Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢١ - كتاب الجهاد
(١٠) باب
(٩٦٦) حديث
أنه سأل رجلاً قدم من الشام عن الناس، فقال: إن فيها رجلاً يسأل عن متشابه
القرآن، يقال له: صبيغ، يريد قدوم المدينة، فقال عمر - رضي الله عنه -: لئن
لم تأتني به لأفعلنّ بك، فجعل الرجل يختلف إلى الثَّنية يسأل عن صبيغ حتى
طلع بعيرٌ وقد لهج بأن يقول: ((من يلبس الفقه يفقهه إليه))(١) فانتزع الرجل
خطاماً من يده حتى أتى به عمر - رضي الله عنه - فضربه ضرباً شديداً، ثم
حبسه ثم ضربه أيضاً، فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي، فأجهز علي، وإن كنت
تريد شفائي فقد شفيتني. شفاك الله، فأرسله عمر - رضي الله عنه -.
وأخرج الحافظ في ((الإصابة)) والسيوطي في ((الدر))(٢) الروايات في قصته
مطولاً ومختصراً، منها ما روى الدارمي عن سليمان بن يسار قال: قدم المدينة
رجل، فجعل يسأل عن متشابه القرآن، فأرسل إليه عمر - رضي الله عنه - وقد
أعدَّ له عراجين النخل، فقال: من أنت؟ قال أنا عبد الله صبيغ، قال: وأنا
عبد الله عمر، فضربه حتى دمّى رأسَه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، قد
ذهب الذي كنت أجده في رأسي.
وروي أيضاً من طريق نافع أن صبيغاً العراقي جعل يسأل عن أشياء من
القرآن في أجناد المسلمين حتى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى
عمر بن الخطاب، فلما أتاه أرسل عمر - رضي الله عنه - إلى رطائب من
جريد، فضربه بها حتى ترك ظهره دبره، ثم تركه حتى برئ، ثم عاد له ثم تركه
حتى برئ، فدعا به ليعود له، فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً
جميلاً، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت، فأذن له إلى أرضه، وكتب
إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين.
(١) ذكر ابن عبد البر قصته في ((الاستذكار)) (١٥٩/١٤) وفيه ((من يلتمس الفقه: يفقههُ اللَّهُ»
وهو الصواب وما في ((الأوجز)): ((إليه)» تحريف، والله أعلم.
(٢) ((الدر المنثور)) (١٤٩/٢ - ١٥٠).
٢٤١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٠) باب
(٩٦٦) حديث
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَمَّنْ قَتَلَ قَتِيلاً مِنَ الْعَدُوِّ، أَيَكُونُ لَهُ سَلَبُهُ
بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ ذُلِكَ لِأَحَدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ، وَلَا
يَكُونُ ذُلِكَ مِنَ الإِمَامِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الإِجْتِهَادِ،
وأخرج ابن عساكر عن أبي عثمان النهدي أن عمر - رضي الله عنه - كتب
إلى أهل البصرة أن لا يجالسوا صبيغاً، قال: فلو جاء ونحن مائة لتفرقنا،
وأخرج عن ابن سيرين قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أبي موسى
الأشعري أن لا يجالس صبيغاً، وأن يحرم عطاءه ورزقه، وفي رواية: كتب إليه
أما بعد، فإن الأصبغ تكلف ما يخفى وضيع ما ولي، فإذا جاءك كتابي هذا فلا
تبايعوه، وإن مرض فلا تعودوه، وإن مات فلا تشهدوه.
وفي رواية كتب إليه: حَرِّمَ الناس مجالسته، فلم يزل كذلك حتى أتى أبا
موسى، فحلف له أن لا يجد في نفسه شيئاً، فكتب إلى عمر - رضي الله عنه -
فكتب إليه: خَلِّ بينه وبين الناس، وقال أبو أحمد العسكري : اتّهمه عمر
- رضي الله عنه - برأي الخوارج، وذكر ابن دريد أنه كان أحمق، وأنه وفد
على معاوية - رضي الله عنه -، وقال أبو عمر بن عبد البر: كان صبيغ من
الخوارج في مذاهبهم.
قال: وإنما أتى مالك بحديث ابن عباس بعد حديث أبي قتادة تفسيراً
للسلب؛ لأن سلب قتيله كان درعاً، وزاد ابن عباس من قوله: الفرس، وفي
رواية غير مالك: والرمح، وذلك كله آلات المقاتل، لا ذهب وفضة، لأنهما
ليسا من الاته، انتهى.
