Indexed OCR Text

Pages 421-440

٢١ - كتاب الجهاد
(١٨) باب
(٩٩٠) حديث
الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَغَزْوٌ تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ ،
جبل مرفوعاً به، انتهى. قلت: وأخرجه الحاكم بهذا السند مرفوعاً وقال:
صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وأقرَّه عليه الذهبي، زاد القاري فيمن
رواه أحمدَ والبيهقيَّ .
(الغزو) أي جنس الغزو، لا غزو مخصوص (غزوان) أي على نوعين:
غزوٌ على ما ينبغي، وغزوٌ على ما لا ينبغي، فاختصر الكلام، واستغنى بذكر
الغزاة، وعَدّ أصنافها، وشرح حالهم وبيان أحكامهم عن ذكر القسمين، وشرح
حال كل واحد منهم مفصلاً، قاله البيضاوي، كذا في ((الشرح)).
(فغزو ينفق فيه) ببناء المفعول في الأفعال الأربعة، بل الثمانية كلها
(الكريمة) قال الباجي(١): يريد كرائم الأموال، ويحتمل أن يريد به حلال المال
دون خبيثه، ودون ما فيه شبهة، ويحتمل أن يريد به كثيره، إذا أراد بالنفقة
النفقة على نفسه والصدقة، ويحتمل أن يريد بالكريمة أفضل المتاع، مثل أن
يغزو على أفضل الخيل وأسبقها، ويقتنيها لذلك، وكذلك يغزو بأفضل السلاح
والآلة، فيكون إنفاقها في سبيل الله ابتياعها لذلك، ويحتمل أن يريد بإنفاق
الغازي ذلك في سبيل الله أن يحبس في سبيل الله أفضل ما يغزو به معه من
ذلك .
وقال القاري(٢): أي المختارة من ماله وقتل نفسه، والتاء للنقل من
الوصفية إلى الاسمية، انتهى.
وقال البوني(٣): أي الذهب والفضة، سميت كريمة؛ لأنها تكرم عن
السؤال وغيره، وقال ابن عبد البر: أي ما يكرم عليك من المال مما يقيك
به الله شَخَّ نفسك.
(١) ((المنتقى)) (٢١٥/٣).
(٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٢/٧)
(٣) ((شرح الزرقاني)) (٤٦/٣).
٤٢١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٨) باب
(٩٩٠) حديث
وَيُيَاسَرُ فِيهِ الشَّرِيكُ، وَيُطَاعُ فِيهِ ذُو الأَمْرِ، وَيُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ،
فَذُلِكَ الْغَزْوُ خَيْرٌ كُلُّهُ، وَغَزْوٌ لَا تُنْفَقُ فِيهِ الْكَرِيمَةُ، وَلَا يُيَاسَرُ فِيهِ
الشَّرِيكُ، وَلَا يُطَاعُ فِيهِ ذُو الْأَمْرِ، وَلَا
(ويُيَاسَر) بضم الياء الأولى من المياسرة بمعنى المساهلة (فيه
الشريك) أي يساهل الرفيق على وجه المبالغة نفعاً للمعونة، وكفاية
للمؤونة.
وقال الباجي(١): يريد موافقته في رأيه مما يكون طاعته ومتابعته عليه وقلة
مشاحاته فيها يشاركه فيه من نفقة أو عمل (ويطاع فيه ذو الأمر) وطاعته امتثال
أمره بأن يمتنع مما يمنع منه، ويمتثل ما يأمر به إذا لم يكن معصية فلا طاعة
للمخلوق في معصية الخالق (ويجتنب فيه الفساد) بأن لا يتجاوز عن المشروع
قتلاً وضرباً ونهباً، وقال الباجي: ويجتنب الفساد فيما لا يعود بموافقة الشريك
ولا تقدم للإمام فيه أمر ولا نهي.
(فذلك الغزو خير كله) قال صاحب ((المحلى)): كله مبتدأ، وخير خبره،
لا يصح جعل كل تأكيداً، كذا قالوا، انتهى. يريد أنه خير لصاحبه في الآخرة
وطاعة لله وقربة، كذا في ((المنتقى))، والمعنى أن من هذا شأنه فجميع حالاته
من حركة وسكون ونوم ويقظة جالبة للخير والثواب.
وفي ((المشكاة)) برواية مالك وأبي داود والنسائي عن معاذ مرفوعاً:
((الغزو غزوان فأما من ابتغى وجه الله وأطاع الأمير، وأنفق الكريم وياسر
الشريك واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله))، وهكذا في أبي داود
(وغزو) أي ثاني القسمين (ما لا ينفق) بضم الياء وفتح الفاء (فيه الكريمة ولا
يُياسر) بضم الياء الأولى فيه (الشريك) نائب الفاعل (ولا يطاع فيه ذو الأمر ولا
(١) ((المنتقى)) (٢١٥/٣).
٤٢٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٨) باب
(٩٩٠) حديث
يُجْتَنَبُ فِيهِ الْفَسَادُ، فَذَلِكَ الْغَزْوُ لَا يَرْجِعُ صَاحِبُهُ كَفَافاً .
هذا الحديث موقوف، وقد روي عن معاذ مرفوعاً .
فأخرجه أبو داود في: ١٥ - كتاب الجهاد، ٢٤ - باب في من يغزو ويلتمس
الدنيا .
والنسائيّ في: ٢٥ - كتاب الجهاد، ٤٦ - باب فضل الصدقة في سبيل الله عزّ
وجلّ.
