Indexed OCR Text

Pages 61-80

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٧) حديث
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا أَرَى بَأُساً بِمَا أَصَابَ الْمِعْرَاضُ، إِذَا خَسَقَ،
وَبَلَغَ الْمَقَاتِلَ،
قال الحافظ(١): قوله ((بمنزلة الوحش)) أي: في جواز عقره على أي صفة
اتفقت، وهو مستفاد من قوله في الخبر: ((فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به
هكذا))؛ وأما قوله: ((إن لهذه البهائم أوابد»، فالظاهر أن تقديم ذكر هذا التشبيه
كالتمهيد لكونها تشارك المتوحش في الحكم، ثم أخرج الحافظ تخريج هذه
الآثار.
(قال مالك: ولا أرى بأساً بما أصاب المعراض) بحدّه كما عليه الأئمة
الأربعة خلافاً لبعض السلف، قال الباجي(٢): ومعنى ذلك أن يكون بحدِّه
وطرفه المحدد كطرف العصا، وكذلك قال ابن القاسم في ((المدونة)) فيمن رمى
صيداً بعود، أو عصا فخزق، فإنه يؤكل، لأنه نفذ بطرفه كطرف الرمح، قال أبو
الوليد: وإنما يصح عندي فيما يكون محدد الطرف، فأما ما لم يكن محدد
الطرف فإنما خزقه هشم ورضّ، انتهى.
(إذا خزق) بالخاء والزاي المعجمتين المفتوحتين كما في النسخ الهندية
قال المجد: خزقه يخزقه: طعنه فانخزق، وفي ((المجمع)): فخزق فكل، أي
قتله بحده فجرحه ذكاة، وهو معنى الخزق بالزاي. انتهى، وفي جميع النسخ
المصرية من المتون والشروح ((فخسق)) بالخاء المعجمة والسين المهملة، قال
المجد: خسق السهم يخسق: قرطس، وفي المجمع: خزق السهم وخسق إذا
نفذ في الرمية (وبلغ) أي المعراض (المقاتل).
قال الباجي(٣): المقاتل خمسة متفق عليها، انقطاع النخاع، وهو عند ابن
(١) ((فتح الباري)) (٦٣٨/٩).
(٢) ((المنتقى)) (١٢١/٣).
(٣) ((المنتقى)) (١١٥/٣).
٦١

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٧) حديث
القاسم، وأصبغ، ومالك، من رواية القاسم عن مالك في ((العتبية)) الشحمُ
الأبيضُ الذي في وسط فقار العنق والظهر، والثاني: انتثار الدماغ، والثالث:
فري الأوداج، والرابع: انفتاق المصران، والخامس: انتثار الحشوة، واختلف
أصحابنا في اندقاق العنق من غير انقطاع نخاعه، فروى ابن الماجشون،
ومطرف، عن مالك: أن ذلك من المقاتل، وروى ابن القاسم، عن مالك أنه
ليس بمقتل حتى يقترن به انقطاع نخاعه، فهذه المعاني متى حصلت من تَرَدِّ أو
ما أشبهه فقد فاتت الذكاة. وإن ظهرت حياته بعد الذبح؛ لأن ما وصل إلى
هذا الحد فقد استحال دوام حياته، وإنما حركته بعد ذلك من باب اضطراب
الميت، انتهى.
وفسر الدردير(١) منفوذة المقتل بقطع نخاع، وهو المخ الذي في فقار
العنق والظهر، فكسر الصلب دون قطع النخاع ليس بمقتل، ونثر الدماغ: وهو
ما تحوزه الجمجمة، لا شدخ الرأس، ولا خرق خريطته بدون انتثار ونثر
حُشوة، وهو كل ما حواه البطن من كبد وطحال وأمعاء وقلب، أي إزالة ما
ذكر عن موضعه بحيث لا يقدر على ردّه في موضعه على وجه يعيش معه،
وفري ودج: أي إبانة بعضه عن بعض، وثقب مُصران - بضم الميم - جمع
مصير، وأَحرى قطعه بخلاف مجرد شَقِّه فليس بمقتل، واحترز بالمُصران عن
ثقب الكرش، فليس بمقتل على المعتمد، وفي شق الودج من غير إبانة بعضه
عن بعض قولان: والأظهر أنه مقتل في الودجين معاً، وفي الواحد غير مقتل،
انتھی .
قال الدسوقي: قوله: ((ثقب مصران)) خلافاً لما في ((المواق)) عن ابن لبابة:
من أن ثقب المصران، وشقه ليس بمقتل؛ لأنه قد يلتئم، وإنما المقتل فيه قطعه
وانتشاره، هذا؛ وكان الأولى للمصنف أن يقول: ثقب مصير، لأن المُصران
(١) (الشرح الكبير)) (١١٣/٢).
٦١

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٧) حديث
أَنْ يُؤْكَلَ.
جمع فتعبيره به يقتضي أن الواحد لا يضر، واللية الواحدة يقال لها مصير،
والاثنان مصيران، والثلاثة مُصران، وخرق المصير مضرٌّ مطلقاً كان من أسفل أو
أعلاه، انتهى.
(أن يؤكل) ببناء المجهول، أي لا بأس في أكل ما يصاب بالمعراض إذا
قتله بحده، وعليه الأئمة الأربعة. قال ابن رشد في ((البداية))(١): والآلات التي
يصاد بها، منها: ما اتفقوا عليها بالجملة، ومنها: ما اختلفوا فيها، وفي
صفاتها، وهي ثلاث، حيوان جارح، ومحدد، ومثقل، فأما المحدد فاتفقوا
عليها كالرماح والسيوف والسهام، للنص عليها في الكتاب والسنة، وكذا ما
جرى مجراها مما يعقر ما عدا السن، والظفر، والعظم، وتقدم اختلافهم في
ذلك.
وأما المثقل، فاختلفوا في الصيد به مثل الصيد بالمعراض والحجر،
فمنهم من لم يجز ذلك إلا ما أدركت ذكاته، ومنهم من أجازه على الإطلاق،
ومنهم من فَرَّق بين ما قتله بثقله أو بحدِّه، وبهذا القول قال مشاهير فقهاء
الأمصار: الشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري، وغيرهم، انتهى.
قال الخرقي: إذا صاد بالمعراض أَكَل ما قتل بحده، ولا يأكل ما قتل
بعرضه، قال الموفق(٢): قال أحمد: المعراض يشبه السهم، يُحْذَفُ به الصَّيْدُ.
فربما أصاب الصيد بحده، فخزق، وقتل، فيباح، وربما أصاب بعرضه فقتل
بثُقْله فيكون موقوذاً، فلا يباح، وهذا قول علي، وعثمان، وعمار، وابن
عباس، وبه قال النخعي، والحكم، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة،
وإسحاق، وأبو ثور، وقال الأوزاعي، وأهل الشام: يباح ما قتله بحدّه
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٥٥/١).
(٢) («المغني)) (٢٨٢/١٣).
٦٣

