Indexed OCR Text
Pages 361-380
٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث وَكَانَ شَهِيداً، يَرْحَمُهُ اللَّهُ. ٣٧/٩٨٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْم؛ أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: الشُّهَدَاءُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يُغَسَّلُونَ، الستة، قال عمر - رضي الله عنه -: ادعوا لي صهيباً، فدعي له، فقال: صلّ بالناس ثلاثاً، وفي رواية إن حدث لي حدث فليصل لكم صهيب ثلاثاً. وفي ((تهذيب الحافظ)) (١): صهيب بن سنان أبو يحيى، وقيل: أبو غسان النمري المعروف بالرومي، أصله من النمر بن قاسط، سبته الروم، وهو غلام، فنشأ بينهم، فابتاعه كلب منهم، فاشتراه عبد الله بن جدعان، فأعتقه، ويقال: بل هرب صهيب من الروم إلى مكة، وأسلم قديماً وهاجر، فأدرك النبي صَلى له بقباء وشهد بدراً والمشاهد بعدها، وقال أبو زكريا الموصلي: كان من المستضعفين بمكة، والمعذبين في الله، أسلم بعد بضعة وثلاثين رجلاً، وقال ◌َله: صهيب سابق الروم، وقيل: فيه نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾(٢) الآية. وإليه أوصى عمر - رضي الله عنه - أن يصلي بالناس حتى يجتمع أهل الشورى على رجل، انتهى. (وكان) عمر - رضي الله عنه - (شهيداً برحمة الله) عز وجل، هكذا في النسخ الهندية بالباء الجارة في أوله، وإضافة الرحمة إلى اسم الجلالة. وفي النسخ المصرية: ((يرحمه الله)) بالتحتية في أوله على صيغة المضارع، والضمير المنصوب إلى عمر - رضي الله عنه وأرضاه -، والمعنى أنه - رضي الله عنه - كان شهيداً باتفاق العلماء أهل السير، ومع ذلك غُسل وصُلي عليه، وسيأتي وجهه . ٣٧/٩٨٤ - (مالك، أنه بلغه عن أهل العلم) وذلك لما ذهب إليه جماعة من أهل العلم كما سيأتي مفصلاً (أنهم كانوا يقولون: الشهداء في سبيل الله لا يُغَسَّلون) (١) (تهذيب التهذيب)) (٤٣٨/٤). (٢) سورة البقرة: الآية ٢٠٧. ٣٦١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حدیث ببناء المجهول على ما في النسخ المصرية. وفي الهندية: ((لا يغتسلون)) من الافتعال والأوجه الأول. قال العيني(١): الشهيد لا يُغَسَّلُ، وهذا لا خلاف فيه إلا ما روي عن سعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن من أنه يُغَسَّلُ قالا: ما مات ميت إلا أجنب. رواه ابن أبي شيبة عنهما بسند صحيح، وعن الحسن بسند صحيح: أن النبي ◌َّ أمر بحمزة - رضي الله عنه - فغسل، وحكي عن الشعبي وغيره: أن حنظلة بن الراهب غسلته الملائكة، انتهى. وترجم البخاري في ((صحيحه)) ((باب من لم ير غسل الشهداء))، قال الحافظ (٢): أشار بذلك إلى ما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: يغسل الشهيد، لأن كل ميت يجنب، فيجب غسله، حكاه ابن المنذر، وبه قال الحسن البصري، ورواه ابن أبي شيبة عنهما أي عن سعيد والحسن، وحكي عن ابن سريج من الشافعية وعن غيره، وهو من الشذوذ، انتهى. وأخرج البخاري(٣) في (صحيحه)) عن جابر: ((أن النبي ◌َّ- كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصل عليهم ولم يغسلهم))، قال الحافظ: ووقع عند أحمد من طريق آخر عن جابر: ((أن النبي ◌َّ قال في قتلى أحد: لا تغسلوهم، فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة)). فَبَيَّن الحكمة في ذلك، واستدل بعمومه على أن الشهيد لا يُغَسَّلُ حتى ولا الجنب ولا الحائض، وهو الأصح عند الشافعية، وقيل: يغسل للجنابة، لا بنيّة (١) ((عمدة القاري) (٢١٢/٦). (٢) ((فتح الباري)) (٢١٣/٢). (٣) رقم الحديث (١٣٤٧). ٣٦٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث غسل الميت، لما روي في قصة حنظلة بن الراهب أن الملائكة غسلته يوم أحد، وقصته مشهورة، رواه ابن إسحاق وغيره. وروى الطبراني وغيره من حديث ابن عباس بإسناد لا بأس به عنه، قال: أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب، فقال رسول الله ◌َلّ: رأيت الملائكة تغسلهما، غريب في ذكر حمزة، وأجيب بأنه لو كان واجباً ما اكتفى بغسل الملائكة، فدل على سقوطه عمن يتولى أمر الشهيد، انتھی . قال الموفق(١): الشهيد إذا مات في المعترك لا يُغَسَّل، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم، ولا نعلم فيه خلافاً إلا عن الحسن وابن المسيب قالا: يُغَسَّلُ ما مات ميت إلا جنباً، والاقتداء بالنبي ◌َّ وأصحابه أولى، ويحتمل أن ترك غسل الشهيد لما تضمنه الغسل من إزالة أثر العبادة المستحسنة شرعاً، فإنه جاء عن النبي ◌َّ أنه قال: ((والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله))، الحديث. وفيه: ((إلا جاء يوم القيامة، اللون لون الدم، والريح ریح مسك)). رواه البخاري. وقال النبي ◌ّ: ((ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين))، الحديث. رواه الترمذي(٢)، وقال: حديث حسن، وقد جاء ذكر هذه العلة في الحديث، فإن عبد الله بن ثعلبة قال: قال رسول الله وَلّ: ((زملوهم بدمائهم، فإنه ليس كَلْمٌّ يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمي، لونه لون الدم، وريحه ريح المسك))، رواه النسائي(٣) . (١) («المغني)) (٤٦٧/٣). (٢) ((سنن الترمذي)) (١٦٦٩). (٣) (سنن النسائي)) (٢٩/٦). ٣٦٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث ويحتمل أن الغسل لا يجب إلا من أجل الصلاة، فمن لم تجب الصلاة عليه لم يجب غسله كالحي، ويحتمل أن الشهداء في المعركة يكثرون، فيشق غسلهم، وربما يكون فيهم الجراح، فيتضررون، فعفي عن غسلهم لذلك، فإن كان الشهيد جنباً غسل، وحكمه في الصلاة حكم غيره من الشهداء، وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك: لا يغسل لعموم الخبر، وعن الشافعي كالمذهبين. ولنا ما روي أن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد، فقال النبي وَلّ: ((ما شأن حنظلة؟ فإني رأيت الملائكة تغسله، فقالوا: إنه جامع، ثم سمع الهيعة، فخرج إلى القتال)). رواه ابن إسحاق في ((المغازي))(١)، ولأنه غسل واجب لغير الموت فسقط بالموت، كغسل النجاسة، إذا ثبت هذا فمن وجب الغسل عليه بسبب سابق على الموت، كالمرأة تطهر من حيض أو نفاس، ثم تقتل، فهي كالجنب للعلة التي ذكرناها، ولو قتلت في حيضها أو نفاسها لم يجب الغسل، لأن الطهر من الحيض شرط في الغسل. فأما إن أسلم ثم استشهد فلا غسل له عليه؛ لأنه روي أن أصيرم بن عبد الأشهل أسلم يوم أحد، ثم قتل، فلم يؤمر بغسله، والبالغ وغيره سواء، وبهذا قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ، لأنه ليس من أهل القتال. ولنا أنه مُسْلِمٌ قتل في معترك المشركين بقتالهم أشبه البالغ، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن أبي النعمان، وعمير بن أبي وقاص أخو سعد، وهما صغيران، والحديث عامٌّ في الكل، وما ذكره يبطل بالنساء، ومن قتل ظلماً أو قتل دون ماله أو دون نفسه، ففيه روايتان: إحداهما: يُغَسَّلُ، اختارها الخلّال، وهو قول الحسن، ومذهب الشافعي، ومالك، لأن رتبته دون رتبة الشهيد في (١) أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٥/٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٠٤/٣). ٣٦٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث المعترك، فأشبه المبطون. والثانية: لا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلَّى عليه، وهو قول الشعبي والأوزاعي وإسحاق في الغسل، لأنه قتل شهيداً، أشبه بشهيد المعترك، انتھی . وقال الدردير(١): ولا يغسل شهيد معترك فقط أي يحرم تغسيله، ولو قتل بيلد الإسلام، بأن غزا الحربيون المسلمين، وإن كان جنباً على الأحسن، قال الدسوقي: قوله: فقط احترز بذلك عن بقية الشهداء كالمبطون والغريق والحريق، فإنه يغسل، وقوله: شهيد معترك يقتضي أن مقتول الحربي الكافر بغير معركة يغسل، وهو قول ابن القاسم، ومقتضى موضع من ((المدونة)). وروى ابن وهب: لا يغسل شهيد كافر حربي بغير معركة، وهو نص ((المدونة)) في محل آخر، وتبعه سحنون وأصبغ وابن يونس وابن رشد ويحيى القرطبي، وذكر شيخنا أن ما قاله ابن وهب هو المعتمد، وقوله: على الأحسن، قال أشهب: لا يغسل الشهيد ولا يصلى عليه، وإن كان جنباً، وقاله أصبع وابن الماجشون، خلافاً لسحنون، ورجح ابن رشد ترك غسل الجنب، انتهى. وقال الباجي(٢) بعدما حكى من مذهب الإمام مالك: أن الشهادة فضيلة تسقط فرض الغسل، وفرض الصلاة عليه، فقال: هذا لمن خرج مجاهداً في سبيل الله، لا يختلف المذاهب في ذلك، وأما من غزاه العدو في قعر داره، فدفع عن نفسه، فقتل، فقال ابن القاسم: يغسل ويصلى عليه، وقال ابن وهب وأشهب: لا يغسل ولا يصلى عليه، وأما إذا لم يدفع، وقتله العدو من غير مدافعة، مثل أن يغلبوا عليه أو يقتل نائماً أو بعد الأسر، فقال أشهب: يغسل ويصلى عليه، وقال سحنون وأصبغ: لا يغسل ولا يصلى عليه، وهذه كانت حال عمر - رضي الله عنه -، فإنه في حال غفلة لا في قتال ولا في مدافعة، (١) ((الشرح الكبير)) (٤٢٥/١). (٢) ((المنتقى)) (٢١٠/٣). ٣٦٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حدیث وقد غسل وصلي عليه بحضرة الصحابة، ولم ينكر ذلك أحد فثبت أنه إجماع، انتهى . قلت: لكنه - رضي الله عنه - كان مرتثّاً (١) كما سيأتي فلا حجة فيه، وفي ((الهداية)) (٢): الشهيد من قتله المشركون، أو وجد في المعركة وبه أثر أو قتله المسلمون ظلماً، ولم يجب بقتله دية، فيكفن ويصلى عليه ولا يغسل. لأنه في معنى شهداء أحد، ومن قتله أهل الحرب أو أهل البغي أو قطاع الطريق فبأي شيء قتلوه لم يغسل، لأن شهداء أحد ما كان كلهم قتيل السيف والسلاح، وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة، وقالا: لا يغسل، لأن ما وجب بالجنابة سقط بالموت، والغسل الثاني لم يجب بالشهادة، ولأبي حنيفة أن الشهادة عرفت مانعة غير رافعة، فلا ترفع الجنابة، وقد صح أن حنظلة لما استشهد جنباً غسله الملائكة. وعلى هذا الخلاف الحائض والنفساء إذا طهرتا، وكذا قبل الانقطاع في الصحيح من الرواية، وعلى هذا الخلاف الصبي، لهما أن الصبي أحق بهذه الكرامة، وله أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد بوصف كونه طهرة، ولا ذنب على الصبي، فلم يكن في معناهم، انتهى. ومعنى قوله: في الصحيح من الرواية ما في ((البناية))، إذ قال: تغسلان إذا قتلتا قبل انقطاع الدم في الصحيح من الرواية عن أبي حنيفة، وهي رواية الحسن عنه، واحترز به عن رواية المعلى عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنهما لا يغسلان؛ لأنه لم يكن الغسل واجباً حالة الحياة قبل الانقطاع، فلم يجب (١) هو الذي حُمِل من المعركة وبه رمقٍ، وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٢٥٨/١٤) وأما من حُمِل منهم فعاش ما شاء اللَّهُ بعد ذلك، فإنه يُغسل ويصلَّى عليه، كما عُمِلَ بعمر بن الخطاب. (٢) (١/ ٩٢). ٣٦٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث ٠ بالموت غسل آخر، وجه الصحيح من الرواية أن حكم الحيض انقطع بالموت، فصار كأن الانقطاع قبل الموت، وعندهما لا يغسلان بكل حال. وقوله: لهما أن الصبي أحق بهذه الكرامة، وهي سقوط الغسل، لأن سقوطه لإبقاء أثر مظلوميته في القتل، وهي في حق الصبي أشدُّ فكان أحق بهذه الكرامة، ولأبي حنيفة أن السيف كفى عن الغسل في حق شهداء أحد، ولا ذنب للصبي. فلم يكن في معنى شهداء أحد، فإذا لم يكن في معناهم يُغَسَّل، وفي (المبسوط)): الصبي غير مكلف، ولا يخاصم بنفسه في حقوقه، والخصم عنه في حقوقه في الآخرة هو الله سبحانه، فلا حاجة إلى إبقاء أثر الشهادة. فإن قلت: في ((المغنى))(١): أن حارثة بن النعمان وعميراً كانا في شهداء أحد، وهما صغيران، قلت: هذا غلط، لأن عميراً قتل يوم بدر قبل أحد، وهو ابن ست عشرة، ذكره ابن سعد في ((الطبقات))، وأما حارثة بن النعمان فتوفي في خلافة معاوية، وشهد بدراً والمشاهد كلها، وإنما حارثة المستشهد غلاماً، وهو حارثة بن الربيع الأنصاري، قتل يوم بدر كذا في ((الصحيحين)) وغيرهما، وليس في قتلى أحد من اسمه حارثة، انتهى مختصراً ومغيراً للفظه لما في الأصل من التحريف. وما تعقبه العيني مؤيد بكتب الرجال، فقد قال الحافظ في (الإصابة))(٢): عمير بن أبي وقاص أخو سعد، أسلم قديماً، وشهد بدراً، واستشهد بما في قول الجميع، قال ابن السكن: لم أجد له رواية لقدم إسلامه وموته، وأخرجه ابن سعد بسنده عن عامر بن سعد عن أبيه قال: رأيت أخي عميراً يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟ قال: أخاف أن يراني رسول الله وَالم (١) انظر: ((المغني)) (٤٧٠/٣). (٢) ((الإصابة)) (٣٥/٣). ٣٦٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث وَلَا يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فيستصغرني، فيردني وأنا أحب الخروج، لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعرض على رسول الله وَّ فاستصغره، فرده فبكى فأجازه، فقتل، وهو ابن ست عشرة سنة، انتهى. وقال في حارثة(١) بن النعمان: ذكره موسى بن عقبة وابن سعد فيمن شهد بدراً، وقال ابن سعد: أدرك خلافة معاوية، ومات فيها، وقال في حارثة بن سراقة بن الحارث: إن أمه الربيع بنت النضر، استشهد يوم بدر، ولم يختلف أهل المغازي في ذلك، واعتمد ابن منده على ما وقع في رواية لحماد بن سلمة، فقال: استشهد يوم أحد، وأنكر ذلك أبو نعيم، فبالغ كعادته، ووقع في رواية الطبراني من طريق حماد، والبغوي من طريق حميد أنه قتل يوم أحد، والمعتمد الأول، انتهى. (ولا يصلى) ببناء المجهول (على أحد منهم) أي من الشهداء، هكذا في النسخ الهندية، وأكثر المصرية، وفي بعضها: (ولا يصلى على جنائزهم))، والمسألة خلافية شهيرة. قال القسطلاني(٢): قد اختلف في الصلاة على الشهيد المقتول في المعركة، فمذهب الشافعية: أنها حرام، وبه قال مالك وأحمد، وقال بعض الشافعية: معناه