يجتنب فيه الفساد، فذلك الغزو لا يرجع صاحبه كفافاً).
ولفظ ((المشكاة)): و((أما من غزا فخراً ورياء وسمعة، وعصى الإمام،
وأفسد في الأرض، فإنه لم يرجع بالكفاف))، قال القاري(١): بفتح الكاف،
وفي نسخة بكسرها، وفي ((القاموس)): كفاف الشيء كسحاب مثلثة، ومن الرزق
ما كفّ عن الناس، وكِفَاف الشيء بالكسر خياره، وفي ((النهاية)): الكفاف،
الذي لا يفضل عن الشيء. ويكون بقدر الحاجة إليه، قال القاضي: أي لم
يرجع بالثواب، مأخوذ من كفاف الشيء، وهو خياره. أو من الرزق أي لم
يرجع بخير، أو بثواب يغنيه يوم القيامة، فقوله الأول يشير إلى أن الكفاف
بالكسر، والثاني إلى أنه بالفتح.
وقال المظهر: أي لم يَعُدْ من الغزو رأساً برأس بحيث لا يكون له أجر،
ولا عليه وزر، بل وزره أكثر؛ لأنه لم يَغْزُ لله، وأفسد في الأرض يقال: دعني
كفافاً أي تكفّ عني، وأكف عنك، كذا في الأصل، ويدل على أنه اقتصر على
كسر الكاف، وأراد به المصدر من باب المفاعلة.
وقال الطيبي: الوجه ما قاله القاضي؛ لأن الكفاف على هذا المعنى
يقتضي أن يكون له ثواب أيضاً، وإثم، ويزيد إنمه على ثوابه، كما قال عمر
- رضي الله عنه -: وددت أني سلمت من الخلافة كفافاً لا عليَّ ولا لي،
(١) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٠٢/٧).
٤٢٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(١٩) باب ما جاء في الخيل والمسابقة بينها، والنفقة في الغزو
انتهى. وقال الباجي(١): يريد أنه لا يفي سعيه وغزوه بما يكسبه من المآثم.
(١٩) ما جاء في الخيل
من الفضل، ومما يؤمر به من القيام عليها، والخيل جماعة الأفراس ليس
له مفرد من لفظه، وقيل: مفرده خائل، كما تقدم عن ((المحلى))، وحكاه
الدميري(٢) عن أبي عبيدة، وقال الدميري: هي مؤنثة، والجمع خيول،
وتصغيرها خييل، سُمِّيَت خيلاً لاختيالها في المشي، اسم للجمع عند سيبويه،
وجمع عند أبي الحسن، ويكفي في شرف الخيل أن الله - عز اسمه - أقسم بها
في كتابه فقال: ﴿وَالْعَدِيَتِ ضَبْحًا ﴾﴾(٣) انتهى.
وقال الراغب(٤): الخيلاء: التكبر عن تخيل فضيلة تراءت للإنسان من
نفسه، ومنها يُتَأَوَّلُ لفظ الخيل لما قيل: إنه لا يركب أحد فرساً إلا وجد في
نفسه نخوة، والخيل في الأصل اسم للأفراس والفرسان جميعاً، وعلى ذلك
قوله تعالى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾(٥) ويستعمل في كل واحد منهما منفرداً نحو
ما روي: ((يا خيل الله اركبي))، فهذا للفرسان، وقوله عليه الصلاة والسلام:
((عفوت لكم عن صدقة الخيل)). يعني الأفراس، انتهى.
قال السهيلي: أما خيل رسول الله وسلم فأسماؤها: سكيب(٦)، وهو من
سكب الماء كأنه سيل، والمرتجز، سُمِّي بذلك لحسن صهيله، واللحيف -
(١) ((المنتقى)) (٢١٥/٣).
(٢) ((حياة الحيوان)) (٤٣١/١).
(٣) سورة العاديات: الآية ١.
(٤): ((مفردات القرآن)) (ص ٣٠٤).
(٥) سورة الأنفال: الآية ٦٠.
(٦) في حياة الحيوان (٤٣٦/١) ((سكب)) هو الصواب.
٤٢٤
1 ------

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩١) حديث
٩٩١/ ٤٤ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل﴾ قَالَ: «الْخَيْلُ
بالحاء المهملة - كأنه يلحف الأرض لجريه، ويقال فيه: اللخيف، - بالخاء
المعجمة -، واللزاز، ومعناه أنه ما سابق شيئاً إلا لزه أي أثبته، وملاوح،
والضرس وهبه لعمر - رضي الله عنه - فحمل في سبيل الله. وهو الذي وجده
يبتاع برخص، قاله الدميري.
والمسابقة بينها
هكذا في النسخ المصرية، وفي الهندية: بينهما بضمير التثنية، والمعنى ما
جاء في جواز المسابقة بين الخيل، ومن لواحقه جواز أخذ السبق - بفتح
الموحّدة - وهو ما يجعل للسابق من نوال، قال الدميري: خيل السباق عشرة،
ذكرها الرافعي وغيره، وهي مجل، ومصل، وتال، وبارع، ومرتاح، وحظي،
وعاطف، ومؤمل، والسكيت، والفسكل، انتهى.
والنفقة في الغزو
أي ما جاء في فضل الإنفاق في سبيل الله.