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٧) حديث
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ
وعرضه، وقال ابن عمر: ما رمي من الصيد بجُلاهِقٍ، أو معراضٍ فهو من
الموقودة، وبه قال الحسن.
ولنا: ما روى عديّ بن حاتم قال: سئل رسول الله وَ ل عن صيد
المعراض؟ فقال: ((ما خرق فكُل، وما قتل بعرضه، فهو وقيذٌ فلا تأكل)) متفق
عليه، وهذا نص، ولأن ما قتله بحده بمنزلة ما طعنه برمحه، أو رماه بسهمه،
ولأنه مُحَدَّدٌ خرق، وقتل بحده، وما قتل بعرضه إنما يقتله بتُقْله، فهو موقوذٌ،
کالذي رماه بحجر أو بُندُقةٍ، انتھی.
(قال مالك) هكذا في النسخ الهندية بزيادة لفظ: ((قال مالك)) قبل قوله عزّ
اسمه، وليس هذا في النسخ المصرية بل فيها (قال الله تبارك وتعالى) وعز وجل
ذكر قوله تعالى الآتي دليلًا لما قال مالك: إن ما أصاب المعراض إذا جرح
وبلغ المقاتل أن يؤكل، والتقريب بأنه عزّ اسُمه سمى ما تناله الأيدي والرماح
صيداً، ومصاب المعراض داخل فيه لا محالة فهو صيد، إذا أصابه بحدّه
لدخوله في حدود الرماح (﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾) قال الباجي(١): يدل على
اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين من هذه الآية؛ لأنه لم يخاطب بها من
سواهم، ولا أضيف إلا إلى أيديهم ورماحهم، انتهى.
فعُلِم أنه لا يجوز مصيد غير المؤمنين من الكفرة إلا أن قوله تعالى:
﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾(٢) الآية، أدخل أهل الكتاب في حكم المؤمنين عند
أهل العلم (﴿لَيَبْلُوَنَّكُمْ﴾) أي ليختبرنكم، وليعاملنكم معاملة المختبر، واللام
للقسم قاله الرازي (﴿الََّ﴾) عز وجل (﴿بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ﴾) ليعلم بأنه ليس من
الفتن العظام التي يكون التكليف فيها صعباً وشاقاً، وإنما هو ابتلاء سهل،
(١) ((المنتقى)) (١٢١/٣).
(٢) سورة المائدة: الآية ٩٤.
٦٤

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
تَالُ: أَيْدِيَكُمْ وَرِمَامُكُمْ﴾ قَالَ: فَكُلُّ شَيْءٍ نَالَهُ الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ، أَوْ رُمْحِهِ،
أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحِهِ، فَأَنْفَذَهُ، وَبَلَغَ مَقَاتِلَهُ، فَهُوَ صَيْدٌ. كَمَا قَالَ اللَّهُ
تَعَالَی.
٤/١٠٢٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِذَا
فإن الله عز وجل امتحن أمة محمد وَله بصيد البر كما امتحن بني إسرائيل بصيد
البحر، وهو السمك.
(﴿تَنَالُهُ﴾﴾ أي: الصغار منه (﴿أَيْدِيكُمْ﴾) وقد روي عن ابن عباس -
رضي الله عنهما - قال: فراخ الطير، وصغار الوحش، وقال مجاهد: الفراخ
والبيض، وقد روي عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله وَل﴿ أتاه أعرابي
بخمس بيضات فقال: ((إنا محرمون، وإنّا لا نأكل فلم يقبلها))، وروي عن
عكرمة عن ابن عباس عن كعب بن عجرة ((أن رسول الله وَلّ قضى في بيض
نعام أصابه المحرم بقيمته))، ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في ذلك، قاله
الجصاص في ((أحكام القرآن))(١).
(﴿وَرِ مَاحُكُمْ﴾) أي: الكبار منه، وتمام الآية ﴿لِيَعْلَ اللَّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْبٍ فَمَنٍ
اُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢) نزلت الآية عام الحديبية، ابتلاهم الله بالصيد،
وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذاً بأيديهم
وطعناً برماحهم، وهم محرمون بالعمرة (قال) مالك على سبيل التقريب: (فكل
شيء) من الصيود (يناله الإنسان بيده، أو رمحه، أو بشيء) آخر (من سلاحه)
كالمعراض وغيره إذا أصاب الصيد بحده (فأنفذه وبلغ مقاتله) تفسير لقوله:
أنفذه (فهو صيد، كما قال الله) عز اسمه في قوله: ﴿تَنَالُ، أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ .
٤/١٠٢٨ - (مالك، أنه سمع أهل العلم) من فقهاء التابعين (يقولون: إذا
(١) ((أحكام القرآن)) (٤٦٧/٢).
(٢) سورة المائدة: الآية ٩٤.
٦٥

