (عن سعد الجاري مولى عمر بن الخطاب) هكذا في جميع النسخ الهندية
والمصرية من المتون والشروح غير نسخة الزرقاني، ففيها: سعيد بالياء، وفي
((موطأ محمد)) عن سعيد الجاري بن الجار.
(١) أخرجه البخاري (٥٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٨).
١٠٧

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٤) حديث
قال صاحب ((التعليق الممجد))(١): هكذا وجدته في نسخ عديدة، وفي
((موطأ يحيى)) عن سعيد الجاري، وذكر السمعاني في اسمه سعد بدون الياء،
حيث ذكر أن الجاري نسبته إلى الجار بليدة على الساحل بقرب المدينة،
والمنتسب إليها سعد بن نوفل الجاري، كان عامل عمر - رضي الله عنه -،
روى عن أبي هريرة، وابن عمر - رضي الله عنهم -، وروى عنه زيد بن أسلم.
انتهى. وكذا سماه ابن الأثير في ((جامع الأصول))، انتهى ما في ((التعليق)).
وقال الحافظ في ((التعجيل)) (٢): سعد الفلح، أو ابن سعد الفلح، أبو
القلحة مولى عمر، روى عن عمر في نصارى العرب ما هم أهل كتاب، روى
عنه ابن دينار مجهول قاله صاحب ((التذكرة)).
قال الحافظ: بل هو معروف، وهو الذي يقال له الجاري بالجيم
وتخفيف الراء بعدها ياء النسب، منسوب إلى الجار، وهو ساحل المدينة
النبوية، قال أبو سعد بن السمعاني في ((الأنساب)): ينسب إليها أبو عبد الله
سعد بن نوفل، وكان عامل عمر - رضي الله عنه - على الجار، روى عنه ابنه
عبد الله بن سعد، ثم قال: وعمر بن سعد الجاري مولى عمر، يروي عن ابن
عمر، وعنه زید بن أسلم، انتھی.
وقال ابن ماكولا في ((المؤتلف)): سعيد، وابنه عمر، وجماعة، كذا عنده
سعيد، والأول أولى، وأسند الخطيب في الرواة عن مالك من طريق أحمد بن
حنبل، عن عبد الله بن المبارك، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن سعد الجاري
مولى عمر - رضي الله عنه -، قال: دخل عمر على بنت علي .... الحدیث،
وأخرجه الدارقطني في ((غرائب مالك)) من طريق عبد الوهاب بن موسى الزهري،
عن مالك، فذكر الحديث، وقال: هذا صحيح عن مالك، انتهى ما في ((التعجيل)).
(١) (٢/ ٦٤٢).
(٢) ((تعجيل المنفعة)) (ص ١٥٠).
١٠٨

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٤) حديث
أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنِ الْحِيتَانِ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً،
أَو تَمُوتُ صَرَداً، فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، قَالَ سَعْدٌ: ثُمَّ سَأَلْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ مِثْلَ ذُلِكَ.
(أنه) أي: سعداً (قال: سألت) بصيغة المتكلم (عبد الله بن عمر عن
الحيتان) بكسر الحاء المهملة، جمع حوت (يقتل بعضها بعضاً أو تموت صرداً)
بفتحتين أي: برداً، وفي ((موطأ محمد)) عن أصل ابن الصواف(١) يموت برداً،
يعني السمك الذي يموت في البحر من أجل البرد (فقال) ابن عمر: (ليس بها
بأس) أي: يحل أكلها، وهو مجمع عليه.
(قال سعد) بدون الياء في جميع النسخ من الزرقاني وغيره (ثم سألت
عبد الله بن عمرو بن العاص) عن ذلك، ولفظ ابن أبي شيبة(٣) برواية مالك عن
زيد بن أسلم عن سعيد الجاري، قال: سألت ابن عمر، وابن عمرو، عن
الحيتان تموت سددا(٣) أو يقتل بعضها بعضاً، فقالا: حلال، انتهى.
(فقال) ابن عمرو (مثل ذلك) أي: مثل ما قال ابن عمر - رضي الله
عنهما - قال محمد: وبهذا نأخذ، إذا ماتت الحيتان من حر، أو برد، أو قتل
بعضها بعضاً فلا بأس بأكلها، فأما إذا ماتت ميتة نفسها فطفت فهذا يكره من
السمك، فأما سوى ذلك فلا بأس به. انتهى، وتقدم الخلاف في الطافي قريباً،
وما سواه مجمع عليه.
قال الباجي(٤): ما قتل بعضه بعضاً من الحيتان، أو مات صرداً يجوز
(١) أي في نسخة ((الموطأ)) لابن الصواف. وهو من المشايخ. انظر: ((التعليق الممجد)) (٢/
٦٤٣) .
(٢) ((المصنف)) (٦٢٣/٤).
(٣) كذا في الأصل اهـ. ز.
(٤) ((المنتقى)) (١٢٩/٣).
١٠٩