٤٤/٩٩١ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله والج﴾ قال:
الخيل) قال الحافظ(١): المراد بها ما يتخذ للغزو بأن يقاتل عليه أو يرتبط
لأجل ذلك لقوله في حديث آخر عند البخاري، وتقدم في ((الموطأ)) أيضاً:
((الخيل ثلاثة))، الحديث.
وقد روى أحمد (٢) من حديث أسماء بنت يزيد مرفوعاً: ((الخيل في
نواصيها الخير معقود أبداً إلى يوم القيامة، فمن ربطها عُدَّةً في سبيل الله،
(١) ((فتح الباري)) (٥٥/٦).
(٢) ((مسند أحمد)) (١٣/٢).
٤٢٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩١) حديث
فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ
وأنفق عليها احتساباً كان شبعها وجوعها وريّها وظمؤها وأروائها وأبوالها
فلاحاً في موازينه))، الحديث، ولقوله في حديث آخر عند البخاري: (١) الأجر
والمغنم، وقوله: الأجر بدل من قوله: الخير، أو هو خبر مبتدأ محذوف أي
هو الأجر والمغنم.
(معقود في نواصيها) جمع ناصية خصها لرفعة قدرها، وكأنه شبّهه لظهوره
بشيء محسوس معقود على مكان مرتفع، فنسب الخير إلى لازم المشبه به،
وذكر الناصية تجريداً للاستعارة، والمراد بالناصية هاهنا: الشعر المسترسل على
الجبهة، قاله الخطابي وغيره، قالوا: ويحتمل أن يكون كني بالناصية عن جميع
ذات الفرس، كما يقال: فلان مبارك الناصية، ويبعده ما في رواية للبخاري:
((البركة في نواصي الخيل)).
وقد روى مسلم(٢) من حديث جرير قال: ((رأيت رسول الله وَل يلوي
ناصية فرسه بإصبعه، ويقول)) فذكر الحديث، فيحتمل أن تكون الناصية خصت
بذلك لكونها المقدم هنا إشارة إلى أن الفضل في الإقدام بها على العدو دون
المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الإدبار، كذا في ((الفتح))(٣).
(الخير) هكذا أخرجه البخاري برواية عبد الله بن مسلمة عن مالك، قال
الحافظ: كذا في ((الموطأ)) ليس فيه معقود، ووقع بإثباتها عند الإسماعيلي من
رواية عبد الله بن نافع عن مالك، وفي رواية البخاري من طريق عبيد الله بن
عمر عن نافع بإثباتها .
وقال أيضاً: كذا وقع، ولا بد فيه من محذوف يتعلق به المجرور، وأولى
(١) ((صحيح البخاري)) (٢٨٤٩) (باب الخيل معقود في نواصيها الخير)) (٥٤/٦).
(٢) ((صحيح مسلم)) ((كتاب الإمارة)) (١٨٧١).
(٣) ((فتح الباري)) (٦/ ٥٦ - ٥٧).
٤٢٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩١) حديث
. .
ما يقدر ما ثبت في رواية أخرى بلفظ: ((البركة تنزل في نواصي الخيل))، وفي
أخرى: ((الخير معقود في نواصي الخيل))، وفسر الخير بالأجر والمغنم، كما
في حديث عروة البارقي عند البخاري وغيره أن رسول الله وَلي قال: ((الخيل
معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم)).
قال الحافظ: قوله: الأجر بدل من قوله: الخير، أو هو خبر مبتدأ
محذوف، أي هو الأجر والمغنم، قال الطيبي: يحتمل أن يكون الخير
الذي فسر بالأجر والمغنم استعارة لظهوره وملازمته، وخص الناصية لرفعة
قدرها .
قال عياض: في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا
مزيد عليه من الحسن مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير، قال
الخطابي: فيه إشارة إلى أن المال الذي يكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه
الأموال وأطيبها، والعرب تسمي المال خيراً كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا
اَلْوَصِيَّةُ﴾ الآية .
وقال ابن عبد البر: فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب؛
لأنه لم يأت عنه وَّلّ في شيء غيرها مثل هذا القول، وفي النسائي عن أنس
لم يكن شيء أحب إلى رسول الله وَل من الخيل.
وقال عياض: إذا كان في نواصيها الخير، فيبعد أن يكون فيه شؤم،
فيحتمل أن يكون الشؤم الوارد في حديث : ((الشؤم في الدار والمرأة والفرس))
كما يأتي في ((الموطأ)) فيما يتقى من الشؤم في غير الخيل التي ارتبطت للجهاد،
وأن الخيل التي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة، أو يقال: الخير
والشر يمكن اجتماعهما في ذات واحدة، فإنه فسر الخير بالأجر والمغنم، ولا
يمنع أن يكون ذلك الفرس مما يتشاءم به.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد ههنا جنس الخيل أي أنها بصدد
٤٢٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩١) حديث
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ٤٣ - باب الخيل معقود في
نواصيها الخير إلى يوم القيامة .
ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٦ - باب الخيل في نواصيها الخير إلى يوم
القيامة، حديث ٩٦.
أن يكون فيها الخير، فأما من ارتبطها لعمل غير صالح فحصول الوزر لطريان
ذلك الأمر العارض (إلى يوم القيامة).
