Indexed OCR Text
Pages 621-640
٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٦) باب (١٠٠٨) حديث قال العيني على ((الكنز)): قوله: إن فعل كذا فهو كافر، أو يهودي، أو نصراني يكون يميناً، وتجب الكفارة على الحنث؛ لأن حرمة الكفر كحرمة هتك الاسم، وقال الشافعي: لا يكون يميناً؛ لأنه حلف بغير الله، وبه قال مالك في قوله: كافر، وإن قال: إن فعل كذا فهو زانٍ، أو شاربُ خمرٍ، لا يكون يميناً بالإجماع، انتهى. وفي ((الهداية)) (١): إن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي، أو نصراني، أو كافر يكون يميناً، قال ابن الهمام: فإذا فعله لزمه كفارة يمين، قياساً على تحريم المباح؛ فإنه يمين بالنص، وذلك أنه ◌ّ حَرَّم ماريةَ على نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتُهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَ اَللَّهُ لَكٌ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾ ووجه الإلحاق أنه لما جعل الشرط، وهو فعل كذا عَلَماً على كفره، ومعتقد حرمته، فقد اعتقده أي الشرط واجب الامتناع، فكأنه قال: حرمت على نفسي فعل كذا كدخول الدار، ولو قال مثلاً: دخول الدار عليّ حرام كان يميناً، فكان تعليق الكفر ونحوه على فعل مباح يميناً إذا عرف هذا، فلو قال ذلك لشيء قد فعله كأن قال: إن كنت فعلت ذلك فهو كافر، وهو عالم أنه فعله، فهي يمين الغموس، لا كفارة فيها إلا التوبة. وهل يكفر حتى تكون التوبة اللازمة عليه، التوبة من الكفر، وتجديد الإسلام؟ قيل: لا، وقيل: نعم، والصحيح أنه إن كان يعلم أنه يمينٌ فيه الكفارةُ لا يُكَفِّرُ، وإن كان في اعتقاده أنه يَكْفُرُ به، يُكَفِّر؛ لأنه رضي بالكفر حيث أقدم على الفعل الذي علّق عليه كفره، وهو يعتقد أنه يكفر إذا فعله، وما في (الصحيحين)) من قوله وَّر: ((من حلف على يمين بملة غير الإسلام كاذباً متعمداً فهو كما قال)). (١) (٣١٩/١). وانظر: ((فتح القدير)) (٣٦٢/٤). ٦٢١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث (٧) باب ما تجب فيه الكفارة من الأيمان ١١/١٠٠٩ - حدّثني يَحْيَى، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِيهِ، فهذا يتراءى أعمّ من أن يعتقده يميناً أو كفراً، والظاهر أنه أخرج مخرج الغالب فإن الغالب، ممن يحلف بمثل هذا أن يكون من أهل الجهل، لا من أهل العلم والخير، وهؤلاء لا يعرفون إلا لزوم الكفر على تقدير الحنث، فإن تم هذا، وإلا فالحديث شاهد لمن أطلق القول بكفره، انتهى. وفي ((المبسوط)) السرخسي: كان محمد بن مقاتل يقول: يُكَفِّرُ لأنه علق كفره بما هو موجود، والتعليق بالموجود تنجيز، فكأنه قال: هو كافر، وعن أبي يوسف: أنه لا يُكَفِّرُ اعتباراً للماضي بالمستقبل، ففي المستقبل هذا اللفظ يمين يكفرها كاليمين بالله، ففي الماضي هو بمنزلة الغموس أيضاً، والأصح أنه إن كان عالماً يعرف أنه يمين، فإنه لا يكفر به في الماضي والمستقبل، وإن كان جاهلاً وعنده أنه يكفر بالحلف يصير كافراً في الماضي والمستقبل؛ لأنه لما أقدم على هذا الفعل، وعنده أنه يكفر به فقد صار راضياً بالكفر، انتهى. (٧) ما يجب فيه الكفارة من الأيمان أي: بيان بعض الأيمان التي تجب فيها الكفارة، سواء كانت كفارة واحدة، أو متعددة، وبيان الأيمان هل يجب البرّ فيها، أو يجوز الحنث، والتكفير لعارض؟ ١١/١٠٠٩ - (مالك عن سهيل) بضم السين المهملة مصغراً (ابن أبي صالح) ذكوان، قال ابن عبد البر(١): لم تختلف الرواة عن مالك في هذا الحديث، ولا اختلف فيه على سهيل أيضاً (عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمّان (١) (شرح الزرقاني)) (٦٤/٣). ٦٢٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حدیث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهْ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِيَمِينِ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ)). أخرجه مسلم في: ٢٧ - كتاب الأيمان، ٣ - باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خيراً منها، حديث ١٢. (عن أبي هريرة أن رسول الله وَل قال: ((من حلف بيمين) اليمين هو مجموع المقسم، والمقسم عليه، والمراد هنا: المقسم عليه مجازاً، والحلف هو اليمين وأصلها: العقد بالعزم والنية، فألف بين اللفظين تأكيداً لعقده، كذا في ((المحلی)). (فرأى غيرها) كما في النسخ المصرية، وقول الزرقاني كما في رواية يدل على أنه ليس في رواية يحيى، وعلى وجودها فهو مفعول رأى الأول ومفعوله الثاني قوله: (خيراً منها فليكفر) أمر من التكفير (عن يمينه وليفعل الذي هو خير) . قال الباجي(١): يريد - والله أعلم - من حلف أن لا يفعل شيئاً، ثم رأى أن فعله أفضل في الدين، أو أنفع، فإن له أن يَكُفِّرَ عن يمينه، ويفعل الذي هو خير، وكذلك إن اختار فعل ذلك، ومالت إليه نفسه من غير إثم، فإن له أن يفعله، ويُكَفِّرُ عن يمينه؛ لأن الكفارة تحل اليمين كما يحله الاستثناء، وقدم في هذا الحديث الكفارة على الحنث، وقد ورد هذا الحديث أيضاً بتقديم الحنث، وهو قوله: ((فليفعل الذي هو خير، وليكفر عن يمينه)) على أن التقديم في هذا، والتأخير لا يقتضي تقديم الحنث، ولا تأخيره؛ لأن الواو لا تقتضي رتبة، ولا خلاف أن تأخير الكفارة جائز، وقد استحب مالك أن تكون الكفارة بعد الحنث، فإن قدمها قبل الحنث فهل يجزئه أم لا؟ عنه في ذلك روايتان، انتهى. ولم يرجح شيئاً من روايتيه. (١) ((المنتقى)) (٢٤٩/٣). ٦٢٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حدیث لكن جزم الدردير بإجزاء الكفارة قبل الحنث، وقال الأبيّ في (الإكمال))(١): قال أبو حنيفة: لا تجزئ، ورواه أشهب عن مالك. ولابن قاسم في ((كتاب محمد)) قول ثالث: إنه إن كان على حنث جاز، وإن كان على برّ لم يجز، والبرُّ لا فعلت، وإن فعلت، والحنث لأفعلن، وإن لم أفعل هذا باعتبار الصيغة، وأما باعتبار المعنى فمعنى البر أن يكون الحالف أثر حلفه موافقاً لما حلف عليه، ومعنى الحنث أن يكون مخالفاً، فإن قال: لا أفعل، فهو إنما حلف على نفي الفعل، وهو أثر حلفه لم يفعل. وإذا قال: لأفعلنّ، فهو إنما حلف على الفعل وهو أثر حلفه لمن يفعل، وانقسام اليمين إلى ما الحالف فيه على بر، وإلى ما هو فيه على حنث، فإنما هو إذا لم يضرب أجلاً، وأما إذا ضربه فهو على بر في الوجهين، أما في النفي فظاهر، وأما في الإثبات في قوله: لأفعلن، فلأن له الترك إلى ذلك الأجل، انتھی . وقال الموفق(٢): كفارة الأيمان تجوز قبل الحنث وبعده صوماً كانت، أو غيره، وبه قال مالك، وممن روي عنه جواز تقديم التكفير عمر بن الخطاب، وابنه، وابن عباس، وسلمان الفارسي، ومسلمة بن مخلد، - رضي الله عنهم -، وبه قال الحسن، وابن سيرين، وربيعة، والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأبو عبيد، وسليمان بن داود، وقال أصحاب الرأي: لا تجوز الكفارة قبل الحنث؛ لأنه تكفير قبل وجود سببه، فأشبه ما لو كَفَّر قبل اليمين، ودليل ذلك أن سبب التكفير الحنث؛ إذ هو هتك الاسم المعظم المحترم ولم يوجد، وقال الشافعي كقولنا في الإطعام، والإعتاق، والكسوة، وكقولهم في الصيام. (١) (٣٦٨/٤). (٢) ((المغني)) (١٣ /٤٨١). ٦٢٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حدیث ولنا: ما روى عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله وَلو: ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فكفِّر عن يمينك ثم إِئتِ الذي هو خير))، رواه أبو داود(١)، وفي لفظ: ((وإنتِ الذي هو خير)) رواه البخاري(٢)، وروى أبو هريرة، وأبو الدرداء، وعدي بن حاتم عن النبي ◌ّ نحو ذلك، رواه الأثرم، ولأنه كَفَّر بعد وجود السبب فأجزأ، والسبب هو اليمين، بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيَّمَنِكُمْ﴾، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَجِلَّةَ أَيْمَنِكُمْ﴾، وقول النبي ◌َّ: (كفّرت عن يميني))، وتسمية الكفارة كفارة يمين، وبهذا ينفصل عما ذكروه، فإن الحنث شرط وليس بسبب. وأما التكفير قبل اليمين فلا يجوز عند أحد من العلماء؛ لأنه تقديم للحكم قبل سببه، والتكفير قبل الحنث وبعده سواء في الفضل، وقال ابن أبي موسى: بعده أفضل عند أحمد، وهو قول الشافعي، ومالك، والثوري لما فيه من الخروج من الخلاف، وبراءة الذمة يقيناً . ولنا أن الأحاديث الواردة فيه، فيها التقديم مرة والتأخير أخرى، وهذا دليل التسوية. وإن كان الحنث في اليمين محظوراً، فعَجّل الكفارة قبله، ففيه وجهان: أحدهما: تجزئه؛ لأنه عَجَّل الكفارة بعد سببها، فأجزأته كما لو كان الحنث مباحاً، والثاني: لا تجزئه؛ لأن التعجيل رخصة فلا يستباح بالمعصية كالقصر في سفر المعصية، والحديث لا يتناول المعصية، فإنه قال: ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها)) وهذا لم ير غيرها خيراً منها، ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان كما ذكرنا، انتهى. قلت: حديث عبد الرحمن بن سمرة أخرجه أبو داود بطريقين: في (١) ((سنن أبي داود)) (٣٢٧٧). (٢) (صحيح البخاري)) (٦٦٢٢)، و((فتح الباري)) (٥١٦/١١). ٦٢٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث أحدهما: ((فائِت الذي هو خير وكفِّر يمينك))، وفي الثاني: ((كفّر عن يمينك ثم ائتِ الذي هو خير))، قال أبو داود(١): أحاديث أبي موسى الأشعري، وعدي بن حاتم، وأبي هريرة في هذا