Indexed OCR Text
Pages 501-520
٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٨) حديث تنفسخ بموته، وهذا قول أكثر أصحاب الشافعي، ثم قال: وغير المكيل والموزون تلزم الهبة فيه بمجرد العقد، ويثبت الملك في الموهوب قبل قبضه. روي ذلك عن علي وابن مسعود أنهما قالا: الهبة جائزة إذا كانت معلومة، قبضت أو لم تقبض، وهو قول مالك وأبي ثور، وعن أحمد رواية أخرى لا تلزم الهبة في الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل العلم، قال المروزي: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي - رضي الله عنهم - على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة، ويروى ذلك عن الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، انتھی . قلت: وترجم البخاري على هذا الحديث(١) في كتاب الهبة ((باب إذا وهب هبة، أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه)) قال الإسماعيلي: هذه الترجمة لا تدخل في كتاب الهبة بحال، قال الحافظ (٢): قال ذلك بناء على أن الهبة لا تصح إلا بالقبض، وإلا فليست بهبة، وهذا مقتضى مذهبه، لكن من يقول: إنها تصح بدون القبض يسميها هبة، وكان البخاري جنح إلى ذلك، وقال ابن بطال: لم يرو عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة أي مطلقاً، وإنما نقل عن مالك أنه يجب منه ما كان بسبب، قال الحافظ: غفل عما ذكره ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز وعما نقله هو عن أصبغ، وعما سيأتي في البخاري الذي تصدى لشرحه في ((باب من أمر بإنجاز الوعد))، انتهى. وذكر الحافظ(٣) تحت هذه الترجمة: قال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع، وليس بفرض لاتفاقهم على أن الموعود لا يضارب (١) أخرجه البخاري (٢٥٩٨). (٢) ((فتح الباري)) (٢٢٢/٥). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٢٩٠/٥). ٥٠١ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٨) حديث بما وعد به من الغرماء، قال الحافظ: نقل الإجماع فيه مردود، فإن الخلاف فيه مشهور، لكن القائل به قليل، وقال ابن عبد البر وابن العربي: أجلُّ من قال به عمر بن عبد العزيز، وعن بعض المالكية إن ارتبط الوعد بسبب وجب الوفاء به، وإلا فلا، فمن قال لآخر: تزوج ولك كذا، فتزوج لذلك وجب الوفاء به. وخرج بعضهم الخلاف على أن الهبة هل تملك بالقبض أو قبله؟ وقرأت بخط أبي - رحمه الله - في إشكالات على ((الأذكار)) للنووي، ولم يذكر جواباً عن الآية يعني قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْنًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾(١) وحديث آية المنافق، قال: والدلالة للوجوب منها قوية، فكيف حملوه على كراهة التنزيه مع الوعيد الشديد، وينظر هل يمكن أن يقال، يحرم الإخلافُ، ولا يجب الوفاء؟ أي يأثم بالإخلاف، وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك، انتهى. وأخرج البخاري في (صحيحه)): وفعله الحسن أي الأمر بإنجاز الوعد، وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب، وقال البخاري رأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع، يعني يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد، كذا في ((الفتح)). قال العيني: (٢) جمهور العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد على أن إنجاز الوعد مستحب، وأوجبه الحسن وبعض المالكية، واستدل بعض الشافعية بهذا الحديث على وجوب الوفاء بالوعد في حق النبي وَّر، لأنهم زعموا أنه من خصائصه، ولا دلالة فيه أصلاً لا على الوجوب ولا على الخصوصية، انتھی . (١) سورة الصف: الآية ٣. (٢) ((عمدة القاري)) (٦٢٢/٨). ٥٠٢ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٨) حديث وقال الحافظ(١): إن أبا بكر - رضي الله عنه - لما قام مقام النبي ◌َّل تكفل بما كان عليه من واجب أو تطوع، فلما التزم ذلك لزمه أن يوفي جميع ما عليه من دين أو عدة، وكان ◌َ# يحب الوفاء بالعهد، فنفذ أبو بكر ذلك، وقد عدَّ بعض الشافعية من خصائصه وَّ وجوب قبول الوفاء أخذاً من هذا الحديث، ولا دلالة في سياقه على الخصوصية، ولا على الوجوب. وفيه قبول خبر الواحد العدل من الصحابة، ولو جرّ ذلك نفعاً لنفسه لأن أبا