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
أَصَابَ الرَّجُلُ الصَّيْدَ، فَأَعَانَهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، مِنْ مَاءٍ أَوْ كَلْبٍ، غَيْرِ
مُعَلَّم، لَمْ يُؤْكَلْ ذُلِكَ الصَّيْدُ، إِلَّا أَنَّ يَكُونَ سَهْمُ الرَّامِيِ قَدْ قَتَلَهُ، أَوْ
بَلَغَ مَقَاتِلَ الصَّيْدِ، حَتَّى لَا يَشُكَّ أَحَدٌ فِي أَنَّهُ هُوَ قَتَلَهُ، وَأَنَّهُ لَا
يَكُونُ لِلصَّيْدِ حَيَاةٌ بَعْدَهُ.
أصاب الرجل الصيد) أي صاده (فأعانه) أي الرجل (عليه غيره من ماء) لفظ من
بيان للغير، يعني: أعان الماء في قتله بأن رمى صيداً فسقط في الماء (أو كلب)
بالجر عطفاً على ماء موصوف (غير معلم) صفة لكلب، أما إن أعانه كلب
معلم، وقد سَمَّى عليه فلا بأس به (لم يؤكل) ببناء المجهول (ذلك الصيد) لأن
قتله دار بين أمرين: أحدهما مبيح، والآخر مُحَرٌِّ، فالترجيح للمحرم (إلا أن
يكون) محققاً أن (سهم الرامي قد قتله أو بلغ) السهم (مقاتل الصيد) فهو في
حكم الميت (حتى لا يشك أحد) غاية لبلوغ السهم مقاتله، يعني: تحقق،
وتيقن بلوغه المقاتل حتى لا يتردد أحد (في أنه) أي: السهم (هو قتله و)تحقق
(أنه لا يكون) أي: لا يبقى (للصيد حياة بعده) أي: بعد بلوغ السهم إليه،
فيؤكل حينئذ لتحقق الإباحة، قال صاحب ((المحلى)): وبه قال الأئمة الباقية.
قال الخرقي(١): إذا رماه فوقع في ماء، أو تردّى من جبل لا يؤكل، قال
الموفق: يعني وقع في ماء يقتله مثله، أو تردّى تردياً يقتله مثله، ولا فرق في
قول الخرقي بين كونِ الجراحة مُوحية، أو غير موحية، هذا هو المشهور عن
أحمد، وظاهر قول ابن مسعود، وعطاء، وربيعة، وإسحاق، وأصحاب الرأي،
وأكثر أصحابنا المتأخرين يقولون: إن كانت الجراحة موحية، مثل إن ذبحه، أو
أبان حِشْوَته، لم يضر وقوعه في الماء، ولا ترَدّه، وهو قول الشافعي،
ومالك، والليث، وقتادة، وأبي ثور، لأن هذا صار في حكم الميت بالذبح،
فلا يؤثر فيه ما أصابه، وجه الأول قوله وَ ل: ((وإن وقع في الماء فلا
(١) «المغني)) (٢٧٨/١٣).
٦٦

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
تأكل)) (١)، ولأنه يحتمل أن الماء أعان على خروج روحه، فصار بمنزلة ما لو
كانت الجراحة غير موحية، ولا خلاف في تحريمه.
ولو وقع الحيوان في الماء على وجه لا يقتله، مثل أن يكون رأسه
خارجاً من الماء، أو يكون من طير الماء الذي لا يقتله الماء، أو كان التردي
لا يقتل مثل ذلك الحيوان، فلا خلاف في إباحته، فإن رمى طائراً في الهواء،
أو على شجرة فوقع إلى الأرض فمات حل، وبه قال الشافعي، وأبو ثور،
وأصحاب الرأي، وقال مالك: لا يحل إلا أن تكون الجراحة موحية، أو
يموت قبل سقوطه؛ لقوله عز اسمه: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ ولأنه اجتمع المبيح والحاظر،
فغلب الحظر كما لو غرق، ولنا أنه صيد سقط بالإصابة سقوطاً لا يمكن
الاحتراز عن سقوطه عليه، فوجب أن يحل كما لو أصاب الصيد فوقع على
جنبه، ويخالف ما ذكروه، فإن الماء يمكن التحرز عنه، وهو قاتل بخلاف
الأرض، انتهى.
وفي ((الهداية))(٢): إذا رمى صيداً فوقع في الماء أو وقع على سطح أو
جبل ثم تردّى منه إلى الأرض لم يؤكل، لأنه المتردية، وهو حرام بالنص،
ولأنه احتمل الموت بغير الرمي، إذ الماء مهلك، وكذا السقوط من عَلِ (٣)،
ويؤيده قوله وَير لعدي: ((وإن وقعت رميتك في الماء فلا تأكل فإنك لا تدري
أن الماء قتله أو سهمك))(٤).
وإن وقع على الأرض ابتداء أُكِلَ، لأنه لا يمكن الاحتراز عنه، وفي
(١) أخرجه مسلم (١٥٣١/٣).
(٢) (٣٣٣/٧/٤).
(٣) عَلٍ بمعنى فوق.
(٤) انظر: ((نصب الراية)) (٣١٦/٤).
٦٧