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٥ - ١٠٣٦) حديث
١١/١٠٣٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبي
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُمَا كَانَا
لَا يَرَيَانِ بِمَا لَفَظَ الْبَخْرُ بَأُساً.
١٢/١٠٣٦ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَنَّ نَاساً مِنْ أَهْلِ الْجارٍ، قدِمُوا فَسَأَلُوا
مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، عَمَّا لَفَظَ الْبَحْرُ، فَقَالَ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ:
اذْهَبُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَاسْأَلُوهُمَا عَنْ ذُلِكَ.
أكله، وهو مما اتفق عليه مالك، وأبو حنيفة، والشافعي؛ لأنه مات بسبب.
انتهى، قلت: وكذلك عند أحمد، وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن ابن طاووس عن
أبيه: أنه كان يكره الحوت التي قتلتها الحوت.
١١/١٠٣٥ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن عن أبي هريرة وزيد بن ثابت) الصحابيين الشهيرين (أنهما كانا لا
يريان بما لفظ البحر) أي: ألقاه البحر ورماه. (بأساً) أي: شدة، يعني يبيحان
ذلك.
١٢/١٠٣٦ - (مالك، عن أبي الزناد) عبد الله (عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن أن ناساً من أهل الجار) بالجيم، بليدة على الساحل بقرب المدينة،
كما تقدم قريباً (قدموا) المدينة (على مروان بن الحكم) المدني أمير المدينة من
قبل معاوية رضي الله عنه (فسألوه) أي: مروان، وسياق النسخ المصرية
((قدموا، فسألوا مروان بن الحكم)) (عما لفظ البحر) أي: رماه من الحيتان.
(فقال) مروان (ليس به بأس) أي: لا بأس في أكله، (وقال) مروان
للسائلين: (اذهبوا إلى زيد بن ثابت وأبي هريرة) وكانا إذ ذاك من أجِلّة
الصحابة، (فسلوهما عن ذلك) بحذف الهمزة في النسخ الهندية وفي النسخ
(١) ((المصنف)) (٦٢٣/٤).
١١٠

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٦) حدیث
ثُمَّ ائْتُونِي فَأَخْبِرُونِي مَاذَا يَقُولَانِ. فَأَتَوْهُمَا، فَسَأَلُوهُمَا. فَقَالًا: لَا
بَأَسَ بِهِ. فَأَتَوْا مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ مَرْوَانُ: قَدْ قُلْتُ لَكُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأُسَ بِأَكْلِ الْحِيَتَانِ يَصِيدُهَا الْمَجُوسِيُّ. لِأَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ فِي الْبَحْرِ: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَنُهُ)).
قد تقدم مسنداً في: ٢ - كتاب الطهارة، ٣ - باب الطهور للوضوء، حديث
١٢.
المصرية ((فاسألوهما)) (ثم ائتوني فأخبروني ماذا يقولان، فأتوهما فسألوهما) عن
ذلك (فقالا) كلاهما: (لا بأس به، فأتوا مروان) بن الحكم (فأخبروه) بما قالا
(فقال مروان: قد قلت لكم) من قبل إنه لا بأس به.
قال الباجي(١): وإنما سألوا مروان؛ لأنه كان أمير المدينة حينئذ،
فأفتاهم بأكله، ثم أمرهم أن يسألوا زيداً، وأبا هريرة؛ لأنهما كانا من أعلم من
بقي من أصحاب النبي وَلّ بالمدينة في ذلك الوقت، ولعل من كان يشاركهما
في العلم غاب ذلك الوقت، واستظهر بمشاورتهما لمعنيين: إما لأنه قد علم
موافقتهما له على هذا الحكم قبل هذا، وأراد أن يقوي ذلك في أنفس السائلين
بجواب علماء الصحابة وفقهاء المدينة، وإما لأنه لم يعلم قولهما قبل ذلك،
فأراد أن يستظهر بجواب من هو أعلم منه، ويعلم في ذلك قوله، وإن كان قد
ظهر إليه ما أجاب به، فلما وافقاه على ذلك تحقَّقَ قوله، وقوي في نفسه ما
أفتاهم به، انتھی.
(قال مالك: لا بأس بأكل الحيتان) التي (يصيدها المجوسي؛ لأن
رسول الله (8* قال في) شأن (البحر: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته) كما تقدم في
كتاب ((الطهارة)).
(١) ((المنتقى)) (١٣٠/٣).
١١١

