Indexed OCR Text
Pages 461-480
٢١ - كتاب الجهاد (١٩) باب (٩٩٦) حديث فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَبْوَابِ ثُلُّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)). أخرجه البخاريّ في: ٣٠ - كتاب الصوم، ٤ - باب الريان للصائمين. ومسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة، ٢٧ - باب من جمع الصدقة وأعمال البر، حديث ٨٥ و٨٦. من أهل خصلة واحدة، ودعي من بابها لا ضرر عليه، لأن الغاية المطلوبة دخول الجنة من أيها أراد، انتهى. (فهل يدعى) ببناء المجهول (أحد من هذه الأبواب كلها؟ قال:) وَلقوله (نعم) أي يقال له عند كل باب: إن لك هناك خيراً أعَذَّه اللَّهُ لك لعبادتك المختصة بالدخول من هذا الباب، قاله الباجي، وقال الحافظ (١) وغيره: يدعى منها كلها على سبيل التخيير في الدخول من أيها شاء إكراماً له لاستحالة الدخول من الكل معاً . (وأرجو أن تكون منهم) قال العلماء: الرجاء من الله ومن نبيه واقع، وقد وقع التصريح بوقوع ذلك في حديث ابن عباس عند ابن حبان، ولفظه ((فقال أجل، وأنت هو يا أبا بكر))، قال الحافظ: فيه إشعار بقلة من يدعى من تلك الأبواب، وقال العيني: فيه أن أعمال البر لا تفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وإن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد يفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن الصديق - رضي الله عنه - منهم، انتھی . وقال الشيخ في ((الكوكب الدري)) (٢): قوله: نودي من أبواب الجنة أي من أبواب الصدقة كلها، فإن باب الصدقة مشتمل على أبواب شتى، وكذلك (١) (فتح الباري)) (٢٨/٧). (٢) (٤٠٢/٤). ٤٦١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٩) باب (٩٩٦) حدیث باب الصوم، وليس المعنى أنه يدعى من سائر كبار أبواب الجنة، ولذلك سأل أبو بكر - رضي الله عنه - أنه هل يدعى أحد من كبار الأبواب كلها أم لا ؛ وذلك لأن الدعوة من باب طاعة موقوفة على مناسبة للمدعو بهذه الطاعة، ولما كان مناسبات أبي بكر - رضي الله عنه - بالطاعات بأسرها سواسية، لأنه كان يحب النبي ◌ّليل على ما ليس فوقه مزيد، وبحسب حب الرجل أحداً يكون له مناسبة بما للنبي مناسبة به، وللأنبياء مناسبة بالطاعات على السواء، انتهى. قال الحافظ(١): فيه إشارة إلى أن المراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة. لا واجباتها لكثرة من يجتمع له العمل بالواجبات كلها بخلاف التطوعات، فقلَّ من يجتمع له العمل بجميع أنواع التطوعات، ثم من يجتمع له ذلك إنما يدعى من جميع الأبواب على سبيل التكريم له، وإلا فدخوله إنما يكون من باب واحد، ولعله باب العمل الذي يكون أغلب عليه. وأما ما أخرجه مسلم عن عمر ((من توضأ ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله)) الحديث، وفيه ((فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء)) فلا ينافي ما تقدم، وإن كان ظاهره أنه يعارضه، لأنه يحمل على أنها تفتح له على سبيل التكريم، ثم عند دخوله لا يدخل إلا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه كما تقدم، انتھی . قلت: وحديث مسلم هذا أخرجه الترمذي وأبو داود وابن أبي شيبة وأحمد والدرامي، وابن ماجه كذا في (الدر))، وبسط ابن العربي في ((شرح الترمذي))(٢) على طرقه، ثم قال: فالذين يدعون من أبواب الثمانية أربعةٌ: الأول: من أنفق زوجين في سبيل الله، وهو متفق عليه، والثاني: من قال (١) ((فتح الباري)) (٢٩/٧). (٢) ((عارضة الأحوذي)) (٧٤/١). ٤٦٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٩) باب (٩٩٦) حدیث هذا الذكر، وهو في ((صحيح مسلم))، والثالث: من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى رسول الله وكلمته، الحديث، أخرجه البخاري، الرابع: من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، انتهى. قلت: والمراد بالثالث ما أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء عن عبادة، كما تقدم قريباً من كلام الحافظ هذا، وقد ورد في الروايات فتح الثمانية لغير هذه الأربعة أيضاً، قال السيوطي في ((الدر)) (١): أخرج النسائي والحاكم وابن حبان عن أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي وَّر قال: ((ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة)). وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي عن عتبة بن عبد الله