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
اعتباره سدّ باب الاصطياد بخلاف ما تقدم؛ لأنه يمكن التحرز عنه، فصار
الأصل أن سبب الحرمة والحل إذا اجتمعا، وأمكن التحرز عما هو سبب
الحرمة ترجح جهة الحرمة احتياطاً، وإن كان مما لا يمكن التحرز عنه، جرى
وجوده مجرى عدمه، لأن التكليف بحسب الوسع، انتهى.
وأما شركة كلب آخر؛ فقد قال الخرقي: إذا أرسل كلبه فأضاف معه غيره
لم يؤكل إلا أن يدرك في الحياة فيذكَّى، قال الموفق(١): معنى المسألة: أن
يرسل كلبه على صيد فيجد الصيد ميتاً، ويجد مع كلبه كلباً لا يعرف حاله، ولا
يدري هل وُجدت فيه شرائط صيد أو لا؟ ولا يعلم أيهما قتله؟ أو يعلم أنهما
جميعاً قتلاه، فإنه لا يباح إلا أن يدركه حياً فيذكيه، وبهذا قال عطاء،
والقاسم بن مخيمرة(٢)، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، ولا
نعلم لهم مخالفاً .
والأصل فيه: ما روى عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله وَلَه فقلت:
أرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر؟ قال: ((لا تأكل فإنك إنما سَمَّيت على كلبك
ولم تسم على الآخر))، وفي لفظ: ((فإن وجدت مع كلبك كلباً آخر فخشيت أن
يكون أخذ معه وقد قتله فلا تأكله فإنك إنما ذكرت اسم الله على كلبك)»، وفي
لفظ: ((فإنك لا تدري أيهما قتل))، أخرجه البخاري، ولأنه شك في اصطياد
المبيح فوجب إبقاء حكم التحريم، فأما إن علم أن كلبه الذي قتل وحده، أو
أن الكلب الآخر مما يباح صيده أبيح بدلالة تعليل تحريمه: ((فإنك إنما سميت
على كلبك، ولم تسم على الآخر))، ولأنه لم يشك في المبيح، فلم يَحْرُمْ كما
لو كان هو أرسل الكلبين وسَمَّى، انتهى.
(١) ((المغني)) (٢٧٠/١٣).
(٢) أبو عروة القاسم بن مخيمرة الهمداني الكوفي، نزيل دمشق، تابعي ثقة، له أحاديث،
توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز ((سير أعلام النبلاء)) (٢٠١/٥).
٦٨

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
قَالَ: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الصَّيْدِ، وَإِنْ غَابَ
عَنْكَ مَصْرَعُهُ، إِذَا وَجَدْتَ بِهِ أَثَراً مِنْ كَلْبِكَ، أَوْ كَانَ بِهِ سَهْمُكَ، مَا
لَمْ يَبِتْ، فَإِذَا بَاتَ،. فَإِنَّهُ يُكْرَهُ أَكْلُهُ.
وفي حديث عدي عند مسلم قوله وَّلة: ((إذا أرسلت كلبك المعلم،
وذكرت اسم الله عليه فكل))، قلت: ((وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن، ما لم يشركها
كلب ليس معها))، قال الأبي(١): يريد بالكلب الذي ليس معها، أما كلباً انبعث
معها لنفسه أو أرسله من ليس من أهل الذكاة، أو شككنا في ذلك فلا يحلّ
أكله، فإن تحققنا أن ما شاركه كلب أرسله من هو من أهل الذكاة أكل، انتهى.
(وقال مالك) هكذا في النسخ الهندية، وفي المصرية(٢): وسمعت مالكاً
يقول: (لا بأس بأكل الصيد) أي المصيد (وإن غاب) الواو وصلية (عنك
مصرعه) في نحو غار، أو غيضة فلم تره (إذا وجدت) بصيغة الخطاب (به) أي
الصيد (أثراً من كلبك) الذي أرسلته عليه إذا يكون الصيد بالجوارح (أو كان به)
أي في الصيد (سهمك) إذا كان الصيد بالرمي (ما لم يَبِثْ) أي بشرط أن لا
يمضي عليه الليل (فإذا بات) أي مضى الليل (فإنه يكره أكله) قال الزرقاني:
كراهة تحريم على المشهور، زاد في ((المدونة)) مبالغاً، وإن أنفذت مقاتله
الجوارح، أو سهمه، أو هو فيه بعينه، قال مالك: وتلك السنة، انتهى.
وقال الباجي(٣): قوله ((لا بأس بأكل الصيد))، هذا يحتاج إلى تقسيم
وتفصيل، وذلك أن الكلب أو السهم إذا أنفذ مقاتل الصيد بمشاهدة الصائد،
ثم تحامل الصيد، وغاب عنه فقد كملت ذكاته، فلا يؤثر في ذلك مغيبه عنه
ولا مبيته، قال القاضي أبو الحسن: هذا الذي أراده مالك، وإن لم ينفذ السهم
(١) ((إكمال إكمال المعلم)) (٢٧١/٥).
(٢) كذا في ((الاستذكار)) (٢٧٥/١٥).
(٣) ((المنتقى)) (١٢٢/٣).
٦٩

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
ولا الكلب مقاتله، حتى غاب عنه، ثم وجده ميتاً، فقد قال القاضي أبو
الحسن: إذا كان مجداً في الطلب حتى وجده على هذه الحالة، فإنه يجوز
أكله، وإن تشاغل عنه ثم وجده ميتاً فإنه لا يجوز أكله، وحكى نحوه ابن
حبيب، عن أصبغ، وروى يحيى بن يحيى، عن ابن القاسم: إذا توارى الصيد
مع الكلب فوجده قد قتله، إن لم ير بالقرب صيداً يشككه أن الذي قتل غير
الذي أرسل عليه فإنه حلال، وإن شك فلا يؤكل.
وقوله: إذا بات، لا يخلو أن يكون اصطاده بجارح أو سهم، فإن كان
بالجارح، فبات الصيد عنه، وقتلته الجوارح بعد أن غاب، فالمشهور من
مذهب مالك أنه لا يؤكل؛ وبه قال الشافعي، وحكى القاضي أبو محمد عن
مالك في الصيد بالكلب أنه يؤكل، وإن بات عنه سواء كان صاحبه يطلبه أو لا
يطلبه .
ووجه الامتناع عن أكله ما ذكره أصحابنا أن للحيوان انتشاراً بالليل، فإذا
بات عنه يجوز أن يكون ما ينتشر من السباع وغيرها بالليل قتله دون كلبه، فلا
يجوز أكله، وإن كان يجوز مثل ذلك بالنهار إذا غاب عنه أكثر النهار، إلا أنه
يندر بالنهار، ويكثر بالليل، فالحكم للغالب دون النادر.
ووجه الرواية الثانية أن مغيب الصيد عن الصائد، لا يمنع إباحته، أصله
مغيبه بالنهار، وأما إن صاد بسهمه، فبات عنه فالذي روى ابن القاسم، عن
مالك: لا يؤكل صاد بكلب أو بسهم أو بغير ذلك، وقال أصبغ: إن بات عنه
فوجد فيه أثر سهمه، وقد أنفذت مقاتله فليأكله، وأما أثر البازي والكلب فلا
يأكل، وإن كان مقتلًا.
ووجه الفرق بين أثر السهم والجارح، ما قاله القاضي أبو محمد: إن
السهم يوجد في موضعه، فإذا لم يوجد فيه أثر غيره علم أنه مات منه، وأما
الجوارح فإن آثارها كآثار غيرها من السباع، لا تتميز منها، فصار في المسألة
٧٠

