Indexed OCR Text
Pages 521-540
٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: «اقْضِهِ عَنْهَا)). أخرجه البخاريّ فى: ٥٥ - كتاب الوصايا، ١٩ - باب ما يستحب، لمن یتوفی فجأة، أن يتصدقوا عنه. ومسلم في: ٢٦ - كتاب النذر، ١ - باب الأمر بقضاء النذر، حديث ١. سأل عن النذر، وعن الصدقة معاً، أو في أوقات مختلفة، قال: والأظهر أنه كان نذراً في المال، وأما أحاديث الصوم عنها فقد علله أهل الفن للاختلاف في سنده ومتنه، وشدة اختلافه، وأما رواية العتق فيوافقه أيضاً فإن العتق من الأموال . قال ابن عبد البر(١): واستشهد من قال: إن النذر كان صياماً بحديث ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صوم. رواه الشيخان، ثم رَدَّه بأن في بعض الروايات عن ابن عباس ((جاءت امرأة فقالت: إن أختي ماتت))، قال الحافظ: والحق أنها قصة أخرى كما أوضحه في ((الصيام)) من ((فتح الباري)). (فقال رسول الله قال: اقضه عنها) قال الباجي(٢): يقتضي أنه يصح أداء ذلك عنها، وأنه يبرئهما ويقضي عنها، وإن كان لفظه لفظ الأمر فإن مقتضاه الندب لقوله تعالى: ﴿وَلَ نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾، فلا يجوز أن يلزمه النذر بنذرها، والتزامها، ويوجب ذلك عليه القضاء عنها، وإذا ثبت ذلك فإن كان نذراً مطلقاً فكفارته كفارة يمين، وهو معنى متعلق بالمال، وإن كان مقيداً فلا يخلو أن يكون مختصاً بالمال كالصدقة والعتق، أو يكون مختصاً بالبدن كالصلاة والصيام، أو يكون له تعلق بهما كالحج والجهاد، فإن كان مختصاً بالمال، فلا خلاف في جواز النيابة فيه، وإن من شاء أن يقضيه عن الميت، وينوب في ذلك (١) انظر: ((الاستذكار)) (٩/١٥). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٠/٣). ٥٢١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حديث بنيّةٍ عن نية الميت، وإن كان مختصاً بالبدن فلا يصح أن يقضيه أحد عنه، ولا ينوب فيه عنه، وإن كان مما يتعلق بالمال والبدن كالحج، فقال مالك: يجوز أن ينفذ فيه وصيةَ الموصي بأن يحج عنه، وهذا يقتضي أنه يصح أن يحج عنه مَنْ شاء من ورثته بعده، وتقدم بيانه في (كتاب الصيام))، و(كتاب الحج)). فإذا قلنا: إن قول سعد: ((إن أمي ماتت وعليها نذر)) يقتضي النذر المطلق، فمعناه المال؛ لأن كفارته كفارة يمين، ولا خلاف في صحة النيابة في ذلك، وإذا قلنا: إنه يحتمل النذر المقيد، فالظاهر أنه مقيد بما يختص بالمال، أو بما له تعلق بالمال والبدن، ولذلك أمره أن يقضيه عنها، ولو كان مما يختص بالبدن لم يأمره بذلك؛ لأن النيابة لا تصح فيه، انتهى. وقال الحافظ(١): في الحديث قضاء الحقوق الواجبة عن الميت، وقد ذهب الجمهور إلى أن من مات وعليه نذرٌ ماليٌ أنه يجب قضاؤه من رأس ماله، وإن لم يوص، إلا إن وقع النذر في مرض الموت، فيكون من الثلث، وشرط المالكية والحنفية أن يُؤْصِيَ بذلك مطلقاً، واستدل الجمهور بقصة أم سعد هذه، ولكن يمكن أن سعداً قضاه من تركتها، أو تبرّع فيه، انتهى. وقال محمد في ((موطئه))(٢) بعد حديث الباب: ما كان من نذر أو صدقة أو حجّ قضاها عنها أجزأ ذلك إن شاء الله، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. وفي صوم (الدر المختار))(٣): فدى لزوماً عن الميت وليّه الذي يتصرف في ماله بوصيته من الثلث، وإن لم يوص وتبرّع وليّه به جاز إن شاء الله، وكذا لو تبرّع عنه بكفارة يمينٍ أو قتلٍ بغير إعتاق لما فيه من إلزام (١) ((فتح الباري)) (٥٨٥/١١). (٢) انظر: ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٦٩/٣). (٣) (٤٦٧/٣ - ٤٧١). ٥٢٢ ------ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حديث الولاء للميت، وفدية كل صلاة كصوم يوم، وكذا الفطرة والاعتكاف. والحاصل أنّ ما كان عبادة بدنيّة، فإن الوصيّ يطعم عنه بعد موته عن كل واجب كالفطرة، والمالية كالزكاة، ويخرج عنه القدر الواجب، وفي ((الشامي)) عن ((القهستاني)): أن الزكاة، والحج، والكفارة من الوارث تجزيه بلا خلاف، يعني ولو بدون وصية كما هو المتبادر من كلامه، انتهى. وعُلِم من هذا كله أن الحقوق الواجبة عن الميت يجزئ أداء الوارث إياها عندنا أيضاً ما خلا العتاق، فإنه لا يجزئ عندنا، وسيأتي بيانه في كتاب ((العتاق))، والحديث أخرجه البخاري برواية شعيب عن الزهري بسند الباب بلفظ «أن سعداً استفتى النبي صل# في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سُنَّة بعد)). قال الحافظ(١): قوله: ((فكانت سنة بعد)) أي صار قضاء الوارث ما على المورث طريقة شرعية أعمُّ من أن يكون وجوباً أو ندباً، ولم أرَ هذه الزيادةَ في غير رواية شعيب عن الزهري، ورواه