قال الباجي(١): هو دليل على أن ذلك باق إلى يوم القيامة، وأن الإسلام
لا يذهب جملة، ولا يقلب عليه حتى لا يبقى من أهله من يجاهد عن الدين،
ويدل أيضاً أن أهل الكفر ومن يجاهد على الدين لا يخلو منهم وقت إلى يوم
القيامة، فهذا ظاهر هذا اللفظ إلا أن يرد تخصيصه ببعض الأزمان، فقد روي
عن ابن عباس أنه قال في تأويل قوله تعالى: ﴿حَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ انتهى.
كذا في الأصل، ولم يذكر السيوطي في ((الدر)) تفسير ابن عباس.
وقال الرازي: وقت وضع أوزار الحرب متى هو؟ نقول: فيه أقوال
حاصلها راجع إلى أن ذلك هو الوقت الذي لا يبقى فيه حزب من أحزاب
الإسلام، وحزب من أحزاب الكفر، وقيل: ذلك عند قتال الدجال، ونزول
عیسی - عليه السلام -، انتهى.
قال الحافظ(٢): وفي الحديث بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة،
لأن من لازم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين، وهم المسلمون، وهو مثل الحديث
الآخر: ((لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق))، الحديث. انتهى.
قال الحافظ: روى حديث ((الخيل معقود في نواصيها الخير)) جمع من
(١) ((المنتقى)) (٢١٥/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٥٦/٦).
٤٢٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
٤٥/٩٩٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَلَ سَابَقَ
الصحابة وهم ابن عمر - رضي الله عنهما - وعروة وأنس وجرير وسلمة بن نفيل
وأبو هريرة وعتبة بن عبد وجابر وأسماء بنت يزيد وأبو ذر والمغيرة وابن مسعود
وأبو كبشة وابن حبان وحذيفة وسوادة بن الربيع وأبو أمامة وعريب - بفتح
المهملة وكسر الراء - المليكي والنعمان بن بشير وسهل بن الحنظلية، انتهى
مختصراً. ذكر الحافظ تخريج رواياتهم فارجع إليه، لو شئت التفصيل.
قال صاحب ((المحلى)): الحديث مما رواه جمع كثير من الصحابة حتى
قيل: إنه متواتر، وقد رواه جمع بلفظ: ((الخير معقود في نواصي الخيل)) وقال
ابن عبد البر: فيه تفضيل الخيل على غيره من الدواب، وروى النسائي عن
أنس: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله وَ ل# بعد النساء من الخيل، انتهى.
٤٥/٩٩٢ - (مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﴿ ﴿ل سابق)
أي أجرى بنفسه الشريفة، أو أمر بها قولان لشراح الحديث(١)، وقال العيني(٢):
قال بعضهم: فيه نسبة الفعل إلى الآمر به؛ لأن قولهم: سابق أي أمر وأباح،
قلت: ليت شعري ما وجه هذه النسبة؟ وهو في الحقيقة نسبة السباق إلى نفسه،
ولا معنى للعدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير داع ضروري، انتهى.
وذكر صاحب ((الخميس)) (٣) في أحوال السنة الخامسة: وفيها أمر
رسول الله ◌َّله بالسبق بين ما أضمر من الخيل وبين ما لم يضمر، انتهى، ثم
ذكر حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - هذا، وذكر ابن الجوزي في ((التلقيح))
في السنة السادسة: وفيها سبق رسول الله ومَّله بالخيل أول سباق كان بالمدينة،
فسبق فرس أبي بكر - رضي الله عنه -، انتهى.
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٨/٣).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٩١/١٠).
(٣) ((تاريخ الخميس)) (٥٠٢/١).
٤٢٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ،
ويشكل على قوله: سبق فرس أبي بكر ما في رواية لمسلم عن ابن عمر
- رضي الله عنهما - بلفظه: فجئت سابقاً. فطفف بي الفرس المسجد اللَّهم إلا
أن يقال: إن سبق أبي بكر - رضي الله عنه - كان في الأفراس المضمرة. وسبق
ابن عمر في غيرها لقوله: طَفَّفَ بي المسجد، فإن المسجد كان أمد الأفراس
التي لم تضمر (بين الخيل التي قد أضمرت) ببناء المجهول، والمراد به أن
تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتاً
وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق، فإذا جَفَّ عرقها خفَّ لحمها وقويت على
الجري، كذا في ((الفتح))(١).
وفي ((مختار الصحاح)): هو أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت،
وذلك في أربعين يوماً، وهذه المدة تسمى مضماراً، والموضع الذي تضمر فيه
الخيل أيضاً مضماراً، انتهى.
وفي ((المنتقي))(٢): قال محمد بن عبد الحكم: في هذا دليل على جواز
الإضمار، وذلك لا يكون إلا بمنع بعض العلف واستجلاب العرق، انتهى.
وترجم البخاري عليه في ((صحيحه)) ((باب إضمار الخيل للسبق))، قال الحافظ :
إشارة إلى أن السُّنَةَ في المسابقة أن يتقدم إضمار الخيل، وإن كانت التي لا
تضمر لا يمنع المسابقة عليها، انتهى.
(من الحفياء) قال النووي (٣): بحاء مهملة ثم فاء ساكنة وبالمد والقصر،
حكاهما القاضي وآخرون، والقصر أشهر، والحاء مفتوحة بلا خلاف، وقال
صاحب ((المطالع)): ضبطه بعضهم بضمها وهو خطأ، وقال الحازمي: يقال فيها
(١) ((فتح الباري)) (٧٢/٦).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٥/٣).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤/١٣/٧).
