Indexed OCR Text
Pages 41-60
٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢١) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا ذُبحَ بِهِ، إحداها: هذه، يعني: أيّ الثلاثة كان جاز. والثانية: اشتراط قطع الحلقوم مع الآخرين. والثالثة: اشتراط قطع الحلقوم، والمريء، وأحد الودجين. وعن محمد: يعتبر أكثر كل واحد من الأربعة، وفي ((وجيز الشافعية)): يعتبر قطع الحلقوم، والمريء دون الآخرين، وبه قال أحمد، وعن الإصطخري: أي: يكفي قطع الحلقوم، أو المريء، وفي ((الحلية)): هذا خلاف نص الشافعي، وخلاف الإجماع، انتهى. قال الموفق(١): يعتبر قطع الحلقوم، والمريء وبهذا قال الشافعي، وعن أحمد رواية أخرى: أنه يعتبر مع هذا قطع الودجين، وبه قال مالك، وأبو يوسف لما روى أبو هريرة، قال: ((نهى رسول الله وَّل عن شريطة الشيطان))، وهي التي تذبح، وتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج ثم تترك حتى تموت، رواه أبو داود(٢)، انتهى. وفي ((الهداية)): لأبي حنيفة أن الأكثر يقوم مقام الكل في كثير من الأحكام، وأي ثلاث قطعها، فقد قطع الأكثر منها، وما هو المقصود يحصل منها، وهو إنهار الدم المسفوح، انتهى. (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن سعيد بن المسيب) التابعي الشهير (أنه كان يقول: ما ذبح به) ببناء المجهول على ما في ((التعليق الممجد)) (٣) (١) («المغني)) (٣٠٣/١٣). (٢) أخرجه أبو داود (٢٨٢٦). (٣) (٦٢٩/٢). ٤١ ٢٣ - كتاب الذبائح (٢) باب (١٠٢١) حديث إِذَا بَضَعَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، إِذَا اضْطُرِرْتَ إِلَيْهِ. (إذا بضع) بفتح الموحدة والضاد المعجمة المشددة أو المخففة: قطع، كذا في ((التعليق الممجد)) وهو ببناء المعلوم، والضمير إلى الموصول، وفي ((المجمع)): الباضعة من الشجاج: ما تأخذ في اللحم، أي: تشقه، وتقطعه، وفي ((المحلى)): الذي ذبح به إذا شَقَّ الجلد، وأجرى الدم من حجر، أو خشبة محددة (فلا بأس به إذا اضطررت إليه) ببناء المجهول، قال صاحب ((المحلى)): بأن لم تجد السكين خرج مخرج الغالب؛ لأن الإنسان لا يعدل من المدية ونحوها إلى القضيب، إلا إذا لم يجدها، انتهى. وقال الزرقاني(١): وإلا فالمستحب الحديد المشحوذ لحديث ((وليُحِدَّ شفرته))، انتهى. قال الباجي(٢): قوله: ((ما ذبح به إذا بضع)) على ما قدمناه من أن الآلة يجب أن تكون على صفة تبضع، ولا تكون مما تكسر، أو تهشم الأوداج بقوة دون حدة، ولا يكون مما يبرد كالمنجل المضرس، وأما قوله: ((إذا اضطرت إليه)) دليل على أنه قصد الإخبار عن غير الحديد، وأما الحديد الذي على هذه الحال، فهو الذي يذبح به في حال الاختيار، وإنما شرط الضرورة في الذبح لغير الحديد، أن الحديد المحكم أسرع قطعاً وأقل ألماً. وأيضاً فإنه أخبر عن المعتاد من أحوال الناس بأنه لا يكاد يستعمل شيء من ذلك إلا عند عدم الحديد، وفي ((المدونة)) عن ابن نافع إنما يذبح بذلك إذا لم يوجد غيره، وقال ابن كنانة عن مالك: الشفرة أحبُّ إليّ إذا وجدت، فإذا ذبح مع وجود الشفر جاز، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (١١٤/٣). ٤٢ ٢٣ - كتاب الذبائح (٣) باب (١٠٢٢) حدیث (٣) باب ما يكره من الذبيحة في الذكاة ٧/١٠٢٢ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ: عَنْ شَاةٍ ذُبِحَتْ فَتَحَرَّكَ بَعْضُهَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذُلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَيْتَةَ لَتَتَحَرَّكُ، وَنَهَاهُ عَنْ ذُلِكَ. (٣) ما يكره من الذبيحة في الزكاة يعني: بيان الذبائح التي لا تحلّ بالذكاة أيضاً، وترجم محمد في ((موطئه))(١) على الأثر الأول ((باب الشاة وغير ذلك تُذَكَّى قبل أن تموت)). ٤ ٧/١٠٢٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن أبي مرة) بضم الميم وتشديد الراء، اسمه: يزيد، بتحتية قبل الزاي، ويقال: عبد الرحمن (مولى عقيل) مكبراً (ابن أبي طالب) وقيل: مولى أخته أم هاني كما تقدم في محله (أنه) أي أبا مرة (سأل أبا هريرة عن شاة ذبحت) ببناء المجهول (فتحرك بعضها) أي: رجلها كما في رواية، يعني: تحركت رجلها عند الذبح (فأمره) أبو هريرة (أن يأكلها) أي: جعله مذكاة، وجعل حركة الرجل دليلاً على حياتها عند الذبح. (ثم سأل) أبو مرة (عن ذلك) الأمر (زيد بن ثابت) الصحابي الشهير