جماعة عن الزهري بدونها، وأظنها من كلام الزهري، ويحتمل من شيخه، واستدل ابن حزم بهذه الزيادة للظاهرية ومن وافقهم في أن الوارث يلزمه قضاء النذر عن مورثه في جميع الحالات، انتهى. قال الخرقي: من نذر أن يصوم فمات قبل أن يأتي به صام عنه ورثته من أقاربه، وكذلك كل ما كان من نذر طاعة. قال الموفق(٢): يعني من نذر حجاً، أو اعتكافاً، أو صلاة، أو غيره من الطاعات، ومات قبل فِعْلِه فَعَلَهُ الولي عنه، وعن أحمد في الصلاة لا يُصلي عن الميت؛ لأنها لا بدل لها بحال، وأما سائر الأعمال فيجوز أن ينوب الوليُّ (١) ((فتح الباري) (٥٨٤/١١). (٢) ((المغني)) (٦٥٥/١٣). ٥٢٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حديث عنه فيها، وليس بواجب عليه، ولكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة له والمعروف، وقال مالك: لا يمشي أحد عن أحد، ولا يصلي، ولا يصوم، وكذلك سائر أعمال البدن قياساً على الصلاة، وقال الشافعي: يقضي عنه الحج، ولا يقضي الصلاة قولاً واحداً، ولا يقضي الصوم في أحد القولين، بل يُظْعَمُ عنه مكان كل يوم مسكينٌ، وقال أهل الظاهر: يجب القضاء على وليه بظاهر الأخبار الواردة فيه . وجمهور أهل العلم على أن ذلك ليس بواجب على الولي إلا أن يكون حقاً في المال، ويكون للميت تركةٌ، وأمر النبي ◌ّ في حديث الباب محمول على الندب، والاستحباب بدليل قرائن في الخبر، منها أن النبي وَلر شبّهه بالدين، وقضاء الدين على الميت لا يجب على الوارث ما لم يخلف تركة يقضي بها، وإذا ثبت هذا، فالأولى أن يقضي النذر عنه وارثُه، فإن قضاه غيره. أجزأ عنه كما لو قضى عنه دينه؛ فإن النبي ◌َّر شبّهه بالدين؛ ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو تبرع منه، وغيره مثله في التبرع، وإن كان النذر في مال تعلق بتركته، انتهى. ثم قال الزرقاني(١): ولم يظهر لي مطابقة الترجمة للحديث، انتهى. وهو كذلك عندي، فإنه ليس في شيء من طرق حديث أم سعد هذه أن النذر كان في المشي، اللَّهم إلا أن يقال: إنهم اختلفوا في تعيين هذا النذر على أقوال تقدمت قريباً، وأخرج البخاري برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ◌َّ، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، الحديث. قال الحافظ (٢) بعد ما ذكر الاختلاف فيه: قد ادّعى بعضُهم أن هذا الحديث اضطرب فيه الرواة عن سعيد بن جبير، فمنهم من قال: إن السائل (١) (شرح الزرقاني)) (٥٦/٣). (٢) ((فتح الباري)) (١٩٥/٤). ٥٢٤ ..--- ..---- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠٠) حديث ٢/١٠٠٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمَّتِهِ؛ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ عَنْ جَدَّتِهِ: أَنَّهَا كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا مَشْياً إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءٍ . امرأة، ومنهم من قال: رجل، ومنهم من قال: إن السؤال وقع عن نذر، فمنهم من فَسَّره بالصوم، ومنهم من فَسَّره بالحج، انتهى. فلما فُسِّر في بعض روايات ابن عباس المبهمة النذرُ بالحج أيضاً وهذا أيضاً مبهم، احتمل أن يُفَسَّرَ هذا بذلك . ٢/١٠٠٠ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم (عن عمته) تقدم في ((أبواب الحيض)) ما قال ابن الحذّاء: إنها عمرة بنت حزم عمةُ جد عبد الله، وقيل لها: العمة مجازاً، وتعقبه الحافظ بأن عمرة صحابية قديمة، فرواية عبد الله عنها منقطعة، فالأظهر أن المراد عمته الحقيقية، وهي أم عمرو، أو أم كلثوم، انتهى. قلت: ولا يبعد أن تكون خالة أبيه عمرة بنت عبد الرحمن، فإنه كثير الرواية عنها، إلا أنه أيضاً مجاز، والأصل الحمل على الحقيقة ما لم يقم بخلافه دليل (أنها حدثته) أي: العمة حدثت عبد الله (عن جدته) أي: جدة عبد الله، ولم يذكر اسمها أحد من الشُّرَاح، ولا أهل الرجال في المبهمات، لكن ذكر الحافظ اسم والدة أبي بكر بن محمد في ترجمة كبشة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة. (أنها) أي: جدة عبد الله (كانت جعلت على نفسها) أي: نذرت (مشياً إلى مسجد قُباء) بضم القاف، وتخفيف الموحدة، يمد ويقصر، يصرف ويمنع، موضع معروف على ثلاثة أميال من المدينة، كما تقدم في ((المواقيت)). قال الباجي(١): يقتضي أنها اعتقدت كونه قربة لمن قَرُب منه، ويدل على (١) ((المنتقى)) (٢٣٠/٣). ٥٢٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠٠) حديث ذلك ما روي: ((أن رسول الله ﴿ كان يأتي قباء راكباً وماشياً))، فمن كان بالمدينة ونذر مشياً إلى مسجد قباء، فقد روى ابن حبيب عن ابن وهب عن مالك