٤٣٠

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ
أيضاً: الحيفاء بتقديم الياء على الفاء، والمشهور المعروف في كتب الحديث
وغيره الحفياء، انتهى. وفي ((المحلى)) و(التنوير)): المد أشهر. وقال
القسطلانى: ممدود ويقصر .
(وكان أمدها) بفتح الألف والميم أي غايتها (ثنية الوداع) بفتح الواو،
الثنية بفتح المثلثة وكسر النون وتشديد التحتية: أعلى الجبل، أو الطريق فيه،
أو غير ذلك، سميت بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يمشي معه المودعون
إليها، كذا في ((القسطلاني))(١).
قال الحموي(٢): هي ثنيةٌ مشرفةٌ على المدينة يطؤها من يريد مكة،
اختلف في تسميتها فقيل: لأنها موضع وداع المسافرين، وقيل: لأنه وَلّ ودع
بها بعض من خلفه بالمدينة في آخر خرجاته، وقيل: في بعض سراياه المبعوثة
عنه، وقيل: الوداع اسم وادٍ بالمدينة، والصحيح أنه اسم قديم جاهلي، سمي
لتوديع المسافرين، انتهى.
وفي ((المحلى)) عن ((تاريخ المدينة)) السمهودي(٣): كان من اسم الجاهلية
أن من أراد قدوم المدينة سالماً من الموت، كان إذا وصل إلى هذا الموضع،
نهق كالحمار عشرة، ومن هذا يسمى ثنية الوداع؛ لأنه إذا لم ينهق قالوا: ودع
الحياة إلى آخر ما ذكره. قال سفيان الثوري كما في ((الفتح))، وابن عيينة كما
حكاه النووي وصاحب ((التنوير)): بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو
ستة، وقال موسى بن عقبة: بينها ستة أميال أو سبعة، قال الحافظ: وهو
اختلاف قريب، انتهى.
(وسابق بين الخيل التي لم تضمر) ببناء المجهول من الإضمار أو
(١) ((إرشاد الساري)) (٦/ ٤٠٠).
(٢) ((معجم البلدان)) (٨٦/٢).
(٣) ((وفاء الوفا)) (٢٧٥/٢)، و((خلاصة الوفاء)) (٥٧٧/٧).
٤٣١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدٍ بَنِي زُرَيْقٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ مِمَّنْ
سَابَقَ بِهَا .
أخرجه البخاريّ في: ٨ - كتاب الصلاة، ٤١ - باب هل يقال مسجد بني
فلان؟
ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٢٥ - باب المسابقة بين الخيل وتضميرها،
حديث ٩٥.
الضمير، والأولى أوجه ها هنا (من الثنية) المذكورة (إلى مسجد بني زريق)
- بتقديم الزاي المضمومة على الراء آخره قاف - مصغراً، ابن عامر قبيلة من
الأنصار، وأضيف المسجد إليهم لصلاتهم فيه، فالإضافة إضافة تعريف لا
ملك، قاله القسطلاني(١)، قال النووي(٢): فيه دليل على جواز قول مسجد
فلان ومسجد بني فلان، وقد ترجم البخاري بهذه الترجمة. وبه قال الجمهور
خلافاً للنخعي لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ﴾ وحديث الباب يرد عليه.
(وأن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (كان فيمن) هكذا في
المصرية، وفي الهندية: ((كان ممن)) (سابق بها) أي بالخيل أو بهذه المسابقة،
وهذا من قول ابن عمر - رضي الله عنهما - عبر نفسه بالغائب وهو شائع، وفي
رواية عبيد الله عن نافع قال ابن عمر: ((وكنت فيمن أجري))، وعند الإسماعيلي
قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((وكنت فيمن أجري، فوثب بي فرس
جداراً))، ولمسلم من رواية أيوب عن نافع: ((فسبقت الناس، فطفف بي الفرس
مسجد بني زريق أي جاوز بي المسجد الذي هو الغاية)).
وفي الحديث(٣): مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث بل من الرياضة
(١) ((إرشاد الساري)) (٦/ ٤٠٠).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (١٤/١٣/٧).
(٣) انظر: ((الاستذكار)) (٣٠٧/١٤).
٤٣٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة،
وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك، قال القرطبي:
لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب مجاناً وعلى
الأقدام، كذا الترامي بالسهام.
قال الباجي(١): وهذا نص في جواز المسابقة بين الخيل لما في ذلك من
تدريبها على الجري والسبق وتدريب من يسابق بها، ولِمَا يبعث عليه من
الاجتهاد في ذلك والمبالغة فيه لما جلبت عليه النفوس من الحرص على
الغلبة، فإذا سابق غيره كان اجتهاده لنفسه وفرسه أكثر من إجهاده واجتهاده إذا
انفرد بالجري، وليس تعرف العرب المسابقة إلا بين الخيل والإبل، وكذلك في
الإسلام، قاله محمد بن عبد الحكم، وقد سابق رسول الله 85*له بين الخيل
والإبل، ولا أعلم أنه بَّر سابق بين غيرها، انتهى.
قال الحافظ(٢) والقسطلاني: لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على
ذلك، بل وليس في الكتب الستة لها ذكر. لكن ترجم له الترمذي (باب
المراهنة على الخيل))، ولعله أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله مَّةٍ سابق بين
الخيل وراهن، وأخرجه البيهقي والطبراني، وقد أجمع العلماء على جواز
المسابقة بغير عوض، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر
والنصل، وخصه بعض العلماء بالخيل، وأجاز عطاء في كل شيء.
واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين، كالإمام
حيث لا يكون له معهم فرس، وجَوَّز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من
(١) ((المنتقى)) (٢١٥/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٧٢/٦) ((إرشاد الساري)) (٤٠٣/٦).
٤٣٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
المتسابقين، وكذا إذا كان معهما ثالث محلِّل بشرط أن لا يخرج من عنده شيء
ليخرج العقد من صورة القمار المحلِّلُ هو ثالث على فرس مكافىء لفرسيهما،
ولا يخرج المحلل من عنده شيئاً.
وصورته أن يخرج كل منهما مالاً، ويقولا للثالث: إن سبقتنا فالمالان
لك، وإن سبقناك فلا شيء لك، وهو فيما بينهما أيهما سبق أخذ الجُعل من
صاحبه، وهذا مذهب الشافعي وأحمد والجمهور، ومنع المالكية إخراج السبق
منهما، ولو بمحلل، ولم يعرف مالك المحلل، ولنا، ما رواه أبو داوود وابن
ماجه عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من أدخل فرساً بين فرسين، وهو لا يأمن أن
يسبق فليس بقمار)) الحديث(١)، انتهى.
قال الباجي(٢): ليس في الحديث ما يدل على أنه كان بين تلك الخيل
سبق، أخرجه أحد المتسابقين أو غيرهم، وذلك لا يخلو عن أحد حالين: إما
أن يكون السبق أخرجه غير المتسابقين أو أحدهما، فإن أخرجه غيرهم
فالخلاف في جوازه، وإن أخرجه أحد المتسابقين، فإن ذلك على وجهين،
أحدهما: أن يخرجه، ويسابق على أنه إن سبق غيره فهو للسابق، وإن سبق هو
لم يكن له، ويكون الذي يليه، فهذا أيضاً مما أجازه مالك، وأكثر العلماء.
والثاني: أن يخرجه أحد المتسابقين على أنه إن سبق غيره فهو للسابق،
وإن سبق المخرج فهو له، هذا كرهه مالك، ورواه ابن المواز عن ابن القاسم:
لا خير فيه، وروى أصبغ عن ابن وهب إجازته، ورواه ابن وهب عن مالك،
انتھی .
(١) أخرجه أبو داود (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦)، وأحمد (٥٠٥/٢)، والحاكم (٢/
١١٤).
(٢) ((المنتقى)) (٢١٦/٣).
٤٣٤

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
قال الدردير(١): المسابقة بجعل جائزة في الخيل والإبل والسهم،
وأخرجه متبرع أي غير المتسابقين ليأخذه من سبق منهما، أو أخرجه أحدهما .
فإن سبق غير المخرج أخذه، وإن سبق هو فالمخرج لمن حضر، لا إن أخرجا
جعلا ليأخذه السابق؛ لأنه من القمار ولو بمحلل، وجاز السبق فيما عدا ما
ذكر من الأمور كالسفن والجري على الأقدام مما ينتفع به في نكاية العدد لا
للمغالبة، كما يفعله أهل الفسوق واللهو مجاناً .
قال الدسوقي: قوله: لمن حضر، أي المسابقة على الظاهر، ويحتمل
لمن حضر العقد، وهل لمخرج الجعل الأكل معهم منه أم لا؟ قياساً على
الصدقة يعود إليه قولان، وقوله: ولو بمحلل أي ولو وقع عقد المسابقة على
الوجه المتقدم مع محلل، ورد بلو على من قال بالجواز مع المحلل، وهو ابن
المسيب، وقال به مالك مرة، وقوله: لا للمغالبة، الحاصل أن المسابقة بغير
الأمور المتقدمة جائزة بشرطين: أن يكون مجاناً وأن يقصد بها الانتفاع في
نكاية العدو، انتهى.
وفي ((الدر المختار))(٢): لا بأس بالمسابقة في الرمي والفرس والبغل
والحمار والإبل والأقدام؛ لأنه من أسباب الجهاد، فكان مندوباً وعند الثلاثة:
لا يجوز في الأقدام أي بالجعل، أمَّا بدونه فيباح في كل الملاعب وحل الجعل
وطاب، لا أنه يصير مستحقاً إن شرط المال من جانب واحد، وحُرِّمَ لو شرط
فيها من الجانبين إلا إذا أدخلا ثالثاً محللاً بينهما بفرس كفء لفرسيهما .
انتھی .
وقال أيضاً في موضع آخر: جازت المسابقة بالفرس والإبل والأرجل
(١) ((الشرح الكبير)) (٢٠٨/٢).
(٢) (٦٦٣/٩).
٤٣٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٢) حديث
والرمي ليرتاض للجهاد، ولا يجوز في غير هذه الأربعة كالبغل بالجعل، وأما
بلا جعل فيجوز في كل شيء، انتهى.
وحكى ابن العابدين(١) اختلاف الحنفية في البغل والحمار، ثم قال:
والحاصل أن الحافر في قوله وَلّ: ((لا سبق إلا في خف أونصل أو حافر)» عام،
فمن نظر إلى عمومه أدخل البغل والحمار، ومن نظر إلى العلة أخرجهما؛ لأنهما
ليسا آلة جهاد، وقوله: فكان مندوباً إنما يكون كذلك بالقصد، أما إذا قصد
التلهي أو الفخر أو لترى شجاعته، فالظاهر الكراهة؛ لأن الأعمال بالنيات،
فكما يكون المباح طاعة بالنية، تصير الطاعة معصية بالنية، وقوله: في كل
الملاعب أي التي تُعَلَّمْ الفروسية وتُعِيْنُ على الجهاد؛ لأن جواز الجُعل إنما ثبت
بالحديث على خلاف القياس، فيجوز ما عداها بدون الجعل، انتهى.