(وسئل) ببناء المجهول (مالك عمن قتل قتيلاً من العدو أيكون) بهمزة
الاستفهام، وهذا بيان السؤال (له سلبه بغير إذن الإمام؟ فقال: لا يكون ذلك)
أي السلب (لأحد بغير إذن الإمام) وفي حكمه أمير الجيش (ولا يكون ذلك من
الإمام إلا على جهة الاجتهاد) وفي النسخ المصرية: ((وجه الاجتهاد)) أي النظر
بما يراه مصلحة، ووافقه على ذلك أبو حنيفة، وقال أحمد: لا يعجبني ذلك
إلا بإذن الإمام، كما تقدم في المبحث الثاني عشر من مباحث السلب.
٢٤٢
--
۔ ۔

٢١ - كتاب الجهاد
(١٠) باب
(٩٦٦) حديث
وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه قَالَ: ((مَنْ قَتَلَ قَتِيلاً فَلَهُ سَلَبْهُ)) إِلَّا يَوْمَ
◌ُنَيْن.
قال الباجي(١): وهذا كما تقدم من أن السلب لا يكون للقاتل إلا بإذن
الإمام وهو قوله في العموم: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) أو قوله في الخصوص
لرجل بعينه: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه، وإن قتلت فلاناً لرجل من المشركين
فلك سلبه، وإنما يجب للإمام أن يقوله على ما يؤديه إليه اجتهاده من النظر
للمسلمين، انتهى. قلت: وتقدم قريباً مستدل المالكية في أن السلب يتوقف
على تنفيل الإمام.
(ولم يبلغني أن رسول الله وَ له قال: من قتل قتيلاً فله سلبه إلا يوم حنين)
قال الباجي: هذا يحتمل معنيين: أحدهما: أنه إذا كانت المغازي قبل حنين
وبعده عريت من هذا القول ومن هذا الحكم، فلم يكن لمن قتل قتيلاً فله سلبه
إلا يوم حنين، فإن ذلك يقتضي أن ذلك لا يكون إلا بإذن الإمام، وأنه إن قاله
وحكم به نفذ حكمه به، وإن لم يقله لم يكن لمن قتل قتيلاً سلبه.
والمعنى الثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ
مَُمُ﴾(٢) وأجمع المسلمون على أن أربعة أخماسه للغانمين من هذه الآية،
وهذه الآية نزلت في بدر، وقوله وَله: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) يوم حنين، فلا
يجوز أن يكون الأول ناسخاً للثاني، بل لا بد أن يكون الحديث ناسخاً لبعض
حكم الآية، أو مخصصاً لعمومها، أو مفسراً لحكمها، انتهى.
وتعقب الحافظ(٣) كلام الإمام مالك - رضي الله عنه - هذا، فقال:
أجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي وَّر في عدة مواطن؛ منها: يوم
(١) ((المنتقى)) (١٩٤/٣).
(٢) سورة الأنفال: الآية ٤١.
(٣) ((فتح الباري)) (٢٤٧/٦).
٢٤٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٠) باب
(٩٦٦) حديث
بدر كما في ((الصحيحين)) أنه ◌َلّ قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن
الجموح، ومنها: حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه قتل رجلاً يوم أحد فسَلّم له
رسول الله و سلبه أخرجه البيهقي، ومنها: حديث جابر أن عقيل بن أبي
طالب قتل يوم مؤتة رجلاً، فنفّله النبي ◌ُّ درعه، ثم كان ذلك مقرراً عند
الصحابة، كما روى مسلم من حديث عوف بن مالك في قصته مع خالد بن
الوليد، وإنكاره عليه أخذه السلب من المدديّ.
وكما روى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص أن
عبد الله بن جحش قال يوم أحد: تعال بنا ندعو. فدعا سعد اللّهم ارزقني
رجلاً شديداً بأسه، فأقاتله حتى أقتله وآخذ سلبه.
كما روى أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: كانت صفية في
حصن حسان بن ثابت يوم الخندق، فذكر الحديث في قصة قتلها اليهودي،
وقولها لحسان: انزِلْ فاسْلُبْه، فقال: ما لي بسلبه من حاجة، كما روى ابن
إسحاق في ((المغازي)) في قصة قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبدٍ وُدٍّ يوم
الخندق أيضاً، فقال له عمر: هلَّا استلبت درعه، فإنه ليس للعرب خير منها،
فقال: إنه اتقاني بسوأته، انتهى.