فيمن نذر مشياً إلى مسجد وهو معه بالبلد، فإنه يمشي إليه، ويصلي فيه، وقد أوجبه ابن عباس في مسجد قباء، وهو على ثلاثة أميال من المدينة. وفي (كتاب ابن المواز)): فيمن نذر أن يصلي في مسجد غير المساجد الثلاثة فليُصلِّ بموضعه، ويُجزئه إلا أن يكون قريباً جداً فليأتِه وليُصَلِّ فيه، وهذا على ما رواه ابن عباس وأفتى به، وأما من كان بغير المدينة ممن يتكَلَّف إليه سفراً فلا يجوزُ قصدُه، ومن نَذَر ذلك لم يلزمه، والأصل في ذلك حديث ((لا تعمل المطيُّ إلا إلى ثلاثة مساجد))، المشي إلى مسجد قباء ممن قرب منها، ليس من إعمال المطيّ، فأما من نذر مشياً إليه ممن على بعدٍ ممن يكون من جهته إعمال المطي، أو نذر مشياً إلى مسجد الكوفة، أو البصرة، أو غيرهما من البلاد للصلاة فيه، فمن هو منها على سفر لم ينعقد نذره؛ لأنه نذر نذراً محظوراً ممنوعاً منه، انتهى. قال الدردير(١): ولغا أي بطل قولُه: عليّ مشيٌّ لمسجدٍ سوى المساجد الثلاثة وإن لاعتكافٍ فيه إلا القريب جداً بأن يكون ثلاثة أميال فدون، فقولان في لزوم الإتيان له ماشياً للصلاة، أو الاعتكاف، وعدم الإتيان بالكلية، بل يجب فعل ما نذره بموضعه كمن نذرهما بمسجدٍ بعيد، تحتملهما ((المدونة))، انتهى . قال الموفق(٢): إن نذر إتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة لم يلزمه إتيانه، وإن نذر الصلاة فيه لزمه الصلاة دون المشي؛ ففي أي موضع صلّى (١) ((الشرح الكبير)) (٢/ ١٧٢). (٢) ((المغني)) (٦٣٨/١٣). ٥٢٦ ----- ----- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠٠) حدیث أجزأه؛ لأن الصلاة لا تخص مكاناً دون مكان، فلزمه الصلاة دون الموضع، ولا نعلم في هذا خلافاً إلا عن الليث، فإنه قال: لو نذر صلاة أو صياماً بموضع لزمه فعله في ذلك الموضع. ومن نذر المشي إلى مسجد مشى إليه، قال الطحاوي: ولم يوافقه على ذلك أحد من الفقهاء، وذلك لأن النبي وَل﴾ قال: ((لا تشدُّوا الرحال))، الحديث متفق عليه، ولو لزمه المشي إلى مسجدٍ بعيد لَشَدَّ الرحل إليه، ولأن العبادة لا تختص بمكان دون مكان، فلا يكون فعلها فيما نذر فعلها فيه قربة، فلا تلزمه بنذره، وفارق ما لو نذر العبادة في يوم بعينه لزمه فعلها فيه؛ لأن الله تعالى عَيَّنَ لعبادته زمناً ووقتاً معيناً، ولم يعين لها مكاناً وموضعاً، والنذور مردودة إلى أصولها في الشرع، فتعينت بالزمان دون المكان، انتهى. وفي ((شرح المهذب)): إذا نذر المشي إلى مسجد غير المساجد الثلاثة لم يلزمه، ولا ينعقد نذره عندنا، وبه قال مالك وأحمد وجماهير العلماء، لكن قال أحمد: يلزمه كفارة يمين، وقال الليث بن سعد: يلزمه المشي إلى ذلك، وقال محمد بن مسلمة المالكي: إذا نذر قصد مسجد قباءٍ لزمه، للحديث المشهور في (الصحيحين)) ((أن النبي ◌َلّ كان يأتي قباءً كل سَبْتٍ راكباً وماشياً))، انتهى. قلت: ما حكي عن أحمد من لزوم الكفارة يخالفه ما تقدم في أول النذر في نذر المباح عن الموفق، فلو صح يكون رواية عنده، والظاهر عندي أنه اشتبه عليه بنذر المباح، ففيه التخيير عند أحمد بين إتيان النذر، وأداء الكفارة، كما تقدم في أول (النذور)). وما حكي عن محمد بن مسلمة يُشكل عليه ما تقدم في ((جامع الصلاة)) عن ((العيني)): في إتيانه ◌َلّ قباءً ماشياً وراكباً حجة على من كره تخصيصها يوم السبت، حكاه عياض عن محمد بن مسلمة من المالكية مخافة أن يظن ذلك ٥٢٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠٠) حديث فَمَاتَتْ وَلَمْ تَقْضِهِ. فَأَقْتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ ابْتَتَهَا أَنْ تَمْشِيَ عَنْهَا . سُنَّةً، قال عياض: لعله لم يبلغه هذا الحديث، وقد احتجّ ابنُ حبيب من المالكية بزيارته وَ ﴿ مسجد قباءٍ راكباً وماشياً على أن المدني إذا نذر الصلاة في مسجد قباء لزمه ذلك، انتهى، وما حكى عياض مقدم على ما حكاه النووي، فإن عياضاً مالكي. ثم النذر لا يختصّ بزمان، ولا مكان عندنا الحنفية، إلا أن النذر المعلَّق لا يجوز تعجيله قبل وجود الشرط؛ لأن المعلّق على شرط لا ينعقد سبباً للحال كما في صوم ((الدر المختار)) (١): فلو نذر الصلاة في المسجد الحرام يصح أداؤه في مسجد المدينة خلافاً لزفر، وقيل لأبي يوسف كما في ((شرح اللباب)): فلا يجب عندنا إتيان قباء (فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس) - رضي الله عنهما - (ابنتها أن تمشي عنها) أي عن أمها، وهي جدة عبد الله. وفي فتواه - رضي الله عنه - مسألتان: الأولى: صحة هذا النذر، والثانية: النيابة في المشي، وسيأتي الكلام على الثانية في قول مالك - رضي الله عنه -، أما الأولى فتحتمل فتوى ابن عباس