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
ثلاث روايات: رواية أبي الحسن يؤكل ما بات سواء صيد بسهم أو كلب،
ورواية ابن القاسم: لا يؤكل ما بات سواء صيد بسهم أو كلب، وقول أصبغ:
يؤكل ما بات مما صيد بسهم لا ما صيد بجارح. انتهى.
وقال الدردير(١) في جملته ما لا يؤكل. أو تراخى الصائد في اتّباع
الجارح بعد إرساله حتى وجده ميتاً، فلا يؤكل؛ لاحتمال إدراك ذكاته لَوْجَدَّ إلا
أن يتحقق أنه إن جدّ لا يلحقه حياً، أو بات الصيد ثم وجده من الغد ميتاً، لم
يؤكل لاحتمال موته بشيء من الهواءّ، قال الدسوقي: قوله ((ثم وجده من
الغد))، ظاهره ولو وجد السهم في مقاتله، وقد أنفذها وهو ما في ((المدونة))،
وذلك لاحتمال غوص السهم في المقاتل بحركات الصيد، والغد ليس بقيد،
وإن كان ظاهر المصنف بل المراد أنه خفي عليه مدة من الليل فيها طول بحيث
يلتبس الحال، والفرق بين الليل والنهار أن الصيد يمنع نفسه من الهوام في
النهار دون الليل، فإذا غاب ليلاً احتمل مشاركة الهوامِ التي تظهر فيه، انتهى.
قال الخرقي: إذا رماه فغاب عنه فوجده ميتاً، وسهمه فيه، ولا أثر به
غيره حلّ أكله، قال الموفق(٢): هذا هو المشهور عن أحمد، وكذلك لو أرسل
كلبه على صيد فغاب عنه، ثم وجده ميتاً ومعه كلبه حلّ، وهذا قول الحسن،
وقتادة، وعن أحمد: إن غاب نهاراً فلا بأس به، وإن غاب ليلاً لم يأكله،
وعن مالك كالروايتين، وعن أحمد ما يدل: إن غاب مدة طويلة لم يبح، وإن
كانت يسيرة أبيح؛ لأنه قيل له: إن غاب يوماً؟ قال: يوم كثير، وكره عطاء،
والثوري أكل ما غاب، وعن أحمد مثل ذلك، وقال أبو حنيفة: يباح إن لم
يكن ترك طلبه، وإن تشاغل عنه ثم وجده لم یبح.
(١) ((الشرح الكبير)) (١٠٥/٢).
(٢) («المغني) (٢٧٥/١٣).
٧١

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
ولنا: ما روى عدي بن حاتم عن النبي وَلّ أنه قال: ((إذا رميت الصيد
فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلا أثر سهمك فكل)) متفق عليه، وعن أبي
ثعلبة عن النبي ◌َل﴿ أنه قال: ((إذا رميت الصيد فأدركته بعد ثلاث وسهمك فيه
فکل ما لم ینتن))، انتهى.
قال النووي في ((شرح مسلم))(١) تحت قوله وَلجر: «فإن غاب عنك يوماً
فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل)): هذا دليل لمن يقول: إذا أثر جرحه فغاب
عنه فوجده ميتاً ليس فيه أثر غير سهمه حلّ، وهو أحد قولي الشافعي، ومالك،
والثاني: يحرم، وهو الأصح عند أصحابنا، والثالث: يحرم في الكلب دون
السهم، والأول أقوى وأقرب إلى الأحاديث الصحيحة، انتهى.
وقال القسطلاني (٢): عند الترمذي والنسائي من حديث عدي: ((إذا
وجدت سهمك فيه ولم تجد فيه أثر سبع، وعلمت أن سهمك قتله فكل منه))،
قال الرافعي: يؤخذ منه: أنه لو جرحه، ثم غاب، ثم جاء فوجده ميتاً، أنه لا
يحلُّ، وهو ظاهر نص الشافعي في ((المختصر))، قال النووي في «الروضة)):
الحل أصح دليلاً، وصححه الغزالي في ((الإحياء))، وثبتت فيه الأحاديث
الصحيحة، ولم يثبت في التحريم شيء، وعلّق الشافعي الحل على صحة
الحديث، وحكى البيهقي في ((المعرفة))(٣) عن الشافعي أنه قال في قول ابن
عباس: ((كل ما أصميتَ(٤) ودع ما أنميتَ))، يعني: ما أصميت ما قتله الكلب
وأنت تراه، وما أنميت ما غاب عنك مقتله، قال: وهذا عندي لا يجوز غيره
إلا أن يكون جاء عن النبي ◌ّ فيه شيء فيسقط كل شيء خالف أمره وَ له، قال
(١) (٧٩/١٣/٧).
(٢) ((إرشاد الساري)) (٢٧٩/١٢).
(٣) ((معرفة السنن والآثار)) (١٨٨٠٢/١٣).
(٤) الإصماء: الإقعاص يعني أنه يموت في الحال، والإنماء: أن يغيب عنه.
٧٢