لا تجب عليهم، لكن تجوز، وقال ابن حزم الظاهري: إن صلي على الشهيد فحسن، وإن لم يصل فحسن، واستدل بحديثي جابر وعقبة عند البخاري، وقال: ليس يجوز أن يترك أحد الأثرين المذكورين للآخر، بل كلاهما حق مباح، وليس هذا مكان نسخ، لأن استعمالهما معاً ممكن، انتهى. وعن أحمد في ذلك روايتان، قال الموفق(٣): الصحيح أنه لا يصلى عليه (١) ((الإصابة)) (٣١٢/١). (٢) ((إرشاد الساري)) (٤٨٣/٣). (٣) ((المغني)) (٤٦٧/٣). ٣٦٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث وهو قول مالك والشافعي وإسحاق، وعن أحمد رواية أخرى أنه يصلى عليه، اختارها الخلال، وهو قول الثوري وأبي حنيفة إلا أن كلام أحمد في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة عليه مستحبة غير واجبة، قال في موضع: إن صلي عليه فلا بأس به، وفي موضع آخر قال: يصلى، وأهل الحجاز لا يصلون عليه، وما تضره الصلاة، لا بأس به، وصرح بذلك في رواية المروذي، فقال: الصلاة عليه أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزا فكأن الروايتين في استحباب الصلاة، لا في وجوبها، إحداهما يستحب، لما روى عقبة: ((أن النبي ◌ّ صَىله بِيَّة خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر))، متفق عليه. وعن ابن عباس: ((أن النبي ◌ّ صلى على قتلى أحد)). ولنا ما روى جابر: ((أن النبي ◌َل أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم، ولم يغسلهم ولم يصل عليهم))، متفق عليه، وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد، فإنه صلى عليهم في القبور بعد ثماني سنين، وهم لا يصلون على القبر أصلا، ونحن لا نصلي عليه بعد شهر، وحديث ابن عباس يرويه الحسن بن عمارة، وهو ضعيف، وقد أنكر عليه شعبة رواية هذا الحديث، وقال: إن جرير بن حازم يكلمني في أن لا أتكلم في الحسن بن عمارة، وكيف لا أتكلم فيه؟ وهو يروي هذا الحديث، ثم نحمله على الدعاء، انتهى. وقال الحافظ(١): إن الخلاف في ذلك في منع الصلاة عليهم على الأصح عند الشافعية، وفي وجه أن الخلاف في الاستحباب، وهو المنقول عن الحنابلة، وقال الماوردي عن أحمد: الصلاة عليه أجود. وإن لم يصلوا عليه أجزأ، انتهى. وقال العيني(٢): ذهب ابن أبي ليلى والحسن بن حي وعبيد الله بن (١) (فتح الباري)) (٢١٠/٢). (٢) ((عمدة القاري)) (٢١٠/٦). ٣٦٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث الحسن وسليمان بن موسى وسعيد بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية وإسحاق في رواية إلى أنه يصلى عليه، وهو قول أهل الحجاز أيضاً، واحتجوا في ذلك بحديث عقبة عند البخاري، وقوله فيه: صلاته على الميت يرد قول من قال: إن الصلاة فيه محمولة على الدعاء، وممن قال به ابن حبان والبيهقي والنووي. حتى قال النووي: أما كونه مثل الذي على الميت فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى، قال العيني(١): وهذا عدول عن المعنى الذي يتضمنه هذا اللفظ لأجل تمشية مذهبه في ذلك، وهذا ليس بإنصاف، واحتجوا في ذلك أيضاً بما رواه ابن ماجه من حديث أبي بكر بن عيّاش عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم عن ابن عباس قال: أتى بهم رسول الله ﴾ يوم أحد، فجعل يصلي على عشرة عشرة، وحمزة وهو كما هو، يرفعون وهو كما هو موضوع. ورواه الطحاوي بسنده إلى أبي بكر بن أبي عياش بهذا السند بمعناه، وأخرجه البزار في ((مسنده)) بأتم منه، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) والطبراني والبيهقي وسكت الحاكم عنه. فإن قلت(٢): قال الذهبي: يزيد بن أبي زياد لا يحتج به، وقال ابن الجوزي في ((التحقيق)): إنه منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، قلت: قال صاحب ((التنقيح)): الذي قالوه إنما هو في يزيد بن زياد، وأما راوي هذا الحديث فهو الكوفي، ولا يقال فيه: ابن زياد، وإنما هو ابن أبي زياد، وهو ممن يكتب حديثه على لينه. وقد روى له مسلم مقروناً بغيره، وروى له أصحاب السنن، وقال أبو داود: لا أعلم أحداً ترك حديثه، وابن الجوزي جعلهما في كتابه الذي في الضعفاء واحداً، وهو وهم وغلط، انتهى مختصراً. (١) عمدة القاري)) (٦/ ٢١٢). (٢) أي العلامة العيني. انظر ((عمدة القاري)) (٢١٣/٦). ٣٧٠ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث وَإِنَّهُمْ يُدْفَنُونَ فِي النِّيَابِ الّتِي قُتِلُوا فِيهَا . وبسط الزيلعي في ((نصب الراية)) (١) طرق الصلاة على الشهداء ولخصها الحافظ في ((الدراية)) فارجع إليهما لو شئت. (وإنهم) أي الشهداء (يدفنون) ببناء المجهول (في الثياب التي