٢٤ - كتاب الصيد
(٣) باب
(١٠٣٦) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أُكِلَ ذُلِكَ مَيْتاً، فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ صَادَهُ.
(قال مالك: فإذا أكل) ببناء المجهول (ذلك) أي: ما في البحر حال كونه
(ميتاً فلا يضره من صاده) قال الموفق (١): أجمع أهل العلم على تحريم صيد
المجوسي وذبيحته، إلا ما لا ذكاة فيه كالسمك والجراد، فإنهم أجمعوا على
إباحته غير مالك، والليث، وأبي ثور، فأما مالك والليث، فقالا: لا نرى أن
يؤكل الجراد إذا صاده المجوسي، ورخّصا في السمك، وأبو ثور أباح صيده
وذبيحته؛ لقوله وَله: ((سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب)) وهذا قول يخالف الإجماع،
فلا عبرة به، قال إبراهيم: خرق أبو ثور الإجماع، ولا خلاف في إباحة ما
صاده من الحيتان.
حكي عن الحسن البصري أنه قال: رأيت سبعين من الصحابة يأكلون
صيد المجوسي من الحيتان، لا يختلج في صدورهم شيء من ذلك، رواه
سعيد بن منصور، والجراد كالحيتان في ذلك؛ لأنه لا ذكاة له، ولأنه تباح
ميتته، فلم يحرم بصيد المجوسي كالحوت، وحكم سائر الكفار من عبدة
الأوثان والزنادقة وغيرهم حكم المجوسي في تحريم ذبائحهم وصيدهم إلا
الحيتان والجراد، انتهى مختصراً.
وقال ابن عباس: كُلْ من صيد البحر، وإن صاده نصرانيّ، أو يهودي،
أو مجوسي، رواه البيهقي، وفي ((المحلى)) عن علي - رضي الله عنه - أنه كره
صيد المجوسي للسمك. انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): أخرج ابن أبي
شيبة (٣) بسند صحيح عن عطاء، وسعيد بن جبير، وبسند آخر على كراهية صيد
المجوسي السمك، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢٩٦/١٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٩/ ٦١٧).
(٣) انظر: ((المصنف)) (٦١٣/٤).
١١٢

٢٤ - كتاب الصيد
(٤) باب
(٤) باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع
(٤) تحريم أكل ذي ناب من السباع
بكسر السين، وهي التي تضرب بأنيابها الشيء، وتفرس، قاله الخرقي(١)،
وقال الدميري(٢): السبع بضم الباء وإسكانها، الحيوان المفترس، والجمع أسبع
وسباع، سمي سبعاً؛ لأنه يمكث في بطن أمه سبعة أشهر، ولا تلد الأنثى أكثر
من سبعة أولاد، ولا ينزو الذكر على الأنثى إلا بعد سبع سنين من عمره، انتهى.
واختلف في تحريم ذي ناب من السباع، قال ابن عبد البر: اختلف فيه
على ابن عباس، وعائشة، وجاء عن ابن عمر - رضي الله عنه - من وجه
ضعيف، وهو قول الشعبي، وسعيد بن جبير، يعني: عدم التحريم، واحتجّوا
بعموم قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَ مُحَرَّمًا﴾ الآية، والجواب أنها
مكية، وأحاديث النهى بعد الهجرة، كذا في ((الفتح))(٣).
قال الموفق(٤): أكثر أهل العلم يرون تحريم أكل ذي ناب قوي من
السباع يعدو به ويكسر، إلا الضبع، منهم مالك، والشافعي، وأبو ثور،
وأصحاب الحديث، وأبو حنيفة، وأصحابه، وقال الشعبي، وسعيد بن جبير،
وبعض أصحاب مالك: هو مباح لعموم قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ
إِلَ﴾(٥) الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةَ وَالذَّمَ﴾ الآية.
ولنا: ما روى أبو ثعلبة الخشني قال: نهى النبي ◌ّر عن أكل كل ذي
(١) («المغني)) (٣١٩/١٣).
(٢) ((حياة الحيوان)) (١٧/٢).
(٣) ((فتح الباري) (٦٥٧/٩). فيه جابر عن ابن عمر هو تحريف، والصواب جاء عن ابن
عمر كما في ((التمهيد)) (١٤٥/١).
(٤) ((المغني) (٣١٩/١٣).
(٥) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.
١١٣