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
البيهقي: وقد ثبت الخبر فينبغي أن يكون هو قول الشافعي، انتهى.
وفي (الهداية))(١): إذا وقع السهم بالصيد فتحامل حتى غاب عنه، ولم
يزل في طلبه حتى أصابه ميتاً أكل، وإن قعد عن طلبه، ثم أصابه ميتاً لم
يؤكل، لما روي أن النبي وَ ل# كره أكل الصيد إذا غاب عن الرامي، وقال:
(لعل هوامّ الأرض قتلته»، ولأن احتمال الموت بسبب آخر قائم فما ينبغي أن
يحل أكله؛ لأن الموهوم في هذا كالمتحقق إلا إذا أسقطنا اعتباره، ما دام في
طلبه ضرورة أن لا يعري الاصطياد عنه، ولا ضرورة فيما إذا قعد عن طلبه؛
لإمكان التحرز عن توارٍ يكون بسبب عمله، والذي رويناه حجة على مالك في
قوله: إن ما توارى عنه إذا لم يبت يحلُّ، فإذا بات ليلة لا يحلّ، انتهى.
قال الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢): روي أن النبي وَليل كره أكل الصيد،
الحديث، روي مسنداً ومرسلاً، فالمسند عن أبي رزين، وعن عائشة، أما
حديث أبي رزين: رواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بسنده إلى موسى بن أبي
عائشة عن عبد الله بن أبي رزين، عن أبيه مرفوعاً في الصيد يتوارى عن
صاحبه، قال: ((لعل هوامّ الأرض قتلته))، وكذا رواه الطبراني في ((معجمه))،
ورواه ابن أبي شيبة عن جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن أبي رزين
فذكره، وكذا رواه أبو داود في («مراسيله))، ومن جهة أبي داود ذكره عبد الحق
في ((أحكامه)) وأعلّه بالإرسال وأقَرَّه ابن القطان عليه.
وأما حديث عائشة فرواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) عنها أن رجلاً أتى
النبي ◌َ﴾ بظبي قد أصابه بالأمس، وهو ميت، فقال: يا رسول الله: عرفت فيه
سهمي، وقد رميته بالأمس، فقال: ((لو أعلم أن سهمك قتله أكلته لكن لا
(١) (٤٠٧/٢).
(٢) ((نصب الراية)) (٣١٤/٤).
٧٣

٢٤ - كتاب الصيد
(١) باب
(١٠٢٨) حديث
أدري وهوامّ الأرض كثيرة))، وابن أبي المخارق الراوي واهٍ، وأما المرسل
فرواه أبو داود في ((مراسيله)) عن الشعبي، أن أعرابياً أهدى إلى النبي وَ ل ظبياً،
فقال: ((من أين أصبتَ؟)) قال: رميتُه، فطلبته، فأعجزني حتى أدركني المساءُ
فرجعت، فلما أصبحت واتبعت أثره فوجدته في غارٍ، وهذا مشقصي فيه
أعرفه، قال: ((بات عنك ليلة، فلا آمن أن تكون هامّة أعانتك عليه، لا حاجة
لي فیه».
وروى عبد الرزاق في ((مصنفه)) عن زياد بن أبي مريم، قال: أتى رجل
النبي وير فقال يا رسول الله رميت صيداً فتغيّب عني ليلة، فقال عليه السلام:
((إن هوامّ الأرض كثيرة))، ثم ذكر أحاديث الخصوم من حديث مسلم عن أبي
ثعلبة مرفوعاً في الذي يدرك صيده بعد ثلاث قال: ((كله ما لم ينتن))، وفي
رواية قال في الكلب أيضاً: ((كله بعد ثلاث إلا أن ينتن فدعه))، ومن حديث
((الصحيحين)) عن عدي بلفظ: ((فإن غاب عنك يوماً فلم تجد فيه إلا أثر سهمك
فكل إن شئت))، وعند البخاري عن عدي أيضاً أنه قال للنبي وّر: يرمي الصيد
فيقتفي أثره اليومين أو الثلاثة، .... الحديث.
وأخرج النسائي والترمذي عن عدي قلت: يا رسول الله، إنا أهل صيد،
وإن أحدنا يرمي الصيد فيغيب عنه الليلة والليلتين، فيتبع الأثر، فيجده
ميتاً، .... الحديث، قال الترمذي: حسن صحيح، وأخرجه الدارقطني في
((سننه)) بلفظ: أرمي بسهمي، فأصيب فلا أقدر عليه إلا بعد يوم، أو
يومين، .... الحديث. قال في ((التنقيح)): إسناده صحيح، وبه قال أحمد:
يباح أكله إذا غاب مطلقاً، وقال مالك: ما لم يَبِتْ، فإذا بات لا يحل، انتهى.
وقال الحافظ في ((الفتح)) (١) تحت حديث عدي: استدل به على أن
(١) ((فتح الباري)) (٦١١/٩).
٧٤

٢٤ - كتاب الصيد
(٢) باب
(٢) باب ما جاء في صيد المعلمات
الرامي لو أخّر طلب الصيد عقب الرمي إلى أن يجده، أنه يحل بالشروط
المتقدمة، ولا يحتاج إلى استفصال عن سبب غيبته عنه، أكان مع الطلب أو
عدمه، لكن يستدل للطلب بما وقع في روايته قال: فيقتفي أثره، فدل على أن
الجواب خرج على حسب السؤال، فاختصر بعض الرواة السؤال فلا يتمسك
فيه بترك الاستفصال.
واختلف في صفة الطلب، فعن أبي حنيفة: إن أَخّر ساعة فلم يطلب لم
يحلّ، وإن اتبعه عقب الرمي فوجده ميتاً حلّ، وعن الشافعية: لا بد أن يتبعه،
وفي اشتراط العدو وجهان: أظهرهما: يكفي المشي على عادته، وقال إمام
الحرمين: لا بد من الإسراع قليلاً ليتحقق صورة الطلب، وعند الحنفية نحو
هذا الاختلاف. انتهى.
(٢) ما جاء في صيد المعلمات
قال الله عز اسمه: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلّ أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم
مِنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِبِينَ تُعَلُّونَهُنَّ مِمَا عَلََّكُمُ اللّهُ فَكُلُواْ مَِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية(١). قال
صاحب (الجلالين)) (٢): وصيد ما علمتم من الكواسب، أي من الكلاب،
والسباع، والطير، و((مكلّبين)) حال من تاء ((علمتم)) مأخوذ من كلّبت الكلب
بالتشديد، أي: أرسلته على الصيد، تعلمونهن أي: تؤدبوهن مما علمكم الله
من آداب الصيد، انتهى بزيادة من ((الجمل)).
وقال الرازي في ((التفسير الكبير))(٣): في الآية قولان: الأول: أن فيهما
إضماراً، والتقدير: أحلّ لكم الطيبات، وصيد ما علمتم من الجوارح، فحذف
(١) سورة المائدة: الآية ٤.
(٢) (ص١٣٦).
(٣) (١١/ ١٤٢).
٧٥

