Indexed OCR Text
Pages 381-400
٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾﴿ إِذَا ذَهَبَ إِلَى قُبَاءٍ، يَدْخُلُ عَلَى أَمِّ حَرَامِ بَنْتِ مِلْحَانَ، أنس ((كان رسول الله وَ ل﴿ يدخل على أم حرام))، وقال أبو طوالة في روايته: ((دخل رسول الله مَّ))، وكلاهما ظاهر في أنه من مسند أنس، وأما محمد بن يحيى بن حبان، فقال: ((عن أنس عن خالته أم حرام))، وهو ظاهر في أنه من مسند أم حرام، وهو المعتمد، انتهى. (قال: كان رسول الله﴾ إذا ذهب إلى قباء) بضم القاف والمد منصرف مذكر وبالقصر مؤنث ممنوع عن الصرف، هكذا ذكره البخاري برواية إسماعيل عن مالك، قال الحافظ(١): قوله: إذا ذهب إلى قباء، لم يذكر أحد من رواة ((الموطأ)» هذه الزيادة إلا ابن وهب، قال الدراقطني: وتابع إسماعيل عليها عتيق بن يعقوب عن مالك، انتهى. قلت: لكنها موجودة في جميع نسخ ((الموطأ)) برواية يحيى كما ترى، وتابعه ابن القاسم عن مالك عند النسائي (يدخل على أم حرام) بفتح الحاء والراء المهملتين (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللّام، فحاء مهملة، فألف فنونٌ، اسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام، وأم حرام الأنصارية خالة أنس، قال ابن عبد البر: لم أقف لها على اسم صحيح. وفي ((الفتح)): كان يقال لها: الرميصاء، ولأم سليم: الغميصاء بالغين المعجمة، قال عياض: وقيل بالعكس، وقال ابن عبد البر: الغميصاء والرميصاء هي أم سليم، ويردُّه ما أخرجه أبو داود بسند صحيح عن عطاء بن يسار عن الرميصاء أخت أم سليم، فذكر نحو حديث الباب، انتهى. وذكر في ((تهذيبه)): يقال: اسمها الغميصاء، ويقال: الرميصاء، انتهى. ولم يذكر اسمها في ((تقريبه)). وقال في ((الإصابة)): يقال: إنها الرميصاء بالراء (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٧٢). ٣٨١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث فَتُطْعِمُهُ، وبالغين المعجمة، كذا أخرجه أبو نعيم، والصحيح أن ذلك وصف أم سليم، ثبت ذلك في حديثين لأنس وجابر عند النسائي، انتهى. فصحح ما رواه في ((الفتح))، واقتصر العيني(١) على قول أبي عمر: لم أقف لها على اسم صحيح، ولم يذكر اسمها القسطلاني أيضاً كلاهما في ((باب الدعاء بالجهاد والشهادة))، وجزم القسطلاني في الاستيذان بالرميصاء. (فتطعمه) مما في بيتها من الطعام، وهو من تمام الزيارة كما حققه الحافظ في ((الفتح)) تحت قول البخاري: ((باب الزيارة ومن زار قوماً فطعم عندهم))، قال الباجي (٢): يريد المبالغة في مواصلة من إطعامه مما عنده، ثم إتباع ذلك بإماطة الأذى عنه، وإدخال الراحة عليه، ويحتمل أن يكون ما أطعمته من مالها يسيراً من كثير، فلذلك استجاز أكله، ويحتمل أن يكون ما أطعمته من مال زوجها عبادة بن الصامت، وجاز له أكله لما علم من حال عبادة أنه يسر بذلك، وقد يجوز للإنسان يمر بموضع فيه تمر أو طعام لصديق مخلص له يعلم أنه يسر بما يأكل منه بحضرته ومغيبه أن يأكل منه، انتهى. قال العيني (٣): فيه: إباحة ما قدمته المرأة إلى ضيفها من مال زوجها؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل، قال ابن بطال: ومن المعلوم أن عُبادة وكل المسلمين يسرهم سيدنا رسول الله وُّل في بيته، وقال ابن التين: ويحتمل أن يكون ذلك من مال زوجها لعلمه أنه كان يسر بذلك، ويحتمل أن يكون من مالها، واعترضه القرطبي، فقال: حين دخوله بَلّ على أم حرام لم تكن زوجاً لعبادة، إنما تزوجته بعد ذلك بمدة، انتهى. (١) انظر: ((عمدة القاري)) (٨٧/١٠). (٢) ((المنتقى)) (٢١٢/٣). (٣) ((عمدة القاري)) (٨٩/١٠). ٣٨٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قلت: وسيأتي البحث فيه قريباً، وقال ابن عبد البر في ((التمهيد))(١): في الحديث إباحة أكل كل ما قدمته المرأة إلى ضيفها في بيتها من مالها ومال زوجها؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل، وأن يد زوجته فيه عارية، واختلف العلماء في ذلك لاختلاف الآثار، وأحسن حديث في ذلك، وأصحّه حديث أسماء: ((أنها قالت: يا رسول الله ليس لي مال إلا ما أدخل علي الزبير، فهل عليَّ جناح أن أرضخ منه؟ فقال: ارضخي ما استطعت، ولا توكي فيوكى عليك)). وروي عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعاً: ((إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة كان لها أجرما أنفقت، ولزوجها أجر ما كسب، وللخازن مثل ذلك لا ينقص بعضهم من أجر بعض شيئاً))، ثم قال: وهذان حديثان ثابتان صحيحان مشهوران، لا يختلف في صحتهما . ثم ذكر روايات النهي: منها، ما روي عن أبي أمامة الباهلي مرفوعاً: ((لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها)»، قيل يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: ((ذلك أفضل أموالنا)). ثم قال: وهذه الآثار لا تقاوم بحديث أسماء وعائشة، فإن كان ما أطعمته أم حرام من مال زوجها، ففيه الأكل من مال الصديق أيضاً، وقد اختلف العلماء فيه إذا كان يسيراً ليس مثله يدّخر، ولم يختلفوا في الكثير الذي له بال أنه لا يحل، واختلفوا في قوله تعالى: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمَّ لَيْسَ عَكُمْ جُنَاعُ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانً﴾(٢) انتهى مختصراً. (وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت) قال الحافظ(٣): ظاهره أنها كانت حينئذٍ زوج عبادة، وأخرج البخاري في ((باب غزو المرأة في البحر)) من (١) (٢٢٨/١). (٢) سورة النور: الآية ٦١. (٣) ((فتح الباري)) (١١/ ٧٢). ٣٨٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث رواية أبي طوالة عن أنس قال: دخل النبي 18 على ابنة ملحان، فذكر الحديث إلى أن قال: فتزوجت عبادة بن الصامت، وأخرج أيضاً في ((باب ركوب البحر)) من طريق محمد بن يحيى بن حبان عن أنس فتزوج بها عبادة، فخرج بها عبادة، فخرج بها إلى الغزو. وفي رواية مسلم من هذا الوجه: فتزوج بها عبادة بعد، انتهى . وقال في موضع آخر (١): فإما أن يحمل على أنها كانت زوجته، ثم طلقها ثم راجعها بعد ذلك، وهذا جواب ابن التين، وإما أن يجعل قوله في رواية إسحاق: وكانت تحت عبادة جملة معترضة، أراد الراوي وصفها غير مقيد بحال من الأحوال، وظهر من رواية غيره أنه إنما تزوجها بعد ذلك، وهذا الثاني أولى، لموافقة محمد بن يحيى بن حبان عن أنس، انتهى. قال(٢): فيكون الإخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك، وهو الذي اعتمده النووي وغيره تبعاً لعياض، ولكن وقع في ترجمة أم حرام من ((طبقات ابن سعد)): أنها كانت تحت عبادة، فولدت له محمداً، ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد الأنصاري النجاري، فولدت له قيساً وعبد الله وعمرو بن قيس، هذا اتفق أهل المغازي على أنه استشهد بأُحد، وكذا ذكر ابن إسحاق أن ابنه قيس بن عمرو بن قيس استشهد بأحد، فلو كان الأمر كما وقع عند ابن سعد لكان محمد صحابياً، لكونه ولد لعبادة قبل أن يفارق أم حرام، ثم اتصلت بمن ولدت له قيساً فاستشهد بأحد فيكون محمد أكبر من قيس بن عمرو إلا أن يقال: إن عبادة سمى ابنه محمداً في الجاهلية كما سمي بهذا الاسم غير واحد، ومات محمد قبل إسلام الأنصارية، فلذا لم يذكروه في الصحابة. ويُعَكِّر عليه أنهم لم يعُدُّوا محمد بن عبادة فيمن سمي بهذا الاسم قبل (١) ((فتح الباري)) (٧٦/٦). (٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٧٣). ٣٨٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ فَهِ يَوْماً، فَأَطْعَمَتْهُ. وَجَلَسَتْ تَفْلِي فِي رَأْسِهِ، الإسلام، ويمكن الجواب، وعلى هذا فيكون عبادة تزوجها أولاً، ثم فارقها، فتزوجت عمرو بن قيس، فاستشهد، فرجعت إلى عبادة. قال الحافظ (١): والذي يظهر لي أن الأمر بعكس ما وقع في ((الطبقات))، وإن عمرو بن قيس تزوجها أولاً فولدت له، ثم استشهد هو وولده قيس منها، وتزوجت بعده بعبادة، انتهى. وبه جزم في ((تهذيبه)) إذ قال: قال ابن سعيد: تزوجت عبادة، فولدت له محمداً، ثم خلف عليها عمرو بن قيس، كذا قال، والصحيح العكس، فقد قال غير واحد(٢): وثبت عن غير واحد أنها خرجت مع زوجها عبادة في غزاة البحر، وماتت فيها، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر في زمن معاوية في خلافة عثمان(٣)، انتهى. (فدخل عليها رسول الله # يوماً) على حسب عادته الشريفة (فأطعمته) مما عندها كدأبها. قال الحافظ: لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ (وجلست تفلي) بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام مخففة. قال القسطلاني: من فلى يفلي أي ضرب يضرب (رأسه) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية بزيادة ((في)) في أوله أي تفتش شعر رأسه لتستخرج هَوَامَّهُ أو للتنظيف . واختلف هل كان فيه قمل ولا يؤذيه أو لم يكن فيه أصلاً؟ قال الشيخ في (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٧٣). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٩٠/١٤). (٣) في سنة (٢٨) للهجرة ((تاريخ خليفة بن خياط)) (ص١٦٠). ٣٨٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث ((البذل))(١): ولا يلزم منه أن يكون في رأسه قمل، بل سبب فلي الرأس إراحته وَّر، فإن الفلي سبب للإراحة، انتهى. وفي ((الكوكب))(٢): لم تكن القمل في رأسه لتكونها من التَّفَلِ، ولم يكن هناك، فإنما أن يراد مجرد الفحص لما فيه من الراحة، أو أن يكون من غيره فوصل إلیه، انتھی. وقال القاري في ((شرح الشفاء)): يفلي ◌ّ ثوبه أي يزيل قمله كراهة لوجوده، وتنظيفاً لوسخه لما في ((الشفاء)) لابن سبع: أنه لم يقع على ثيابه ذباب قط، ولم يكن القمل يؤذيه تكريماً له وتعظيماً فيه، انتهى. وفيه أيضاً: قال ◌َّ: كما رواه الحاكم، وصححه عن أبي سعد مرفوعاً: ((لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم))، وفي رواية عن أبي سعيد: ((أن رجلاً وضع يده على النبي صَلَّه)) الحديث. وفيه قال النبي ◌َّ﴾: ((إنّا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء أن كان النبي ليبتلى بالقمل حتى يقتله))، انتهى. وعلم منه أن الابتلاء بالقمل لا ينافي شأن النبوة، ومع ذلك لا بُعد في أن يكون وَلّ مصوناً عنه. وقال المناوي في ((شرح الشمائل)) في حديث عائشة - رضي الله عنها -: ((كان يفلي ثوبه)): ظاهره أن القمل كان يؤذي بدنه. لكن ذكر ابن سبع، وتبعه بعض شراح ((الشفاء)): أنه لم يكن فيه قمل؛ لأنه نور، ولأن أصله من العفونة، ولا عفونة فيه، وأكثره من العرق، وعرقه طيب، ومن قال لنا: إن فيه قملاً، فهو كمن نقصه، ولا يلزم من التفلية وجود القمل، فقد يكون للتعليم أو التفتيش لما فيه من نحو خرق ليرقعه، أو لما علق (١) ((بذل المجهود)) (٣٩٤/١٣). (٢) ((الكوكب الدري)) (٤٣١/٢). ٣٨٦ ---- ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث به من نحو شوك ووسخ، وقيل: إنه كان في ثوبه قمل، ولا يؤذيه، وإنما كان يلتقطه استقذاراً له، انتهى. وقال النووي(١): فيه جواز قتل الرأس، وقتل القمل وغيره، وقال أصحابنا : قتل القمل وغيره من المؤذيات مستحب، انتهى. وإنما كان النبي ◌ّل يدخل عليها، ويمكنها من التفلية ومس الرأس؛ لأنها كانت مُحَرَّمَةً له بَّ، حتى حكى النووي الاتفاق على أنها محرم له. قال القسطلاني(٢): وإنما كانت تفلي رأسه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته؛ لأن أم عبد المطلب كانت من بني النجار، وقيل: كانت إحدى خالاته - عليه السلام - من الرضاعة، قال ابن عبد البر: فأي ذلك كان، فَأُمُّ حرام محرم منه، ونقل النووي الإجماع على ذلك، قال: وإنما اختلفوا هل ذلك من النسب أو الرضاع، وصوّب بعضهم أن لا محرمية بينهما، كما بينه الحافظ الدمياطي في جزء أفرده لذلك، انتهى. وقال الحافظ في ((الفتح))(٣): قد أشكل هذا على جماعة، فقال ابن عبد البر(٤): أظن أم حرام أرضعت رسول الله بَّر أو أختها أم سليم، فصار كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة؛ فلذلك كان ينام عندها، وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين، قال: إنما استجاز رسول الله وَ﴿ أن تفلي أم حرام رأسَه؛ لأنها كانت منه ذات محرم من قِبل خالاته؛ لأن أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار . (١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥٨/١٣/٧). (٢) ((إرشاد الساري)) (٣١٣/٦). (٣) (فتح الباري)) (٧٨/١١). (٤) انظر: ((التمهيد)) (١/ ٢٢٧). ٣٨٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث ومن طريق يونس بن عبد الأعلى، قال ابن عبد البر: وقال لنا ابن وهب: أم حرام إحدى خالات النبي ◌َّل18 من الرضاعة، فلذلك كان يقيل عندها، وينام في حجرها، وتفلي رأسه. قال ابن عبد البر: وأيهما كان فهي محرم له. قلت: ثم استدل ابن عبد البر على ذلك بروايات النهي عن الخلوة بغير محرم، وبسط في ذلك في ((التمهيد)) قال الحافظ: وجزم أبو القاسم بن الجوهري والداودي والمهلب فيما حكاه ابن بطال عنه بما قال ابن وهب قال: وقال غيره: إنما كانت خالة لأبيه، أو جده عبد المطلب، وقال ابن الجوزي: سمعت بعض الحفاظ يقول: كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله وَله من الرضاعة. وحكى ابن العربي ما قال ابن وهب، ثم قال: وقال غيره: بل كان النبي 18 معصوماً، يملك أربه عن زوجته، فكيف عن غيرها، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب، ورُدّ بأن ذلك كان بعد الحجاب جزماً بل بعد