كاتب الوحي (فقال) زيد (إن الميتة) أيضاً (لتتحرك) فلا يكون التحرك دليلاً على الحياة عند الذبح (ونهاه عن أكلها) وفي المصرية: ((عن ذلك))، والإشارة إلى أكلها قال القاري في ((شرح موطأ محمد)): الشاة كانت مريضة أو مضروبة، وفي ((التعليق الممجد))(٢): هذا مجرد احتمال، والواقعة في المتردّية. ففي رواية عند ابن عبد البر(٣) عن يوسف بن سعد، عن أبي مرة قال: (١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٥٠/٢). (٢) (٦٥٠/٢). (٣) انظر: ((الاستذكار)) (٢٤٥/١٥). ٤٣ ٢٣ - كتاب الذبائح (٣) باب (١٠٢٢) حديث وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَاةٍ تَرَدَّتْ فَتَكَسَّرَتْ، فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَذَبَحَهَا، فَسَالَ الدَّمُ مِنْهَا، وَلَمْ تَتَحَرَّكْ. فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي، كانت عناقٌ كريمةٌ فكرهتُ أن أذبحها، فلم ألبث(١) أن تردّدت فذبحتُها. فركضتُ برجلها، فتحرك بعضها، فأمره أبو هريرة أن يأكلها. انتهى، ولابن أبي شيبة برواية عبد الرحيم بن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي بحرة (٢) مولى عقيل بن أبي طالب قال: رجعت إلى أهلي، وقد كان لهم شاة، فإذا هي ميتة فذبحتها، فتحركت، فأتيت أبا هريرة فذكرت ذلك له، فأمرني بأكلها، ثم أتيت زيد بن ثابت، فذكرت له أمرها، فقال: إن الميت يتحرك. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من الصحابة وافق زيداً على ذلك، وقد خالفه أبو هريرة، وابن عباس، وعليه الأكثر، انتهى. وقال محمد في ((موطئه)) بعد أثر الباب: إذا تحركت تحركاً أكبر الرأي فيه والظن أنها حية أكلت، وإذا كان تحركها شبيهاً بالاختلاج، وأكبر الرأي والظن في ذلك أنها ميتة لم تؤكل. (وسئل) ببناء المجهول (مالك عن شاة تردّت) بتشديد الدال المهملة أي سقطت من علو (فكسرت) من المجرد، وفي نسخة: ((فتكسرت)) من المزيد (فأدركها صاحبها فذبحها فسال) من السيلان (الدم منها) عند الذبح (ولم تتحرك) فهل تؤكل أم لا؟ (فقال مالك: إن كان) الرجل (ذبحها ونفسها) بفتح الفاء (تجري) قال الزرقاني: أي: دمها يسيل، سمى الدم نَفَساً؛ لأن النَفَس التي هي اسم لجملة الحیوان قوامها بالدم، انتهى. وقال الباجي: معنى جريان النفس: تردده على حسب التنفس، فأما (١) في الأصل (فلم ألبس) وهو تحريف. (٢) كذا في الأصل والظاهر أبي مرة اهـ، (ش)). وفي ((المصنف)) أيضاً أبو مرة (٦٣١/٤). ٤٤ ٢٣ - كتاب الذبائح (٤) باب (١٠٢٣) حديث وَهِيَ تَظْرِفُ، فَلْيَأْكُلُهَا . (٤) باب ذكاة ما في بطن الذبيحة ٨/١٠٢٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ خروج الروح من الجسد عند الموت فليس من جريان النفس. انتهى. (وهي) الشاة (تطرف) أي: تحرك بصرها، يقال: طرف البصر كضرب تحرك، وطرف العين نظرها، قاله الزرقاني(١) (فليأكلها) لدلالة هذين الأمرين على حياته. قال الباجي(٢): وإنما يعتبر بما ذكره من النفس الذي يجري، والعين التي تطرف حال الذبح، وقد قال ابن حبيب: إن الحياة تعرف بحركة الرجل، أو الذنب، أو العين تطرف، أو النفس تستفيض في جوفها أو منخرها، فإن هذه الحركات الأربع كان منها عند مر الشفرة على حلقها، يريد مع سيلان الدم في المريضة، فإنها تؤكل، انتهى. وبسط في فروع هذا الباب، وتقدم الكلام على ذكاة المشرفة على الموت في باب ((ما يجوز من الذكاة على حال الضرورة))، وبسط ابن أبي شيبة في ((المصنف))(٣) الآثار في ذلك. (٤) ذكاة ما في بطن الذبيحة وهو الذي يسمى بالجنين. ٨/١٠٢٣ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (١١٦/٣). (٣) انظر: (٤ / ٦٣١، ٦٣٢). ٤٥ ٢٣ - كتاب الذبائح (٤) باب (١٠٢٣) حديث أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا نُحِرَتِ النَّاقَةُ، فَذَكَاةٌ مَا فِي بَطْنِهَا فِي ذَكَاتِهَا. إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ، وَنَبَتَ شَعَرُهُ. فَإِذَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، ذُبحَ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْ جَوْفِهِ. (أنه كان يقول: إذا نحرت) ببناء المجهول (الناقة، فذكاة ما في بطنها) أي: ذكاة جنينها (في ذكاتها) بلفظ ((في)) أولها، أي: كائنة في ذكاتها؛ لأنه جزء منها فذكاتها ذكاة لجميع أجزائها، وليس في رواية محمد في ((موطئه)) لفظ ((في))، بل لفظها: ((فذكاة ما في بطنها ذكاتها)) (إذا كان قد تم خلقه) في أجزائه التي خلقه الله عليها (ونبت شعره) كما سيأتي في الأثر الآتي، (فإذا خرج) الجنين (من بطن أمه ذبح) ببناء المجهول (حتى يخرج الدم من جوفه) أي: جوف الجنين، حمله القاري في ((شرح موطأ محمد)) على خروجه حالة الحياة حيث قال: فإذا خرج من بطنها، أي حياً ذبح اتفاقاً حتى يخرج الدم، أي دم المذابحة من جوفه، أي جوف الجنين الشامل لحلقه وأوداجه، انتهى. وحمله الزرقاني على الندب إذ قال: فإذا خرج من بطن أمه ذبح ندباً، كما يفيده السياق، فذبحه إنما هو لإنقائه من الدم، لا لتوقف الحل عليه، وهذا جاء بمعناه مرفوعاً، روى أبو داود، والحاكم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعاً: ((ذكاة الجنين إذا أشعر ذكاة أمه، ولكنه يذبح حتى ينصابّ ما فيه من الدم))، ويعارضه حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - رفعه: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر)) رواه الدار قطني (١)، لكن فيه مبارك بن مجاهد ضعيف، ولتعارض الحديثين لم يأخذ بهما الشافعية، فقالوا: ذكاة أمه مغنية عن ذكاته مطلقاً، ولا الحنفية فقالوا: لا مطلقاً، ومالك ألغى الثاني لضعفه، وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف، قاله الزرقاني(٢). (١) رواه الدار قطني (٢٧١/٤). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٨٣/٣). ٤٦ ٢٣ - كتاب الذبائح (٤) باب (١٠٢٤) حدیث ٩/١٠٢٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطِ اللَّيْئِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ؛ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ذَكَاةُ مَا فِي بَطْنِ الذَّبِحَةِ، فِي ذَكَاةٍ أُمِّهِ، إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقُهُ، وَنَبَتَ شَعَرُهُ. ٩/١٠٢٤ - (مالك، عن يزيد) بتحتية قبل الزاي (ابن عبد الله بن قسيط) بقاف ومهملتين مصغراً (الليثي) المدني (عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: ذكاة ما في البطن) وفي النسخ المصرية: ((ذكاة ما في بطن الذبيحة)) أي من الجنين كائنة (في ذكاة أمه) وليس في رواية محمد في ((موطئه)) لفظ ((في)) هاهنا أيضاً (إذا كان قد تم خلقه) الذي خلقه الله عليه، قال الباجي(١): يعني كمل منه ما ظهر أنه يكون عليه من الخلقة، وأما لو خلق ناقص يدٍ أو رجلٍ، وتم خلقه على ذلك لم يمنع ما نقص منه من ذكاته وإباحة أكله (ونبت شعره) أي شعر جسده، لا شعر حاجبيه وعينيه. قال الباجي: قال أبو محمد وغيره من أصحابنا: إن الإشعار دليل على نفخ الروح فيه، وما لم ينبت شعره فليس بحي بعد، فلا يستباح بذكاة، وهو مذهب ابن عمر - رضي الله عنهما -، انتهى. قال الخرقي: ذكاتها ذكاة جنينها أشعر أو لم يشعر، قال الموفق(٢): يعني إذا خرج الجنين ميتاً من بطن أمه بعد ذبحها، أو وجده ميتاً في بطنها، أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال، روي هذا عن عمر، رضي الله عنه، وعلي رضي الله عنه، وبه قال الشافعي، وإسحاق، وابن المنذر، وقال ابن عمر، رضي الله عنهما، ذكاته ذكاة أمه إذا أشعر، وروي ذلك عن عطاء، وطاووس، ومجاهد، والزهري، والحسن، وقتادة، ومالك، والليث، والحسن بن صالح، وأبي ثور؛ لأن عبد الله بن كعب بن مالك قال: (١) ((المنتقى)) (١١٧/٣). (٢) ((المغني)) (٣٠٨/١٣). ٤٧ ٢٣ - كتاب الذبائح (٤) باب (١٠٢٤) حديث كان أصحاب رسول الله وَلا يقولون: إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه، وهذا إشارة إلى جميعهم، فكان إجماعاً، وقال أبو حنيفة: لا يحل إلا أن يخرج حياً فيذكى؛ لأنه حيوان ينفرد بحياته، فلا يتذكى بذكاة غيره كما بعد الوضع. ولنا، ما روى أبو سعيد قال: يا رسول الله أحدنا ينحر الناقة، ويذبح البقرة والشاة فيجد في بطنها الجنين أنأكله أم نلقيه؟ قال: ((كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه))، ولأن هذا إجماع من الصحابة ومن بعدهم، فلا يُعَوَّل على ما خالفه، ولأن الجنين متصل بها اتصال خلقه، يتغذى بغذائها، فتكون ذكاته ذكاتها كأعضائها، ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان فیه، والقدرة بدليل الصيد الممتنع، والمقدور عليه، والمتردية، والجنين لا يتوصل إلى ذبحه بأكثر من ذبح أمه، فيكون ذكاته له، واستحب أبو عبد الله أن يذبحه وإن خرج ميتاً ليخرج الدم الذي في جوفه، ولأن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يعجبه أن يريقوا من دمه وإن كان ميتاً، وإن خرج حياً حياة مستقرة يمكن أن يذكى، فلم يُذَكِّه حتى مات فليس بذكي، قال أحمد: إن خرج حياً فلا بد من ذکاته، انتهى. قال الجصاص في ((أحكام القرآن))(١): قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح، وهو قول حماد، وقال أبو يوسف، ومحمد، والشافعي: يؤكل أشعر أو لم يشعر، وهو قول الثوري، وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره يؤكل، وإلا لا، وهو قول سعيد بن المسيب، انتهى. وقال الدردير(٢): ذكاة الجنين يوجد ميتاً بسبب ذكاة أمه تحقيقاً، أو شكاً لا أن كان ميتاً من قبل حاصله بذکاة أمه، إن استوى خلقه، ولو كان ناقص (١) (١١١/١). (٢) ((الشرح الكبير)) (١١٤/٢). ٤٨ ٢٣ - كتاب الذبائح (٤) باب (١٠٢٤) حدیث يد، أو رجل مع نبات شعر جسده، ولو بعضه، لا شعر حاجبه أو رأسه، فلا يعتبر وإن خرج حياً حياة محققة، أو مشكوكة ذكِّي وجوباً، وإلا لم يؤكل إلا أن يبادر لذكاته، فيفوتُ بالموت فيؤكل للعلم أن حياته حينئذ غير معتبرة، انتھی . ودليل من قال بالحل مطلقاً أو مقيداً ((ذكاة الجنين ذكاة أمه))، رواه أحد عشر نفساً من الصحابة: أبو سعيد الخدري، وجابر، وأبو هريرة، وابن عمر، وأبو أيوب، وابن مسعود، وابن عباس، وكعب بن مالك، وأبو أمامة، وأبو الدرداء، وعلي - رضي الله عنهم -. لخص صاحب ((التعليق الممجد))(١) تخريج أحاديثهم عن ((البناية)) وقال: قال ابن المنذر: لم يرو عن أحد من الصحابة، والتابعين، وغيرهم أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة إلا عن أبي حنيفة، ولا أحسب أصحابه وافقوه، وفيه نظر، فقد وافقه من أصحابه زفر، والحسن، وشيخ شيخه إبراهيم النخعي، واختار هذا القول أيضاً ابن حزم الظاهري، وقال: لا يترك القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ بالخبر المذكور، انتهى. قلت: وبسط تخريج هذه الروايات كلها الزيلعي في (نصب الراية))(٢) وقال: قال عبد الحق في ((أحكامه)): هذا حديث لا يحتج بأسانيده كلها، وأقره ابن القطان علیه، انتهى. وقال الباجي المالكي: قد تعلق أصحابنا في ذلك بأحاديث ليست بصحاح ولا تثبت. انتهى. وضعفها الجصاص في ((أحكام القرآن))، وفي ((البذل))(٣) قال الإمام السرخسي في ((مبسوطه)): استدل أبو حنيفة بقوله تعالى: (١) (٦٤٥/٢). (٢) (١٨٩/٤ - ١٩٢). (٣) ((بذل المجهود)) (٦٩/١٣). ٤٩ ٢٣ - كتاب الذبائح (٤) باب (١٠٢٤) حديث ﴿وَالْمُنْخَيِقَةُ﴾ فإن أحسن أحواله أن يكون حياً عند ذبح الأم، فيموت باحتباس نفسه، وهذا هو المنخنقة، وقال - عليه السلام - لعدي بن حاتم: ((إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك))، فقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الحياة، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا يدري أنه مات بذبح أمه، أو باحتباس نفسه. وعَلَّلَ إبراهيم، فقال: ((ذكاة نفس لا تكون ذكاة نفسين)). أخرجه محمد في ((موطئه))(١)، ومعنى هذا أن الجنين في حكم الحياة نفس على حدة مودعة في الأم، حتى ينفصل حياً فيبقى، ولا يتوهم بقاء الجزء حياً بعد الانفصال، وكذلك بعد موت الأم يتوهم انفصال الجنين حياً، ولا يتوهم بقاء حياة الجزء بعد موت الأصل، والذكاة تصرف في الحياة، فإذا كان في حكم الحياة نفساً على حدة، فيشترط فيه ذكاة على حدة. وحقيقة المعنى فيه أن المطلوب بالذكاة تسييل الدم لتمييز الطاهر من النجس، وبذبح الأم لا يحصل هذا المقصود في الجنين، والمراد بالحديث التشبيه لا النيابة، أي ذكاة الجنين كذكاة أمه، ألا ترى أنه ذكر الجنين أولاً، ولو كان المراد النيابة لذكر النائب أولاً، دون المنوب عنه، ومثل هذا يذكر للتشبيه، يقال: فلان شبه أبيه، وحظ فلان حظ أبيه، وقال القائل: وعيناك عيناها وجيدك جيدها سوى أن عظم الساق منك دقيق ويصح هذا التأويل في الرواية بالنصب، فإن المنزوع حرف الكاف، وقال الله تعالى: ﴿وَهِىَ تَمُرُّ مَزَ السَّحَابِ﴾ أي كمرّ السحاب، ويحتمل الباء أيضاً، أي بذكاة أمه، لكن إن جعلنا المنزوع حرف الكاف لم يحل الجنين، وإن جعلناه حرف الباء يحلّ، ومتى اجتمع الموجب للحل والموجب للحرمة، يغلب الموجب للحرمة، وحديث أبي سعيد الخدري: أن قوماً سألوا (١) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٦٤٦/٢). ٥٠ ٢٣ - كتاب الذبائح (٤) باب (١٠٢٤) حديث رسول الله وَله، فقالوا: إنا ننحر الجزور .... الحديث، لا يكاد يصح، ولو ثبت فالمراد من قولهم فيخرج من بطنها جنين ميت، أي مشرف على الموت، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ (٣)﴾ ومعنى قوله ◌َّ: ((كلوه إن شئتم)) أي: اذبحوه وکلوه، انتهى باختصار وزيادة. واستدل صاحب ((البدائع))(١) بقوله عز اسمه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَّمُ﴾ الآية أيضاً، والجنين فيه دم، ولذا إذا جرح يسيل منه الدم، وهو حرام، لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَمَا تَسْفُوحًا﴾، ولا يمكن التمييز بين دمه ولحمه، فيحرم اللحم أيضاً، انتهى. وقال ابن رشد في ((البداية))(٢): سبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الأثر المروي في ذلك من حديث أبي سعيد مع مخالفته للأصول، فلم يصححه بعضهم، وصححه بعضهم، وأحد من صححه الترمذي، وأما مخالفة الأصل في هذا الباب للأثر، فهو أن الجنين إذا كان حياً ثم مات بموت أمه، فإنما يموت خنقاً، فهو من المنخنقة التي ورد النص بتحريمها، وإلى تحريمه ذهب محمد بن حزم، ولم يرض سند الحدیث، انتهى. وقال الشوكاني في ((النيل))(٣): ظاهر الحديث أنه يحل بذكاة الأم الجنين مطلقاً، سواء خرج حياً أو ميتاً، فالتفصیل ليس عليه دلیل، انتهى. فيلزم ذلك القائلين بكفاية الذكاة في الجنين بذكاة أمه، وقيدوه بالميت، ومن حمل الحديث على التشبيه لا يلزمه ذلك، واستدل الدميري لأبي حنيفة بقوله وَى: ((أحلت لنا الميتتان السمك والجراد)) وهذه ميتة ثالثة. (١) ((بدائع الصنائع)) (١٥٨/٤). (٢) ((بداية المجتهد)) (٤٤٢/١). (٣) ((نيل الأوطار)) (١٦٥/٨/٤). ٥١ ٢٤ - كتاب الصيد بسم الله الرحمن الرحيم ٢٤ - كتاب الصيد (٢٤) كتاب الصيد أصل الصيد مصدر، ثم أطلق على المصيد، قال عز اسمه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ الآية، و﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، وقال الراغب: الصيد مصدر صاد، وهو تناول ما يظفر به مما كان ممتنعاً، وفي الشرع: تناول الحيوانات الممتنعة ما لم يكن مملوكاً، وقد يسمى المصيد صيداً، انتهى. في ((الدر المختار))(١): الصيد مباح بخمسة عشر شرطاً مبسوطة في ((العناية))، قال ابن عابدين: خمسة في الصائد: أن يكون من أهل الذكاة، وأن يوجد منه الإرسال، وأن لا يشاركه في الإرسال من لا يحل صيده، وأن لا يترك التسمية عامداً، وأن لا يشتغل بين الإرسال والأخذ بعمل آخر. وخمسة في الكلب: أن يكون معلماً، وأن يذهب على سنن الإرسال، وأن لا يشاركه في الأخذ ما لا يحلّ صيده، وأن يقتله جرحاً، وأن لا يأكل منه . وخمسة في الصيد: أن لا يكون من الحشرات، وأن لا يكون من بنات الماء إلا السمك، وأن يمنع نفسه بجناحه أو قوائمه، وأن لا يكون متقوّياً بنابه أو بمخلبه، وأن يموت بهذا قبل أن يصل إلى ذبحه. انتهى. وفي بعضها خلاف كما سيأتي في أثناء شرح الأحاديث. بسم الله الرحمن الرحيم هكذا في جميع النسخ التسمية بعد الكتاب. (١) (٣٣٤/٥). ٥٢ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٥) حديث (١) باب ترك أكل ما قتل المعراض والحجر ١/١٠٢٥ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، أَنَّهُ قَالَ: رَمَيْتُ طَائِرَیْنِ بِحَجٍَ (١) ترك أكل ما قتل المعراض والحجر المعراض بكسر الميم وسكون العين المهملة فراء فألف فصاد معجمة، قال النووي: خشبة ثقيلة، أو عصا في طرفها حديد، وقد يكون بغير حديد، هذا هو الصحيح في تفسيره، وفي ((القاموس)): المعراض: سهم بلا ريش، دقيق الطرفين، غليظ الوسط، يصيب بعرضه دون حده، وقال ابن دقيق العيد: عصا رأسها محدّد. وفي ((الفتح)) (١): قال الخليل: سهم لا ريش له، ولا نصل، وقال ابن دريد، وتبعه ابن سيده: سهم طويل له أربع قذذ رقاق؛ فإذا رمي به اعترض، وقال الخطابي: المعراض نصل عريض، له ثقل ورزانة، وقيل: عود رقيق الطرفين، غليظ الوسط، وهو المسمى بالحذاقة، وقيل: خشبة ثقيلة آخرها عصا محدّد رأسها، وقد لا يحدد، وقوّى هذا الأخير النووي، تبعاً لعياض، وقال القرطبي: إنه المشهور، وقال ابن التين: المعراض عصا في طرفها حديدة يرمي بها الصائد الصيد، فما أصاب بحده فهو ذكي، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ. انتهى، وسيأتي