قتلوا) ببناء المجهول (فيها) لما ورد الأمر بذلك في شهداء أحد، قال ابن عبد البر: اختلف في صلاته وَلّه، ولم يختلف في أنه أمر بدفنهم بثيابهم ودمائهم ولم يغسلوا، انتهى. وفي ((المحلى على الموطأ)): أما ترك الغسل والدفن في الثياب التي هي عليه عند القتل فقد أجمعوا عليه، وأما الصلاة فقد اختلف فيه، انتهى . قال الخرقي: ودُفِن في ثيابه، وإن كان عليه شيء من الجلود والسلاح نُحِيَ عنه، قال الموفق(٢): أمَّا دفنه بثيابه فلا نعلم فيه خلافاً، وهو ثابت بقول النبي ◌ُّ﴾: (ادفنوهم بثيابهم))، وروى أبو داود وابن ماجه عن ابن عباس: ((أن رسول الله 18 أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود، وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم))، وليس هذا بحتم، لكنه الأولى، وللولي أن ينزع عنه ثيابه، ويكفِّنه بغيرها، وقال أبو حنيفة: لا ينزع عنه شيء لظاهر الخبر. ولنا؛ ما روي: ((أن صفية أرسلت إلى النبي وَلّ ثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجلاً آخر)). رواه يعقوب بن شيبة، وقال: هو صالح الإسناد، فدل على أن الخيار للولي، والحديث الآخر يحمل على الاستحباب، ويُنزع من ثيابه ما لم يكن من عامَّة لباس الناس من الجلود والفراء والحديد. قال أحمد: لا يترك عليه فرو ولا خف ولا جلد، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة. وقال مالك: لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو لعموم قوله مَّلّ: ((ادفنوهم بثيابهم))، وما رويناه أخص، فكان أولى، انتهى. (١) (٣٠٧/٢). (٢) «المغني)) (٤٧١/٣). ٣٧١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَتِلْكَ السُّنَّةُ فِيمَنْ قُتِلَ فِي الْمُعْتَرَكِ، فَلَمْ يُدْرَكْ حَتَّى مَاتَ. قَالَ: وَأَمَّا مَنْ حُمِلَ مِنْهُمْ فَعَاشَ مَا شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ ذُلِكَ، فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، كَمَا عُمِلَ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ. وقال الدردير(١): يدفن وجوباً في ثيابه المباحة إن سترت جميع جسده، ويمنع أن يزاد عليها حينئذٍ، وإلّا تستره، زيد عليها ما يستره مع خف وقلنسوة ومنطقة قل ثمنها وخاتم فضَّة قل فَصُّهُ أي قيمته، لا بآلة حرب من درع وسلاح، انتھی. وفي ((الهداية)): لا ينزع عنه ثيابه، وينزع عنه الفرو والحشو والسلاح والخف، لأنها ليست من جنس الكفن، ويزيدون، وينقصون ما شاؤوا إتماماً للكفن، انتهى. وفي ((البناية)) عن الأسبيجابي: يكره أن ينزع عنهم جميع ثيابهم، ويجدد لهم الكفن. وعن ((التحفة)): لا يكفن ابتداء في ثياب أُخرَ دون ثيابه التي كانت علیه عند قتله، انتهى. (قال مالك: وتلك) أي الأحكام المذكورة من أن الشهيد لا يغسل ولا يجدد له الكفن، ولا يصلى عليه، هي (السنة فيمن قتل) ببناء المجهول (في المعترك) هو موضع الحرب، كما في ((مختار الصحاح)). وفي (المجمع)): المعركة والمعترك موضع القتال (فلم يدرك) ببناء المجهول (حتى مات) وتقدم أنه إجماع في ذلك. قال مالك: (وأما من حمل) ببناء المجهول (منهم) أي من الشهداء (فعاش ما شاء الله) أن يعيش (بعد ذلك) أي بعدما حمل (فإنه يغسل) ببناء المجهول (ويصلى عليه) أيضاً (كما فعل) وفي النسخ المصرية: ((كما عمل)) وكلاهما بمعنى وببناء المجهول (بعمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - وهذا يقال (١) ((الشرح الكبير)) (٤٢٦/١). ٣٧٢ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث له في العرف: المرتث، قال صاحب ((المحلى)): الارتثاث لغة الحمل من المعركة، وبه رمق، وشرعاً أن يرتفق بشيء من مرافق الحياة من النوم والأكل والشرب والعلاج والكلام الطويل، انتهى. وفي ((مختار الصحاح)): الرث بالفتح، البالي، وارتث فلان على ما لم يسم فاعله: حمل من المعركة رئيئاً أي جريحاً، انتهى. وفي ((البناية)): هو من قولهم ثوب رشّ أي خلق. وفي ((المغرب)): ارتث الجريح، إذا حمل من المعركة، وبه رمق؛ لأنه حينئذٍ يكون ملقى كرتَّةِ المتاع، انتهى. قال الباجي(١): من رفع من المعترك، ثم مات بعد ذلك فالمشهور من قول ابن القاسم أنه من لم يبق فيه إلا ما يكون منه في غمرة الموت، فإنه بمنزلة من مات في المعترك، ومن أكل بعد ذلك وشرب، فهو كسائر الموتى، يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه، وقال سحنون: إن كل من به جرح لا يقتل قاتله إلا بقسامة فيغسل ويصلى عليه، وإن كان به جرح يقتل قاتله من غير قسامة، فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه، وعمر - رضي الله