حجة الوداع. وردَّ عياض الأول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وثبوت العصمة مسلّم، لكن الأصل عدم الخصوصية، وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل، وبالغ الدمياطي في الردّ على من ادّعى المحرمية، فقال: ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي وَّر من الرضاعة، أو من النسب، وكل من أثبت لها خولة تقتضي محرمية؛ لأن أمهاته من النسب، واللاتي أرضعنه معلومات، ليس فيهن أحد من الأنصار البتة، سوى أم عبد المطلب، وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، وأم حرام، هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور، فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الأعلى، وهذه خؤلة لا تثبت بها محرمية. ٣٨٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث ثم قال: وإذا تقرر هذا فقد ثبت في ((الصحيح)): أنه مَّ كان لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه إلا على أم سليم، فقيل له فقال: ((أرحمها، قتل أخوها معي يعني حرام بن ملحان))، وكان قتل يوم بئر معونة. قال الحافظ: ووجه الجمع بينه وبين حديث الباب أنهما أختان كانتا في دار واحدة، ثم قال الدمياطي: على أنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام، ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع، قال الحافظ (١): هو احتمال قوي، لكنه لا يدفع الإشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس، وكذا النوم في الحجر. وأحسن الأجوبة عندي دعوى الخصوصية، ولا يردُّها كونها لا تثبت إلا بدليل؛ لأن الدليل على ذلك واضح، انتهى. وفي ((المرقاة))(٢): قال التوربشتي: قد وجدت في بعض كتب الحديث أنها كانت من ذوات محارم النبي ◌َّ؛ لأنه ويّ لم يكن ليقيل في بيت أجنبية، وإذا لم يكن بينه وبينها سبب محرم من رحم وصلة، فلا بد أن يكون ذلك من جهة الرضاع، وإذا قد علمنا أن النبي ◌َلّ لم يُحْمَل إلى المدينة رضيعاً تعين ذلك أن يكون من قبل أبيه عبد الله، فإنه وُلد بالمدينة، وكان عبد المطلب قد فارق أباه هاشماً، وتزوج بالمدينة في بني النجار. وأم حرام وأم سليم بنتا ملحان كانتا من بني النجار، فعرفنا من جميع ذلك أن الحرمة بينهم كانت حرمة رضاع، ولقد وجدنا الجمَّ الغفير من علماء النقل أوردوا أحاديث أم حرام وأم سليم، ولم يبين أحد منهم العلة، إما من الغفلة عنها، وإما لعدم العلم بها، فأحببت أن أبين وجه ذلك كيلا يظن جاهل أنه كان في سعة من ذلك لمكان العصمة، ولا يتذرع به مستبيح إلى الترخص وأراني - والله أعلم - أول من وقفتُ لذلك، انتهى. (١) ((فتح الباري)) (٧٩/١١). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٧٩/١١). ٣٨٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَله﴿ يَوْماً، ثُمَّ أَسْتَيْقَظَ، وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ (فنام رسول الله ◌َّة) هكذا في رواية البخاري، قال الحافظ(١): زاد في رواية الليث عن يحيى بن سعيد في الجهاد: ((فنام قريباً مني)). وفي رواية أبي طوالة في الجهاد: ((فاتكأ)) ولم يقع في روايته ولا في رواية مالك بيان وقت النوم المذكور، وقد زاد غيره أنه كان وقت القائلة، ففي رواية حماد بن زيد: ((أن النبي وَ ل قال يوماً في بيتها))، ولمسلم من هذا الوجه: ((أتانا النبي وَّ، فقال عندنا))، ولأحمد وابن سعد من طريق حماد بن سلمة عن يحيى: ((بينا رسول الله ◌َ﴿ قائلاً في بيتي))، ولأحمد من رواية عبد الوارث بن سعيد عن یحیی ((فنام عندها أو قال)» بالشك، انتهى. وقال أيضاً: القيلولة هي النوم في وسط النهار عند الزوال، وما قاربه من قبل أو بعد، زاد في النسخ المصرية بعد ذلك (يوماً) أي في يوم كما كانت عادته الشريفة، وليس لفظ ((يوماً)) في النسخ الهندية، والأولى حذفه؛ لأنه قد ذکر قبل ذلك. (ثم استيقظ) من نومه (وهو يضحك) فرحاً وسروراً؛ لكون أمته تبقى بعده متظاهرة أمور الإسلام، قائمة بالجهاد حتى في البحر، والجملة حالية، قاله القسطلاني . وقال الباجي(٢): ظاهر ذلك أن ضحكه إنما كان من شيء رآه في نومه أو تذكره عند يقظته، فسألته أم حرام عن ذلك (قالت: فقلت: وما يضحكك) بضم الياء وكسر الحاء أي أيُّ شيء يبعثك على الضحك؟ وقد علمت أن ضحكه وسروره لا يكون إلا من أمر فيه خير لأمته وَ ليل، زاد في رواية حماد بن زيد (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٧٣). (٢) ((المنتقى)) (٣/ ٢١٢). ٣٩٠ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عند مسلم: ((بأبي أنت وأمي)) وفي رواية أبي طوالة: ((لِمَ تضحك؟)) ولأحمد من طريقه: ((مِمَّ تضحك؟)) وفي رواية عطاء بن يسار عن الرميصاء: ((ثم استيقظ وهو يضحك وكانت تغسل رأسها، فقالت: يا رسول الله أتضحك من رأسي؟ قال: لا)). أخرجه أبو داود، ولم يسق المتن، بل أحال به على رواية حماد بن زيد، وقال: يزيد وينقص. وقد أخرجه عبد الرزاق من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود، فقال: عن عطاء بن يسار أن امرأة حدثته، وساق المتن، ولفظه يدل على أنه في قصة أخرى غير قصة أم حرام، كذا في ((الفتح))(١). (يا رسول الله) فإن مثلك لا يضحك بلا سبب من أمر عجب، قاله القاري(٢) (قال: ناس) أي جمع (من أمتي عرضوا) ببناء المجهول (عليَّ) بشد الياء يريد في منامه حال كونهم (غزاة) أي مجاهدين (في سبيل الله) وفي رواية حماد بن زيد فقال: ((عجبت من قوم من أمتي))، ولمسلم من هذا الوجه: ((أريت قوماً من أمتي))، وهذا يشعر بأن ضحكه كان إعجاباً وفرحاً لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة، قاله الحافظ. وقال ابن عبد البر: رؤيا الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - وحيٌّ، دليل ذلك قوله تعالى في إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنّ أَذْبَحُكَ﴾ فأجابه ابنه ﴿قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ﴾ وقالت عائشة - رضي الله عنها -: ((أول ما بديء به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح))(٣). (١) ((فتح الباري)) (١١/ ٧٣). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٩/١١). (٣) أخرجه البخاري (٣). ٣٩١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذَا الْبَحْرِ، مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ (يركبون ثبج هذا البحر) وفي رواية الليث (يركبون هذا البحر الأخضر)). وفي رواية أبي طوالة (يركبون البحر الأخضر)) والثبج - بفتح المثلثة والموحدة ثم جيم - ظهر الشيء هكذا فسره جماعة. وقال الخطابي: متن البحر وظهره. وقال الأصمعي: ثبج كل شيء وسطه. وقال أبو علي في ((أماليه)): قيل: ظهره، وقيل: معظمه، وقيل: هوله، والراجح أن المراد هاهنا ظهره كما وقع التصريح به في طريق أخرى، والمراد أنهم يركبون السفن التي تجري على ظهره، ولما كان جري السفن غالباً، إنما يكون في وسطه قيل: المراد وسطه، وإلا فلا اختصاص بوسطه بالركوب. وأما قوله: ((الأخضر)) فقال الكرماني: هي صفة لازمة للبحر، لا مخصصة، ويحتمل أن تكون مخصصة، لأن البحر يطلق على الملح والعذب. فجاء لفظ الأخضر لتخصيص الملح بالمراد، قال: والماء في الأصل لا لون له. وإنما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه. وقال غيره: إن الذي يقابله السماء، وقد أطلقوا عليه الخضراء لحديث: ((ما أظلت الخضراء))، كذا في ((الفتح))(١). (ملوكاً على الأسرة) قال الحافظ: كذا للأكثر، ولأبي ذر: ((ملوٌ))، بالرفع، انتهى. أي هم ملوك، وأما على الأول، فقال القسطلاني (٢): منصوب بنزع الخافض أي مثل ملوك. وقال القاري(٣): إما حال أو صفة مصدر محذوف، أي يركبون ركوباً مثل الركوب على الأسرّة، وفي ((مختار الصحاح)): الأسرة جمع سرير (أو مثل (١) ((فتح الباري)) (٧٤/١١). (٢) ((إرشاد الساري)) (٣١٤/٦). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٩/١١). ٣٩٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)) (يَشُكُّ إِسْحَاقُ) الملوك على الأسرة، يشك إسحاق) الراوي عن أنس، قال الحافظ(١): ووقع في رواية الليث وحماد كالملوك على الأسرّة من غير شك. وفي رواية أبي طوالة مثل الملوك على الأسرّة بغير شك أيضاً، ولأحمد من طريقه مثلهم كمثل الملوك على الأسرّة. قال ابن عبد البر: أراد أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكاً على الأسرّة في الجنة، ورؤياه وحي، ويشهد لذلك قوله عز اسمه في صفة أهل الجنة: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَبِلِينَ﴾، وقال: ﴿عَلَى الْأَرَآيِكِ مُتَّكِفُونَ﴾ والأرائك السرر في الحجال. وقال عياض: هذا محتمل. ويحتمل أيضاً أن يكون خبراً عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم وقوام أمرهم وكثرة عددهم وجودة عدوهم، فكأنهم الملوك على الأسرة. قال الحافظ : وفي هذا الاحتمال بعد، والأول أظهر، ولكن الإتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدل على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم، لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة، وموقع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أثيبوا به على جهادهم مثل ملوك الدنيا على أسرّتهم، والتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع، انتهى. وجعل الباجي(٢) الثاني أظهر. وقال: وهذا يدل على أنها حال صلاح في الدنيا مع صلاح في الدين، ولولا ذلك لما سرّ بها وَّل، وقال الطيبي: شَبَّهَ تبج البحر بظهر الأرض، والسفينة بالسُّرَرِ، وجعل الجلوس عليها مشابهاً لجلوس الملوك على أسرتهم إيذاناً بأنهم بذالونَ لأنفسهم. ويرتكبون هذا الأمر العظيم مع وفور نشاطهم، وتمكنهم من منامهم، كالملوك على أسرّتهم. وفي ((شرح مسلم)): قيل: هو صفة لهم في الآخرة إذا دخلوا الجنة، والأصح أنه صفة لهم في الدنيا، انتهى. كذا في ((المرقاة))(٣). (١) ((فتح الباري)) (٧٤/١١). (٢) ((المنتقى)) (٢١٢/٣). (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (١٢٩/١١). ٣٩٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث قَالَتْ فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: (نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي، عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مُلُوكاً عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)» كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. (قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم). قال الباجي(١): هذا يؤكد ما تقدم من أنها سألت، وتشفعت بالنبي وَ ◌ّل أن يجعلها الله منهم لما فهمت من أن سعيهم مقبول، وعملهم مبرور، وجهادهم مشكور، فإن حالهم في الآخرة حال رضا ورضوان. (فدعا لها) وفيه التفات أو تجريد أو نقل بالمعنى أو من كلام أنس، قاله القاري، ودعا لها رسول الله وَّلل إشفاقاً لمن سأله الدعاء من أمته لا سيما بما يعود إلى صلاح الدين. وفي رواية أبي طوالة: فقال: ((اللَّهم اجعلها منهم))، ووقع في رواية حماد بن زيد: فقال: ((أنت منهم))، ولمسلم من هذا الوجه ((فإنك منهم)). وفي رواية عمير بن الأسود: فقلت: يا رسول الله أنا منهم؟ قال: ((أنت منهم))، ويجمع بأنه دعا لها فأجيب، فأخبرها جازماً بذلك قاله الحافظ. (ثم وضع رأسه) الشريف (فنام) مرة أخرى (ثم استيقظ يضحك) مثل الأولى (قالت: فقلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: ناس من أمتي عُرضوا) قال ابن عبد البر: وقد رأى الآخرين ملوكاً على الأسرة كما رأى الأولين، ولا نهاية للآخرين إلى قيام الساعة، انتهى. (علي غزاة في سبيل الله ملوكاً على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة، كما قال في الأولى). قال الباجي: لم يذكر في هذا الحديث ركوب البحر، ويحتمل أن يكون غزو هؤلاء في غير البحر، انتهى. (١) ((المنتقى)) (٢١٢/٣). ٣٩٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث ٠٠ قلت: والظاهر أن مالكاً أو يحيى اختصر لفظ الحديث، وأشار إليه بقوله كما قال في الأولى، وهو موجود في البخاري(١) في الاستيذان برواية إسماعيل عن مالك بهذا السند والمتن، وفيه في الثانية أيضاً: يركبون ثبج هذا البحر ملوكاً على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة، قال الحافظ: وفي رواية الليث ثم نام ثانية ففعل مثلها، فقالت مثل قولها فأجابها مثلها. وفي رواية حماد بن زيد عند البخاري فقال ذلك مرتين أو ثلاثة، وكذا في رواية أبي طوالة عند أبي عوانة من طريق الدراوردي عنه. وله من طريق إسماعيل بن جعفر عنه ففعل مثل ذلك مرتين أخريين، وكل ذلك شاذ، والمحفوظ من طريق أنس ما اتفقت عليه روايات الجمهور أن ذلك كان مرتين مرة بعد مرة، وأنه قال في الأولى: ((أنت منهم)). وفي الثانية (لست منهم))، ويؤيده ما في رواية عمير بن الأسود حيث قال في الأولى: يغزون هذا البحر. وفي الثانية: يغزون مدينة قيصر، انتهى. وقال أيضاً: ظاهر قوله: فقال مثلها إن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضاً، لكن رواية عمير تدل على أن الثانية إنما غزت في البر لقوله: يغزون مدينة قيصر، وقد حكى ابن التين أن الثانية وردت في غزاة البر ما أقره، وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفة الثانية لا خصوص ركوب البحر، ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذي غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها، وعلى