السلمي قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((ما من عبد يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل)). وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) عن عائشة قالت: قال رسول الله امَاليه: ((من كان له بنتان أو أختان أو عمتان أو خالتان، فَعَالَهُنّ فُتِحَتْ له أبواب الجنة)). وأخرج الطبراني في ((الأوسط)) بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله وَ﴾ قال: ((أيما امرأة اتّقت ربها، وحفظت فرجها فتحت لها ثمانية أبواب الجنة، فقيل لها: ادخلي من حيث شئتِ))، وأخرج أبو نعيم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله وَه: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً ينفعهم الله بها، قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت))، انتهى. هذا وقال عز اسمه: ﴿وَسِيْقَ الَّذِينَ أَتَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلىَ الْجَنَّةِ زُمَرًّاً حَقَّىَ إِذَا (١) ((الدر المنثور)) (٢٣٠/٧). ٤٦٣ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب (٢٠) باب إحراز من أسلم من أهل الذمة أرضه سُئِلَ مَالِكٌ: عَنْ إِمَامٍ قَبِلَ الْجِزْيَةَ مِنْ قَوْمِ فَكَانُوا يُعْطُونَهَا، أَرَأَيْتَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، أَتَّكُونُ لَهُ أَرْضُهُ، أَوْ تَّكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَكُونُ لَهُمْ مَالُهُ؟ جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا﴾(١) الآية. وقال عز اسمه: ﴿ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ (٢) مَثَابٍ جَنَّتِ عَدْنٍ مُّفَنَّحَةً لَُّ الْأَنْوَبُ (٢٠) إحراز من أسلم بإضافة المصدر إلى فاعله. من أهل الذمة بيان لقوله: من أسلم. أرضه مفعول لمصدر، ويقال: أحرز كذا إذا جعله في المكان الذي يحفظه فيه، واستعير هاهنا للملك، والمعنى أن الذمي إذا أسلم هل يملك أرضه بالإسلام أو يصير ملكه فيئاً للمسلمين؟ والمسألة خلافية سيأتي بسطها . (وسئل) ببناء المجهول الإمام (مالك عن إمام) أي أمير المؤمنين (قبل) بكسر الباء بالتخفيف (الجزيةَ من قوم) ذميين (فكانوا يعطونها) أي الجزية (أرأيت) بصيغة الخطاب أي أخبرني (من أسلم منهم) أي صار مسلماً من هؤلاء الذميين الذين يعطون الجزية (أيكون له أرضه) أي يكون أرضه ملكاً له لإسلامه (أو تكون) أرضه فيئاً (للمسلمين، ويكون لهم) أي للمسلمين (ماله) تعميم بعد تخصيص . (١) سورة الزمر: الآية ٧٣. (٢) سورة صّ: الآية ٥٠. ٤٦٤ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب فَقَالَ مَالِكٌ: ذُلِكَ يَخْتَلِفُ، أَمَّا أَهْلُ الصَّلْحِ، فَإِنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَهُوَ أَحَقُّ بِأَرْضِهِ وَمَالِهِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْعَنْوَةِ الَّذِينَ أُخِذُوا عَنْوَةَ، فَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَإِنَّ أَرْضَهُ وَمَالَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، لأَنَّ أَهْلَ الْعَنْوَةِ قَدْ غُلِبُوا عَلَى بِلَادِهِمْ، وَصَارَتْ فَيْئاً لِلْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا أَهْلُ الصُّلْحِ، فَإِنَّهُمْ قَدْ مَنَعُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، حَتَّى صَالَحُوا (فقال) الإمام (مالك) في جواب المسألة (ذلك يختلف) أي في جواب المسألة تفصيل، وهو أن الذمييِّن على نوعين: أحدهما: من صولحوا على شيء من الجزية، وثانيهما: من فتِحُوا عنوةً، وحكم النوعين مختلف بينهما، بقوله: (أما أهل الصلح) يعني من صُولحوا على شيء من الجزية (فإن من أسلم منهم فهو أحق بأرضه وماله) يعني من أسلم من أهل الصلح يكون أرضه وماله ملكاً له دون المسلمين، وهذا مطلق عند ابن القاسم، وإطلاق ((الموطأ)» يؤيده، وأما عند ابن حبيب فمقيد بما إذا كانت الجزية عن الجماجم، أما إذا كانت على جملتهم، فالأرض عنده موقوفة، كما سيأتي مفصلاً في كلام الباجي، وسيأتي كلام بقية الأئمة. (وأما أهل العنوة) وهم (الذين أخذوا) ببناء المجهول (عنوة) أي قهراً وغلبة (فمن أسلم منهم، فإن أرضه وماله) في (للمسلمين؛ لأن أهل العنوة) أي الذين أخذوا بالقهر (قد غلبوا) ببناء المجهول (على بلادهم) أي غلب عليها المسلمون للقهر (وصارت) أرضهم وأموالهم (فيئاً للمسلمين) لغلبة