٢٤ - كتاب الصيد
(٤) باب
(١٠٣٧) حديث
١٣/١٠٣٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
قَالَ: ((أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ)».
أخرجه البخاريّ في: ٧٢ - كتاب الذبائح والصيد، ٢٩ - باب أكل كل ذي
ناب من السباع.
ومسلم في: ٣٤ - كتاب الصيد والذبائح، ٣ - باب تحريم أكل كل ذي ناب
من السباع، حديث ١٤.
ناب من السباع، متفق عليه، وقال أبو هريرة أن رسول الله وَل قال: ((أكل كل
ذي ناب من السباع حرام))، قال ابن عبد البر: هذا حديث ثابت صحيح مجمع
على صحته، وهذا نص صريح يخص عموم الآيات، فيدخل في هذا الأسد،
والنمر، والفهد، والذئب، والكلب، والخنزير. انتهى.
١٣/١٠٣٧ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري محمد بن مسلم (عن أبي
إدريس) عائذ الله بن عبد الله (الخولاني) بفتح خاء المعجمة منسوب إلى
خولان بن مالك (عن أبي ثعلبة) بمثلثة (الخشني) بضم الخاء وفتح الشين
المعجمتين منسوب إلى خشين بن نمر، بطن من قضاعة كما في ((الأنساب)).
اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً، صحابي مشهور بكنيته كان
ممن بايع تحت الشجرة، وضرب له بسهمه في خيبر، وأرسله النبي وَ ل إلى
قومه، فأسلموا، روي عنه أنه قال: إني لأرجو الله أن لا يخنقني كما تخنقون
عند الموت، فبينما هو يصلي في جوف الليل قُبض، وهو ساجد فرأت ابنته في
النوم أن أباها قد مات، فاستيقظت فزعة، فقالت أين أبي؟ فقيل لها: في
مصلاه، فنادته، فلم يجبها، فأتته فوجدته ساجداً، فحركته فسقط ميتاً، مات
سنة خمس وسبعين، وقيل قبل ذلك بكثير، بعد الأربعين، والمعروف الأول.
(أن رسول الله وَ لّ قال: أكل) مصدر مضاف إلى مفعوله (كل ذي ناب)
سيأتي الكلام على الناب بعد الحديث الذي بعده (من السباع حرام)، قال ابن
١١٤