الحديث روي عن كل واحد منهم في بعض الرواية الكفارة قبل الحنث، وفي بعض الرواية الحنث قبل الكفارة (٢)، انتهى. فعُلِمَ منه أن لا ترجيح للروايات، فلا بد من الرجوع إلى الأصول، وفي (البذل))(٣) عن ((البدائع))، ولنا أن الواجب كفارة، والكفارة تكون للسيئات؛ إذ من البعيد تكفير الحسنات، وعقد اليمين مشروع، قد أقسم رسول الله وَّر في غير موضع، وكذا الرسل المتقدمة، قال تعالى خبراً عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُمْ﴾ وكذا أيوب عليه السلام حلف بضرب امرأته، فأمر الله سبحانه بالوفاء ﴿وَخُذْ بِيَدَِ ضِغْنًا فَأَضْرِبِ بِّهِ، وَلَا تَحْنَثُ﴾ والأنبياء معصومون عن الكبائر، فدل أن نفس اليمين ليس بذنب، فلا يجب التكفير لها، ويجب للحنث؛ لأنه هو المأثم في الحقيقة. ومعنى الذنب فيه: أنه عاهد الله تعالى أن يفعل كذا، فالحنث يخرج مخرج نقض العهد منه فيأثم بالنقض لا بالعهد، ولذا قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَهَدْتُمْ وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ ولأن عقد اليمين يخرج مخرج التعظيم، والتبجيل لله تعالى، فيمتنع أن تجب بالكفارة محواً له وستراً. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَنِّ﴾ فتأويله من وجهين: أحدهما: يؤاخذكم الله بمحافظة ما عقدتم من الأيمان والوفاء بها كقوله عز وجل: ﴿وَلَا نَنقُضُواْ الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ فإن تركتم ذلك، فكفارته كذا (١) سنن أبي داود (٣٢٧٨). (٢) كذا في الأصل، والصواب (الحنث قبل الكفارة، وفي بعض الرواية الكفارة قبل الحنث) كما في ((سنن أبي داود)) (١٨٧/٣). (٣) ((بذل المجهود)) (٢٣٦/١٤). ٦٢٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ فتركتم المحافظة، ألا ج ترى أنه قال عز وجل: ﴿وَأَحْفَظُواْ أَيَمَنَّكُمْ﴾ والمحافظة تكون بالبر. والثاني: أن يكون على إضمار الحنث، أي لكن يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم، وكذا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ أي: وحنثتم كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ، أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنْ صِيَامٍ﴾ الآية. معناه: فحلق ففدية، وقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ﴾ معناه: فتحلل . وقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ أي: فأفطر فعدة من أيام أخر؛ لأن ظاهر الملفوظ، وهو القدر الذي سبب التخفيف، لا يصح سبباً للوجوب، فصار استعمال الرخصة مضمراً فيه، كذلك هاهنا لا تصلح اليمين التي هي تعظيم الرب جل جلاله سبباً لوجوب التكفير فيجب إضمار ما هو صالح، وهو الحنث، وإضافة الكفارة إلى اليمين فليست للوجوب بها كإضافة كفارة الفطر إلى الصوم، وإضافة الدم إلى الحج، والسجود إلى السهو، وإن لم يكن ما أضيف إليه سبباً كذا هذا، انتهى مختصراً . قلت: وما استدلوا بالتسمية منتقضٌ أيضاً بتسمية كفارة الظهار، فإنهم صرحوا بأنها لا تجب بمجرد الظهار بل بالعودة ﴿لِمَا قَالُواْ﴾، وما قال جماعة من السلف كطاووس، ومجاهد، والشعبي، والزهري، وقتادة أنها تجب بمجرد الظهار لتسميته ردُّوا أقوالهم، كما حرره الموفق في ((كتاب الظهار)). وفي ((الهداية))(١): إن قدّم الكفارة على الحنث لم يجزه، وقال الشافعي: يجزيه بالمال؛ لأنه أداها بعد السبب، وهو: اليمين، فأشبه التكفير بعد (١) (٣٢٠/١). ٦٢٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حدیث الجرح، ولنا: أن الكفارة لستر الجناية، ولا جناية هاهنا، واليمين ليست بسبب؛ لأنه مانع غير مفضٍ، بخلاف الجرح، لأنه مفضٍ. قال ابن الهمام(١): فإن قيل: ورد السمع في قوله ◌َّ: ((فليكفر عن يمينه ثم ليأت بالذي هو خير))، قلنا: المعروف في ((الصحيحين)) من حديث عبد الرحمن بن سمرة يعني: بالواو، وفي مسلم من حديث أبي هريرة يعني: بالواو، وليس في شيء من الروايات المعتبرة لفظ ((ثم)) إلا وهو مقابل بروايات كثيرة بالواو، فينزل منزلة الشاذ منها، فيجب حملها على معنى الواو حملاً للقليل الأقرب إلى الغلط على الكثير، وشَذّت رواية، ((ثم)) لمخالفتها روايات ((الصحيحين)) والسنن، والمسانيد، فصدق عليها تعريف المنكر في علم الحديث، وهو ما خالف الحافظ فيها الأكثر، يعني من سواه ممن هو أولى منه بالحفظ والإتقان، فلا يعمل بهذه الرواية. ثم وردت رواياتٌ بعكسه، منها: حديث رواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَله: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأتِ الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه))، ثم لو فرض