تقدير أن يكون المراد ما حكى ابن التين فتكون الأولية مع كونها في البر مقيدة بقصد مدينة قيصر، وإلا فقد غزوا قبل ذلك في البر مراراً. قال القرطبي: الأولى في أول من غزا البحر من الصحابة، والثانية في (١) (٦٢٨١) انظر: ((فتح الباري)) (٧١/١١). ٣٩٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حدیث قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ))، أول من غزا البحر من التابعين. قال الحافظ: بل كان في كل منهما من الفريقين، لكن معظم الأولى من الصحابة، والثانية بالعكس، انتهى. قلت: وما قال الحافظ في أول هذا الكلام: ظاهر قوله: فقال مثلها، يتمشى في الروايات المجملة التي رويت بهذا اللفظ، ولا شك أيضاً أن أكثر الروايات هكذا بلفظ: ((فقال مثلها)) أي بالإجمال، لكن رواية البخاري في الاستيذان صريحة في ركوب الطائفة الثانية أيضاً البحر، فلا أدري كيف ذكره الحافظ في شرح هذا الحديث، وقد وقع التصريح بذلك أيضاً في رواية أخرجها ابن عبد البر من طريق محمد بن حبان عن أنس عن أم حرام: قال: اللَّهم اجعلها منهم، ثم نام فاستيقظ وهو يضحك، فقلت: مم تضحك؟ فقال: ((عرض عليّ ناسٌ من أمتي يركبون ظهر البحر))، لكن المروي في البخاري من الطريق المذكورة: فقال مثل ذلك، قاله الزرقاني(١). (قالت) أم حرام (فقلت) في الثانية أيضاً (يا رسول الله ادع الله) مرة أخرى (أن يجعلني منهم) حرصاً منها على أن تنال أجر الغزوين، ويكون لها فضيلة الطائفتين (قال) ◌َل# (أنت من الأولين) زاد في رواية الدراوردي عن أبي طوالة: ((ولست من الآخرين)). وفي رواية عمر بن الأسود في الثانية: فقلت: يا رسول الله أنا منهم؟ قال: ((لا)). قال عياض والقرطبي والنووي (٢): في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الأولى، وأن في كل نومة عرضت طائفة من الغزاة، وأما قول أم حرام ادع الله أن يجعلني منهم في الثانية، فلظنها أن الثانية تساوي الأولى في (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٢/٣). (٢) انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥٨/١٣/٧). ٣٩٦ -------- ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث قَالَ: فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةً، المرتبة، فسألت ثانياً ليضاعف لها الأجر، لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي ◌َّ لها في المرة الأولى. وفي جزمه بذلك قال الباجي(١): قاله وَ ل إعلاماً لها بأنها لا تشهد غزوة الطائفة الثانية ولم يبين لها أن ذلك لموت يتعجل، ويمنع من لحاق الطائفة الثانية، أو لمانع يمنع من حضور ذلك مع بقاء حياتها. ويحتمل أن يكون وَله أوحي إليه وأعلم بذلك كله غير أنه أظهر إليها من ذلك ما أظهر، ولم يظهر لها أنها تموت قبل غزو الطائفة الثانية ويحتمل أن يكون لم يُوحَ إليه بأكثر مما أظهر إليها، انتهى. (قال) أنس - رضي الله عنه - (فركبت) أم حرام (البحر) مفعول (في زمان معاوية بن أبي سفيان) أي زمن إمارته على الشام. قال الباجي(٢): أهل السير يقولون: إن غزوة معاوية هذه كانت في زمان عثمان بن عفان. قال خليفة بن الخياط عن ابن الكلبي: إن هذه الغزوة لمعاوية كانت في ثمان وعشرين. وقال الزبير بن بكار: ركب معاوية البحر غازياً بالمسلمين في خلافة عثمان، ورواية أهل السير لا يعتمد عليها أهل الحديث، وظاهر قوله: في زمن معاوية يقتضي وقت إمارته وخلافته، وهو الأظهر. ورواية أئمة الحديث أصح، ولو صح ما يقوله أهل السير لجاز أن يريد بقوله : في زمن معاوية أي في وقت ولايته على الشام، انتهى. وقال النووي(٣): قال القاضي: قال أكثر أهل السير والأخبار: إن ذلك كان في خلافة عثمان، ومعنى قوله: في زمان معاوية في زمان غزوه في البحر، (١) ((المنتقى)) (٢١٣/٣). (٢) ((المنتقى)) (٢١٣/٣). (٣) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٥٩/١٣/٧). ٣٩٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث لا أيام خلافته، وقيل: بل كان ذلك في زمان خلافته، قال: وهو أظهر في دلالة قوله: في زمانه، انتهى. قال القسطلاني: ركبت مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم مع معاوية زمن عثمان بن عفان سنة ثمان وعشرين، وهذا قول أكثر أهل السير. وقال البخاري ومسلم: في زمان معاوية، انتهى. قال الزرقاني (١): قال الباجي وعياض: هو الأظهر. وقال الحافظ(٢): وفي رواية الليث: فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازياً أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية. وفي رواية حماد: فتزوج بها عبادة فخرج بها إلى الغزو. وفي رواية أبي طوالة: فتزوجت عبادة، فركبت البحر مع بنت قرنفلة أي زوجة معاوية، وكان ذلك في سنة ثمان وعشرين في خلافة عثمان - رضي الله عنه - ومعاوية يومئذ أمير الشام. وظاهر سياق الخبر يوهم أن ذلك كان في خلافته، وليس كذلك، وقد اغترَّ بظاهره بعض الناس فوهم، فإن القصة إنما وردت في حق أول من يغزو في البحر، وكان عمر - رضي الله عنه - ينهى عن ركوب البحر، فلما ولّي عثمان استأذنه معاوية في الغزو، فأذن له ويكفي في الرد عليه التصريح في ((الصحيح)) بأن ذلك كان أول ما غزا المسلمون في البحر، ونقل أبو جعفر الطبري من طريق خالد بن معدان قال: أول من غزا البحر معاوية في زمان عثمان، وكان استأذن ــ عمر رضي الله عنه -، فلم يأذن له، فلم يزل بعثمان حتى أذن له، وقال: لا تنتخب أحداً، بل من اختار الغزو فيه طائعاً فأعنه ففعل . (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٣/٣). (٢) ((فتح الباري)) (٧٥/١١). ٣٩٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ. أخرجه البخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد، ٣ - باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء . ومسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة، ٤٩ - باب فضل الغزو في البحر، حديث ١٦٠. وقال خليفة بن خياط في ((تاريخه))(١) في حوادث سنة ثمان وعشرين: وفيها غزا معاوية البحر، ومعه امرأته فاختة بنت قرظة، ومع عبادة امرأته أم حرام، وأرّخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد، وبه جزم ابن أبي حاتم، وأرّخها يعقوب بن سفيان في المحرم سنة سبع وعشرين، قال: كانت فيه غزاة قبرس الأولى. وأخرج الطبري من طريق الواقدي أن معاوية غزا الروم في خلافة عثمان، فصالح أهل قبرس، وسمى امرأته كبرة بفتح الكاف وسكون الموحدة، وقيل: فاختة بنت قرظة، وهما أختان، كان معاوية تزوجهما واحدة بعد أخرى، ومن طريق ابن وهب عن ابن لهيعة أن معاوية غزا بامرأته إلى قبرس في خلافة عثمان، ومن طريق أبي معشر المدني أن ذلك كان في سنة ثلاث وثلاثين، فتحصلنا على ثلاثة أقوال، كلها في خلافة عثمان؛ لأنه قتل في آخر سنة خمس وثلاثين، والأول أصح، انتهى. وجزم عامة شراح الحديث بأن المراد بزمن معاوية زمن إمارته على الشام من جهة عثمان - رضي الله عنه -، وعليه عامة أهل السير، وجعل الباجي وعياض وغيرهما زمان خلافته الأظهر كما عرفت. (فصرعت عن دابتها) بصيغة المجهول أي فسقطت عن ظهر مركبها، وهو البغلة كما سيأتي (حين خرجت من البحر فهلكت) أي ماتت. (١) (ص١٦٠). ٣٩٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث قال الباجي(١): فكان هذا تحقيقاً لقوله وَليقول: ((إنها من الأولين))، وتبييناً أن المانع لها أن تكون من الآخرين أن عمرها ينقضي قبل ذلك، وهذا من أعلام نبوته الواضحة أن يعلم بالأشياء على وجهها قبل أن تكون ثم تكون على حسب ذلك لا تخرم عنه، ويتكرر ذلك منه ونَ﴾ تكراراً يوجد في أكثر الأحوال، انتھی . قال الحافظ (٢): وفي رواية الليث ((فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قربت إليها دابة لتركبها فصرعت فماتت)). وفي رواية حماد بن زيد عند أحمد ((فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت فماتت)). وفي رواية عنه ((فوقعت فاندقت عنقها))، وقد جمع بينها بأن البغلة الشهباء قربت إليها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت. وقال أيضاً في موضع آخر: إن قوله في رواية: فصرعت عن دابتها لا يعارض قوله في الأخرى: فقربت لتركبها فصرعتها، لأن التقدير فقربت إليها لتركبها وركبتها فصرعتها . ثم قال: وظاهر رواية الليث أن وقعتها كانت بساحل الشام، لما خرجت من البحر بعد رجوعهم من غزاة قبرس، لكن أخرج ابن أبي عاصم في كتاب الجهاد عن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة بالسند المذكور في البخاري في (باب ما قيل في قتال الروم)) وفيه: وعبادة نازل بساحل حمص، قال هشام بن عمار: رأيت قبرها بساحل حمص، وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس. فقال ابن حبان بعد أن أخرج الحديث من طريق الليث بن سعد بسنده: قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم، يقال لها: قبرس، بين بلاد المسلمين وبينها (١) ((المنتقى)) (٢١٣/٣). (٢) (فتح الباري)) (١١/ ٧٦). ٤٠٠ --------------