٢٤ - كتاب الصيد
(٤) باب
(١٠٣٨) حديث
١٤/١٠٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي
حَكِيم، عَنْ عَبِيدَةَ بْنِ سُفْيَانَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((أَكْلُ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ حَرَامٌ)).
عبد البر في ((التجريد)) (١): هكذا قال يحيى في هذا الحديث بهذا الإسناد:
((أكل كل ذي ناب من السباع حرام)) ولم يتابعه أحد على هذا اللفظ في هذا
الإسناد، وإنما هذا لفظ حديث مالك، عن إسماعيل، أي: الآتي قريباً، وأما
لفظ حديث ابن شهاب هذا فهو أن رسول الله خلقه نهى عن أكل كل ذي ناب
من السباع. انتهى.
وقال الزرقاني(٢): لفظ ((حرام)) شذّ به يحيى من رواة ((الموطأ)) في حديث
أبي ثعلبة، لكنهم اتفقوا على لفظ ((حرام)) في حديث أبي هريرة، انتهى. قلت:
ومثل الجماعة رواه محمد في ((موطئه)).
١٤/١٠٣٨ - (مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم) القرشي المدني
المتوفى سنة ثلاثين ومائة، لمالك عنه أربعة: أحدها متصل مسند، وهو هذا،
والثلاثة منقطعة كذا في ((التجريد)) (٣)، أولها في إعادة الجنب الصلاة من أبواب
الطهارة (عن عبيدة) بفتح العين المهملة وكسر الموحدة (بن سفيان) ابن الحارث
(الحضرمي) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة نسبة إلى حضرموت من
بلاد اليمن، كذا في ((التعليق الممجد))(٤) عن السمعاني، من رواة مسلم
والأربعة، ثقة من الثالثة، كذا في ((التقريب)).
(عن أبي هريرة) رضي الله عنه (أن رسول الله وَ لي قال: أكل كل ذي ناب
من السباع حرام) هكذا لفظ محمد في ((موطئه)) وتقدم قريباً أن لفظ الحرام
(١) (ص١٤٦).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٩٠/٣).
(٣) (ص١٣).
(٤) ((التعليق الممجد)) (١٣٢/٢).
١١٥

٢٤ - كتاب الصيد
(٤) باب
(١٠٣٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَهُوَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا .
أخرجه مسلم في: ٣٧ - كتاب الصيد والذبائح، ٣ - باب تحريم أكل ذي
ناب من السباع، حديث ١٥.
اتفق عليه رواة ((الموطأ)) في هذا الحديث (قال مالك: وهو) أي: التحريم
(الأمر) المعمول به (عندنا) بالمدينة المنورة، وقول مالك هذا مذكور في النسخ
المصرية، ولا يوجد في النسخ الهندية.
قال الزرقاني(١): ظاهر مذهب ((الموطأ)) التحريم، ورواه ابن وهب،
وابن عبد الحكم عن مالك نصاً، ورجحه ابن عبد البر، وقيل: مكروه
حملاً للنهي على الكراهة، ولفظ ((حرام)) شذّ به يحيى في حديث أبي
ثعلبة، لكنهم اتفقوا عليه في حديث أبي هريرة، فيحمل على المنع الصادق
بالكراهة، وهو المشهور في المذهب، كما قال ابن العربي وغيره، وظاهر
((المدونة)) إذ قال: لا أحب أكل الضبع، والثعلب، والذئب، والهر، ولا
شيء من السباع.
والقول الثالث لأصحاب مالك المدنيين: الفرق بين ما يعدو كالأسد
والنمر فيحرم، وبين ما لا يعدو كالضبع والهر والذئب، فيكره، نقله عنهم ابن
حبيب، ووجه المشهور قوله تعالى: ﴿لَّ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية،
فإنه يدل على عدم تحريم غير ما فيها، لكن نفي الحرمة لا يقتضي الحلّ، بل
يحتمل الكراهية أيضاً فاحتيط لذلك، وتعقب بأن الآية مكية، وحديث التحريم
بعد الهجرة بالاتفاق، وأجيب: بأن الحديث لا دليل فيه على الحرمة لاحتمال
أن «أكل)) مصدر مضاف إلى فاعله، فيكون كقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ ،
قال ابن عبد البر: النهي إن ورد على ما في ملكك، فهو نهي إرشاد، كالأكل
من رأس الصحفة، والاستنجاء باليمين، وإن ورد على غير ملكك، فهو على
(١) ((شرح الزرقاني)) (٩١/٣).
١١٦
.