صحة رواية ((ثم)) كان من تغيير الرواية؛ إذ قد ثبتت الروايات في ((الصحيحين)) وغيرهما بالواو، ولو سُلِّمَ فالواجب كما قدمنا حمل القليل على الكثير الشهير لا عكسه، فتحمل ((ثم)) على الواو التي امتلأت كتب الحديث منها، انتهى مختصراً . وقال الحافظ في ((الفتح))(٢): وافق الحنفية أشهب من المالكية، وداود الظاهري، وخالفهم ابن حزم. (١) انظر: ((فتح القدير)) (٣٦٨/٣). (٢) (فتح الباري)) (٦٠٩/١١). ٦٢٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث قَالَ يَحْبَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ، وَلَمْ يُسَمِّ شَيْئاً: إِنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ . (قال مالك) وفي النسخ المصرية: ((قال يحيى: وسمعت مالكاً يقول)) (من قال علي) بالياء المجرورة بعلى خبر مقدم (نذر) مبتدأ مؤخر (ولم يسم شيئاً) أي: لم يعين النذر (أن عليه كفارة يمين) قال الباجي (١): النذر المطلق حكمه حكم اليمين بالله تعالى في الكفارة، وكذلك سائر ما يتعلق به من الأحكام في الاستثناء وغيره، انتهى. قلت: وهذا هو النذر المبهم الذي تقدم ذكره في النوع الثالث من أنواع النذور، وتقدم فيه أن هذا قول الجمهور، وعن الشافعي في ذلك قولان. قال الموفق(٢): النذر المبهم أن يقول: لله عليّ نذرٌ، فهذا تجب فيه الكفارة في قول أكثر أهل العلم، ولا أعلم فيه مخالفاً إلا الشافعي قال: لا ينعقد نذره ولا كفارة فيه . ولنا: ما روى عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَالر: ((كفارة النذر إذا لم يُسَمِّه كفارة اليمين)) رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب، انتهى. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي، ورواه مسلم عنه بدون قوله: ((إذا لم يُسَمِّ» ولفظه عنه مرفوعاً: ((كفارة النذر كفارة اليمين))، فحمله مالك، وأبو حنيفة، وجماعة على النذر المطلق لرواية الترمذي المذكورة. ولفظ ابن ماجه عن عقبة بن عامر مرفوعاً: ((من نذر نذراً ولم يُسمه، فكفارتُه كفارة يمين))، وأخرج أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً: ((من نذر نذراً ولم يسمه فكفارته كفارة يمين))، الحديث. وحمله أحمد، وبعض الشافعية على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جمهور الشافعية على نذر (١) ((المنتقى)) (٢٤٩/٣). (٢) انظر: ((المغني مع الشرح الكبير)) (٣٣٤/١١). ٦٢٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّ التَّوْكِيدُ فَهُوَ حَلِفُ الْإِنْسَانِ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِرَاراً، يُرَدِّدُ فِيهِ الْأَيْمَانَ يَمِيناً بَعْدَ يَمِينِ. كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا أَنْقُصُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا، يَحْلِفُ بِذْلِكَ مِرَاراً، ثَلَاثاً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذُلِكَ. قَالَ: فَكَفَّارَةُ ذُلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، مِثْلُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. الدجاج، وهو أن يقول الرجل مريداً الامتناع عن كلام زيد مثلاً: إن كلمتُ زيداً فللَّه علي حجة، فكلّمه فهو بالخيار بين الكفارة وبين ما التزمه، وحمله جمعٌ محدثون على جميع أنواع النذر، لكنهم قالوا: إنه مخيّر بين الوفاء بالنذر، وبين الكفارة، كذا في ((المحلى)) مع زيادة. وهکذا حکی القاري(١) عن النووي أنه قال: حمله جمهور أصحابنا على نذر الدجاج، ومثله بالمثال المذكور، قال القاري: لا يظهر حمل ((لَمْ يُسَمِّه)) على المعنى المذكور مع أن التخيير خلاف المفهوم من الحديث، وحمله على المعصية مع بُعده يَردُّه حديث ابن عباس مرفوعاً: ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذراً في معصية، فكفارته كفارة يمين))، الحديث. أخرجه أبو داود وغيره، فإن الأصل في العطف المغايرة، بل لا يجوز غيرها في الجملتين، انتهى. (قال مالك: فأما التوكيد) أي: توكيد الحلف (فهو حلف الإنسان في الشيء الواحد) زاد في النسخ المصرية بعد ذلك: ((مراراً)) (٢)، وليس هذا في النسخ الهندية، وعزاه الزرقاني إلى غير يحيى، فقال بعد قوله في الشيء الواحد: زاد ابن وضّاح: مراراً (يُرَدّدُ فيه الأيمان) جمع يمين (يميناً بعد يمين) توضيح لقوله: يَردِّد الأيمان (كقوله: والله لا أنقصه) بإسكان النون، وضم القاف والصاد (من كذا وكذا، يحلف بذلك مراراً ثلاثاً) أي: ثلاث مرات (أو أكثر من ذلك) أي: يحلف أكثر من الثلاث أيضاً (قال) مالك: (فكفارة ذلك) الحلف مراراً (كفارة واحدة مثل كفارة اليمين). (١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٩/٧). (٢) كذا