وفي ((العيني))(٢): المسابقة بالأقدام تجوز إذا كان المال مشروطاً من
جانب واحد، وبه قال الشافعي في قول، وقال في المنصوص: لا يجوز، وبه
قال مالك وأحمد، ولا تجوز المسابقة في البغال والحمير، وبه قال الشافعي
في قول مالك وأحمد، وعن الشافعي في قول: تجوز، انتهى.
وفي ((البذل)) (٣) عن ((السرخسي)) في ((شرح السير الكبير)): لا بأس
بالمسابقة بالأفراس ما لم يبلغ غاية لا يحتملها، وكذلك المسابقة على الأقدام
لا بأس بها لحديث الزهري: كانت المسابقة بين أصحاب رسول الله صلّ في
الخيل والركاب والأرجل، ولأن الغزاة يحتاجون إلى رياضة أنفسهم حتى إذا
ابتلوا بالطلب والهرب وهم رجالة لا يشق عليهم العَدْوُ كما يحتاجون إلى ذلك
في رياضة الدواب، انتهى.
(١) ((رد المحتار)) (٦٦٤/٩).
(٢) ((عمدة القاري)) (١٠/ ١٩٢).
(٣) انظر: ((بذل المجهود)) (٧٥/١٢، ٧٦ - ٧٩).
٤٣٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٣) حديث
٤٦/٩٩٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّهُ
سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: لَيْسَ بِرِهَانِ الْخَيْلِ بَأَسٌ، إِذَا دَخَلَ
فِيهَا مُحَلِّلٌ، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ السَّبَقَ،
وفيه أيضاً عن العيني: قال ابن التين: إنه وّ سابق بين الخيل على حلل
أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حلل، وأعطى الثانية حلتين والثالث حلة،
والرابع ديناراً والخامس درهماً والسادس فضة، وقال: ((بارك الله فيك، وفي
كلكم وفي السابق والفسكل))، وهو بكسر الفاء والكاف وسكون السين المهملة
بينهما آخره لام، هو الذي يجيء في الجلبة آخر الخيل، انتهى.
٤٦/٩٩٣ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب
يقول: ليس برهان الخيل بأس) الرهان: من راهنته إذا خاطرته على شيء كذا
في ((المجمع))، وقال المجد: المراهنة والرهان: المخاطرة والمسابقة على
الخيل، وفي ((المحلى)): الرهان بالكسر تراهن القوم بأن يخرج كل واحد منهما
ليفوز بالكل إذا غلب وذلك في المسابقة، أي ليس باشتراط المال في المسابقة
كراهة، انتهى .
(إذا دخل فيها) أي في المراهنة (محلل) اسم فاعل من التحليل، قال
الباجي(١): سماه محللا؛ لأنه بدونه لم تجز المسابقة بينها على شيء يخرجه
كل واحد منهما، وإن أخرج أحدهما سبقاً، وكان بينهما محلل إن سبق أخذ
وإن سُبق لم يكن عليه شيء، فهذا أجازه ابن المسيب، قال ابن المواز: هو
قياس قول مالك الآخر، قال محمد: وبه آخذ والمشهور عن مالك منعه،
انتهى. قلت: وتقدم قريباً أن مالكاً لم يعرف المحلل، وأنكره أيضاً الدردير.
(فإن سبق) ببناء الفاعل أي المحلل (أخذ السبق) - بفتحتين - ما يجعل من
المال رهناً على المسابقة، وهو الذي يسمى جعلاً - بضم الجيم وسكون العين -
ويشترط عند المالكية أن يكون مما يصح بيعه.
(١) ((المنتقى)) (٢١٦/٣).
٤٣٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٤) حديث
وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ .
٩٩٤/ ٤٧ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ
صَلى الله
وَسَة
قال الدردير(١): هو شرط في جواز المسابقة، فلا تصح بغرر ولا مجهول
وخمر وخنزير وميتة وزبل وأم ولد ومكاتب ومعتق لأجل، قال الدسوقي:
قوله: شرط في جواز المسابقة، أي بجعل، وقوله: بغرر أي كالعبد الآبق،
وقوله: بمجهول كالذي في الجيب أو الصندوق، ولا يعلم قدره، انتهى.
(وإن سبق) ببناء المجهول (لم يكن عليه) أي على المحلل (شيء) من
الغرامة، وشرط أيضاً أن لا يخرج من عنده شيئاً، قال محمد في ((موطئه))(٢)
بعد أثر ابن المسيب هذا: وبهذا نأخذ، إنما يكره أن يضع كل واحد منهما
سبقاً، فإن سبق أحدهما أخذ السبقين جميعاً، فيكون هذا كالمبايعة، فأما إذا
كان السبق من أحدهما، أو كانوا ثلاثة، والسبق من اثنين منهم، والثالث ليس
منه سَبَقٌ إن سبق أخذ، وإن لم يسبق لم يَغْرَمْه، فهذا لا بأس به أيضاً، وهو
المحلل الذي قال سعيد بن المسيب، انتهى.