عنه - كان قد أنفذت مقاتله، فعلى قول سحنون هو بمنزلة من قتل في المعترك، وكان يجب على أصله أن لا يغسل ولا يصلى عليه، ويجب على مذهب ابن القاسم أن يغسل ويصلى عليه المعنيين: أحدهما، أنه لم يقتل مدافعاً، كما تقدم في مسألة غسل الشهيد والثاني، أنه عاش بعد ذلك وتكلم وشرب، وليست هذه شهادة تسقط فرض الغسل والصلاة، انتهى. وقال الدردير(٢): لا يغسل شهيد معترك، لا إن رُفِع حياً من المعركة، ثم مات، وإن أنفذَتْ مقاتله، والمعتمد أن منفوذ المقاتل لا يغسل ولو رفع غير (١) ((المنتقى)) (٢١٠/٣). (٢) ((الشرح الكبير)) (٤٢٦/١). ٣٧٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حدیث مغمور إلا المغمور ((مستثنى من قوله: لا إن رُفع حياً)) وهو من لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم إلى أن مات، ولم تنفذ مقاتله، قال الدسوقي: حاصل كلام المصنف أنه إذا رفع حيّاً فإنه يغسل، ولو منفوذ المقاتل ما لم يكن مغموراً، وهو المشهور من قول ابن القاسم، كما نقله في ((التوضيح))، ونقل مواق عن ابن عرفة وابن يونس والمازري ما يوافقه، وطريقة سحنون: أنه متى رفع منفوذ المقاتل أو مغموراً فلا يغسل، وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد البر في ((الكافي))، وصاحب ((المعونة))، والمعول عليه الأول، وقول سحنون ضعيف. وقد اعترضه المواق بتغسيل عمر - رضي الله عنه - بمحضر من الصحابة مع أنه رفع منفوذ المقاتل، ثم المواق عن ابن عرفة وابن يونس والمازري ما ظاهره يوافق المصنف، وجعل قول سحنون مقابل المشهور، فانظر قول الشارح تبعاً لعبق: المعتمد أنه لا يغسل من أين أتي به، انظر بن، انتهى. وذكر في هامشه عن محمّد عليش: أن تغسيل عمر - رضي الله عنه - لكون قاتله ذميا، كما في ((ضوء الشموع))، فتغسيله متفق عليه، فلا يحسن الاعتراض به، انتهى. قال الخرقي: إن حمل وبه رمق غسل وصلي عليه. قال الموفق(١): قوله: رمقٌ أي حياة مستقرة، فهذا يُغَسّل، ويصلَّى عليه، وإن كان شهيداً؛ لأن النبي ◌َّل غسل سعد بن معاذ، وصلَّى عليه، وكان شهيداً رماه ابن العَرِقَةِ يوم الخندق بسهم، فقطع أكحله(٢)، فحُمِل إلى المسجد، فلبث فيه أياماً حتى حكم في بني قريظة، ثم انفتح جرحه، فمات(٣). (١) ((المغني)) (٤٧٢/٣). (٢) الأكحل: عرق معروف، إذا قطع في اليد لم يرقأ الدم. (٣) أخرجه البخاري (٤١٢٢) من كتاب المعازي. ٣٧٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث فظاهر كلام الخرقي أنه متى طالت حياته بعد حمله غُسل وصُلي عليه، وإن مات في المعترك أو عقب حمله لم يُغَسَّلْ ولم يصل عليه، ونحو هذا قول مالك: إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة غُسِّل، وقال أحمد في موضع: إن تكلم أو أكل أو شرب صُلي عليه، وقول أصحاب أبي حنيفة نحو من هذا. وعن أحمد أنه سئل عن المجروح إذا بقي في المعترك يوماً إلى الليل، ثم مات، فرأى أن يصلى عليه، وقال أصحاب الشافعي: إن مات حال الحرب لم يغسل ولم يصل عليه، وإلا فلا، والصحيح التحديد بطول الفصل أو الأكل؛ لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة، وطول الفصل يدل على ذلك، وقد ثبت اعتباره في كثير من المواضع، وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشيء منها، لأنه يروى أن النبي ◌َّ قال يوم أحد: ((من ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع؟)) فقال رجل: أنا أنظر لك يا رسول الله فوجده جريحاً به رمقٌ، فقال له: إن رسول الله وَ﴿ أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات، فأبلغ رسول الله وَّ عني السلام، وذكر الحديث، قال: ثم لم أبرح أن مات. وروي أن أُصَيرْمَ بن(١) عبد الأشهل وجد صريعاً يوم أُحد، فقيل له: ما جاء بك؟ قال: أسلمتُ ثم جئت، وهما من الشهداء دخلا في عموم قوله مَثّل: ((ادفنوهم بدمائهم وثيابهم))، ولم يغسلهم، ولم يصل عليهم، وقد تكلما. وماتا بعد انقضاء الحرب، وفي قصة أهل اليمامة عن ابن عمر: أنه طاف في القتلى، فوجد أبا عقيل الأنفي (٢)، قال: فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحاً كلها قد خلص إلى مقتل، فخرج الماء من جراحاته كلها فلم يُغَسَّلْ. (١) هكذا في الأصل، وفي نسخة ((المغني)) التي بين أيدينا: أصيرم بني عبد الأشهل، والتصويب من ((سيرة ابن هشام)) (٩٠/٣) واسمه عمرو بن ثابت بن وقش. (٢) هكذا في الأصل، وهو عبد الرحمن بن عبد الله البلوي ثم الأنصاري، وفي نسبه: ((أنيف بن جشم)). انظر («أسد الغابة)) (٢١٩/٦). ٣٧٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٦) باب (٩٨٤) حديث وفي ((فتوح الشام)): أن رجلاً قال: أخذت ماء لعليّ أسقي ابن عمي إن وجدت به حياة، فوجدت الحارث بن هشام، فأردت أن أسقيه، فإذا رجل ينظر إليه فأومأ أن أسقيه، فذهبت إليه لأسقيه، فإذا آخر ينظر إليه فأومأ لي أن أسقيه، فلم أصلْ إليه حتى ماتوا كلهم، ولم يفرد أحد منهم بغسل ولا صلاة، وقد ماتوا بعد انقضاء الحرب، انتهى. قلت: وهذه القصة ذكرها الحافظ في ((الدراية)) بلفظ آخر. فقال: في الباب حديث أبي جهم بن حذيفة: انطلقتُ يوم اليرموك أطلب ابن عمي، ومعي شَنَّةٌ من ماء لأسقيه إن كان به رمقٌ، فإذا به ينشق، فقلت: أسقيك؟ قال: نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار إليَّ ابن عمّي أن أنطلق به إليه، فإذا هشام بن العاص، فأتيته، فسمع آخر يقول: آه، فأشار إلي أن أنطلق به إليه فجئته، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمي، فإذا هو قد مات، أخرجه البيهقي في الثاني والعشرين من ((شعب الإيمان)) وروى فيه عن حبيب بن أبي ثابت أن الحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وعياش بن أبي ربيعة أثبتوا يوم اليرموك، فذكر نحو هذه القصة، انتهى. وفي ((الهداية))(١): من ارتثَّ غسل، وهو من صار خلفاً في حكم الشهادة لنيل مرافق الحياة، لأن بذلك يَخِفّ أثر الظلم، فلم يكن في معنى شهداء أُحد، والارتثاث أن يأكل أو يشرب أو ينام أو يداوى أو ينقل من المعركة، لأنه نال بعض مرافق الحياة، وشهداء أُحد ماتوا عطاشاً، والكأس تدار عليهم، فلم يقبلوا خوفاً من نقصان الشهادة إلا إذا حمل من مصرعه كيلا تطأه الخيول، لأنه ما نال شيئاً من الراحة، ولو آواه فسطاط أو خيمة كان مرتثاً . ولو بقي حياً حتى مضى وقت صلاة وهو يعقل فهو مرتكٌّ، لأن تلك الصلاة صارت ديناً عليه، وهو من أحكام الأحياء، وهذا مروي عن أبي (١) (٩٣/١). ٣٧٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٧) باب (٩٨٥) حديث (١٧) باب ما يُكره من الشيء يُجعل في سبيل الله ٣٨/٩٨٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يوسف، ولو أوصى بشيء من أمور الآخرة كان ارتثاثاً عند أبي يوسف، لأنه ارتفاق، وعند محمد لا يكون لأنه من أحكام الأموات، انتهى. (١٧) ما يكره من الشيء يجعل في سبيل الله هكذا في جميع النسخ المصرية(١) والهندية. ولم يذكر فيها إلا أثر عمر - رضي الله عنه - في الرجل العراقي، قال الباجي(٢): هكذا قال يحيى بن يحيى في هذه الترجمة، وتابعه في ذلك جماعةٌ من أهل ((الموطأ))، ويحتمل أن يريد به أنه يكره الشيء الذي يجعل في سبيل الله أن يستعمل في غيره، ويحتمل أن يريد به أنه يكره أن يؤخذ على وجه التحيّل، وعلى غير الوجه الذي يبيحه عليه من جعله مثل ما فعل الرجل الذي قال لعمر: احملني وسحيماً. وقال ابن بكير في هذه الترجمة: ((باب ما يُكرهُ من الرجعةِ في الشيء يحمل عليه في سبيل الله))، وتابعه عليه القعنبي، وذكر حديث(٣) الفرس الذي حَمَلَ عليه - رضي الله عنه - في سبيل الله ثم أراد أن يبتاعه، انتهى. قال ابن عبد البر: هكذا ترجم يحيى، ولم يذكر سوى هذا الأثر، وترجم القعنبي وابن بكير ((ما يُكره الرجعة في الشيء يجعل في سبيل الله))، وذكرا حديث الفرس، ثم ذكرا أثر عمر هذا، انتهى. ٣٨/٩٨٥ - (مالك، عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه-، (١) انظر: ((الاستذكار)) (٢٧١/١٤). (٢) ((المنتقى)) (٢١٠/٣). (٣) وقد تقدم في ((الموطأ)) برقم: (٢٨٢) وأخرجه البخاري (١٤٩٠) باب هل يشتري صدقته ((فتح الباري)) (٣٥٢/٣). ٣٧٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٧) باب (٩٨٥) حديث كَانَ يَحْمِلُ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفِ بَعِيرِ، يَحْمِلُ الرَّجُلَ إِلَى الشَّامِ عَلَى بَعِيرِ، وَيَحْمِلُ الرَّجُلَيْنِ إِلَى الْعِرَاقِ عَلَى بَعِيرِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: أَحْمِلْنِي وَسُحَيْماً، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: كان يحمل) ببناء الفاعل (في العام الواحد على أربعين ألف بعير) لكثرة من كان يحمله من يريد السفر، فلا يقدر على راحلة يركبها، ويعجز عن السفر مع حاجته إليه، إما لكونه من أهل الآفاق، فيعجز عن الرجوع إلى أفقه، ووطنه، وأهله، وولده أو لغير ذلك من الوجوه التي لا يحصى عددها كثرة مما يضطر الإنسان إلى السفر من أجلها، فكان يحمل من كانت هذه حاله من أجل الحاجة، ولعله أن يكون كان يحمل من يسعى في أمور المسلمين ممن يتعذر عليه راحلة لسفره ذلك، فكان عمر بن الخطاب يتّخذ من الإبل ما يحمل عليه من مال الله تعالى، ويحمي