في ((الاستذكار)) (٧٩/١٥). ٦٣٠ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب .. (١٠٠٩) حديث قال الباجي(١): قوله في توكيد اليمين: مثل أن يحلف في الشيء الواحد مراراً، فإن ذلك ليس عليه إلا كفارة واحدة، سواء كان ذلك في مجلس، أو مجالس، ولو قال: والله، ثم والله، ثم والله، لا فعلت كذا، ثم فعله، فليس، عليه إلا كفارة واحدة، إلا أن ينوي لكل يمين كفارة كالنذر، رواه ابن المواز، ووجه ذلك: أنها محمولةٌ على التأكيد، حتى ينوي لكل يمين كفارة، كمن قال: علي ثلاثة نذور، فيلزمه حينئذ ثلاث كفارات، ومن قال: لا فعلت كذا، ثم قال: علي نذرٌ إن فعلت كذا لزمه كفارتان، إن فعل، قاله ابن المواز؛ لأن حكم التزام النذر غير حكم الحلف، فوجب لكل واحد منهما موجبه. لذلك لو قال علي عشرةُ نذور إن فعلت كذا لزمه عشر كفارات، بخلاف تكرار اليمين، ولو قال: علي نذر إن فعلت كذا، ثم قال: عليّ نذر إن فعلت كذا، فعليه كفارتان، إلا أن يريد بالثاني الأول، ومن قال: علي أربعة أيمان، ففي ((العتبية)): عليه أربع كفارات، قال أبو محمد: وأعرف أن ابن المواز قال: عليه كفارة واحدة، إلا أن تكون له نية. وجه القول الأول: أن هذا التزام، وذلك يوجب عليه أربع كفارات، كما لو قال: عليه أربعة نذور، ووجه القول الثاني: أن الأيمان طريقها الحلف، وتكرارها يقتضي التأكيد حتى ينوي به غير ذلك، ومن قال في يمينه بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن العزيز العالم عالم الغيب والشهادة، ثم حنث لم يجب عليه إلا كفارة واحدة، ولو قال: علي عهد الله وميثاقه، لزمه كفارتان؛ لأن الأول حلف بمحلوف واحد، ووصفه بصفات كثيرة، والثاني كان يمينه بالعهد، ثم أضاف إليه الميثاق فلزمه كفارتان، انتهى. قال الموفق(٢) بعد ما بسط ألفاظ الحلف بالله من أسمائه وصفاته: إذا (١) ((المنتقى)) (٢٤٩/٣). (٢) ((المغني)) (١٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣). ٦٣١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث حلف بجميع هذه الأشياء، وما يقوم مقامها، أو كَرَّر اليمين على شيء واحد مثل أن قال: والله لأغزوَنَّ قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزونَّ قريشاً، فحنث، فليس عليه إلا كفارة واحدة، روي نحو هذا عن ابن عمر - رضي الله عنهما - وبه قال الحسن، وعروة، وإسحاق، وروي أيضاً عن عطاء، وعكرمة، والنخعي، وحماد، والأوزاعي، وقال أبو عبيد في من قال: علي عهد الله وميثاقه وكفالته، ثم حنث: فعليه ثلاث كفارات. وقال أصحاب الرأي: عليه بكل يمين كفارة، إلا أن يريد التأكيد والتفهيم، ونحوه عن الثوري، وأبي ثور، وعن الشافعي قولان كالمذهبين، وعن عمرو بن دينار: إن كان في مجلس واحد كقولنا، وإن كان في مجالس كقولهم، واحتجُّوا بأن أسباب الكفارات تكررَّتْ فَتَكرَّر الكفارات، كالقتل الآدمي، وصيدٍ حرمي، ولأن اليمين الثانية مثل الأول فتقتضي ما تقتضيه. ولنا: أنه حنثَ واحد، أوجب جنساً واحداً، من الكفارات، فلم يجب به أكثر من كفارة واحدة، كما لو قصد التأكيد والتفهيم، وقولهم: إنها أسباب تكررت لا نُسَلِّمه، فإن السبب الحنث وهو واحد، وإن سَلّمنا فينتقض بما إذا تكرر الوطء في رمضان في أيام، وبالحدود إذا تكررت أسبابها فإنها كفارات، وبما إذا قصد التأكيد، ولا يصح القياس على الصيد الحرمي؛ لأن الكفارة بدل، ولذا تزداد بكبر الصيد، وتتقدَّرُ بقدره، ولا على كفارة قتل الآدمي؛ لأنها أجريت مجرى البدل، انتهى. قلت: وما قال: إن السبب الحنث، وهو واحد يُشكل عليه ما تقدم من قولهم في جواز تقديم الكفارة على الحنث: أن السبب هو الحلف، والحنث شرطه فتأمل. وفي ((الدر المختار)) (١) عن ((البحر)) عن ((الخلاصة)) و((التجريد)): تتعدد (١) (٥٠٥/٥). ٦٣٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث الكفارة لتعدد اليمين، والمجلس والمجالس سواء، ولو قال: عنيت بالثاني الأول، ففي حلفه بالله لا يُقْبل، وبحجة أو عمرة يقبل، وفيه معزياً للأصل: هو يهودي، هو نصراني يمينان، وكذا، والله، والله، أو والله، والرحمن واتفقوا وأن والله، ووالرحمن يمينان، وبلا عطف واحدة. قال ابن عابدين: قوله: تتعدد الكفارةُ وفي ((البغية)): كفارات الأيمان إذا كثرت تداخلت، ويخرج بالكفارة الواحدة عن عهدة الجميع، وقال شهاب الأئمة: هذا قول محمد، وهو المختار عندي، وقوله: بحجة أو عمرة يُقْبَلُ، لعل وجهه أن قوله: إن فعلت كذا فعليّ حجة، ثم حلف ثانية كذلك يحتمل أن يكون الثاني إخباراً عن الأول، بخلاف قوله: والله لا أفعله مرتين، فإن الثاني لا يحتمل الإخبار فلا تصح به نية الأول. قوله: واتفقوا، يعني