وجوهاً: الأول: أن يكون مسلك ابن عباس - رضي الله عنه - صحة هذا النذر مطلقاً كقول الليث، والثاني: صحة النذر في مسجد قباء خاصةً للفضل الوارد فيه كقول محمد بن مسلمة على ما حكى عنه عياض، والثالث: صحة هذا النذر لكونها من أهل المدينة وقباء قريب منها، كما تقدم عن ((كتاب ابن المواز))، ورواية ابن وهب عن مالك. وعلى هذه الوجوه الثلاثة تكون فتوى ابن عباس - رضي الله عنهما - على الوجوب. والرابع: يحتمل أن يكون مسلكه - رضي الله عنه - كإحدى الروايتين عن أحمد: أن في نذر المباح يتخيّر الرجلُ بين إتيان المنذور والتكفير، ورجّح (١) انظر: ((الدر المختار)) (٤٨٠/٢). ٥٢٨ ------ ----- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠١) حديث قَالَ يَحْبَى: وَسَمِعْتُ مَالِكاً يَقُولُ: لَا يَمْشِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ. ٣/١٠٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، ابن عباس في حقها الإتيان بالمنذور؛ لكون قباء قريباً من المدينة، فلا مشقة فيه، بخلاف التكفير، فإنه إذ ذاك أشدُّ من المشي ثلاثة أميال، وهذه الوجوه الأربعة محتملة في أثر ابن عمر - رضي الله عنهما - أيضاً، قال البخاري في ((صحيحه): أمر ابن عمر - رضي الله عنهما - امرأةً جعلت أمها على نفسها صلاةً بقباء، فقال: صَلّي عنها، وقال ابن عباس نحوه، اهـ. (قال مالك: لا يمشي أحدٌ عن أحدٍ) وذلك لأن المشي طاعة بدنية، ولا نيابة في الطاعات البدنية عند مالك والحنفية والجمهور، كما تقدم في أبواب (الصوم)) مفصلاً، وفي الحديث السابق مختصراً، وهي المسألة الثانية في فتوى ابن عباس. وهذا بعد تسليم صحة نذرها، وإلا فقد عرفت قريباً أن نذر المشي إلى قباء أيضاً لا يصحّ عند الجمهور، قال ابن القاسم: أنكر مالك الأحاديث في المشي إلى قباء، ولم يعرف المشي إلا إلى مكة خاصة، قال ابن عبد البر: يعني لا يعرف إيجاب المشي للحالف والناذر، وأما المتطوع فقد روى مالك فيما مَرَّ ((أنه ◌َ ير كان يأتي قباء ماشياً وراكباً))، قاله الزرقاني(١). وقال صاحب ((المحلى)): في الأثر انعقاد النذر بالمشي إلى مسجد قباء ونحوه وجواز النيابة عنه، ولم يأخذ مالك ولا غيره بهذين الحكمين، قال صاحب ((الرسالة)): من نذر شيئاً(٢) إلى المدينة، أو بيت المقدس، أتاهما راكباً إن نوى الصلاة، وإلا فلا شيء عليه، وأما غير هذه المساجد فلا يأتيها ماشياً ولا راكباً، ولِيُصَلِّ بموضعه، انتهى. ٣/١٠٠١ - (مالك، عن عبد الله بن أبي حبيبة) المدني مولى الزبير بن (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٧/٣)، وانظر ((الاستذكار)) (١٧/١٥). (٢) (كذا في الأصل، والظاهر مشياً، اهــ ((ز)). ٥٢٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠١) حدیث قَالَ: قُلْتُ لِرَجُلٍ، وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ: مَا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ عَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، وَلَمْ يَقُلْ: عَلَيَّ نَذْرُ مَشْي. العوام، روى عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وروى عنه بُكير بن عبد الله ومالك، قال ابن الحذّاء: هو من الرجال الذين اكتفي في معرفتهم برواية مالك عنهم، وذكر ابن أبي حاتم: أن مالكاً روى عنه عن سعيد بن المسيّب، وفي ((مسند أبي حنيفة)): أنه روى عن عبد الله بن أبي حبيبة حديثاً. قال فيه: سمعت أبا الدرداء في فضل من قال: لا إله إلا الله، كذا في (التعجيل)) (١). قلت: واشتبه على بعضهم هذا الراوي بعبد الله بن أبي حبيبة، اسمه الأردع بن الأزعر الصحابي الذي ذكره الحافظ في القسم الأول من ((الإصابة))، وأنت خبير بأنه لا يمكن أن يروي عنه الإمام مالك الذي هو في الطبقة السابعة من طبقات ((التقريب)) للحافظ ابن حجر، وقد قال في الطبقة السادسة: إنه لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة، فكيف للذي هو في الطبقة السابعة؟ وأيضاً اكتفى ابن الحذّاء لمعرفته برواية الإمام مالك عنه، فإن كان هذا صحابياً فأيّ فاقةٍ لمعرفته برواية مالك؟. (قال: قلت لرجل) لم يُسَمَّ (وأنا يومئذ حديثُ السِنَّ) قالها اعتذاراً عن الجهل بالمسألة، قال الباجي(٢): يريد أنه لم يكن فَقُّهَ بعدُ لصغر سنه وحداثته، وإنه لم يبلغ من السن مبلغاً يتّسع لتفقهه في مثل هذا من الأمور التي تندر، وليست بمعتادةٍ، وروى ابن حبيب عن مالك قال: كان عبد الله بن أبي حبيبة يومئذ قد بلغ الحلم إلا أنه كان صغيراً بحدثان بلوغه (ما على الرجل) لفظ ما نافية، أي ليس عليه بأس في (أن يقول عليّ) بتشديد الياء المجرورة بعلى (مشيّ إلى بيت الله ولم يقل: عليّ نذرُ مشي) ولفظ محمد في ((موطئه))(٣): ليس على (١) ((تعجيل المنفعة)) (ص٢١٨). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٢/٣). (٣) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (١٦٢/٣). ٥٣٠ --- -- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠١) حديث فَقَالَ لِي رَجُلٌ: هَلْ لَكَ أَنْ أُعْطِيَكَ هُذَا الْجِرْوَ، لِجِرْوِ قِتَّاءٍ فِي يَدِهِ، وَتَقُولُ: عَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ؟ قَالَ فَقُلْتُ: نَعَمْ. الرجل يقول: عليّ المشي إلى بيت الله، ولا يُسَمِّ نذراً - شيءٌ. قال الباجي: يريد أنه لا شيء عليه في هذا القول، ولا يلزم به حج، ولا غير ذلك مما يتعلق به النذر، حتى يتلفظ بلفظ النذر، فاعتقد أن لفظ الالتزام والإيجاب إذا عرا من لفظ النذر لم يجب عليه به شيء؛ وهذا لأنه لم يكن تفقّه في هذه المسألة، والذي روى ابن المعاذ وغيره عن مالك أن ذلك سواء، يلزمه المشي إلى مكة، ذكر النذر أم لم يذكر، وبذلك أجابه سعيد بن المسيب، وقد روي عن سعيد والقاسم بن محمد: أنه لا يلزمه شيء حتى يذكر النذر، وقد جعلاه من باب الخبر، على أن إسناده عن سعيد بن المسيب ضعيف، أهـ. (فقال لي رجل) آخر غير الذي خاطبه عبد الله أولاً، كما يدل عليه تنكير لفظ الرجل، أو المراد الرجل المذكور، كما يدل عليه رواية محمد بلفظ : ((فقال الرجل)) (هل لك) رغبة في (أن) ناصبة (أعطيك هذا الجرو) مثلث الجيم، قال ابن السكيت: والكسر أفصح، الصغير من كل شيء (لجرو قِّاء) بكسر القاف وتشديد المثلثة، وقد يفتح القاف، خيار، واللام فيه بمعنى إلى، والجملة في موضع الحال، أي مشيراً بلفظ هذا الجرو إلى جرو قِّاءٍ، كان (في يده) وفي نسخة: ((بيده))، شبّهت بصغار أولاد الكلاب للينها، ونعومتها، كذا في ((البارع))، قاله الزرقاني(١). (وتقول) في جزاء الجرو (عليّ مشي إلى بيت الله؟ قال) عبد الله (فقلت: نعم) أقوله، قال الباجي(٢): قول الرجل: هل لك إلخ، على معنى الإنكار لقوله: والحمل له على تعب المشي إلى بيت الله، إن لم يرجع عن قوله ذلك، (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٧/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢٣٢/٣). ٥٣١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠١) حديث فَقُلْتُهُ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ. ثُمَّ مَكَثْتُ حَتَّى عَقَلْتُ. فَقِيلَ لِي: إِنَّ عَلَيْكَ مَشْياً. فَجِئْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ لِي: عَلَيْكَ مَشْيٌ. واعتقد أنه يغتنم منه أخذ جرو القثاء لغير سبب، ومثل هذا مما يجب أن لا يفعل، فربما حمل الإنسان لا سيما من لا علم عنده اللجاج عن التزام ما يشقّ عليه، وربما لم يمكنه الوفاء به، وقد كان الأولى أن يعلمه بوجه الصواب فيما قال، فإن أناب إليه وإلا حضه على السؤال عنه، لكنه ربما اعتقد فيه أنه إذا لم يلتزم هذا القول أغفل السؤال عنه، والبحث عن الصواب فيه. (فقلته) أي هذا الكلام (وأنا يومئذ حديث السن) لم أتفقه ما لزم عليّ (ثم مكثت) زماناً (حتى عقلتُ) أي تفقهت المسائل (فقيل لي: إن عليك مشياً) إلى بيت الله، أي لزم عليك بما قلته في حداثة السن، قال الباجي: يريد أنه عقل أمره، وأقبل على أمر دينه، والاهتبال بما يلزمه منه، ومجالسة أهل الدين والعلم، ومذاكرتهم. لما جرى له من ذلك، فقيل له: إن عليه المشي على حسب ما التزمه، وترك لفظ النذر لا يمنع أن يجب عليه ما التزمه. (فجئت سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك) يحتمل أن يكون الذين أخبروه بوجوب ذلك عليه لم يكونوا عنده من أهل العلم والاجتهاد، فلم ير تقليدهم في ذلك، حتى سأل سعيد بن المسيب؛ لأنه كان أعلم وقته بعد الصحابة، كذا في ((المنتقى)»(١). (فقال لي) سعيد لزم (عليك مشي) إلى بيت الله بقولك، قال ابن عبد البر: المعروف عن ابن المسيب خلاف ما روى عنه ابن أبي حبيبة، وأنه لا شيء عليه حتى يقول: علي نذر مشي إلى الكعبة، وأظنه جعل قوله: علي مشي إخباراً بباطل، اهـ. وتقدم ما قال الباجي: إن إسناده إلى سعيد ضعيف، وقال (١) (٢٣٢/٣). ٥٣٢ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠١) حديث فَمَشَيْتُ . قَالَ مَالِكٌ: وَهُذَا الْأَمْرُ عِنْدَنَا . الزرقاني(١): إن ثبت ما قال: إنه المعروف عنده فيكون رجع عن ذلك، وإلا فالإسناد إليه صحيح، مالك عن ابن أبي حبيبة عنه لا سيما، وهو صاحب القصة، انتهى. قلت: وما حكى ابن عبد البر عن ابن المسيب، أخرجه ابن أبي شيبة (٢) برواية حماد بن خالد الخيّاط عن محمد بن هلال سمع سعيد