بكر لم يلتمس من جابر شاهداً على صحة دعواه، ويحتمل أن يكون أبو بكر قد علم ذلك، فقضى له بعلمه فيستدل بذلك على جواز مثل ذلك للحاكم. وقال الإسماعيلي(٢): ليس ما قاله النبي ◌َّ هبة، وإنما هي عدة على وصف لكن بما كان وعد النبي ◌َ﴾ لا يجوز أن يخلف، نَزَّلُوا وعده منزلة الضمان في الصحة فرقاً بينه وبين غيره من الأئمة ممن يجوز أن يفي وأن لا يفي . وقال ابن بطال: لما كان النبي ◌ّ( أولى الناس بمكارم الأخلاق اذَّى أبو بكر - رضي الله عنه - مواعيده عنه، ولم يسأل جابراً البينة على ما ادّعاه، لأنه لم يدع شيئاً في ذمة النبي ◌َّر، وإنما ادّعى شيئاً في بيت المال، وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام، انتهى. قال ابن عبد البر في ((التمهيد))(٣): ذكر أهل السِّير أن النبي ◌َّ كان قد وعد عمرو بن العاص حين بعثه إلى المنذر بن ساوي أن يستعمله على صدقات سعد هُذيم، فلما قدم بعد وفاة رسول الله ◌َّ استعمله عليها أبو بكر - رضي الله عنه - إنفاذاً لوعد رسول الله وَلة . (١) ((فتح الباري)) (٤٧٥/٤). (٢) ((فتح الباري)) (٢٢٢/٥). (٣) (٢١٣/٣)، و((الاستذكار)) (٣٥٣/١٤) ٥٠٣ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٨) حديث وروى ابن فضيل عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي جحيفة قال: ((رأيت النبي ◌َّل﴿ أبيض قد شاب وأمر بثلاثة عشر قلوصاً، فذهبنا نقبضها فأتانا موته، فلم يعطونا شيئاً، فلما قدم أبو بكر - رضي الله عنه - قال: من كانت له عند رسول الله ◌َّ عدة فليجئ، فقمت إليه فأخبرته، فأمر لنا بها))(١). كمل(٢) كتاب الجهاد. والحمد لله، ليس هذا الكلام في النسخ المصرية من المتون والشروح، ويوجد في جميع النسخ الهندية، وله المنة على إتمام شرحه. ----------- - (١) أخرجه الترمذي في الأدب (٢٨٢٦)، ((باب ما جاء في العدة)) (١٢٨/٥ - ١٢٩) وقال: «هذا حديث حسن)). (٢) في ((الاستذكار)) (٣٥٤/١٤) تم كتاب الجهاد، والحمد لله رب العالمين. ٥٠٤ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور بسم الله الرحمن الرحيم ٢٢ - كتاب النذور والأيمان (٢٢) كتاب النذور والأيمان بسم الله الرحمن الرحيم هكذا في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وكذا في جميع النسخ الهندية غير أنها بأسرها خالية عن لفظ الأيمان، مقتصرة على كتاب النذور فقط، والأوجه عندي وجود هذا اللفظ لثلاثة وجوهٍ: الأول: اتفاق النسخ المصرية، والثاني: لوجود روايات الأيمان في هذا الكتاب، والثالث: ما في آخر هذا الكتاب من النسخ الهندية «كَمُلَ كتاب النذور والأيمان)). ثم النسخ المصرية والهندية كلها متفقة على التسمية بعد الكتاب، والنذور: جمع نذر، مصدر نذر بفتح الذال ينذر بضمها وكسرها، وهو لغةً: الوعد بخيرٍ أو شرِّ، كذا في ((الزرقاني)) (١) تبعاً للقسطلاني، قال المجد: النذر: النحب، والأرش، جمع نذور، والنذور لا تكون إلا في الجراح، يقال: لي عند فلان نذرٌ إذا كان جرحاً واحداً له عقل، ونذر على نفسه يَنْذِرُ ويَنْذُرُ نذراً ونذوراً أوجبه كانْتذر، أو النذر: ما كان وعداً على شرط، وقال الراغب (٢): النذر: أن توجب على نفسك ما ليس بواجب لحدوث أمر. وقال الحافظ(٣): أصله الإنذار بمعنى التخويف، وعَرَّفَه الراغبُ: بأنه إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، انتهى. وقال القسطلاني(٤) وتبعه الزرقاني: النذر شرعاً: التزام قُربة غير لازمة (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٥/٣). (٢) ((مفردات القرآن)) (ص٧٩٧). (٣) ((فتح الباري)) (٥١٦/١١). (٤) ((إرشاد السَّاري)) (٤٠/١٤). ٥٠٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور بأصل الشرع، وزاد بعضهم: مقصودة، وقيل: إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر، وأما قوله وَّر: ((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه))، فإنما سماه نذراً باعتبار الصورة، كما قال في الخمر وبائعها مع بطلان البيع، ولذا قال في الحديث الآخر: ((لا نذر في معصية))، انتهى. واختلف أهل الفروع في تعريفه شرعاً، قال الدردير(١): النذر: التزام مسلم كُلِّفَ لا صبي، ولو كان الناذر غضبان، وإنما يلزم بالنذر ما ندب أي: طلب طلباً غير جازم، فيشمل السنة