٢٤ - كتاب الصيد
(٤) باب
(١٠٣٨) حديث
التحريم كالشغار، وعن بيع حبل الحبلة، واستباحة الحيوان من هذا القبيل،
فحمل النهي على التنزيه ضعيف، انتهى.
وقال الدردير(١): المكروه سبع، وضبع، وثعلب، وذئب، وهرّ، وإن
وحشیاً، وفيل، وفهد، ودُبٌّ، ونمر، انتهى.
وبسط الباجي الكلام على أقوال أصحابهم في الحرمة والكراهة. وفي
((الهداية))(٢): لا يجوز أكل كل ذي ناب من السباع ولا ذي مخلب من الطيور؛
لأن النبي ◌َ﴾ نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطيور، وكل ذي ناب من
السباع، وقوله: ((من السباع)) ذكر عقيب النوعين، فينصرف إليهما، فيتناول
سباع الطيور والبهائم لا كلُّ مَا له مخلبٌ أو نابٌ، والسبع كل مختطف منتهب
جارح قاتل عادٍ عادةً، ومعنى التحريم - والله أعلم - كرامة بني آدم كي لا يعدو
شيء من هذه الأوصاف الذميمة بالأكل إليهم، ويدخل فيه الضبع، والثعلب،
والفيل ذو ناب، واليربوع، وابن عرس من السباع الهوام، وكرهوا أكل الرخم،
والبغاث؛ لأنهما يأكلان الجيف، انتهى.
قال الزرقاني(٣): قال ابن الأثير: الناب السن الذي خلف الرباعية، وهل
المراد كل ذي ناب مطلقاً أو المراد ناب يعدو به ويصول على غيره، ويصطاد
ويعدو بطبعه غالباً بخلاف غير العادي، كثعلب وضبع. وبه قال الشافعي،
وأصحاب مالك المدنيين، فمن للتبعيض أو الجنس، إذ المراد ناب یعدو به،
كما علم بقرينة قوله: ((ناب)) ولم يقل: كل سبع تنبيهاً على الافتراس والتعدي،
وإلا فلا فائدة لذكر الناب، إذ السباع كلها ذات أنياب، انتهى.
(١) ((الشرح الكبير)) (١١٧/٢).
(٢) (١٣٧/٧/٤).
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٩٠/٣).
١١٧

٢٤ - كتاب الصيد
(٤) باب
(١٠٣٨) حديث
وقال الحافظ(١): اختلف القائلون بالتحريم في المراد بالناب، فقيل: إنه
ما يتقوى به، ويصول على غيره، ويصطاد، ويعدو بطبعه غالباً، كالأسد،
والفهد، والصقر، والعقاب، وأما ما لا يعدو كالضبع، والثعلب فلا، وإلى هذا
ذهب الشافعي، والليث ومن تبعهما، وقد ورد في حل الضبع أحاديث لا بأس
بها، انتهى.
وقال الموفق(٢): ابن آوى، وابن عرس حرام سئل عنهما أحمد، فقال:
كل شيء ينهش بأنيابه، فهو من السباع، وبهذا قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال
الشافعي: ابن عرس مباح؛ لأنه ليس له ناب قوي فأشبه الضب، ولأصحابه في
ابن آوی وجهان، انتھی.
وقال الزيلعي على ((الكنز»: المراد بذي مخلب هو سباع الطير لا كل ما
له مخلب، وهو الظفر كما أريد في ذي ناب من سباع البهائم، لا كل ما له
ناب. انتهى، قال الشلبي في ((هامشه)): فإن البعير له ناب، والبقر كذلك.
انتهى، وفي ((الدر المختار)): لا يحل ذو ناب يصيد بنابه، فخرج نحو البعير،
انتھی .
ثم قال الباجي(٣): أجاز مالك أكل الطير كله ما كان له مخلب، وما لم
يكن له مخلب، قال مالك: لا بأس بأكل الصرد والهدهد، ولا أعلم شيئاً من
الطير يكره أكله، واختلف قول مالك في الخطاف ففي ((المستخرجة)): لا بأس
بها، وقاله ابن القاسم، وروى علي بن زياد عن مالك أنه كره أكلها، والأول
أكثر وأظهر خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: لا يؤكل كل ذي مخلب
(١) ((فتح الباري)) (٩/ ٦٥٧).
(٢) («المغني)) (٣٢٠/١٣).
(٣) ((المنتقى)) (١٣٠/٣).
١١٨