المسلمين علیھم . (وأما أهل الصلح فإنهم قد منعوا) هكذا في المصرية(١) وفي الهندية: ((فإنهم قوم منعوا))، والأوجه الأول، والفعل على كلتا النسختين ببناء الفاعل أي حفظوا (أموالهم وأنفسهم) من القتال وغلبة المسلمين عليهم (حتى صالحوا) (١) كذا في ((الاستذكار)) (١٤/ ٣٣١). ٤٦٥ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب عَلَيْهَا، فَلَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ. المسلمين (عليها) أي على أموالهم (فليس عليهم إلا ما صالحوا عليه) أعاد هذا؛ لأجل تعليله للحكم الذي قدمه. قال الباجي(١): في ذلك خمسة أبواب: أحدها: في معرفة الصلح والعنوة، والثاني: في حكم أهل الصلح في حياتهم وكفرهم، والثالث: في حكم انتقال الأملاك عنهم حال حياتهم وكفرهم، والرابع: في حكم أموالهم بعد موتهم على كفرهم، والخامس: في حكم أموالهم إذا أسلموا. ثم بسط هذه الأبواب الخمسة، فقال في الباب الأول: أما أهل الصلح فقوم من الكفار، حَمَوا بلادهم، وقاتلوا عليها، حتى صُولحوا على شيء، وأعطوه من أموالهم أو جزية أو ضريبة التزموها، فما صالحوا على بقائه بأيديهم من أموالهم فهو مالُ صلح أرضاً كان أو غيره، وما صالحوا به أو أعطوه على إقرارهم في بلادهم، وتأمينهم أرضاً كان أو غيره، فليس هو بمالٍ صلح، ولو أن أهل حرب قوتلوا حتى صالحوا على أن لا يكون لهم في الأرض حق، ويُؤَمَّنُون على الخروج من البلد أو المقام به على الذمة لما كانت تلك الأرض أرض صلح، وإنما تكون أرض صلح، ما صولحوا على بقائها بأيديهم، سواء تقدم ذلك حرب أو لم يتقدم. وأما العنوة فهي الغلبة، فكل مال صار للمسلمين على وجه الغلبة من أرض أو عين دون اختيار من غلب عليه من الكفار، فهو أرضُ عنوةٍ، سواء دخلنا الدار عليهم غلبة، أو أجلوا عنها مخافة المسلمين، تقدمت في ذلك حرب أو لم يتقدم، أقر أهلها فيها أو نقلوا عنها . وقد روى أشهب عن مالك في ((العتبية)): أن خيبر فُتحتْ بقتال يسير، وقد خُمِّسَتْ، إلا ما كان منها عنوةً أو صلحاً، وهو يسير، فإنه لم يخمس، (١) ((المنتقى)) (٢١٩/٣). ٤٦٦ .----- ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب قال أشهب: فقلت: العنوة والقتال أليسا واحداً؟ فقال: إنما أردت الصلح، ولفظ القتال يصح أن يراد به العنوة، ويصح أن يراد به الصلح، فإن القتال قد يكون سبباً إلى العنوة، ويصح أن يكون سبباً إلى الصلح. ثم بسط الكلام على أرض خيبر وفدك ومكة، هل أخذوا بالصلح أو بالعنوة؟ . ثم قال: الباب الثاني: في حكم أهل الصلح حال حياتهم مع بقائهم على كفرهم، أهل الصلح، لا يخلوا أن يكونوا صولحوا على شيء يؤدونه في جملتهم، أو يصالحوا على شيء يؤدونه على جماجمهم. وقد روى ابن حبيب: أن الجزية الصلحية جزيتان، فجزية: على البلد مجملة، وجزية: على الجماجم، ومعنى ذلك أن يوضع على جملتهم شيء يغرمونه، لا يحط منه لقلتهم، ولا يزاد عليه لكثرتهم، فهم ضامنون له حتى يؤدونه، لا يبرأ أحد منهم، وإن أدى أكثره حتى يؤدي جميعه، وجزية الجماجم أن يوضع على كل جمجمة ديناراً أو أكثر على ما تقدم تفسيره في ((أبواب الجزية))، فهذه الجزية تزيد بزيادة عددهم وغناهم، وتنتقص بنقص عددهم وغناهم، ويبرأ كل واحد منهم إذا أدى ما عليه، وإن لم يؤد غيره ما عليه. ((مسألة)) (١): قال ابن القاسم في ((المدونة)): إذا باع الصلحي أرضه من مسلم على أن الخراج على المبتاع لم يجز، وأجازه أشهب، وهذا يدل على أن الصلح قد ينعقد على أن يكون على الأرض خراج، وهي ملك لأربابها من أهل الصلح، وهذا يحتمل أن يكون قسماً ثالثاً، ويحتمل أن يكون على الجماجم خراج، وعلى الأرض خراج، وكيفما انعقد الصلح في ذلك جائز. ثم قال في الباب الثالث: إن ذلك يختلف أي حكم الانتقال، وقد قال ابن حبيب: إن الجزية الصلحية جزيتان، جزية: على البلد، وجزية: على (١) انظر: ((المنتقى)) (٢٢٠/٣). ٤٦٧ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب الجماجم، فإن كانت مجملة على البلد، فهي موقوفة لا تباع، ولا تورث، ولا تقسم، ولا يملكها إن أسلم، وإنما له مالهُ، وأما الأرض، فموقوفة أبداً لما عليها من الخراج، وذلك بأسره باق على من بقي من النصارى، وأما إن صالحوا على الجزية على الجماجم، فلهم بيع الأرض، وهي لهم ملك يصنعون بها ما شاؤوا. وروي عن ابن القاسم: أن أهل الصلح إذا صالحوا على أن عليهم ألف دينار كل عام، أو على أن على جماجمهم دينارين، على كل رجل