والرغيبة، قال الدسوقي: يعني مما لا يصحُ أن يقع إلا قُربةً، وأما ما يصح وقوعه تارة قربة، وتارة غيرها فلا يلزم النذر، وإن كان مندوباً كالنكاح والهبة، انتهى. وفي ((الروض المربع))(٢): هو شرعاً إلزام مكلف مختار نفسه لله تعالى شيئاً غير محال بكل قول يدل عليه، ولا يصح إلا من عاقلٍ بالغ مختار ولو كان كافراً، انتهى. وفي ((شرح الإقناع)) (٣): النذر بذالٍ معجمة ساكنة، وحكي فتحها لغة: الوعد بخيرٍ أو شرِّ، وشرعاً: الوعد بخيرٍ خاصة، قاله الروياني والماوردي. وقال غيرهما: التزام قُرْبة لم تتعيّن، قال البجيرمي: فَرَّقَ شيخ الإسلام زكريا بين القربة والطاعة والعبادة بما حاصله: أن الطاعة: امتثال الأمر والنهي، والقُربة: ما يُتَقَرَّبُ به بشرط معرفة المتقرب إليه، والعبادة: ما تعبد به بشرط النية، ومعرفة المعبود، فالطاعة توجد بدونهما في النظر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، إذ معرفته إنما تحصل بتمام النظر، والقربة توجد بدون العبادة في القرب التي لا تحتاج إلى نية كالعتق والوقف، انتهى. وأما عند الحنفية: النذر: أن توجب على نفسك ما ليس بواجب، كذا في ((جامع الرموز)). (١) ((الشرح الكبير)) (١٦١/٢). (٢) (٣٧٥/٣). (٣) (٣٦٩/٤). ٥٠٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور • وفي ((البدائع)) (١): الكلام في النذر في ثلاثة مواضع: في بيان ركن النذر، وفي بيان شرائط الركن، وفي بيان حكم النذر، أما الأول: فركن النذر: هو الصيغة الدالّة عليه، وهو قوله: (لله عليّ كذا))، أو ((عليّ كذا))، وبدون لفظ (الله))، أو ((هذا هدي))، أو ((صدقة))، ونحو ذلك. وأما شرائط الركن فأنواعٌ: بعضُها يتعلق بالناذر، وبعضها يتعلق بالمنذور به، وبعضها يتعلق بنفس الركن، أما الذي يتعلق بالناذر فشرائط الأهلية منها العقل، ومنها البلوغ، فلا يصح نذر المجنون والصبي، ومنها الإسلام، فلا يصح نذر الكافر حتى لو نذر، ثم أسلم لا يلزمه الوفاء به، وهو ظاهر مذهب الشافعي، وأما حرية الناذر، فليست من شرائط الصحة، وكذا الطواعية، فليست بشرط عندنا خلافاً للشافعي، وكذا الجِدُّ والهزل. وأما الذي يرجع إلى المنذور به، منها: أن يكون متصور الوجود شرعاً، فلا يصح النذر بما لا يتصور وجوده شرعاً، كمن قال: ((لله علي أن أصوم ليلاً))، وكالمرأة إذا قالت: ((عليّ أن أصوم أيام حيضي))، ومنها: أن يكون قربة، فلا يصح النذر بما ليس بقربة رأساً كالنذر بالمعاصي، وكذا النذر بالمباحات من الأكل، والشرب، والجماع، ونحو ذلك لعدم وصف القربة. ومنها: أن يكون قربة مقصودة، فلا يصح النذر بعيادة المرضى، وتشييع الجنازة، والوضوء، والاغتسال، ودخول المسجد، ومسّ المصحف، والأذان، وبناء الرباطات، والمساجد، وغير ذلك، وإن كانت قرباً؛ لأنها ليست بقرب مقصودة، ويصح النذر بالصلاة، والصوم، والحج، والعمرة، والإحرام بهما، والعتق، والبدنة، والاعتكاف، والهدي، ونحو ذلك. ومن مشايخنا من أَصَّل في هذا أصلاً، فقال: ماله أصل في الفروض (١) (٢٢٦/٤) . ٥٠٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور يصح النذر به، ولا شك أن ما سوى الاعتكاف من الصلاة، والصوم، وغيرهما له أصل في الفروض، والاعتكاف له أصل أيضاً، وهو الوقوف بعرفة، وما لا أصل له في الفروض لا يصح النذر به كعيادة المرضى، وتشييع الجنازة . ومنها: أن يكون المنذور به إذا كان مالاً مملوك الناذر وقت النذر، أو كان النذر مضافاً إلى الملك، أو سبب الملك. ومنها: أن لا يكون مفروضاً ولا واجباً، فلا يصح النذر بشيء من الفرائض، سواء كان فرض عين كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، أو فرض كفاية، كالجهاد، وصلاة الجنازة، ولا بشيء من الواجبات، سواء كان عيناً كالوتر، وصدقة الفطر، والعمرة، والأضحية، أو على سبيل الكفاية كتجهيز الموتى، وغسلهم، وردّ السلام، ونحو ذلك؛ لأن إيجاب الواجب لا يتصور. وأما الذي يرجع إلى نفس الركن فخلوّهُ عن الاستثناء، فإن دخله أبطله، انتھی . وقال الموفق(١): النذرَ سبعةُ أقسام: أحدها: نذر اللَّجَاج والغضب، وهو الذي يُخْرجه مخرج اليمين للحث على فعل شيء، أو المنع منه غير قاصد به النذر ولا القربة، وحكمه حكم اليمين، قلت: وسيأتي الكلام على نذر اللجاج في آخر الباب الثاني