٢٤ - كتاب الصيد
(٢) باب
الصيد، وهو مراد في الكلام لدلالة الباقي عليه، وهو قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَآ أَمْسَكْنَ
عَلَيَّكُمْ﴾، الثاني: أن يقال: وما علّمتم من الجوارح ابتداء كلام، وخبره هو
قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وعلى هذا يصح الكلام من غير حذف وتقدير،
انتھی .
ثم في الآية عدة أبحاث فقهية، منها: المراد بالجوارح، قال ابن رشد في
((البداية))(١): والآلات التي يصاد بها، منها: ما اتفقوا عليها في الجملة،
ومنها: ما اختلفوا فیھا، وفي صفاتها، وهي ثلاث: حيوان جارح، ومحدّد،
ومثقل، أما الحيوان الجارح فالاتفاق فيه، والاختلاف فيه منه متعلق بالنوع
والشرط، ومنه ما يتعلق بالشرط، فأما النوع الذي اتفقوا عليه فهو الكلاب ما
عدا الكلب الأسود، فإنه كرهه قوم منهم الحسن البصري، وإبراهيم النخعي،
وقتادة، وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً، وبه قال
إسحاق، وأما الجمهور فعلى إجازة صيده إذا كان معلماً .
وأما الذي اختلفوا فيه من أنواع الجوارح فيما عدا الكلب جوارح
الطيور، والحيوانات، فمنهم من أجاز جميعها إذا عُلِّمَتْ حتى السنور، كما
قال ابن شعبان، وهو مذهب مالك، وأصحابه، وبه قال فقهاء الأمصار، وهو
مروي عن ابن عباس: أن ما قبل التعليم من جميع الجوارح فهو آلة الذكاة
الصيد، وقال قوم: لا اصطياد بجارح ما عدا الكلب، لا باز، ولا صقر، ولا
غير ذلك، إلا ما أدركت ذكاته، وهو قول مجاهد، واستثنى بعضهم من الطيور
الجارحة البازيَّ فقط، فقال: يجوز صيده وحده، انتهى.
وقال الرازي في ((التفسير الكبير))(٢): نقل عن ابن عمر، والضحاك،
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٥٥/١).
(٢) (١٤١/١١).
٧٦

٢٤ - كتاب الصيد
(٢) باب
والسدي أن ما صاده غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله، وزعم
الجمهور أن قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ يدخل فيه كل ما يمكن
الاصطياد به كالفهد، والسباع من الطير، كالشاهين، والباشق، والعقاب، وقال
الليث: سئل مجاهد عن الصقر، والبازي، والعقاب، والفهد، وما يصاد به من
السباع؟ فقال: هذه كلها جوارح، انتهى.
قلت: ما حكى ابن رشد عن مجاهد لعله قول له، وإلا فالأكثر على ما
قاله الرازي، ففي ((أحكام القرآن))(١) للجصاص: روى معمر عن ليث، سئل
مجاهد عن البازي، والفهد، وما يصاد به من السباع؟ فقال: هذه كلها
جوارح، وروى ابن جريج، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ قال:
الطير، والكلاب، ثم قال الجصاص: قال أصحابنا، ومالك، والثوري،
والأوزاعي، والليث، والشافعي: ما علَّمْتَ من كل ذي مخلب من الطير، وذي
ناب من السباع فإنه يجوز صيده، وظاهر الآية يشهد لهذه المقالة؛ لأنه أباح
صيد الجوارح، وهو مشتمل على جميع ما يجرح بناب أو بمخلب، انتهى.
وقال الموفق(٢): ما أدرك ذكاته من الصيد، فلا يشترط في إباحته سوى
صحة التذكية، وأما ما قتل الجارح فيشترط في إباحته شروط سبعة: أحدها: أن
يكون الصائد من أهل الذكاة، الثاني: أن يُسَمِّيَ عند إرسال الجارح، الثالث:
أن يرسل الجارحة على الصيد، فإن استرسلت بنفسها فقتلت لم يُبَحْ، والرابع:
أن يكون الجارح معلماً، ولا خلاف في اعتبار هذا الشرط، والخامس: أن لا
يأكل من الصيد، والسادس: أن يجرح الصيد، فإن خنقه، أو قتله بصدمته لم
يبح، والسابع: أن يرسله على صيد فإن أرسله وهو لا يرى شيئاً، ولا يحس
به، فأصاب صيداً لم يبح، وكل ما يقبل التعليم ويمكن الاصطياد به من سباع
(١) (٣١٤/٢).
(٢) ((المغني)) (٢٥٧/١٣ - ٢٦٧).
٧٧