اختلافهم في صيد المعراض قريباً. ١/١٠٢٥ - (مالك، عن نافع أنه قال: رميت طيرين) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: ((طائرين))(٢) (بحجر) قال الباجي(٣): يحتمل أن يكون خرج متصيداً، فرماهما في حال تصيده، ويحتمل أن يكون جالساً في مقعده، أو متصرفاً في بعض (١) (فتح الباري)) (٦٠٠/٩). (٢) كذا في ((الاستذكار)) (٢٦١/١٥). (٣) ((المنتقى)) (١١٨/٣). ٥٣ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٥) حديث وَأَنَا بِالْجُرْفِ، فَأَصَبْتُهُمَا، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَمَاتَ، فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، شأنه حتى رآهما ممكنين فرماهما، فأما الخروج للصيد فإن كان على وجه الالتذاذ به، فقد كرهه مالك، لأنه معنى يلهي ذكر الله، وعن الصلاة، وأما من اتخذه مكسباً، أو قرم إلى اللحم، غنياً كان أو فقيراً فلا بأس به، رواه ابن حبيب، عن مالك، وفي ((العتبية)) عن مالك: لا أرى لأحد صيد البر إلا لأهل الحاجة الذين عيشهم ذلك، وأما صيد البحر، ففي ((العتبية)) عن ابن القاسم: أن صيد البحر، والحيتان عندي أخفُّ لذوي المروءات، والمال من صيد البر، انتهى. (وأنا بالجرف) بضم الجيم وضم الراء وسكونها آخره فاء قراءتان سمعيتان، قال ياقوت الحموي(١): الجرف ما تجرفته السيول، فأكلته من الأرض، وموضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، وبه كانت أموال لعمر بن الخطاب، ولأهل المدينة، والجرف أيضاً موضع بالحيرة، وموضع بقرب مكة، وموضع بنواحي اليمامة، وموضع بالیمن، انتهى. (فأصبتهما) قال الباجي(٢): يحتمل أن يكون رمى الطائرين بحجر واحد، وقصد إلى إصابتهما به، ويحتمل أن يكون رمى كل واحد منهما بحجر غير الحجر الذي رمى به الآخر؛ فيكون معنى قوله: ((بحجر))، أي: هذا الجنس، ويحتمل أن يكون رمى به أحدهما فأصابه؛ ثم أخذ ذلك الحجر فرمى به الطير الثاني فأصابه، انتھی. (فأما أحدهما فمات) قبل ذبحه (فطرحه) أي: رماه وألقاه (عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - قال الباجي: يريد أنه مات بنفس الضربة أو قبل إدراكه، فهذا قد فاتت فيه الذكاة. (١) ((معجم البلدان)) (١٢٨/٢). (٢) ((المنتقى)) (١١٨/٣). ٥٤ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٦) حديث وَأَمَّا الآخَرُ فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُذَكِّيهِ بِقَدُومٍ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهُ، فَطَرَحَهُ عَبْدُ اللَّهِ أَيْضاً. ٢/١٠٢٦ - وحدّثني عَنْ مَالكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ (وأما الآخر فذهب عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (يذكيه) أي أخذ في ذبحه (بقدوم) بالتخفيف كرسول آلة النجار مؤنثة. قال ابن السكيت: لا تشدد؛ وجعل ابن الأنباري التشديد من خطأ العامة؛ لكن قال الزمخشري وتبعه المطرزي: القدوم: المنحات خفيفة، والتشديد لغة، قاله الزرقاني(١)، وفي ((مختار الصحاح)): القدوم التي ينحت بها مخففةٌ (فمات) أيضاً (قبل أن يذكيه) يحتمل أن يكون فاتت ذكاته لتأخير ذلك مع التمكن من تعجيلها، أو يكون فات، لأنه لم يتمكن من الذكاة فيه لسرعة موته، وأياً ما كان لم يكن بداً من ذكاته لرميه إياه بحجر (فطرحه عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أيضاً) أي رمى الآخر أيضاً . قال محمد في ((موطئه))(٢) بعد هذا الأثر: وبهذا نأخذ، ما رمي به الطير فقتل به قبل أن تدرك ذكاته لم يؤكل، إلا أن يخزق أو يُبَضَّع، فإذا خزق أو بضّع فلا بأس بأكله، انتهى. قال الخرقي: لا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر؛ لأنه موقود. قال الموفق(٣): يعني الحجر الذي لا حَدَّ له، فأما المحدد كالصوان فهو كالمعراض إن قتل بحده أبيح، وإن قتل بعرضه، أو ثقله فهو وقيذ لا يباح، وهذا قول عامة الفقهاء، انتهى. ٢/١٠٢٦ - (مالك، أنه بلغه) ووصله ابن أبي شيبة كما سيأتي (أن (١) ((شرح الزرقاني)) (٨٥/٣). (٢) انظر: ((التعليق الممجد)) (٦٥٠/٢). (٣) ((المغني)) (٢٩٥/١٣). ٥٥ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٦) حديث القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ كَانَ يَكْرَه مَا قَتَلَ الْمِعْرَاضُ والبُنْدُقَةُ. القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه (كان يكره ما قتل المعراض) بكسر الميم وسكون العين، كما تقدم (والبندقة) بضم الباء الموحدة وسكون النون، طينة مدورة مجففة يرمى بها عن الجلاهق، وهو بضم الجيم وتخفيف اللام وكسر الهاء وبالقاف، اسم لقوس البندق، كذا في ((العيني))، وهكذا قال ابن عابدين: إنها طينة مدورة يرمى بها، انتهى. وكذا في ((حواشي الهداية)) وهكذا في ((المجمع)) ولفظه: البندقة بضم موحدة ومهملة: طينة مدورة ومجففة يرمى بها عن الجلاهق، وهو قوس، وقال أيضاً: هو بضم جيم وخفّة لام وکسرها قوس البندقة، انتهى. وقال الحافظ(١): الجلاهقة بضم الجيم وتشديد اللام وكسر الهاء بعدها قاف هي البندقة بالفارسية، والجمع جلاهق، انتهى. وحكاه العيني عنه، ثم قال: المشهور في لسان الفارسية أن اسم البندقة كل كمان، انتهى. وفي ((نفائس اللغات)): غلة بضم أولها وفتح الثانية مشددة آخرها هاء كلوله ومهره: يرمي بها عن القوس، يقال لها بالعربية البندقة، وغليل بضم الأول وكسر الثاني وسكون التحتانية آخرها لام: قوس يرمي بها كَلوله، ومهره، يقال لها بالعربية: الجلاهق وقوس البنادق، انتهى معرباً. والظاهر أن الجلاهق يطلق على القوس والبندقة كليهما، وأخرج ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٢) عن عبد الوهاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، عن القاسم، وسالم أنهما كانا يكرهان البندقة إلا ما أدركت ذكاته، وعلق البخاري في ((صحيحه)) قال ابن عمر - رضي الله عنهما - في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة، وكره ذلك سالم، والقاسم، ومجاهد، وإبراهيم، وعطاء، والحسن، (١) ((فتح الباري)) (٦٠٤/٩). (٢) (٦١٩/٤). ٥٦ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٦) حديث وكره الحسن رمي البندقة في القرى والأمصار، ولا يرى بها بأساً فيما سواه، انتھی. وفي ((المنتقى)) عن إبراهيم، عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله وَله: ((إذا رميت فسميت فخزقت فكُلْ، وإن لم تخزق فلا تأكُلْ، ولا تأكل من المعراض إلا ما ذَكَّيْت، ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت))، رواه أحمد، وهو مرسل، إبراهيم لم يلق عدياً، انتهى. وقال الخرقي: لا يؤكل ما قتل بالبندق أو الحجر، لأنه موقوذ، قال الموفق(١): يعني الحجر الذي لا حد له، فأما المحدد كالصوان، فهو كالمعراض إن قتل بحده أبيح، وإن قتل بعرضه أو ثقله، فهو وقيذ لا يباح. وهذا قول عامة الفقهاء، وقال ابن عمر رضي الله عنهما في المقتولة بالبندقة: تلك الموقوذة، وكره ذلك سالم، والقاسم، ومجاهد، ومالك، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، ورخص فيما قتل بها ابنُ المسيب، وروي أيضاً عن عمار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. ولنا قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾. وروى سعيد بإسناده عن إبراهيم، عن عدي مرفوعاً: ((ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت))، إذا ثبت هذا فسواء شدخه أو لم يشدخه، حتى لو رماه ببندقة، فقطعت حلقومَ طائرٍ مريتَه أو أطارت رأسه لم يحل، وكذلك إن فعل ذلك بحجر غير محدد، انتهى. وفي الهداية(٢): لا يؤكل ما أصابه البندقة فمات بها؛ لأنها تدق وتكسر، ولا تجرح، فصار كالمعراض إذا لم يخزق، انتهى. ولا يذهب عليك أن ما ذكر من حكم البندقة، واتفاق عامة الفقهاء عليه (١) ((المغني)) (٢٩٥/١٣). (٢) (٣٠٨/٢). ٥٧ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٧) حديث ٣/١٠٢٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّب كَانَ يَكْرَهُ أَنْ تُقْتَلَ الْإِنْسِيَّةُ هو حكم بندقة الطين يقال لها بالهندية: غلة وغليلة، وأما بندقة الرصاص أو الآنك المعروفة بزماننا ببندوق أو چهره فلم تكن في هذا الزمان حادثة بعده، ومختلفة بين الفقهاء في حل الذكاة بها . قال الدردير (١) تحت قول المصنف في شرط الذكاة ((بسلاح محدد)): احترز به عن نحو العصا والبندق، أي البرام الذي يرمى بالقوس، وأما الرصاص فيؤكل به؛ لأنه أقوى من السلاح كذا اعتمده بعضهم، قال الدسوقي: الحاصل أن الصيد ببندق الرصاص لم يوجد فيه نص للمتقدمين لحدوث الرمي به بحدوث البارود في وسط المائة الثامنة. واختلف فيه المتأخرون، فمنهم من قال بالمنع قياساً على بندق الطين، ومنهم من قال بالجواز كأبي عبد الله