بن المسيب يقول: ((من قال: علي المشي إلى بيت الله فليس بشيء، إلا أن يقول: علي نذر مشي إلى الكعبة)) (فمشيت) يعني التزم ذلك، وقلد ابن المسيب فيما أفتاه به، فمشى إلى مكة في حج أو عمرة، كذا في ((المنتقى)). (قال) الإمام (مالك: هذا) الذي روي عن سعيد بن المسيّب هو (الأمر عندنا) قال الباجي(٣): وليس قول مالك هذا عند ابن القاسم، ولا أكثر رواة ((الموطأ)) اهـ. قلت: وهو في جميع النسخ الموجودة عندنا من المصرية والهندية، وقال محمد في ((موطئه)) (٤) بعد الأثر المذكور: قال محمد: وبهذا نأخذ من جعل عليه المشي إلى بيت الله لزمه المشي إن جعله نذراً، أو غير نذر، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا - رحمهم الله -، انتهى. ولا يذهب عليك أن في أثر الباب ثلاثة مسائل، اختلط كلام شراح ((الموطأ)) في ذكرها، حتى خالطت مسألة بأخرى، الأولى: ما سيق له الأثر، (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٨/٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٦/١٥). (٣) ((المنتقى)) (٢٣٣/٣). (٤) ((التعليق الممجد)) (١٦٣/٣). ٥٣٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (١٠٠١) حديث وهو لفظ النذر، حتى أنكر ابن أبي حبيبة لزوم النذر لمن لم يتلفّظ به، وهو الذي قال له مالك: هذا الأمر عندنا، وقال له محمد: بهذا نأخذ، وتقدم في كلام الباجي أن ذلك الذي رواه ابن المواز وغيره عن مالك، وحكى الخلاف فيه عن ابن المسيب والقاسم بن محمد. وقال الموفق(١): صيغة النذر أن يقول: لله عليّ أن أفعل كذا، وإن قال: علي نذر كذا لزمه أيضاً، وإن قال: لله علي المشي إلى بيت الله، قال ابن عمر: هذا نذر، ونحوه عن القاسم بن محمد، ويزيد بن إبراهيم التيمي، ومالك، وجماعة من العلماء، واختلف فيه عن سعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمد، فروي عنهما مثل قولهم، وروي عنهما فيمن قال: علي المشي إلى بيت الله، فليس بشيء؛ إلا أن يقول: عليّ نذر مشي إلى بيت الله، ولنا، أن لفظ عليّ للإيجاب على نفسه، فإذا قال: علي كذا، فقد أوجبه على نفسه فلزمه، انتهى. والثانية: ما تقدمت إليه الإشارة في كلام الباجي من نذر اللجاج، إذ قال: ربما حمل الإنسان لا سيّما من لا علم عنده اللجاج على التزام ما يشقّ عليه، وقال أيضاً في موضع آخر: ويلزم النذر على وجه اللجاج والغضب، وقال الشافعي: هو مُخيَّر في نذره على اللجاج بين أن يُكَفِّرَ كفارة يمين، وبين أن يفي به. ودليلنا على صحة ما نقوله قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ والوفاء بها أن يأتي بها على حسب ما التزمها، ودليلنا من جهة السنة قوله عليه السلام: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه))، ودليلنا من جهة القياس، أن هذه حال يلزم فيها الوفاء بالطلاق والعتاق، فلزم فيها الوفاء بسائر القرب كحال الرضى، اهـ. قال الزرقاني(٢): وهذا خالف فيه مالكاً أكثرُ العلماء، وذلك نذر على (١) ((المغني)) (٦٥٩/١٣). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٥٧/٣). ٥٣٤ ---- ---- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (٢) باب فيمن نذر مشياً إلى بيت الله فعجز مخاطرةٍ، والعبادات إنما تصح بالنيات، لا بالمخاطرة، وهذا لم تكن له نية، فكيف يلزمه ما لم يقصد به طاعة؟ ولذا قال محمد بن عبد الحكم: من جعل على نفسه المشي إلى مكة إن لم يُرِد حَجّا ولا عمرة فلا شيء عليه، كذا قاله ابن عبد البر. ولا يضر مالكاً مخالفة الأكثر؛ لأنه مجتهد، بل لو انفرد فلا ضرر، انتهى. قلت: وسيأتي الكلام على نذر الدجاج قريباً . والمسألة الثالثة: ماذا يجب على من نذر المشي إلى بيت الله؟ وسيأتي الكلام على ذلك في أول الترجمة الآتية قريباً . (٢) ما جاء فيمن نذر مشياً إلى بيت الله زاد في النسخ المصرية بعد ذلك ((فعجز))(١) وليست الزيادة في النسخ الهندية، قال الخرقي: إذا نذر المشي إلى بيت الله الحرام لم يجزئه إلا أن يمشي في حج أو عمرة، قال الموفق(٢): جملته: من نذر المشي إلى بيت الله الحرام لزمه الوفاء بنذره، وبهذا قال مالك، والشافعي، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافاً، ولا يجزئه المشي إلا في حج أو عمرة، وبه يقول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً؛ لأن المشي المعهود في الشرع هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حُمِل على المعهود الشرعي، ويلزمه المشيُّ فيه لنذره. فإن نذر الحج راكباً لزمه الحج كذلك، وكل موضع نذر المشي فيه أو الركوب، فإنه يلزمه الإتيان بذلك من دُويرة أهله، إلا أن ينوي موضعاً بعينه، فيلزمه