٢٤ - كتاب الصيد
(٢) باب
البهائم كالفهد، أو جوارح الطير، فحكمه حكم الكلب في إباحة صيده.
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾: هي الكلابُ
المعلمةُ، وكلُّ طير تَعَلَّمَ الصيدَ، والفهودُ والصقورُ وأشباهُها. وبمعناه قال
طاووس، ويحيى بن أبي كثير، والحسن، ومالك، والشافعي، والثوري،
وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وحكي عن ابن عمر، رضي الله
عنهما، ومجاهد: أنه لا يجوز الصيد إلا بالكلب.
ثم قال الموفق: ولا يؤكل ما صيد بالكلب الأسود إذا كان بهيماً؛ لأنه
شيطان، والبهيم: الذي لا يخالط لونه لونٌّ سواه، قال أحمد: الذي ليس فيه
بياض. قال ثعلب، وإبراهيم الحربي: كل لون لم يخالطه لونٌ آخرُ بهيم، قيل
لهما: من كل لون؟ قالا: نعم، وممن كره صيده الحسن، والنخعي، وقتادة،
وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه، يعني من السلف، وأباح صيده
أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، لعموم الآية والخبر، انتهى.
ومن الأبحاث في الآية، المراد من التعليم، قال ابن رشد(١): اختلفوا في
صفة التعليم، وشروطه، فقال قوم: التعليم ثلاثة أصناف: أحدها: أن تدعو
الجارح فيجيب، الثاني: أن تشليه فينشلي، والثالث: أن تزجره فيزدجر، ولا
خلاف بينهم في اشتراط هذه الثلاثة في الكلب، وإنما اختلفوا في اشتراط
الانزجار في سائر الجوارح، واختلفوا أيضاً هل من شرطه أن لا يأكل الجارح؟
فمنهم من اشترطه على الإطلاق، ومنهم من اشترطه في الكلب فقط، وقول
مالك: إن هذه الشروط الثلاثة شرط في الكلاب وغيرها، وقال ابن حبيب من
أصحابه: ليس يشترط الانزجار فيما ليس يقبل ذلك من الجوارح مثل البزاة،
والصقور، ومذهب مالك أنه ليس من شرط الجارح لا كلب ولا غيره أن لا
یأکل، انتھی.
(١) ((بداية المجتهد)) (٤٥٧/١).
٧٨

٢٤ - كتاب الصيد
(٢) باب
وقال الموفق(١): يعتبر في تعليم الجارح ثلاثة شروط: إذا أرسله
استرسل، وإذا زجره انزجر، وإذا أمسك لم يأكل. انتهى. وتقدم في الشرط
الخامس من الشروط السبعة من كلام الموفق: أن لا يأكل من الصيد، قال:
فإن أكل منه لم يُبَحْ في أصح الروايتين، ويروى ذلك عن ابن عباس، وأبي
هريرة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، وعَدّ جماعة سيأتي أسماؤهم قريباً، ثم
قال: والرواية الثانية: يباح، روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وسلمان،
وأبي هريرة، وابن عمر - رضي الله عنهم - وبه قال مالك، وللشافعي قولان
كالمذهبين، انتهى.
ثم قال(٢): ويشترط في الصيد بالبازي ما يشترط في الصيد بالكلب، إلا
ترك الأكل فلا يشترط، ويباح صيده وإن أكل منه، وبهذا قال ابن عباس، وإليه
ذهب النخعي، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، ونص الشافعي على
أنه كالكلب في تحريم ما أكل من صيده؛ لأن مجالداً روى عن الشعبي، عن
عدي، عن النبي ◌َّر: ((فإن أكل الكلب والبازي فلا تأكل)).
ولنا: إجماع الصحابة، روى الخلّال بإسناده عن ابن عباس قال: إذا
أكل الكلب فلا تأكل من الصيد، وإذا أكل الصقر، فكُلْ، وقد ذكرنا عن أربعة
من الصحابة إباحة ما أكل منه الكلب، وخالفهم ابن عباس فيه، ووافقهم في
الصقر، ولم ينقل عن أحد في عصرهم خلافهم، والخبر لا يصح برواية
مجالد، وهو ضعيف، قال أحمد: مجالد يُصَيِّرُ القصةَ واحدةً، كم من أعجوبة
لمجالد، والروايات الصحيحة تخالفه، انتهى.
وفي ((شرح الإقناع))(٣): شرائط تعليم جارحة السباع والطير أربعة:
(١) ((المغني)) (١٣/ ٢٦٢).
(٢) ((المغني)) (٢٦٦/١٣).
(٣) (٣٠٠/٤).
٧٩

٢٤ - كتاب الصيد
(٢) باب
الأول: أن تكون إذا أرسلت استرسلت، والثاني: إذا زجرت انزجرت،
والثالث: إذا قتلت صيداً لم تأكل من الصيد، والرابع: أن يتكرر هذه الأمور
المعتبرة في التعليم منها، انتهى.
وقال أيضاً: اشتراط جميع هذه الأمور في جارحة السباع والطير هو ما
نص عليه الشافعي، كما نقله البلقيني وغيره، ولم يخالفه أحد من الأصحاب،
وهذا هو المعتمد، وإن كان ظاهر كلام ((المنهاج)) و((الروضة)) يخالف ذلك
حيث خصها بجارحة السباع، وشرط في جارحة الطير ترك الأكل فقط، انتهى.
لكن قال البجيرمي: هذا ضعيف، ويشترط أيضاً أن تهيج عند الإغراء،
وهذا هو المعتمد، ففيها أي: جارحة الطير أمران: ترك الأكل، وأن تهيج عند
الإغراء، انتهى.
وكذا قال صاحب (الجمل)): إن جارحة الطير المعتبر فيها اثنان فقط على
المعتمد، أن لا تأكل، وأن تسترسل بالإرسال، انتهى.
وقال النووي في ((شرح مسلم)) (١): حديث عدي صريح في منع أكل ما
أكل منه الجارحة، وجاء في ((سنن أبي داود)) وغيره بإسناد حسن عن أبي ثعلبة
أن النبي وَ لّ قال له: ((كل وإن أكل منه الكلب))، واختلف العلماء فيه فقال
الشافعي في أصح قوليه: إذا قتلته الجارحة المعلمة من الكلاب، والسباع،
وأكلت منه فهو حرام، به قال أكثر العلماء، منهم ابن عباس إلى آخر ما تقدم
في كلام الموفق.
وزاد داود ثم قال: وقال سعد بن أبي وقاص، وسلمان، وابن عمر،
ومالك: يحل، وهو قول ضعيف للشافعي، واحتج هؤلاء بحديث أبي ثعلبة،
وحملوا حديث عدي على كراهة التنزيه، واحتج الأولون بحديث عدي، وهو
(١) (٧٥/١٣/٧).
٨٠