مفصلاً. والثاني: نذر طاعة وتبرُّر، فهذا يلزم الوفاء به، وهو على ثلاثة أنواع: أحدها: التزام طاعة في مقابلة نعمة استجلبها، أو نقمة استدفعها، كقوله: ((إن شفاني الله فللَّه عليّ صوم))، فتكون الطاعة الملتزمة بها مما له أصل في (١) انظر: ((المغني)) (١٣ /٦٢٢). ٥٠٨ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور الوجوب بالشرع كالصوم، والصلاة، فهذا يلزم الوفاء به بإجماع أهل العلم. ثانيها: التزام طاعة من غير شرط، كقوله: (لله عليّ صوم شهر))، فيلزم الوفاء به في قول أكثر أهل العلم، وهو قولُ أهل العراق، وظاهر مذهب الشافعي، وقال بعض أصحابه: لا يلزم الوفاء به؛ لأن أبا عمرَ غلامَ ثعلبٍ قال: النذر عند العرب وعدٌ بشرطِ . وثالثها: نذر طاعة لا أصل لها في الوجوب كعيادة المريض، فيلزم الوفاء به عند عامة أهل العلم، وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزم الوفاء به، كذا في ((الشرح الكبير)). والقسم الثالث: النذر المبهم، وهو أن يقول: (لله علي نذر))، فهذا تجب به الكفارة في قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وعائشة، وبه قال الحسن، وعطاء، وطاووس، والقاسم، وسالم، والشعبي، والنخعي، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومالك، والثوري، ومحمد بن الحسن، ولا أعلم مخالفاً إلا الشافعي قال: لا ينعقد نذره، ولا كفارة فيه، ولنا؛ أنه قول من سَمَّيْنا من الصحابة، والتابعين، ولا نعرف لهم في عصرهم مخالفاً فيكون إجماعاً . قال الباجي(١): فيه كفارة يمين عند مالك، وعن الشافعي في ذلك قولان: أحدهما: أنّه لا ينعقد هذا النذر، والثاني: ينعقد، ويجب عليه أقل ما يقع عليه الاسم، انتهى. وسيأتي شيء من الكلام على ذلك فيما تجب فيه الكفارة من الأيمان. الرابع: نذر المعصية، فلا يحلُّ الوفاء به إجماعاً، ويجب على الناذر كفارة يمين، روي هذا عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وعمران بن (١) ((المنتقى)) (٢٢٩/٣). ٥٠٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور حصين، وسمرة بن جندب، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وروي عن أحمد ما يدل على أنه لا كفارة عليه، وروي هذا عن مسروق، والشعبي، وهو مذهب مالك والشافعي. الخامس: نذر المباح كلبس الثوب، فهذا يتخيّر الناذر فيه بين فعله، فيبرّ بذلك، وإن شاء تركه، وعليه كفارة يمين، ويتخرج أن لا كفارة فيه، فإن أصحابنا قالوا فيمن نذر: أن يعتكف أو يصلي في مسجد معين كان له أن يصلي في غيره ولا كفارة، ومن نذر أن يتصدق بماله كله أجزأته الصدقة بثلثه بلا كفارة، وهذا مثله، وقال مالك والشافعي: لا ينعقد نذره، ومن هذا القبيل إذا نذر فعل مكروه كطلاق امرأته، فالمستحب أن لا يفي ويكفر، فإن وفى بنذره فلا كفارة عليه، والخلاف فيه کالذي قبله. قال الباجي: إذا نذر أمراً مباحاً كالجلوس، والقيام، فلا يلزمه بذلك شيء، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال ابن حنبل: هو مخيّر بين فعله وبين كفارة يمين، ودليلنا: أنه نذر ما ليس بقربة فلم ينعقد نذره، انتهى. وتقدم قريباً عن ((البدائع)): أن نذر المباحات لا يصح عندنا . السادس: نذر الواجب كالصلاة، فقال أصحابنا: لا ينعقد نذره، وهو قول أصحاب الشافعي؛ لأن النذر التزام، ولا يصح التزام ما هو لازم، ويحتمل أن ينعقد نذره موجباً كفارة يمين إن تركه، كما لو حلف على فعله، فإن النذر كاليمين، وقد سماه النبي ◌َّ يميناً. السابع: نذر المستحيل، فهذا لا ينعقد، ولا يوجب شيئاً كنذر صوم الأمس، وعقدُ الباب في صحيح المذهب أن النذر كاليمين، وموجبه موجبها إلا في لزوم الوفاء به إذا كان قربة، وأمكنه فعله، ودليل هذا الأصل قول النبي ◌َّ لأخت عقبة لما نذرت المشي فلم تطقه: ((ولتُكَفِّر يمينها))، قال أحمد: وإليه أذهب، وعن عقبة أن النبي وَلّر قال: ((كفارة النذر كفارة اليمين))، ٥١٠ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور أخرجه مسلم، وقول ابن عباس للتي نذرت ذبح ابنها: ((كفري يمينك))، انتهى مختصراً . واختلفوا في حكم النذر كما بسطه الحافظ في ((الفتح)) (١) ولخصه القسطلاني (٢) في حديث ابن عمر: ((نهى النبي (وَلزل عن النذر))، وقال: ((إنه لا يرد شيئاً، ولكنه يُسْتخرج به من البخيل))، فقال: صرّح في هذا الحديث بالنهي، وهل هو للتحريم على الأصل أولا؟ فمنهم من تأوّله على الكراهة؛ لأنه لو كان المراد به التحريم لبطل حكمه، وسقط لزوم الوفاء به؛ لأنه بالنهي للتحريم يصير معصية، ولا يلزم. وأيضاً لو كان كذلك ما أمر الله أن يُوَفّى به، ولا حُمِدَ به فاعلُه، لكنه ورد النهي عنه تعظيماً لشأنه، لئلا يُستهان به، فيفرط في الوفاء به، وحمله القرطبي على التحريم في حق من يخاف عليه أن يعتقد أن النذر يوجب ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعله لذلك، قال: والأول يُقارب الكفر، والثاني خطأ صراح، وأما من لا يعتقد ذلك فهو محمول على التنزيه، فيكون مكروهاً، وهو ما نصّ عليه الشافعي. لكن قال القاضي حسين والمتولي والغزالي والرافعي: إنه قُربة لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنَفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ الآية(٣). ولأنه وسيلة إلى القربة فيكون قُربة، وذهب أكثر الشافعية، ونقله أبو علي السنجي عن نص الشافعي إلى أنه مكروه لثبوت النهي عنه، وكذا نقل عن المالكية، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد، وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، والجزم عن (١) انظر: ((فتح الباري)) (٥٨٠/١١). (٢) انظر: ((إرشاد الساري)) (١٢٣/١٤). (٣) سورة البقرة: الآية ٢٧٠. ٥١١ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور الشافعية بالكراهة، وجزم الحنابلة بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها . وفي ((شرح مختصر الشيخ خليل للشيخ بهرام المالكي)): أن النذر المطلق، وهو الذي يُوجبه الإنسان على نفسه ابتداءً شكراً لله تعالى مندوبٌ، قال ابن رشد (١): وهو مذهب مالك، وأما المكرر، وهو ما إذا نذر صوم كل خميس، أو كل اثنين، أو نحو ذلك، فمكروه. قال في ((المدونة)): مخافة التفريط في الوفاء به، واختلف في النذر المعلّق، على شرطٍ كقوله: إن شفى الله مريضي، أو نجاني من كذا فعليّ المشيء إلى مكة، أو صدقة كذا)) أو نحو ذلك، هل هو مكروه؟ وإليه ذهب الباجي، وابن شاش، وغيرهما، أَوْ لا، وإليه ذهب صاحب ((البيان))، انتهى. وفي ((المحلى)): قالوا: النهي عن النذر على اعتقاد أنه يَردُّ عن العذاب شيئاً، ولما كان من عادة الناس أنهم ينذرون لجلب المنافع، ودفع المضار، وذلك فعل البخلاء نُهُوا عن ذلك، فالنهي عن ((النذر)): نهي عنه، إذا كان لهذا الغرض، وترغيب فيه إذا كان على جهة الإخلاص، انتهى. قال ابن عابدين(٢): إن النذر قربة مشروعة، أما كونه قربة: فلما يلازمه من القرب كالصلاة، والصوم، والحج، والعتق، ونحوها، وأما شرعية: فللأوامر الواردة بإيفائه، وتمامه في ((الاختيار))، انتهى. وقال الدردير(٣): نُدب النذر المطلق، وهو ما ليس بمعلَّق على شيء، ولا مكرر، وكره المكرر كنذر صوم كل خميس، أي الإقدام عليه، وإن كان (١) (بداية المجتهد)) (٤٢٢/١). (٢) ((رد المحتار)) (٥٣٧/٥). (٣) ((الشرح الكبير)) (١٦٢/٢). ٥١٢ --- - - ----- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور قربة لثقله عند فعله، فيكون إلى عدم الطاعة أقرب، ولخوف تفريطه في وفائه، وفي كره المعلق تردّدٌ؛ لأنه كأنه أتى به على سبيل المعاوضة، لا القربة المحضة، قال الدسوقي: قوله: في كره المعلق، أي في كره القدوم عليه وإباحته، تردُّدٌ، الكراهة للباجي وابن شاش، والإباحة لابن رشد، انتهى. وقال الموفق(١): أجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به، ولا يُستحب لرواية النهي، وهو نهي كراهة لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حراماً لما مُدِح الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشدّ من طاعتهم في وفائه، ولأن النذر لو كان مستحباً لفعله النبي ◌َ﴾ وأفاضل أصحابه، انتهى. قال الباجي(٢): في حديث سعد بن عبادة الآتي دليل على أن النذر مباح؛ لأن النبي ◌َّرَ سمع ذلك ولم ينكره، وما روي من النهي عن النذر فمعناه أن تُنذر لمعنىَ من أمر الدنيا مثل أن يقول: إن شفى الله مرضى أو قدم غائبي أو نحو ذلك، فهذا المكروه المنهي عنه، وإنما يستحب أن يكون فعله ذلك الله تبارك وتعالى، انتهى. والأيمان: بفتح الهمزة جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأُطلقت على الحلف؛ لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌ بيمين صاحبه، وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فسمي الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه بها، وعرفت شرعاً بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة الله تعالى، وهذا أخصر التعاريف وأقربها، كذا في ((الفتح))(٣). (١) ((المغني)) (١٣ /٦٢١). (٢) ((المنتقى)) (٢٢٨/٧). (٣) ((فتح الباري) (٥١٦/١١). ٥١٣ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور وفي ((الدر المختار)) (١): اليمين لغةً: القوة، وشرعاً: عبارة عن عقد قوي به عزم الحالف على الفعل أو الترك فدخل التعليق، فإنّه يمين شرعاً، انتهى، وفي ((مختصر الخليل)): اليمين تحقيق ما لم يجب بذكر اسم الله أو صفته. قال الدردير(٢): أي تقرير أمر لم يجب عقلاً، أو عادة بذكر اسم الله، الباء سببية متعلقة بتحقيق، واليمين عند ابن عرفة وجماعة ثلاثة أنواع: القسم بالله، أو بصفة من صفاته، والتزام مندوب غير مقصودة به القربة نحو: إن كلّمتُ زيداً فعبدي حرٌّ، وما يجب بإنشاء؛ كإن دخلت الدارَ فأنت طالقٌ، وظاهر المصنف أن النوعين الأخيرين ليسا من اليمين، وعليه فهما من الالتزامات لا اليمين، انتهى. وقال الموفق(٣): الأيمان تنقسم خمسة أقسام: أحدها: واجبٌ، وهي التي يُنجي بها إنساناً معصوماً من الهلكة، والثاني: مندوب، وهو الذي تتعلق به مصلحة من إصلاح بين متخاصمين، أو إزالة حقد من قلب مسلم عن الحالف أو غيره أو دفع شر، وإن حلف على فعل طاعة أو ترك معصية، ففيه وجهان: أحدهما: أنه مندوب، وهو قول بعض أصحابنا، وأصحاب الشافعي؛ لأن ذلك يدعوه إلى فعل الطاعات، وترك المعاصي، والثاني: ليس بمندوب؛ لأن النبي ◌َ﴾ وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك في الأكثر الأغلب، ولا حث النبي ◌َو أحداً عليه، ولا ندبه إليه، النوع الثالث: المباح، مثل الحلف على فعل مباح أو تركه. أما الحلف على الحقوق عند الحاكم ففيه وجهان: الأول: أن تركه أولى (١) (٣/٤). (٢) ((الشرح الكبير)) (١٢٦/٢). (٣) («المغني)) (٤٤٠/١٣). ٥١٤ ------- ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور من فعله فيكون مكروهاً، ذكر ذلك أصحابنا، وأصحاب الشافعي. والثاني: أنه مباح، لما روى عمر بن شبّة في كتاب ((قضاة البصرة)) بإسناده إلى الشعبي: أن عمر وأبيّاً تحاكما إلى زيد بن ثابت في نخل ادّعاه أبيُّ، فتوجهت اليمين على عمر، فقال زيد: أعف أمير المؤمنين، فقال عمر - رضي الله عنه -: ولِمَ يُعفي أمير المؤمنين؟ إن عرفتُ شيئاً استحققتُه بيميني، وإلا تركته، والله الذي لا إله إلا هو، إن النخل لنخلي، وما لأبيّ فيه حقٌّ، فلما خرجا وهب النخلَ لأبيِّ - رضي الله عنه -، فقيل له: يا أمير المؤمنين، هَلَّا كان هذا قبل اليمين؟ فقال: خفتُ أن لا أحلف، فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدي، فيكون سُنَّةَ(١). الرابع: المكروه، وهو الحلف على فعلِ مكروهٍ، أو ترك مندوب، فإن قيل: لو كانت مكروهة لأنكر النبي 18 على الأعرابي الذي سأله عن الصلوات، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: ((لا إلا أن تتطوَّعَ))، فقال: والذي بعثك بالحق، لا أزيدُ عليها ولا أنقصُ منها، ولم ينكر عليه النبي ◌َّ، بل قال: ((أفلح الرجل إن صدق)). قلنا: لا يلزم هذا، فإن اليمين على تركها لا تزيد على تركها، ولو تركها لم ينكر عليه، ويكفي في ذلك بيان أن ما تركه تطوع، وقد بَيَّنَ النبيِ وَل بقوله: ((لا إلا أن تتطوّع)). ولأن هذه اليمين إن تضمّنت ترك المندوب فقد تناولت فعل الواجب، والمحافظة عليه كله بحيث لا ينقص منه شيئاً، وهذا في الفضل يزيد على ما قابله من ترك التطوع، فيترجح جانب الإثبات بها على تركها، فيكون من قبيل المندوب فكيف ينكر؟ ولأن الإقرار على هذه اليمين بيان حكم محتاج إليه، (١) ((السنن الكبرى)) (١٤٤/١٠). ٥١٥ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حديث (١) باب ما يجب من النذور في المشي ١/٩٩٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ وهو بيان أن ترك التطوع غير مؤاخذ به، فلو أنكر على الحالف لحصل ضد هذا، وتوهم كثير من الناس لحوق الإثم بتركه، فيفوت الغرض، ومن قسم المكروه الحلفُ على البيع والشراء؛ فإن النبي وَلَّ قال: ((الحلف مُنْفِقٌ للسلعة ممحقة للبركة))، رواه ابن ماجه(١) . القسم الخامس: المحرم وهو الحلف الكاذب، وإن أبطل به حقاً، أو اقتطع به مال معصوم كان أشد، ومن هذا القسم: الحلف على فعل معصية، أو ترك واجب، اهـ مختصراً . (١) ما يجب من النذور في المشي لفظ ((من)) بيان أي النذور الواجبة في المشي، ويحتمل أن يكون سببية، أي ما يجب على الرجل لأجل النذور في المشي، والمعنى على كل حال إذا نذر أحد المشي ماذا يجب عليه من الإتمام والإيفاء؟ ١/٩٩٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) مصغراً، هكذا في جميع النسخ المصرية، وهكذا ضبطه الرزقاني(٢)؛ إذ قال: بضم العين مهملة. وهكذا بالتصغير في روايات البخاري، وغيره، من رواية الزهري، وغيره، فما في ((النسخ الهندية)) من لفظ ((عبد الله بن عبد الله)) بالتكبير فيها تحريف من الناسخ، وليس في رواة ((التهذيب)) ولا ((التعجيل)) أحد اسمه عبد الله بن عبد الله بن عتبة (ابن عبد الله) بفتحها (ابن عتبة) بضمها وسكون (١) ((سنن ابن ماجه)) (٧٤٥/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٥٥/٣). ٥١٦ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حدیث ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن عَبَّاس؛ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى رَسُولَ اللَّهِ ﴿هَ. فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي المثناة الفوقية (ابن مسعود عن عبد الله بن عباس أن سعد بن عبادة) الأنصاري سيد الخزرج . قال الحافظ(١): كذا رواه مالك، وتابعه الليث، وبكر بن وائل، وغيرهما عن الزهري، وقال سليمان بن كثير: عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن سعد بن عبادة: أنه استفتى، فجعله من مسند سعد، أخرج جميع ذلك النسائي، وأخرجه أيضاً من رواية الأوزاعي، ومن رواية سفيان بن عيينة، كلاهما عن الزهري على الوجهين، وابن عباس لم يدرك القصة؛ لأنه كان حينئذٍ مع أبويه بمكة، فتعيَّن ترجيحُ رواية من زاد فيه عن سعد بن عبادة، ويكون ابن عباس قد أخذه عنه، ويحتمل أن يكون أخذه عن غيره، ويكون قول من قال: عن سعد بن عبادة لم يقصد به الرواية، وإنما أراد عن قصة سعد بن عبادة فتتحد الروايتان، وتكون الرواية مرسل صحابيّ، اهـ. (استفتى رسول الله جلد) أي سأله سؤال الملتزم لحكمه، وذلك يسمى مستفتياً، وقول المفتي له يسمَّى فتوى، وذلك إنما يكون لجميع الأمة مع النبي ◌ّير، أو للعامي مع العالم، كذا في ((المنتقى))(٢) (فقال: إن أمي) وهي عمرة بنت مسعود، وقيل: سعد بن قيس بن عمرو، أنصاريةٌ خزرجية، ذكر ابن سعد أنها أسلمت وبايعت، وماتت سنة خمس، والنبي ◌ُّل في غزوة دومة الجندل، وابنها سعد بن عبادة معه، قال: فلما رجعوا جاء النبي ◌َّ فصلى على قبرها، هكذا في ((الفتح)). ومن العجائب ما في ((الإصابة))(٣) عن ابن سعد قال: كُنَّ خمسَ (١) ((فتح الباري)) (٣٨٩/٥). (٢) (٢٢٨/٣). (٣) (٨/ ١٤٧). ٥١٧ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حديث مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ، أخواتٍ، اسم كل منهن عمرة أسلمن وبايعن، قال الحافظ: عمرة بنت مسعود بن قيس بن عمر بن زيد مناة، والدة سعد بن عبادة، ماتت في حياة النبي ◌ّ سنة خمس، قال ابن سعد: ماتت وَ﴾ في غزوة دومة الجندل في شهر ربيع الأول، وعمرة بنت مسعود الصغرى، خالة سعد بن عبادة كانت زوج أوس بن زيد بن أصرم. وعمرة بنت مسعود أخت اللتين قبلها، قال ابن سعد: كن خمس أخوات اسم كل منهن عمرة أسلمن وبايعن، وهذه هي الثالثة أمها عميرة بنت عمرو بن حزام، تزوّجها ثابت بن المنذر، وعمرة بنت مسعود الرابعة شقيقة التي قبلها تزوّجها زيد بن مالك، فولدت له سعداً وثابتاً، وعمرة الخامسة شقيقة اللتين قبلهما وهي والدة قيس بن عمرو من بني النجار، انتهى. وفي ((التلقيح)) لابن الجوزي: عمرة، وعمرة، وعمرة، وعمرة، وعمرة، هن بنات مسعود بن قيس. قد (ماتت) قال القاري: أي بغتةً كما في رواية، انتهى. (وعليها نذر) قال الباجي: يحتمل أن يكون مطلقاً، ويحتمل أن يكون مقيداً، فالمطلق مثل أن يقول الرجل: لِلَّه عليّ نذرٌ، ولا يجعل له مخرجاً، والمقيد مثل أن يقول: لِلَّه عليّ نذر صوم يوم، فكلا النذرين جائز، فإن كان مطلقاً ففيه كفارةُ يمينٍ عند مالك، وعن الشافعي في ذلك قولان، قلت: تقدم ذلك في أول الباب في بيان النذر المبهم. قال الباجي(١): ودليلنا من جهة السنة خبرُ ابن عباس هذا، فالأظهر أنه مطلق؛ لأنه لو كان مقيداً لاستفسره النبي ◌َّلّ عما نَذَر، لأن من النذر المقيد: ما يجب الوفاء به، ومنه: ما لا يجب الوفاء به، وهو أن يكون مباحاً، ومنه: (١) ((المنتقى)) (٢٢٩/٣). ٥١٨ ------ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حدیث وَلَمْ تَقْضِهِ . ما لا يحلَّ الوفاء به، وهو: أن ينذر محرماً، فلما كان النذر المقيد يتنوّعُ إلى ما لا يجوز، وإلى ما يجوز، كان الأظهر أنه لو كان مقيداً لسأله عن وجه النذر، إلا أنه من جهة اللفظ يحتمل أن يكون مطلقاً، ويحتمل أن يكون مقيداً، اهـ مختصراً، (لم تقضه) قال الباجي: يحتمل أنها لم تقضه، ولم يجب عليها بعد، وإن كانت قد انعقدت يمينها به، ويحتمل أنها لم تقضه، وقد وجب عليها . أما الأول: مثل أن تقول: لِلَّه عليّ نذرٌ إن قدم فلان أو إن شفي فلانٌ، فماتت قبل ذلك، فإنه لا يلزمها قضاؤه، وإن فعلت فحسن. وأما الثاني: يعني إذا وجب ذلك عليها، ثم ماتت قبل أن تقضي فلا يخلو أن يكون ذلك لتعذر القضاء بسرعة موتها قبل أن تقضي نذرها، وقد ماتت فجأةً كما رُوي عن سعد بن عبادة، ويحتمل أن تكون أخّرت لجواز تأخيره؛ لأنه لا يلزم من حنث في يمين أن يُكَفِّر حين الحنث، وله تأخيرها ما لم يغلب على ظنه الفواتُ، لكنه يستحب له التعجيل ليُبْرِئ ذِمَّتَه مما لزمه، فقول سعد: ((وعليها نذر))، على هذا الوجه بَيِّنٌ؛ لأن لفظَ على إنما تستعمل فيما يلزم الإنسان ويجب عليه، وأما على الوجه الأول فإنه يصح أن يقال أيضاً: عليها نذر بمعنى أنها كانت عقدَتْه والتزمته، وإن لم يجب بعد عليها أداؤه، ولكنه في الوجه الثاني أظهر وأبين، اهـ. قال الحافظ(١): اختلف في تعيين نذر أم سعد، قيل: كان صوماً، لما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس جاء رجل، فقال: يا رسول الله: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، الحديث، وتُعُقِّبَ بأنه لم يَتَعيَّنْ أن الرجل المذكور هو سعد بن عبادة، وقيل: كان عتقاً، قاله ابن عبد البر. (١) ((فتح الباري)) (٥٨٥/١١). ٥١٩ ٢٢ - كتاب الأيمان والنذور (١) باب (٩٩٩) حديث • واستدل بما أخرجه من طريق القاسم بن محمد أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله، إن أمي هلكت، فهل ينفعُها أن أعتق عنها؟ قال: ((نعم))، وتُعُقِّبَ بأنه مع إرساله ليس فيه التصريح بأنها كانت نذرت ذلك، وقيل: كان نذرها صدقة، لما في ((الموطأ)) وغيره عن سعد بن عبادة أن سعداً خرج مع النبي وَثّر فقيل لأمه: أوصٍ، قالت: المال مال سعد، فتوفيت قبل أن يقدم، فقال: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: ((نعم)) . وعند أبي داود من وجه آخر نحوه، وزاد فأي الصدقة أفضل؟ قال: ((الماء))، الحديث(١)، وليس في شيء من ذلك التصريح بأنها نذرت ذلك، قال عياض: والذي يظهر أنه كان نذرها في المال، أو مبهماً، قال الحافظ: بل ظاهر حديث الباب أنه كان معيناً عند سعد، اهـ. وقال أيضاً في موضع آخر: قوله: وعليها نذر لم تقضه، وفي رواية سليمان بن كثير المذكورة - أي عند النسائي - كما في أول الحديث: أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: ((أعتق عن أمك))، أفادت هذه الرواية أنها نذرت أن تعتق رقبة، فماتت قبل أن تفعل، ويحتمل أن تكون نذرت نذراً مطلقاً غير معين، فيكون في الحديث حجةٌ لمن أفتى في النذر المطلق بكفارة يمين، والعتق أعلى كفارات الأيمان، فلذلك أمره أن يعتق عنها، انتهى. وفي ((المحلى)): قال عياض(٢): اختلفوا في نذر أم سعد، فقيل: كان نذراً مطلقاً، وقيل: كان صوماً، وقيل: عتقاً، وقيل: صدقة، وأسند كل قائل بأخبار مختلفة في قصة أم سعد، قال الحافظ: ولا ينافيه قوله في حديث آخر: إن أمي توفيت، وأنا غائب، فهل ينفعها أن أتصدق عنها؟ لاحتمال أن يكون (١) أخرجه أبو داود (١٦٨١). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٨/٧). ٥٢٠ .----. ------- - - -- - . .