منهم، وعلى أرضهم على كل بذر، كذا شيئاً سموه، قال: ذلك سواء، ولهم بيعها، فوقع الاتفاق بينهم على الخراج، إذا وضع على الجماجم، لا يمنع ذلك بيع الأرض، واختلفا إذا وضع على الجملة، فمنع ذلك بيع الأرض عند ابن حبيب، ولم يمنعه منه عند ابن القاسم. وجه قول ابن الحبيب: أن الأرض لما وضعت الجزية أو الخراج على الجملة، هي سبب الجزية، فلم يجز لهم تفويتها لما فيه من منع استجلاب الجزية، ووجه قول ابن القاسم: أن الأرض من أموال أهل الصلح وملكهم، فكان لهم بيعها والتصرف فيها، كالعين والحيوان وسائر أموالهم. ثم بسط الكلام على أن تلك الأرض إذا بيعت هل يكون جزيتها على البائع أو المبتاع. ثم قال في الباب الرابع: قد تقدم من قول ابن حبيب: أن الجزية إذا كانت على جملتهم، فإن أرضهم لا تُؤْرَثُ، وإن كانت على جماجمهم فإن الأرض تورث عنهم، وفي ((العتبية)) عن ابن القاسم: إن أهل الصلح يُؤْرَثُون. ثم قال في الباب الخامس: قال ابن حبيب: إذا كانت جزية الصلح على جملتهم، فمن أسلم منهم لم تملك أرضه، وإنما يملك ماله، وإن كانت على الجماجم، ثم أسلم، فأرضه له، وماله له. وروي عن ابن القاسم: إنه سواء ٤٦٨ ----- .------ --- ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب كان الصلح على جملتهم، أو على جماجمهم أو على مبذر أرضهم، فإن الإسلام يسقط عنهم ذلك كله. ثم قال: وأما أهل العنوة الذين أخذوا عنوة، فمن أسلم منهم، فإن أرضه، وماله للمسلمين، وإنما يريد بقوله: أرضه، الأرض التي بيده، فأضافها إليه لعمله فيها، ولو كانت أرضاً اشتراها بعد العنوة، بحيث يجوز له أن يشتري، لكانت من جملة ماله، حكمها حكم ماله عندي، ولم أر فيه نصاً، وأصل ذلك أن أرض العنوة عند مالك لا تقسم، وتبقى لنوائب المسلمين على رأي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في أرض مصر، وأرض العراق. وقال أبو حنيفة والشافعي: تقسم الأرض كسائر أموالهم، إذا ثبت ذلك فقد روى ابن مزين عن عيسى بن دينار أن الفرض الذي يفرض عليهم على جماجمهم، وتترك الأرض بأيديهم عوناً لهم. وقال ابن حبيب: إن عمر - رضي الله عنه - فرض الجزية على أهل مصر، على كل علج منهم أربعة دنانير من غير خراج أرضهم، وجعل على الأرض خراجاً على حدة، وقال غير ابن حبيب: إنه أقرَّهم في الأرض، وجعل عليهم خراجاً واحداً على الأرض والجماجم، وجعل عليهم مع ذلك الضيافة، وقال مالك: تطرح عنهم الضيافة إذا لم يُوف لهم. قال الباجي(١): والأظهر عندي أن يكون عليهم جزية الجماجم، فمن عمل أرضاً كان عليه خراجها؛ لأن سبب جزية الجماجم سكنى بلد المسلمين، وحقن دمائهم فيها، وسبب خراج الأرض الانتفاع بها، ثم لا يجوز للعنوي بيع شيء من الأرض؛ لأنها ملك للمسلمين، ويجوز لهم بيع غير ذلك من الرقيق وسائر الأموال، ومن أسلم منهم، قال ابن حبيب: فقد أحرز نفسه، وماله، (١) انظر: ((المنتقى)) (٢٢٤/٣). ٤٦٩ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب وكل ما كسب، وأما الأرض فللمسلمين؛ لأنها ليست في يده على وجه التملك، وإنما هي في يده على وجه إجارة. وروى عيسى بن مزين عن عيسى بن دينار: من أسلم منهم فهو حر، وماله للمسلمين، وفي ((العتبية)) من رواية سحنون: أنه يؤخذ منهم أموالهم من العين والرقيق وغير ذلك، قال ابن المواز: إنما يؤخذ منهم ما كان في أيديهم يوم الفتح. وجه قول ابن حبيب: ما احتج به، ووجه قول عيسى وابن القاسم: أن الأرض لا يملكها، وما ترك بيده لم يملكه، وإنما هو كالرقيق في الحائط يستعين به العامل في العمل، وهو باقٍ على ملك صاحب الحائط، وما اكتسب فعلى هذا الوجه اكتسبه، ووجه قول ابن المواز: أن ما اكتسب ملك له، وما ترك بيده، فعلى ملك من افتتح الأرض، وإنما تركه على وجه العون، انتهى مختصراً . وترجم أبو عبيد في ((كتاب الأموال)) فقال: ((باب من أسلم من أهل الصلح كيف تكون أرضه أرض خراج أم أرض عشر))، فأخرج بسنده إلى الزهري، قال الزهري: فمن أسلم منهم قُبِلَ إسلامه، وأحرز إسلامه نفسه وماله إلا الأرض، فإنها فيٌ للمسلمين؛ من أجل أنه لم يسلم أول مرة، قال أبو عبيد: ليس يريد بقوله: إن أرضه فيء للمسلمين، أنها تنزع منه إذا أسلم، ولكنه يريد أنها تكون أرض خراج على حالها؛ لأنها فيء للمسلمين، ولا يرضى منه بالعشر كأرض المسلمين التي يملكونها، وهذا مذهب من كره شراء أرض أهل الصلح. وقد روي عن عمر بن عبد العزيز شيء يرجع إلى هذا، فذكر بسنده عنه أنه قال: أيما