من ذلك الموضع، ويُحرم للمنذور من حيث يحرم للواجب، قال بعض (١) في (الاستذكار)) (٢٩/١٥) قال أبو عمر: وفي معناه فيمن نذر المشي، فمشى ثم عجز. (٢) ((المغني)) (٦٣٥/١٣). ٥٣٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب الشافعية: يجب الإحرام من دويرة أهله؛ لأن إتمام الحج كذلك. ولنا: أن المطلق محمول على المعهود في الشرع. وإذا نذر المشي إلى بيت الله، أو الركوب إليه، ولم يرد بذلك حقيقة المشي، والركوب، إنما أراد إتيانه، لزمه إتيانه في حج أو عمرة، ولم يتعين عليه مشي ولا ركوب؛ لأنه عنى ذلك بنذره، وهو محتمل له، فأشبه ما لو صرح به، ولو نذر أن يأتي بيت الله الحرام، أو يذهب إليه لزمه إتيانه في حج أو عمرة، وعن أبي حنيفة: لا يلزمه شيء؛ لأن مجرد إتيانه ليس بقربة ولا طاعة . ولنا: أنه علّق نذره بوصول البيت فلزمه، كما لو قال: لله علي المشي إلى الكعبة، وإذا ثبت هذا فهو مخيّر في الركوب والمشي، وكذا إذا نذر ألّا يحج البيت أو يزوره؛ لأن الحج يحصل بكل واحد من الأمرين، فلم يتعين أحدهما، وإن قال: لله علي أن آتي البيت الحرام غير حاج، ولا معتمر، لزمه الحج والعمرة، وسقط شرطه، وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن قوله: لله علي أن آتي البيت، يقتضي حجاً أو عمرة، وشرط سقوط ذلك يناقض نذره، فسقط حکمه. وإذا نذر المشي إلى البلد الحرام، أو بقعة منه كالصفا والمروة، وأبى قبيس، أو موضع في الحرم لزمه الحج أو عمرة نص عليه أحمد، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه إلا أن ينذر المشي إلى الكعبة أو مكة، وقال أبو يوسف ومحمد: إن نذر المشي إلى الحرم، أو إلى المسجد الحرام كقولنا، وفي باقي الصور كقول أبي حنيفة. أما إن نذر المشي إلى غير الحرم، كعرفة، أو مواقيت الإحرام، وغير ذلك، لم يلزمه شيء، ويكون كنذر المباح، وكذلك إن نذر إتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة، لم يلزمه شيء. ٥٣٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب وإن نذر المشي إلى بيت الله تعالى، ولم ينو به شيئاً، ولم يُعَيِّنُه، انصرف إلى بيت الله الحرام؛ لأنه المخصوص بالقصد دون غيره، انتهى مختصراً. وقال الباجي(١): في ذلك ست مسائل؛ إحداها: في تعليق المشي بمكان يلزم المشي إليه، وتبيينه مما لا يلزم. والثانية: فيما يلزم بالنذر من المشي والمسير. والثالثة: في ابتداء ذلك من الزمان والمكان. والرابعة: في العمل فيه. والخامسة: في انتهائه. والسادسة: في مشاركة غيره له، ثم أطال الباجي البحث في هذه المسائل الست، ونذكر منها ما يتعلق بهذا المحل. فقال: أما المسألة الأولى: فإن المشي يتعلق بالأماكن على ثلاثة أضرب: ضرب؛ إذا علّق المشي به وجب المسير إليه، والمشي فيه، وضرب؛ إذا علّق المشي به لم يجب المسير إليه، ولا المشي فيه، وضربٌ؛ إذا علّق المشي به وجب المسير إليه، ولم يجب المشي فيه. أما الأول: فمنه ما اتفق عليه أصحابنا، ومنه ما اختلفوا فيه، فأما تعليق المشي بالبيت كقولك: إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو لشيء منه، كقولك: إلى الركن، أو بما يشتمل عليه البيت من جهة البنيان، كقولك: إلى المسجد الحرام، أو إلى مكة، فهذا لا خلاف في المذهب في وجوب المسير والمشي، وقد اختلفت الرواية عن ابن القاسم في إلحاق الحجر والحطيم بذلك. وقال أصبغ: إذا سَمَّى شيئاً بقرية مكة كالصفا والمروة، وأبي قبيس، وشبه ذلك لزمه، وإذا سمى ما هو خارج من قرية مكة لم يلزمه، وقال ابن حبيب: إذا سمى شيئاً مما في الحرم كمنى ومزدلفة، وغير ذلك لزمه، وإذا سمى شيئاً مما هو خارج الحرم، لم يلزمه إلا عرفة، انتهى. وقال الدردير (٢) والدسوقي: لزم المشي في حج أو عمرة لمن نذر المشي (١) ((المنتقى)) (٢٣٣/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (١٦٦/٢). ٥٣٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب لمسجد مكة، أو حلف به وحنث، بل ولو نذر المشي لصلاة فرضاً أو نفلاً، وفيه خلاف القاضي إسماعيل القائل: إن من نذر المشي إلى المسجد الحرام للصلاة لا للنسك، لا يلزمه المشي، ويركب إن شاء، وخرج إلى الحل من نذر المشي بمكة، وهو بها، وأتى بعمرة من طرف الحل ماشياً . كما أن من نذر المشي لمكة، أو للمسجد، أو للبيت، أو لجزئه المتصل به كبابه، وركنه، وحطيمه، كللَّه عليّ المشي لباب البيت، والحال أنه ليس بمكة يلزمه المشي لمكة في حج، أو عمرة، لا غير البيت، وجزؤه المنفصل عنه كزمزم، والمقام، والصفا والمروة، وعرفة، ومحل عدم لزوم المشي لمن نذر المشي للمنفصل عن البيت، إذا لم ينو به نسكاً، فإن نواه لزمه المشي