أن الخلاف المذكور إذا دخلت الواو على الاسم الثاني، وكانت واحدة، فلو تكررت الواو مثل: والله، والرحمن فهما يمينان اتفاقاً؛ لأن إحداهما للعطف، والأخرى للقسم، كما في ((البحر))، وأما إذا لم تدخل على الاسم الثاني واوٌ أصلاً كقولك: والله الله، وكقولك واللَّهُ الرحمن، فهو يمين واحدة اتفاقاً، انتهى. وفي ((المبسوط)): إذا حلف الرجل على أمر لا يفعله أبداً، ثم حلف في ذلك المجلس، أو مجلس آخر لا يفعله أبداً، ثم فعله، كانت عليه كفارة يمينين؛ لأن اليمين عقد يباشره بمبتدأ وخبر، وهو شرط وجزاء، والثاني في ذلك مثل الأول، فهما عقدان فبوجود الشرط مرة واحدة يحنث فيهما، وهذا إذا نوى يميناً أخرى، أو نوى التغليظ؛ لأن معنى التغليظ بهذا يتحقق، أو لم يكن له نية؛ لأن المعتبر صيغة الكلام عند ذلك، ثم الكفارات لا تندرئ بالشبهات خصوصاً في كفارات اليمين فلا تتداخل. وأما إذا نوى بالكلام الثاني اليمين الأول، فعليه كفارة واحدة؛ لأنه قصد ٦٣٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث فَإِنْ حَلَفَ رَجُلٌ مَثَلاً فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا آكُلُ هُذَا الطَّعَامَ، وَلَا أَلْبَسُ هُذَا الثَّوْبَ، وَلَا أَدْخُلُ هُذَا الْبَيْتَ، فَكَانَ هُذَا فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، التكرار، والكلام الواحد قد يكرر، فكان المنْوي من محتملات لفظه، وهو أمر بينه وبين ربه، وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة - رحمه الله - قال: هذا إذا كان يمينه بحجة، أو صوم، أو نحو ذلك، أما إذا كانت يمينه بالله تعالى، فلا تصح نيته، وعليه كفارتان، ووجهه أن قوله: عليه حجة مذكور بصيغة الإخبار، فيحتمل أن يكون الثاني هو الأول، وأما قوله: والله إيجاب تعظيم المقسم به نفسه من غير أن يكون بصيغة الخبر، فكان الثاني إيجاباً كالأول فلا يحتمل معنى التكرار؛ لأن ذلك في الإخبار دون الإيجاب، انتهى. وقال ابن الهمام(١): إذا عَدَّدَ ما يحلف به بلا واو، مع اختلاف اللفظ، أو عدم اختلافه، فهو يمين واحدة، كأن يقول: والله الرحمن الرحيم، أو يقول: والله الله، وكذا بلا اختلاف مع الواو كقوله: والله، والله، وإن كان بواو في الاختلاف، نحو: والله والرحمن تعددت اليمين بتعددها، وكذا بواوين مع الاتحاد كقوله: والله ووالله هذا كله في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن عليه في المختلفة كفارة واحدة، وبه أخذ مشايخ سمرقند، وأكثر المشايخ على ظاهر الرواية، فلو قال: بواوين، كوالله ووالرحمن، فكفارتان في قولهم، هذا قبل ذكر الجواب، أما لو قال: والله لا أفعل كذا، ثم أعاده بعينه فکفارتان، انتھی. (قال مالك: فإن حلف رجل) على عدة أمور (مثلاً) هكذا في النسخ المصرية، وليس هذا في النسخ الهندية، وزاده إشارة إلى أن ما يأتي بيان للمثال ليس لحصر الحكم فيه (فقال: والله لا آكل هذا الطعام، ولا ألبس هذا الثوب، ولا أدخل هذا البيت فكان هذا) المذكور كله (في يمين واحدة) صفة (١) ((فتح القدير)) (٣٦٣/٤). ٦٣٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حدیث فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. ليمينٍ (فإنما عليه كفارة واحدة) سواء حنث في بعضها، أو كلها. قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن من حلف يميناً واحدة تضمنت أشياء أن لا يأكل طعاماً معيناً، ولا يلبس ثوباً، ولا يدخل بيتاً، ولا يكلم رجلاً، فإنها يمين واحدة، يجزئ في حلِّها بالاستثناء استثناء واحد، وفي حلها بالكفارة كفارة واحدة، ويحنث بفعل الامتناع من أبعاض ذلك، كمن حلف لا يأكل هذا الرغيف، فأكل شيئاً منه، فإنه يحنث به في الظاهر من المذهب. فكذلك من حلف على ما ذكرناه، فأكل الطعام، أو لبس الثوب، أو دخل البيت، أو كلّم الرجل، فإنه فعل شيئاً مما حلف أن لا يفعله، فدخل عليه الحنث بذلك، وهذا إذا حلف على النفي، وهو إذا حلف أن لا يفعل، فلو حلف على الإيجاب، وهو أن يحلف ليفعلنَّ مثل أن يحلف ليأكلنّ الخبز، وليلبسنّ الثوب، وليدخلن البيت، فإنه لا يبر إلا بفعل ذلك كله؛ لأنه قد حلف على الإتيان بجمیعه، انتهى. وقال الموفق(٢): إذا حلف يميناً واحدة على أجناس مختلفة، فقال: لا أكلت، ولا شربت، ولا لبست، فحنث في الجميع، فكفارة واحدة، لا أعلم فيه خلافاً؛ لأن اليمين واحدة، والحنث واحد، فإنه بفعل واحد من المحلوف عليه يحنث، وتنحل اليمين، وإن حلف أيماناً على أجناس فقال: والله لا أكلت، والله لا شربت، والله لا لبست، فحنث في واحدة منها، فعليه كفارة. فإن أخرجها، ثم حنث في يمين أخرى، لزمته كفارة أخرى، لا نعلم في هذا أيضاً خلافاً؛ لأن