قوم صولحوا على جزية يعطونها، فمن أسلم منهم كانت أرضه لبقيتهم. قال أبو عبيد: يقول: تكون سُنَّةً كسنتهم، وحكمه في الأداء عنها ٤٧٠ --------- ---- --- ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب كحكمهم، وكان مالك بن أنس يقول غير هذا: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير عن مالك قال: أما أهل الصلح، فمن أسلم منهم، فهو أحق بأرضه في آخر ما تقدم عن ((الموطأ)»، قال أبو عبيد: وقد روى أشعث عن ابن سيرين شيئاً يشبه هذا، إذ قال: من السواد ما أخذ عنوة، ومنه ما كان صلحاً، فما كان صُلْحاً فهو مالهم، وما كان عنوة فهو للمسلمين. قال أبو عبيد: فعلى تأويل مذهب ابن سيرين ومالك لا بأس بشري أرض الصلح؛ لأنه ملكهم، وكذا يروى عن الحسن بن صالح: أنه كان لا يرى به بأساً، ويكره شري أرض العنوة. قال أبو عبيد: وينبغي أن يكون في هذا المذهب أيضاً أنهم إذا أسلموا صارت أرضهم أرض عشر؛ لأنها ملك إيمانهم، وأما الذي يقول أبو حنيفة فغير هذا، أخبرني عنه محمد أنه كان يقول: من أسلم منهم، أو اشترى أرضه مسلم من أهل الصلح، فإن الصلح باقٍ على حاله، انتھی. وقال الموفق(١): الأرض أرضان: أرض صلح وعنوةٍ، فأما الصلح، فهو كل أرض صالح أهلها عليها، لتكون لهم، ويؤدون خراجاً معلوماً، فهذه الأرض ملك لأربابها، وهذا الخراج في حكم الجزية، متى أسلموا سقط عنهم، ولهم بيعها وهبتها؛ لأنها ملك لهم، وكذلك إن صالحوا على أداء شيء غير مُوَظّفٍ على الأرض، وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها، كأرض المدينة وشبهها، فهذه ملك لأربابها، لا خراج عليها، ولهم التصرف فيها كيف شاؤوا . وأما الثاني: وهو ما فتح عنوةً، فهي ما أجلي عنها بالسيف، ولم تُقَسَّمْ بين الغانمين، فهذه تصير وقفاً للمسلمين، يضرب عليها خراج معلوم، يؤخذ (١) ((المغني مع الشرح الكبير)) (٥٨٥/٢ - ٥٨٦) و((المغني)) (١٨٦/٤). ٤٧١ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب منها في كل عام، يكون أجرةً لها، وتُقرُّ في أيدي أربابها، ما داموا يؤدون خراجها، سواء كانوا مسلمين أو من أهل الذمة، ولا يسقط خراجها بإسلام أربابها، ولا بانتقالها إلى مسلم؛ لأنه بمنزلة أجرتها . ولم نعلم أن شيئاً مما فتح عنوةً قُسِّمَ بين المسلمين إلا خيبر، فإن رسول الله وَ﴾ قسم نصفها، فصار ذلك لأهله، لا خراج عليه، وسائر ما فتح عنوةً مما فتحه عمر بن الخطاب، ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها لم يقسم منه شيء. ثم قال(١): وما استأنف المسلمون فتحه، فإن فتح عنوة ففيه ثلاث روايات: يعني عن الإمام أحمد، إحداهن: أن الإمام مخيَّر بين قسمتها على الغانمين، وبين وقفيتها على جميع المسلمن؛ لأن كلا الأمرين قد ثبت فيه حُجَّة عن النبيِ وَّ، فإنه ◌َّ قسم نصف خيبر، ووقف نصفها لنوائبه، ووقف عمر الشام والعراق ومصر وسائر ما فتحه، وأقرَّه على ذلك علماء الصحابة، وأشاروا عليه به، وكذلك فعل من بعده من الخلفاء، ولم يعلم أحد منهم قسم شيئاً من الأرض التي افتتحوها . والثانية: أنها تصير وقفاً بنفس الاستيلاء عليها لاتفاق الصحابة عليه، وقسمة النبي ◌َل#ل خيبر كان في بدء الإسلام وشدة الحاجة. والثالثة: أن الواجب قسمتها، لأن النبي ◌َّ# فعل ذلك، وفعله أولى من فعل غيره مع عموم قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ﴾ الآية. يفهم منها أن أربعة أخماسها للغانمين، والرواية الأولى أولى؛ لأن النبي وَلل فعل الأمرين جميعاً في خيبر، ولأن عمر - رضي الله عنه - قال: لولا آخر الناس لقسمت الأرض كما قسم النبي وَل خيبر (٢)، فقد وقف مع علمه بفعل النبي (١) ((المغني)) (١٨٩/٤). (٢) أخرجه البخاري في ((باب أوقاف أصحاب النبي (وَلي)) من ((كتاب الحرث والمزارعة)) وانظر ((فتح الباري)) (١٧/٥)، وأبو داود (١٤٤/٢). ٤٧٢ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب ٠٠ قال أبو عبيد: تواترت الآثار في افتتاح الأرضين عنوةً بهذين الحكمين، حكم رسول الله وَّر في خيبر، حين قسمها، وحكم عمر - رضي الله عنه - في أرض السواد وغيره، حين وقفه، والنظر في ذلك إلى الإمام، فما رأى من ذلك فعله، وهذا قول الثوري وأبي عبيد. والاختيار إلى الإمام اختيار مصلحة، لا اختيار تَشَةً، فيلزمه فعل ما يرى المصلحة فيه، ولا يحتاج إلى النطق بالوقف، بل تركه له من غير قسمة هو وقفه لها؛ لأن عمر - رضي الله عنه - وغيره لم ينقل عنهم فيه