٢٤ - كتاب الصيد
(٤) باب
(١٠٣٨) حديث
من الطير، والدليل على ما نقوله قوله تعالى: ﴿قُل لَّ أَجِدُ فِى مَا أُوحِىَ إِلَّ
مُحَرَّمًا﴾ الآية، وهذا عام فنحمله على عمومه إلا ما خصه الدليل، انتهى.
وعدّ الخرقي في جملة المحرمات كل ذي مخلب من الطير وهي التي
تعلق بمخالبها الشيء وتصيد بها، قال الموفق(١): هذا قول أكثر أهل العلم،
وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وقال مالك، والليث،
والأوزاعي، ويحيى بن سعيد: لا يحرم من الطير شيء، قال مالك: لم أر
أحداً من أهل العلم يكره سباع الطير، واحتجوا بعموم الآيات المبيحة.
ولنا، ما روى ابن عباس قال: نهى رسول الله وَ ﴿ ﴿ عن كُلِّ ذي ناب من
السباع، وكل ذي مخلب من الطير، وعن خالد بن الوليد قال: قال
رسول الله وَلير: ((حرام عليكم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل
ذي مخلب من الطير)) رواهما أبو داود(٢)، وهذا يخص عموم الآيات، ويقدم
على ما ذكروه، فيدخل في هذا كل ما له مخلب يعدو به كالعقاب، والبازي،
والصقر، والشاهين، والباشق(٣)، والحدأة، والبومة، وأشباهها، انتهى.
وقال ابن تيمية في ((المنتقى)) لحديث ابن عباس رواه الجماعة إلا
البخاري والترمذي وقال: عن جابر قال: حرم رسول الله وَ 8* يعني يوم خيبر
لحوم الحمر الأنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي
مخلب من الطير، رواه أحمد والترمذي، وعن عياض بن سارية أن رسول الله وليه
حرم يوم خيبر كل ذي مخلب من الطير .... الحديث رواه أحمد والترمذي،
وقال: نهى بدل لفظ التحريم، انتهى.
(١) انظر: ((المغني)) (٣٢٢/١٣).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٨٠٥، ٣٨٠٦).
(٣) الباشق: من الجوارح، يشبه الصقر.
١١٩

٢٤ - كتاب الصيد
(٥) باب
(١٠٣٩) حدیث
(٥) باب ما يكره من أكل الدواب
١٥/١٠٣٩ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ: أَنَّ أَحْسَنَ مَا سَمِعَ
(٥) ما يكره من أكل الدواب
جمع دابة، قال المجد: من دبّ يدبّ دباً ودبيباً: مشى على هينته،
والدابة: ما دبّ من الحيوان، وغلب على ما يركب، انتهى، وقال الدميري(١):
الدابة: ما دبّ من الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس منها الطير؛ لقوله
تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآَةٍ فِ اُلْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيرُ﴾ (٢) الآية، ورد بقوله تعالى: ﴿وَمَا
مِن دَآبَةٍ فِ اٌلْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾(٣) انتهى، وفي ((مختار الصحاح)): كل ماشٍ
على الأرض دابة، وقولهم: أكذب من دبّ ودَرَجَ، أي أكذب الأحياء
والأموات، انتھی.
وغلب استعماله فيما يركب كما تقدم في كلام ((القاموس))، وبسطه
المناطقة إذا قالوا: إن اللفظ إما يكون له معنى واحد أو أكثر، وعلى الثاني إن
كان وضعه لتلك المعاني على السوية فهو المشترك، وإن لم يكن كذلك بل
وضع لأحدهما أولاً، ثم نقل إلى الثاني، فإن ترك موضوعه الأول يسمى لفظاً
منقولاً عرفياً، إن كان الناقل هو العرف العام كالدابة، فإنها في أصل اللغة اسم
لكل ما يدبّ على الأرض، ثم نقله العرف العام إلى ذوات القوائم الأربع من
الخيل والبغال والحمير، كما في ((شروح الشمسية)) وحواشيها، حتى قال
بعضهم: إنها نقلت إلى الفرس خاصة، ومقصود الترجمة هي الثلاثة، كما يظهر
مما ذكر فيها، والمقصود كراهة أكل هذه الثلاثة.
١٥/١٠٣٩ - (مالك؛ أن أحسن ما سمع) يعني أن مالكاً سمع في مسألة
(١) ((حياة الحيوان)) (٤٤٠/١).
(٢) سورة الأنعام: الآية ٣٨.
(٣) سورة هود: الآية ٦.
١٢٠