الحلف في الثانية تجب به الكفارة بعد أن كفّر عن الأولى، فأشبه ما لو وطئ في رمضان، فكفِّر، ثم وطئ امرأة أخرى، فإن حنث في (١) ((المنتقى)) (٢٥٣/٣). (٢) ((المغني)) (١٣ / ٤٧٤). ٦٣٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حدیث وَإِنَّمَا ذُلِكَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ الطَّلَاقُ، إِنْ كَسَوْتُكِ هُذَا الثَّوْبَ، وَأَذِنْتُ لَكِ إِلَى الْمَسْجِدِ يَكُونُ ذُلِكَ نَسَقَاً مُتَتَابِعاً، فِي كَلَام وَاحِدٍ، فَإِنْ حَنِثَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ ذُلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهٍ الطَّلَاقُ. وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ، بَعْدَ ذَلِكَ حِنْثُ، إِنَّمَا الْحِنْثُ فِي ذُلِكَ حِنْثٌ وَاحِدٌ. الجميع قبل التكفير، فعليه في كل يمين كفارة، وهذا ظاهر كلام الخرقي، ورواه المروزي عن أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم. وقال أبو بكر: تجزئه كفارة واحدة، ورواها ابن منصور عن أحمد، وقال القاضي: وقال أبو بكر: ما نقله المروزي عن أحمد قول لأبي عبد الله، ومذهبه أن كفارة واحدة تجزئه، وهو قول إسحاق؛ لأنها كفارات من جنس واحد فتداخلت كالحدود من جنس، وإن اختلفت محالها بأن يسرق من جماعة، أو يزني بنساء. (وإنما ذلك) أي: نظير المسألة المتقدمة (كقول الرجل لامرأته) هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: ((لامرأة))، والصواب الأول (أنت الطلاق إن كسوتك هذا الثوب، وأذنت لك في المسجد) هكذا في جميع النسخ المصرية، إلا في نسخة الزرقاني: ((أو أذنت لك)) بلفظ أو بدل الواو، وفي جميع النسخ الهندية: ((ولا أذنت لك في المسجد))، بلفظ الواو، وزيادة لا، والأوجه الأول (يكون ذلك) الكلام (نسقاً) أي (متتابعاً في كلام واحد) بيان لقوله: نسقاً. (فإن حنث في شيء واحد من ذلك) أي الكسوة، وإذن دخول المسجد (فقد وجب عليه الطلاق) مثلاً إذا حنث بالكسوة، فوجب الطلاق (وليس عليه) أي على الحالف (فيما فعل بعد ذلك حنث) بالرفع اسم ليس، أي ليس عليه بعدما حنث بالكسوة، حنث آخر بإذن الدخول، وكذا بالعكس (إنما الحنث في ذلك حنث واحد) ولا يتعدد الحنث والطلاق. ٦٣٦ -- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث وقال الخرقي: لو حلف لا يدخل داراً، فأدخل يده، أو رجله، أو شيئاً منه حنث، ولو حلف أن يدخل، لم يبرّ حتى يدخل بجميعه. قال الموفق(١): لا يختلف المذهب في شيء من ذلك، ولا نعلم بين أهل العلم فيه اختلافاً؛ لأن اليمين تناولت فعل الجميع، كما لو أمر الله تعالى بفعل شيء، لم يخرج من العهدة، إلا بفعل الجميع، أما إن حلف لا يدخل فأدخل بعضه، ولا يفعل شيئاً ففعل بعضه، ففيه روايتان. إحداهما: يحنث، وحكي عن مالك، والثانية: لا يحنث، إلا بأن يدخل كله، وهذا اختيار أبي الخطاب، ومذهب أبي حنيفة، والشافعي، وهكذا كل شيء حلف أن لا يفعل، ففعل بعضه، وهذا الخلاف في اليمين المطلقة. فأما إن نوى الجميع، أو البعض، فيمينه على ما نوى، وكذلك إن اقترنت به قرينته تقتضي أحد الأمرين تعلقت يمينه به، فلو قال: والله لا شربت هذا النهر، تعلقت يمينه ببعضه وجهاً واحداً؛ لأن فعل الجميع ممتنع، فلا ينصرف يمينه إليه، وكذلك لو قال: والله لا آكل الخبز، ولا أشرب الماء، وما أشبهه مما علّقه على اسم جنس، أو علّقه عن اسم جمع كالمسلمين، والمشركين، والفقراء، فإنما يحنث بالبعض، وبهذا قال أبو حنيفة، وسلّمه أصحاب الشافعي في اسم الجنس دون الجمع. وإن علّقه على اسم جنس مضاف، كماء النهر، حنث أيضاً بفعل البعض، إذا كان مما لا يمكن شربه كله، وهو قول أبي حنيفة، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والآخر لا يحنث، إلى آخر ما بسطه. ثم قال الخرقي: ولو حلف لا يزورهما، أو لا يكلمهما، فزار، أو كلم أحدهما حنث، إلا أن يكون أراد أن لا يجتمع فعله بهما، قال الموفق(٢): (١) ((المغني)) (١٣ /٥٥٦). (٢) ((المغني)) (٥٦٥/١٣). ٦٣٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث يمكن أن تكون هذه المسألة مبنية على من حلف، أن لا يفعل شيئاً ففعل بعضه، فإن هذا حالف على كلام شخصين، فتكليمه أحدهما فعل لبعض ما حلف عليه، وقد مضى الكلام في هذا، ويمكن أن يكون تقديره: لا كلمت هذا، ولا كلمت هذا؛ لأن المعطوف يقدر له بعد حرف العطف فعل، وعامل مثل العامل الذي قبل المعطوف عليه، فيصير كل واحد منهما محلوفاً عليه منفرداً فيحنث به، فإن قصد أن لا يجتمع فعله بهما، لم يحنث إلا بذلك؛ لأنه قصد بيمينه ما يحتمله فانصرف إليه، وإن قال: والله لا كلمت زيداً، ولا عمراً حنث بكلام كل