لفظ الوقف، ولأن معنى وقفها هاهنا أنها باقية لجميع المسلمين، يؤخذ خراجها ويصرف في مصالحهم . ثم قال: فأما ما جلا عنها أهلها خوفاً من المسلمين، فهذه تصير وقفاً بنفس الظهور عليها؛ لأن ذلك متعين فيها، إذ لم يكن لها غانم، فكان حكمها حكم الفيء يكون للمسلمين كلهم، وقد روي أنها لا تصير وقفاً حتى يقفها الإمام، وحكمها حكم العنوة إذا وقفت. وما صالح عليه الكفار من أرضهم على أن الأرض لنا، ونقرهم فيها بخراج معلوم، فهو وقف أيضاً؛ لأنه يَّ فتح خيبر، وصالح أهلها على أن يعمروها، ولهم نصف ثمرتها، وصالح بني النضير على أن يُجْلِيَهم من المدينة، ولهم ما أقلَّت الإبل إلا الحلقة أي السلاح، وأما ما صولحوا على أن الأرض لهم، ونُقرّهم فيها بخراج معلوم، فهذا الخراج في حكم الجزية، تسقط بإسلامهم، والأرض لهم لا خراج عليها؛ لأن الخراج الذي ضرب عليهم إنما كان من أجل كفرهم، بمنزلة الجزية المضروبة على الرؤوس، فإذا أسلموا سقط كما تسقط الجزية، وتبقى الأرض ملكاً لهم، لا خراج عليها، ولو انتقلت الأرض إلى مسلم، لم يجب عليها خراج لذلك، انتهى . ٤٧٣ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب وفي ((الشرح الكبير)) لأبي الفرج الحنبلي: الأرضون المغنومة على ثلاثة أضرب، أحدها: ما فتح عنوة، وهي ما أجلي عنها أهلها بالسيف، فيخيّر الإمام بين قسمها ووقفها للمسلمين، وعنه: تصير وقفاً بنفس الاستيلاء، وعنه: تقسم بين الغانمين، الضرب الثاني: ما جلا عنها أهلها خوفاً وفزعاً، فهذه تصير وقفاً بنفس الظهور عليها؛ لأن ذلك يتعين فيها؛ لأنها ليست غنيمة فتقسم، فكان حكمها حكم الفيء، وعنه: يكون حكمها حكم العنوة قياساً عليها، فعلى هذا لا تصير وقفاً، حتى يقفها الإمام. الضرب الثالث: ما صولحوا عليه. وهو قسمان: أحدهما: أن يصالحهم على أن الأرض لنا، ونقرها معهم بالخراج، فهذه تصير وقفاً أيضاً، حكمها حكم ما ذكرنا، الثاني: أن يصالحهم على أن الأرض لهم، ويؤدون إلينا خراجها معلوماً، فهذه ملك لأربابها، وهذا الخراج في حكم الجزية، متى أسلموا سقط عنهم؛ لأن الخراج الذي ضرب عليها إنما كان من أجل كفرهم، فهو كالجزية على رؤوسهم، فإذا أسلموا، سقط كما تسقط الجزية، وتبقى الأرض ملكاً لهم، لا خراج عليها، انتهى. وقال ابن حجر في (شرح المنهاج)): الفيء مال حصل لنا من كفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب وبلا مؤنة، كجزية وخراج ضُرِبَ على حكمها، وعُشر تجارة أي ما أخذ من أهلها، سواء ساوى العشر أو لا، وما صولح عليه أهل بلد من غير نحو قتالٍ، وما جلوا عنه خوفاً، فيخمّس جميع الفيء خمسة أسهم متساوية، وقال الأئمة الثلاثة: يصرف جميعه لمصالح المسلمين إلى آخر ما تقدم، بسط ذلك في باب ((ما لا يجب فيه الخمس)). ثم قال: هذا حكم منقول الفيء، فأما عقاره من بناء أو أرض، فالمذهب أنه لا يصير وقفاً بنفس الحصول، وإن نقله البلقيني عن الإمام عن الأئمة، واعتمده، بل الإمام مُخَيَّرٌ بين أن يجعله وقفاً، وتقسم غلته في كل سنة، مثلاً ٤٧٤ ٢١ - كتاب الجهاد (٢٠) باب على المرتزقة بحسب حاجاتهم؛ لأنه أنفع لهم، أو تقسم أعيانه عليهم أو يباع، ويقسم ثمنه بينهم، واعتمد الأذرعي قول المنهاج: إنه يجعل وقفاً، وتقسم غلته على المرتزقة، وحمل التخيير المذكور وفاقاً (للروضة))، وأصلها على أنه لو رآه إمام مجتهد جاز. ثم قال في موضع آخر: والمال المأخوذ من أهل الحرب قهراً لهم حتى سلّموه أو جلوا عنه غنيمة، ولا تملك إلا بقسمة مع الرضا بها باللفظ لا بالاستيلاء، ولهم أي الغانمين التملك قبلها باللفظ، بأن يقول كلٌّ بعد الحيازة وقبل القسمة: اخترت ملك نصيبي، فيملك بذلك أيضاً، وقيل: يملكون بمجرد الحيازة، ويملك العقار بالاستيلاء مع القسمة وقبولها، أو اختيار التملك کالمنقول، انتھی. وقال في موضع آخر: الغنيمة مال حصل من كفار بقتال وإيجاف، فيقدم منه السلب للقاتل، ثم يخمسُّ الباقي، فخمسه لأهل خمس الفيء، والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين، انتهى. وفي ((الهداية))(١): إذا فتح الإمام بلدة عنوة أي قهراً، فهو بالخيار، إن شاء قسمها بين المسلمين، كما فعل الرسول وَل﴿ه بخيبر، وإن شاء أقرّ أهله عليه، ووضع عليهم الجزية، وعلى أراضيهم الخراج، كذلك فعل عمر - رضي الله عنه - بسواد العراق بموافقة من الصحابة، ولم يُحمد من خالفه، وفي كل من ذلك قدوة، فيتخير. قال(٢): وما أوجف المسلمون عليه من أموال