لها الحمى. (يحمل الرجل إلى الشام على بعير، ويحمل الرجلين إلى العراق على بعير) قال الداوودي: إنما ذلك ليسر أهل العراق، وقال غيره: إنما كان ذلك لكثرة العدد بالشام وحاجة الناس إلى الغزو في تلك الجهات. قال الباجي: ويحتمل عندي أن يكون فعل ذلك لأن طريق العراق كانت أسهل وأعمر، وكان طريق الشام من المدينة أوعر وأشقّ وأخلى من الناس، فكان من انقطع به فيها يتعذر عليه موضع مقام أو من يُعين على بلاغ، انتهى. (فجاءه رجل من أهل العراق) لم يسم (فقال: احملني وسحيماً) قال ذلك على وجه التورية والتحيل ليريه أن له رفيقاً يسمى سحيماً، فيدفع إليه البعير. فيأخذه العراقي، وينفرد بركوبه، وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ألمعياً يصيب بظنه، فلا يكاد يخطئ، فسبق إلى ظنه أن سحيماً الذي ذكر هو الزقُّ. فناشده في ذلك، كذا في ((المنتقى))(١) . (فقال له) أي للعراقي (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - وقد ورد في (١) (٣١١/٣) و((الاستذكار)) (٢٧٤/١٤). ٣٧٨ -. ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب نَشَدْتُكَ اللَّهَ! أَسْحَيْمُ زِقُّ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ. (١٨) باب الترغيب في الجهاد شأنه ما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي وَلو أنه قال: ((قد كان فيمن مضى قبلكم من الأمم محدثون، فإن كان في أمتي منهم فإنه عمر بن الخطاب)) يريد ◌ّ﴾ - والله أعلم - يلقى في روعه الشيء ويلهم إليه حتى كأنه يخبر به، فلا يخطئ ظنه، قاله الباجي. (أنشدتك الله) هكذا في جميع النسخ الهندية ونسخة الزرقاني، ثم قال: ولابن وضّاح: ((نشدتك الله))، انتهى. وفي سائر النسخ المصرية: ((أنشدتك الله))، وظاهر صنيع الزرقاني أن الأول رواية يحيى، قال صاحب ((مختار الصحاح)): نشده من باب نصر، قال له: نشدتك الله أي سألتك به، وقال المجد: نشد فلاناً: عرفه معرفة، وبالله استحلف، وفلاناً نشداً قال له: نشدتك الله أي سألتُك بالله، ونشدتك الله بالفتح أي أنشدك بالله، انتهى. (أسحيم) بهمزة الاستفهام في أوله (زق) بتشديد القاف. قال المجد: السحم محركة، والسُّحْمَةٌ بالضم، وكغراب: السواد، والقرن، وصنم، وزقّ الخمر، انتهى. وقال أيضاً: الزق بالضم: الخمر، جمعه زَقَقَةٌ محركة، وبالكسر: السقاء أو جلد يُجَزُّ، ولا ينتف للشراب وغيره، جمعه أزقاق وزِقاق وزُقاق بالضم، انتهى. وفي ((مختار الصحاح)): الزقّ: السقاء، وجمع القلة أزقاق، والكثير زقاق (قال) العراقي (نعم) يعني صدق ظن عمر - رضي الله عنه - أنه أراد بالسحيم الزق. (١٨) الترغيب في الجهاد وهكذا في جميع النسخ المصرية والهندية، قال الزرقاني(١): يعني زيادة على ما سبق، قال: هذه الترجمة مرت بلفظها أول كتاب الجهاد، لكن (١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤١/٣). ٣٧٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٨) باب (٩٨٦) حديث ٣٩/٩٨٦ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أحاديثهما متغايرة، فلا تكرار، وإن كان يمكن جعل جميع الأحاديث تحت ترجمة واحدة، انتهى. ٣٩/٩٨٦ - (مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري (عن) عمه (أنس بن مالك) - رضي الله عنه - هكذا أخرجه البخاري(١) برواية عبد الله بن يوسف وغيره عن مالك، قال ابن عبد البر في ((التمهيد)): هكذا روى هذا الحديث جماعة رواة ((الموطأ)) فيما علمت، جعلوه من مسند أنس بن مالك، ورواه بشر بن عمر والزهراني عن مالك عن إسحاق عن أنس عن أم حرام قالت: استيقظ، الحديث، جعله من مسند أم حرام، هكذا حدث عنه به بندار محمد بن بشار، قال العيني: أخرجه البخاري أيضاً من مسند أم حرام من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي طوالة عن أنس عن أم حرام، وقد اختلف فيه على أنس، انتهى. وزاد الحافظ في ((الفتح))(٢): التحقيق أن أوله من مسند أنس، وقصة المنام من مسند أم حرام، فإن أنساً حمل قصة المنام عنها، وقد أخرج البخاري في (باب ركوب البحر)) من طريق محمد بن يحيى بن حبان عن أنس حدثتني أم حرام بنت ملحان: ((أن النبي (وَ لّ قال يوماً في بيتها، فاستيقظ))، الحديث، انتهى. ولفظ قال من القيلولة. وقال أيضاً في موضع آخر(٣): إن هذا الحديث رواه عن أنس إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن يحيى بن حبان وأبو طوالة، فقال إسحاق في روايته: عن (١) أخرجه البخاري في الجهاد (٢٧٩٩) باب فضل من يصرع في سبيل الله و(٢٨٧٧)، (٢٨٩٤) . (٢) ((فتح الباري)) (١١/ ٧٢). (٣) انظر: ((فتح الباري)) (٦/ ٧٧). ٣٨٠