٤٧/٩٩٤ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) مرسلاً (أن رسول الله وَلاتر)
وصله ابن عبد البر من طريق عبد الله بن عمرو والفهري عن مالك عن يحيى بن
سعيد عن أنس، ووصله أبو عبيدة في ((كتاب الخيل)) من طريق يحيى بن سعيد
عن شيخ من الأنصار، ورواه أبو داود في ((المراسيل)) من مرسل نعيم بن أبي
هند، قال ابن عبد البر: روي موصولاً عنه عن عروة البارقي، كذا في
((التنوير))(٣).
(١) (الشرح الكبير)) (٢٠٩/٢).
(٢) ((موطأ محمد مع التعليق الممجد)) (٣٥٨/٣ - ٣٥٩).
(٣) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٩١).
٤٣٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٤) حدیث
رُئِيَ وَهُوَ يَمْسَحُ وَجْهَ فَرَسِهِ بِرِدَائِهِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ((إِنِّي
عُوتِبْتُ اللَّيْلَةَ فِي الْخَيْلِ)).
مرسل .
وصله ابن عبد البرّ من طريق عبيد الله بن عمرو الفهريّ، عن مالك، عن
يحيى، عن أنس.
(رؤي) ببناء المجهول من الرؤية على ما في جميع النسخ الهندية وأكثر
المصرية، وفي بعضها رِيءَ، وبه ضبطه الزرقاني(١) إذ قال: بكسر الراء وهمز
مبني للمجهول، انتهى. وعلى هذا فهو من راء لغة في رأي، ففي
((المجمع)) (٢): ((رؤي في وجهه)) بضم راء وكسر همزة، وروي: بكسر راء
وسكون ياء فهمزة، (وهو) وَالل (يمسح وجه فرسه بردائه فسئل) ببناء المجهول
(عن ذلك؟) .
قال الباجي(٣): مسحه - عليه السلام - وجه فرسه بردائه على سبيل
الإكرام له والمبالغة في مراعاته والإحسان إليه، وإنما سئل عن ذلك لما لم
يعهد منه مثل هذا.
(فقال:) وَ﴾ (إني عوتبت) ببناء المجهول (الليلة) بالنصب مفعول فيه (في
الخيل) أي في ترك المبالغة في مراعاتها والتعاهد لها والإحسان إليها لما
خصَّها الله به من أن جعلها سبباً للخير من الأجر والمغنم، قال الزرقاني:
وصله أبو عبيدة في ((كتاب الخيل)) له من طريق يحيى بن سعيد عن شيخ من
الأنصار، وقال: ((في إذالة الخيل))، وله من مرسل عبد الله بن دينار، وقال:
((إن جبرئيل بات الليلة يعاقبني في إذالة الخيل)) أي امتهانها، قال البوني:
(١) ((شرح الزرقاني)) (٤٨/٣).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٥٨/٢).
(٣) ((المنتقى)) (٢١٦/٣).
٤٣٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٩) باب
(٩٩٥) حدیث
٤٨/٩٩٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ حُميدِ الطَّوِيلِ، عَنْ
أَنَسِ بْن مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه حِينَ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ،
يحتمل أن ذلك وحي في المنام، ويحتمل في اليقظة، انتهى. قال الزرقاني(١):
الظاهر الثاني، وجزم صاحب ((المحلى)) بالأول.
٤٨/٩٩٥ - (مالك، عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله وعليه)
وأخرجه البخاري بمواضع(٢) من ((صحيحه)) منها برواية عبد الله بن يوسف عن
مالك بهذا السند، وبرواية أبي إسحاق الفزاري عن حميد سمعت أنساً، وفي
((جمع الفوائد)) للشيخين والنسائي مطولاً، زاد العيني الترمذي أيضاً (حين خرج
إلى خيبر) كجعفر تقدم ضبطه في النوم عن الصلاة، قال الحافظ(٣): سميت
باسم الرجل من العماليق نزلها، وفي ((المجمع))(٤): في سنة سبع غزاة خيبر،
وهي على ثمان بُرد من المدينة خرج في آخر محرم فتحها حصناً حصناً، فانتهى
إلى آخرهم فتحاً. وهو حصن الوطيح، حاصرهم بضع عشرة ليلة، وكان وَلّهذا
علة فلم يخرج إلى الناس، فأخذ أبو بكر - رضي الله عنه - الراية، وقاتل
شديداً ثم رجع، فأخذ عمر - رضي الله عنه - فقاتل أشدَّ من الأول فرجع،
فقال ◌َله: لأعطين الراية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، فتطاول لها الناس،
فجاء علي - رضي الله عنه - وهو أرمدُ، فتفل في عينيه، فما وجعتا بعد،
فأعطاه الراية، فقاتل، فطرح الترس من يده فأخذ باباً من الحصن، وتترَّس به،
فلم يزل حتى فتح، ثم ألقاه من يده، فلم يحتمل سبعةٌ أن يقلبوه، وصالحوا
على أن يحقن دماءهم ولهم ما حملت ركابهم، والصفراء والبيضاء للمسلمين
(١) (شرح الزرقاني)) (٤٨/٣).
(٢) ((صحيح البخاري)) في الجهاد (٣٩٤٣) ((باب دعاء النبي ◌َّ إلى الإسلام والنبوة)) وفي
المغازي (٤٣١٠) ((باب غزوة خيبر)) والترمذي في السير (١٥٥٠).
(٣) ((فتح الباري)) (٤٦٤/٧).
(٤) (٢٦٧/٥).
٤٤٠
-------
--- --