واحد منهما بغير إشكال. فإن قال: أنتِ طالق إن كلمت زيداً وعمراً، لم يقع الطلاق إلا بتكليمهما؛ لأنه جعل تكليمهما معاً شرطاً بوقوع الطلاق، ولا يثبت المشروط إلا بوجود الشرط جميعه، وتفارق اليمين بالله تعالى، فإن مقتضاها المنع من فعل المحلوف عليه، فتحصل المخالفة بفعل البعض، انتهى مختصراً، وعلم من هذا كله أن المسألة كثيرة الفروع، والأئمة مختلفون في بعض الأنواع والألفاظ دون بعض، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (١): قال لقوم: كلامكم عليّ حرام، أو كلام الفقراء، أو أهل بغداد، أو أكل هذا الرغيف عليّ حرامٌ، حنث بالبعض، وفي والله لا أكلمكم، أو لا آكله، لم يحنث إلا بالكل، زاد في ((الأشباه)): إلا إذا لم يمكن أكله في مجلس واحد، أو حلف لا يكلم فلاناً وفلاناً ونوى أحدهما، انتهى. أي يحنث حينئذ بكلام واحد. وفي مسألة الطلاق عند الحنفية تفصيل بسطه أهل الفروع، والجملة ما قال ابن عابدين: الحاصل، أنه إذا كَرَّرَ أداة الشرط بلا عطف، توقف الوقوع (١) (٣٣/٤). ٦٣٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا فِي نَذْرِ الْمَرْأَةِ، إِنَّهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، يَجِبُ عَلَيْهَا ذُلِكَ، وَيَثْبُتُ إِذَا كَانَ ذُلِكَ فِي جَسَدِهَا. وَكَانَ ذلِكَ لَا يَضُرُّ بِزَوْجِهَا. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِزَوْجِهَا، فَلَهُ مَنْعُهَا مِنْهُ. وَكَانَ ذُلِكَ على وجودهما، لكن إن قدّم الجزاء عليهما، أو أخّره فالملك يشترط عند آخرهما، وإن وسطه فلا بد من الملك عندهما، وإن كان بالعطف، توقف الوقوع على أحدهما، قدّم الجزاء أو وسطه، فإن أخّره توقف عليهما، وإن لم يُكَرِّر أداة الشرط فلا بد من وجود الشيئين، قدّم الجزاء عليهما أو أخّره. انتھی . وقال ابن الهمام: حلف لا يكلم فلاناً وفلاناً لا يحنث حتى يكلمهما، إلا أن ينوي الحنث بأحدهما، فيحنث بواحد منهما، أما لو قال: لا أكلمهما، ونوى واحداً لا يصح نيته، ذكره في ((المحيط)) قال: وينبغي أن تَصِحَّ؛ لأن المثنّى يُذْكَرْ ويراد به الواحدُ، فإذا نوى ذلك، وفيه تغليظ على نفسه يصح، ولو قال: فلاناً، أو فلاناً حنث بأحدهما، وكذا لو قال فلاناً ولا فلاناً، انتهى. (قال مالك: الأمر) المختار (عندنا في نذر المرأة إنه جائز عليها) أي لازمة عليها (بغير إذن زوجها) يعني لا تحتاج لنذرها إلى إذن الزوج (يجب عليها) أي المرأة (ذلك) أي النذر (ويثبت) أي يستمر وجوبها عليها ما لم توف به (إذا كان ذلك) النذر (في جسدها) كنذر الصوم والصلاة وغيرهما (وكان ذلك لا يضر بزوجها) فلا يحل له منعها منه . (وإن كان ذلك يضُرُّ بزوجها) مثل إن نذرت صيام أشهر، وهو شابٌّ لا يستطيع الصبر عنها، أو نذرت الحج ماشياً هو يحتاج إليها، زاد في أكثر النسخ المصرية بعد ذلك (فله منعها) وليس هذا في النسخ الهندية، ولا في بعض المصرية، لكنه مراد، وبمنع الزوج لا يسقط النذر عنها (وكان ذلك) أي ٦٣٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٧) باب (١٠٠٩) حديث عَلَيْهَا حَتَّى تَقْضِيَهُ. وجوبها مستمراً (عليها حتى تقضيه) بأن يأذن لها فيه أو تتأيم منه، وقيده بالجسد؛ لأن النذر إن كان في مالها فلزوجها عند المالكية منعها ما زاد على الثلث . قال الباجي(١): وهذا كما قال: إن نذرت ذات الزوج لازم لها، فإن كان ذلك بغير إذن زوجها، فإن ذلك على ضربين: ضربٌ: يتعلق بالمال، وضرب: يتعلق بالجسد، فأما ما تعلق بالمال، فلا يخلو أن تقتصر به على الثلث فما دونه، أو تزيد على ذلك، فإن اقتصرت على الثلث فما دونه فلا اعتراض فيه للزوج؛ لأنه لا خلاف أن لها أن تتصدق باليسير، وإذا احتجنا إلى الفرق بين اليسير والكثير، فالحد في ذلك ما ورد به الشرع من الثلث. وما زاد على ذلك فالمرأة ممنوعة منه؛ لتعلق حق الزوج بمالها، يدل على ذلك ما روي عن النبي وَ لّر أنه قال: ((تنكح المرأة لمالها وجمالها ودينها، فاظفر بذات الدين)) (٢)، فإذا كانت إنما تنكح لمالها لم يكن لها بعد أن زيد في صداقها من أجله، أن تتلف جميعه وتهبه لغيره، فإن زادت على الثلث كان للزوج الردُّ خلافاً لأبي حنيفة والشافعي. وإذا ثبت أن له الردّ، فهل له ردّ ذلك كله أم رَد ما زاد على الثلث منه؟ المشهور من مذهب مالك، وهو قول ابن القاسم: أن له ردّ جميعه، وقال ابن الماجشون: إنما يردّ ما زاد على الثلث إلا في العتق، فإنه يرد كله لما فيه من عتق البعض من غير تقويم. وجه القول الأول: الزوجة إذا زادت في هبتها كانت متعدية، ولم يختص (١) ((المنتقى)) (٢٥٣/٣). (٢) أخرجه البخاري (٥٠٩٠)، وأبو داود (٢٠٤٧)، والنسائي (٣٢٣٠)، وابن ماجه (١٨٥٨). ٦٤٠