أهل الحرب بغير قتال، يصرف في مصالح المسلمين، كما يصرف الخراج، ثم قال: أرض العرب كلها (١) ((الهداية)) (٣٨٤/١). (٢) ((الهداية)) (١/ ٣٩٧). ٤٧٥ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٢١) باب الدفن في قبر واحد من ضرورة، وإنفاذ أبي بكر - رضي الله عنه. عدة رسول الله وَله، بعد وفاة رسول الله وَ له أرض عشر، والسواد أرض خراج؛ لأنه ◌َّ والخلفاء الراشدين لم يأخذوا الخراج من أراضي العرب، ولأنه بمنزلة الفيء فلا يثبت في أراضيهم؛ لأن وضع الخراج من شرطه أن يقرّ أهلها على الكفر، كما في سواد العراق، ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام والسيف، وأرض السواد مملوكة لأهلها، يجوز بيعهم لها وتصرفهم فيها؛ لأن الإمام إذا فتح أرضاً عنوة وقهراً له أن يُقِرَّ أهلها عليها، ويضع عليها، وعلى رؤوسهم الخراج، فتبقى الأراضي مملوكة لأهلها . وكل أرض أسلم أهلها، أو فتحت عنوة، وقسمت بين الغانمين، فهي أرض عشر، وكل أرض فتحت عنوة، فأقرَّ أهلها عليها، فهي أرض خراج، وكذا إذا صالحهم، قال: ومن أسلم من أهل الخراج، أخذ منه الخراج على حاله؛ لأن فيه معنى المؤنة، فيعتبر مؤنة في حالة البقاء، فأمكن إبقاؤه على المسلم، ويجوز أن يشتري المسلم أرض الخراج من الذمي، ويؤخذ منه الخراج لما قلنا، وقد صح أن الصحابة اشتروا أراضي الخراج، وكانوا يؤدون خراجها، فدل على جواز الشراء، وأخذ الخراج، وأدائه للمسلم من غير كراهة، انتهى. (٢١) الدفن في قبر واحد من ضرورة لفظة ((من)) أجلية، أي يجوز للضرورة أن يجمع الأموات في قبر واحد، والمسألة كأنها إجماعية، كما سيأتي بسطها في الحديث الأول، وأشار المصنف بزيادة لفظ الضرورة إلى محمل الحديث من أن ذلك كان لأجل ضرورة . وإنفاذ أبي بكر رضي الله عنه في زمان خلافته، والمصدر مضاف إلى فاعله. ٤٧٦ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٧) حدیث ٩٩٧/ ٤٩ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي ضَعْصَعَةَ؛ عِدَة بكسر العين المهملة وفتح الدال المهملة المخففة مصدر وعد يعد مضاف منصوب على المفعولية. النبي بعد وفاته كما سيأتي في الحديث الثاني. ٤٩/٩٩٧ - (مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة) بمهملات مفتوحات إلا العين الأولى فساكنة، الأنصاري المازني، ثم اختلفت نسخ ((الموطأ)) في ذكر هذا الرواي، وما اخترته من السياق هو ما أطبقت عليه النسخ الهندية، وهكذا في متن (المنتقى)) وهامشه، وهكذا في ((التقصي))، و((المصفى))، وهكذا ذكره في ((وفاء الوفاء)) برواية مالك، وهو الصواب عندي. وذكر في نسخة الزرقاني بدله: عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، وليس بوجيه، فإن عبد الله هذا والد عبد الرحمن ليس من مشايخ مالك، بل يروي عنه مالك بواسطة ابنه عبد الرحمن، كما تقدمت الرواية بذلك في ((ما جاء في النداء))، وأيضاً أهل الرجال ذكروا مالكاً في تلامذة عبد الرحمن لا أبيه عبد الله . ثم ذكر في أكثر النسخ المصرية محل ذلك عبد الرحمن بن أبي صعصعة، ويمكن تصحيحه بأنه منسوب إلى جده وجده إلى جده، فقد قال: قال الحافظ في ((تهذيب التهذيب))(١): عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري المازني، ومنهم من يسقط عبد الرحمن من نسبه، ومنهم من (١) (٢٠٩/٦) . ٤٧٧ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٧) حديث أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ عَمْرِو بْنَ الْجَمُوحِ ينسبه هو إلى جده، فيقول: عبد الرحمن بن أبي صعصعة (١)، انتهى. قلت: واختلف أهل الرجال في أنساب أبناء أبي صعصعة كثيراً كما بسطته في ما علقت (٢) من الحواشي على ((تهذيب التهذيب)). (أنه بلغه) قال أبو عمر: لم تختلف الرواة في قطعه، ويتصل معناه من وجوه صحاح، قاله الزرقاني(٣)، ولفظ ((التقصي))(٤): روي هذا الحديث مسنداً من حديث أبي الزبير عن جابر من طرق شتى، وروي معناه من حديث أبي نضرة عن جابر، وهو حديث ثابت، وقد ذكرتهما في ((التمهيد))(٥)، انتهى. (أن عمرو) بفتح العين وسكون الميم (ابن الجموح) بفتح الجيم وخفة الميم وسكون الواو، آخره حاء مهملة، ابن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة الأنصاري، من سادات الأنصار وسادات بني سلمة وأشرافهم، روي عن أبي الزبير عن جابر، قال لنا رسول الله وَله: ((من سيدكم يا بني سلمة))؟ قالوا: الجد بن قيس على أن نبخله، فقال بيده هكذا، ومدّ يده: ((وأي داء أدوأ من البُخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح))، قال: وكان عمرو يولم على رسول الله ◌َّ إذا تزوج، وروي نحو ذلك عن أنس وأبي هريرة وغيرهما، كما بسط طرقه الحافظ في ((الإصابة))(٦). وفي ((الخميس)): قال ابن إسحاق: كان عمرو بن الجموح رجلاً أعرج (١) كذا فى ((الاستذكار)) (٣٤٢/١٤). (٢) تعليقات شيخنا على ((تهذيب التهذيب)) لم تطبع. (٣) ((شرح الزرقاني)) (٥٢/٣). (٤) (ص١٠١). (٥) (٢٣٩/١٩). (٦) ((الإصابة)) (٢٩٠/٤) رقم الترجمة (٥٧٩٢) وانظر ((شرح الزرقاني)) (٥٣/٣). ٤٧٨ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٧) حديث وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، الأَنْصَارِيَّيْنِ، ثُمَّ السَّلَمِيَّيْنِ، شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأسد، يشهدون مع رسول الله وَ لا المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا: إن الله قد عذركَ، فأتى رسول الله ◌َّ، وقال: أي نبي الله! إن بَنَيَّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله! إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله وَله: ((أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك)) وقال لبنيه: ((ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله يرزقه شهادة))، فخرج معه فقتل يوم أحد، انتھی . (وعبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن حرام بن ثعلبة الخزرجي العقبي البدري، والد جابر الصحابي المشهور، روى الترمذي عن جابر قال له رسول الله ◌َيّ: ((ما كلّم الله أحداً قط إلا من وراء حجاب، فإنه كلم أباك كفاحاً، قال: يا عبدي سَلْنِي أعطك))، الحديث، وروي عن جابر قال: قال رسول الله مَّ: ((جزى الله الأنصار عنا خيراً، لا سيما عبد الله بن عمرو بن حرام وسعد بن عبادة))، وأخرجه النسائي بلفظ ((لا سيما آل عمرو بن حرام)) كذا في ((الإصابة)). وأخرج ابن سعد في ترجمته: إنه كان أول قتيل قتل من المسلمين يوم أحد، قتله سفيان بن عبد شمس أبو أبي الأعور السلمي، فصلى عليه رسول الله ◌َ# قبل الهزيمة. وأخرج البخاري في ((صحيحه)) عن جابر قال: لما حضر أحدٌ، دعاني أبي من الليل، فقال: ما أُراني إلا مقتولاً في أول من يُقْتل من أصحاب رسول الله ◌َ ◌ّ﴾، الحديث، وفيه: فكان أول قتيل (الأنصاريين ثم السَّلَمِيَّيْنِ) بفتح السين المهملة وفتح اللام نسبة إلى بني سلمة بكسر اللام بطن من الأنصار الخزرج، قاله الزرقاني(١). (١) ((شرح الزرقاني)) (٥٣/٣). ٤٧٩ ٢١ - كتاب الجهاد (٢١) باب (٩٩٧) حدیث كَانَا قَدْ حَفَرَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا، وفي ((المغني)) (١): السلمي بسين ولام مفتوحتين منسوب إلى سلمة بن سعد بكسر لام غير النسب، ويجوز إبقاء الكسر، بطن من الأنصار، انتهى. (كانا قد حفر) ببناء المعلوم (السيل) فاعله (من قبريهما) هكذا في النسخ الهندية بلفظ التثنية وزيادة ((من)) في أوله، وفي النسخ المصرية: ((حفر السيل قبرهما)) بالإفراد على المفعولية، وهو الأوجه إذا كانا في قبر واحد. قال صاحب ((المحلى)): يعني السيل الذي قد حفره معاوية في السنة الثانية من إمارته، فوقعت في طريق أحد. فمرت بقبور الشهداء، وروى الدارمي عن جابر: بينا أنا في خلافة معاوية، إذ جاء رجلٌ فقال: يا جابر لقد أثار أباك عُمَّالُ معاوية، فبدأ فخرج طائفة منهم فانطلقت إليه، فوجدته على النحو الذي دفنته لم يتغير . قال الحافظ(٢): وقد ذكر ابن إسحاق القصة في المغازي، فقال: حدثني أبي عن أشياخ من الأنصار قالوا: لما ضرب معاوية عينَه التي مَرَّتْ على قبور الشهداء، انفجرت العينُ عليهم، فجئنا فأخرجناهما، يعني عمراً وعبد الله، وعليهما بردتان، قد غطي بهما وجوههما، وعلى أقدامهما شيء من نبات الأرض، فأخرجناهما يَتَثَنِّيَان تثّنياً، كأنهما دُفنا بالأمس، وله شاهد بإسناد صحيح عند ابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر، انتهى. قلت: ولفظه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: صُرِخ بنا إلى قتلانا يوم أحد، حين أجرى معاوية العين، فأخرجناهم بعد أربعين سنة، لَيِّنَةً أجسادهم، تَتَثَنَّى أطرافهم، وأخرج أيضاً من طريق الزهري عن جابر في حديث طويل في قصة أحد، قال: كان عبد الله بن عمرو رجلاً أحمر، أصلع، ليس بالطويل، (١) ((المغني)) (ص١٣٨). (٢) ((الإصابة)) (١٩٠/٤). ٤٨٠