القوري، وابن غازي، والشيخ المنجور، وعبد الرحمن الفاسي، والشيخ عبد القادر الفاسي لما فيه من الإنهار والإجهاز بسرعة الذي شرعت الذكاة لأجله، وقياسه على بندق الطين فاسد لوجود الفارق، وهو وجود الخرق والنفوذ في الرصاص تحقيقاً، وعدم ذلك في بندق الطين، وإنما شأنه الرض والكسر، فهو من الوقذ المحرم بنص القرآن. انتهى. وقال ابن عابدين(٢) من فقهاء الحنفية: ولا يخفى أن الجرح بالرصاص إنما هو بالإحراق، والثقل بواسطة اندفاعه العنيف إذ ليس له حدٍّ فلا يحل، وبه أفتی ابن نجیم. انتھی. ٣/١٠٢٧ - (مالك، أنه بلغه أن سعيد بن المسيب) التابعي الشهير (كان يكره أن يقتل الإنسية) بكسر الهمزة وسكون النون، أي الأهلية ضد الوحشية، (١) ((الشرح الكبير)) (١٠٣/٢). (٢) ((رد المحتار)) (٦٩/١٠). ٥٨ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٧) حديث بِمَا يُقْتَلُ بِهِ الصَّيْدُ مِنَ الرَّمْىِ وَأَشْبَاهِهِ . أي الأهلية التي تألف البيوت (بما يقتل) ببناء المجهول (به الصيد من الرمي وأشباهه) أي أمثال الرمي من آلات الصيد والجوارح، والمعنى: لا يؤكل بالعقر حتى يذبح، وبإطلاقه قال مالك، وربيعة، والليث، وحمله الأئمة الثلاثة، والجمهور على ما لم تتوحش، أما إذا توحشت الإنسية صارت في حكم الصيد. قال الباجي(١): قوله: ((كان يكره أن تقتل الإنسية)) هذا لا يخلو من أحد حالين: أحدهما: حال إمكانهما، والثاني: حال امتناعها بالتوحش، فأما في حال إمكانها فلا خلاف في ذلك، وأما في حال امتناعها بالتوحش فقد قال مالك، وأصحابه: لا يجوز ذلك فيها، وإنما يجوز أن يحبس بالرمي، والطعن، والضرب، وغير ذلك من العرقبة وغيرها، ما لم تنفذ بشيء من ذلك المقاتل. وقال أبو حنيفة: يجوز، وحكمها حكم الصيد، والدليل على ما نقوله أن هذا حكم ثبت لبهيمة الأنعام، فلم يخرج عنه بالتوحش، أصل ذلك وجوب الزكاة فيها، وإجزاؤه لها في الضحايا، أما ما يتأنس من الوحش، ثم استوحش، فإنه يرجع إلى أصله، فيحل أكله بالصيد، قاله مالك، انتهى. وقال الموفق(٢): إذا ندّ بعير، فلم يقدر عليه، فرماه بسهم، أو نحوه مما يسيل به دمه فقتله أكل، وكذلك إن تردّى في بئر، فلم يقدر على تذکیته، فجرحه في أي موضع قدر عليه فقتله أكل، إلا أن تكون رأسه في الماء فلا يؤكل، لأن الماء يعين على قتله، هذا قول أكثر الفقهاء، روي ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وبه قال مسروق، والأسود، والحسن، وعطاء، وطاووس، وإسحاق، والشعبي، والحكم، وحماد، (١) ((المنتقى)) (١٢١/٣). (٢) («المغني)) (٢٩١/١٣). ٥٩ ٢٤ - كتاب الصيد (١) باب (١٠٢٧) حديث والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأبو ثور، وقال مالك: لا يجوز أكله إلا أن یذکی، وهو قول ربيعة، والليث. وقال أحمد: لعل مالكاً لم يسمع حديث رافع بن خديج، واحتج لمالك بأن الحيوان الإنسي إذا توحّش لم يثبت له حكم الوحشى، بدليل أنه لا يجب على المحرم الجزاء بقتله، ولا يصير الحمار الأهلي مباحاً إذا توحش. ولنا، ما روى رافع بن خديج قال: كنا مع النبي ◌َّر فندّ بعير، وكان في القوم خيل يسيرة، فطلبوه فأعياهم فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله، فقال النبي ◌َ *: ((إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا))، وفي لفظ: ((فما ندّ عليكم فاصنعوا به هكذا)). متفق عليه. وحَرِبَ(١) ثور في بعض دور الأنصار، فضربه رجل بالسيف، وذكر اسم الله عليه، فسئل عنه علي - رضي الله عنه - فقال: ذكاة وَحِيَّة (٢) فأمرهم بأكله، وتردّى بعير في بئر، فذُكِّي من قبل شاكلته، فبيع بعشرين درهماً، فأخذ ابن عمر - رضي الله عنهما - عشره بدرهمين، ولأن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه، لا بأصله، بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت تذكيته في الحلق واللبة، انتهى. وترجم البخاري في ((صحيحه)): ((باب ما ندّ من البهائم فهو بمنزلة الوحش)) وأجازه ابن مسعود، وقال ابن عباس: ما أعجزك من البهائم مما في يديك فهو كالصيد، وفي بعير تردّى في بئر من حيث قدرت عليه فذَكِّه، ورأى ذلك علي وابن عمر، وعائشة - رضي الله عنهم -، ثم أخرج البخاري حديث رافع المذكور. (١) بكسر الراء: اشتد غضبه. (٢) بكسر الحاء وفتح الياء المشددة: الوحيّ، على فَعِيلٍ: السريع، يقال: موتٌ وحيٍّ، كذا في ((مختار الصحاح)) اهـ. ((ش)). ٦٠