كالمتصل. فإن كان بمكة خرج إلى الحل، وأتى بعمرة كما مرَّ، وقالا أيضاً في موضع آخر: ولغا أي بطل قول الشخص: لله علي المسير، أو الإتيان، أو الانطلاق، أو الذهاب، أو الركوب لمكة إلا أن ينوي إتيانه حاجاً أو معتمراً، فيلزم الإتيان، ويركب إلا أن ينوي ماشياً فيلزم، وإنما لغا ما ذكر دون المشي مع أن المسير والذهاب مساويان له في المعنى، والمقصود؛ لأن العُرف إنما جرى بلفظ المشي دون غيره، ولأنه الوارد في السنة، ولغا مطلق المشي من غير تقييد بمكة لفظاً أو نية، كأن يقول: لله عليّ مشيّ؛ لأن المشي بانفراده لا طاعة فيه، وألزمه أشهب المشي لمكة، انتهى كلامهما مختصراً ممتزجاً. وقال القاري في ((شرح اللباب)) (١): النذر نوعان: صريح، وكناية، أما الأول: فبيانه أنه إذا قال: لله عليّ حجة، أو قال: عليّ حجة، يلزمه الوفاء سواء كان النذر مطلقاً، أو معلقاً، والكنايات إذا قال: عليّ المشي إلى (١) (ص٢٦٦). ٥٣٨ ------ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب بيت الله، أو الكعبة، أو مكة، أو زيارة البيت، أو علّق ما ذكر بشرط، أو حلف مشياً بحجة أو عمرة، وهو في مكة، أو غيرها من أرض الحل، أو الآفاق، أو قال: عليّ إحرام، فعليه حجة أو عمرة، والبيان أي تعيين أحدهما عليه . ولو قال: عليّ المشي، أو الذهاب، أو السفر، أو الإتيان، أو الركوب، أو الشدّ، أو الهرولة إلى الحرم، أو المسجد الحرام، أو الصفا أو المروة، أو مقام إبراهيم، أو الحجر الأسود، أو الركن، أو أستار الكعبة، أو ميزابها، أو بابها، أو عرفات، أو منى، أو زمزم، لا يلزمه شيء في جميع الصور. لكن في بعضها خلاف، فإنه لو قال: عليّ المشي إلى الحرم، أو إلى المسجد الحرام، لا شيء عليه عند أبي حنيفة، وعندهما يلزمه حجة أو عمرة، ويؤيدهما أنه إذا قال: علي المشي إلى مكة يلزمه حجة أو عمرة اتفاقاً، مع أن المسجد الحرام أخصّ من مكة، وأنه قد يطلق على الكعبة، وعلى مطلق الحرم أيضاً، وقيل: في زمن أبي حنيفة لم يجر العرف بلفظ المشي إلى الحرم، والمسجد الحرام بخلاف زمانهما، فيكون اختلاف زمانٍ لا اختلاف دليل، وفيه أن الكنايات لا تعلق لها بالعرفيات، انتهى. وفي ((التعليق الممجد)) (١): لزمه المشي مع الحج أو العمرة، سواء أطلق لفظ النذر، أو لم يطلق، وسواء قال: عليّ المشي إلى بيت الله، أو إلى الكعبة، أو إلى مكة، أو بكة، وسواء قال ذلك في مكة، أو خارجها، فيلزم في هذه الصور أحد النسكين ماشياً؛ لأنه تعورف إيجاب أحد النسكين، فصار فيه مجازاً لغوياً، حقيقة عرفية، مثل ما لو قال: عليّ حجة، أو عمرة، بخلاف ما إذا قال: عليّ الذهاب إلى مكة، أو الذهاب لله، أو عليّ السفر إلى مكة، (١) ((التعليق الممجد)) (١٦٣/٣). ٥٣٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (٢) باب (١٠٠٢) حديث ٤/١٠٠٢ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عُرْوَةَ بْن أُذَيْنَةَ اللَّيْئِيِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ جَدَّةٍ لِي عَلَيْهَا مَشْيْ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَجَزَتْ. أو الركوب إليها، أو نحو ذلك، فإنه لا يلزمه فيها شيء؛ لعدم تعارف إيجاب أحد النسكين بها، وعدم كون السفر، ونحوه قربة مقصودة. وكذا إذا قال: عليّ المشي إلى بيت الله، وأراد به مسجداً من المساجد، وكذا في: عليّ الشدّ، أو الهرولة، أو المشي إلى أستار الكعبة، أو ميزابها، أو الصفا والمروة، أو عرفات، انتهى. ٤/١٠٠٢ - (مالك، عن عروة بن أذينة) بضم الهمزة وفتح الذال المعجمة مصغر اللقب، واسمه يحيى بن مالك بن الحارث بن عمرو (الليثي) من بني ليث بن بكر بن كنانة، كان شاعراً ثقة، ليس له في ((الموطأ)) غيره، قاله ابن عبد البر(١)، وقال الحافظ في ((التعجيل))(٢): رجل مشهور من أهل المدينة له شعر حسن. نسبه ابن الكلبي، فقال: أذينة لقب، واسمه يحيى بن مالك بن أبي سعيد بن الحارث بن عمرو الليثي ثم اليعمري الشاعر، وذكره البخاري فقال: مدنيّ، روى عنه مالك، وعبيد الله بن عمرو، وذكره ابن حبان في ((الثقات)). (أنه قال: خرجت) بصيغة المتكلم (مع جدة لي) لم تسم (عليها مشيّ إلى بيت الله) أي وجب عليها للنذر أو اليمين، وسيأتي في الأثر الآتي ما قال الباجي: اليمين بمثل هذا مكروه. (حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت) عن المشي، ولم تُطِق إتمامه، والأثر أخرجه ابن أبي شيبة في ((مصنفه))(٣) برواية عبيد الله بن عمر، ومالك عن (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩/١٥). (٢) ((تعجيل المنفعة)) (ص ٢٨٥). (٣) (٤٩٢/٣). باب الرجل والمرأة يحلفان بالمشي ولا يستطيعان. ٥٤٠ ---- - .....-