وما أجاب عنه الباجي إذ قال: وما قاله مالك من أنه لم يبلغه أن ذلك
كان إلا يوم حنين، فهو على ما قال، فإنه لا يثبت فيه شيء قبل يوم حنين،
وما روي من ذلك في يوم بدر، فمن طرق ضعيفة لا تصح، انتهى. ليس
بوجيه، فإن الرواية في إعطاء سلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو ثابتة في
الصحيحين وغيرهما، وكذلك الروايات كما تقدمت ثابتة في غيره، وأجاب عنه
الزرقاني(١) بأنه ليس في هذه المواطن كلها أنه قال: من قتل قتيلاً فله سلبه قبل
(١) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٢٥/٣).
٢٤٤
------ -

٢١ - كتاب الجهاد
(١٠) باب
(٩٦٦) حديث
يوم حنين، وإعطاؤه السلب في هذه المواطن، لأنه للإمام أن يجتهد فيه بما
شاء، انتهى .
قلت: وقد ثبت قوله 18و ذاك يوم بدر كما سيأتي بعض ما ورد في ذلك
قريباً .
ثم قال الزرقاني(١): وإنما قال: ذلك النبي وَلّ يوم حنين بعد انقضاء
القتال كما هو صريح حديث أبي قتادة، ولذا قال مالك في ((المدونة)): يكره أن
يقول الإمام ذلك قبل انقضاء القتال لئلا تضعف نيات المجاهدين، انتهى.
وتعقب بما في ((المحلى)) (٢) من أنه روى الدارمي وأبو داود عن أنس أنه اَل
قال يوم حنين: ((من قتل قتيلاً فله سلبه، فقتل أبو طلحة اليوم عشرين رجلاً
وأخذ أسلابهم)). ورواه ابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم، وظاهره
تعقيب القتل من القول، انتهى.
قلت: ويدل أيضاً عليه ما قال السيوطي في ((الدر))(٣): أخرج ابن أبي
شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ وابن
مردويه والحاكم، وصححه، والبيهقي في ((الدلائل)) عن ابن عباس قال: لما
كان يوم بدر قال النبي وَلّر: ((من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً فله
كذا وكذا))، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى
القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم، الحديث.
وأخرج عبد الرزاق في ((المصنف)) وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن
عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله وَل: ((من قتل قتيلاً فله كذا، ومن
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢٥/٣).
(٢) (٤٠٠/٥).
(٣) ((الدر المنثور)) (٨/٤).
٢٤٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١١) باب
(٩٦٧) حديث
(١١) باب ما جاء في إعطاء النفل من الخمس
٢٠/٩٦٧ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
....
جاء بأسير فله كذا))، فجاء أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بأسيرين، فقال: يا
رسول الله! إنك وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إنك إن
أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، الحديث بطوله نص في تقديم الوعد.
(١١) ما جاء في إعطاء النفل من الخمس
تقدم في ((جامع النفل)) أنهم بعدما اتفقوا على جواز تنفيل الإمام لمن شاء
أي يزيده على نصيبه لمصلحة، اختلفوا في محل التنفيل هل هو من أصل
الغنيمة أو من أربعة أخماسها أو خمسها أو خمس الخمس؟ وتقدم فيه البسط
في اختلاف الأئمة في ذلك، والجملة فيه أن محل التنفيل خمس الخمس في
الأصح من ثلاثة أقوال للإمام الشافعي، وخمس الغنيمة عند الإمام مالك،
وأربعة أخماسها عند الإمام أحمد إلا أن عند الشافعي وأحمد يستثنى من ذلك
السلب، فإنه من أصل الغنيمة عندهما بخلاف الإمام مالك والحنفية، فلا فرق
عندهما في السلب وغيره، إلا أن الحنفية فصلوا في محل النفل، فقالوا: إن
قيّده الإمام بما بعد الخمس، فقال مثلاً: من فعل كذا فله كذا بعد الخمس
يكون محله أربعة أخماس، وإن لم يقيده بذلك فمحله أصل الغنيمة، وهذا كله
قبل الإحراز بدار الإسلام.
وأما بعد الإحراز، فمحله الخمس لا غير ، وتقدمت نصوص الفروع
للأئمة الأربعة في ذلك في ((جامع النفل))، وإذا عرفت ذلك فمقصود الترجمة
بيان المستدل لمختار المصنف من أن محل التنفيل يكون خمس الغنيمة(١).
٢٠/٩٦٧ - (مالك عن أبي الزناد) بكسر الزاي وخفة النون عبد الله بن
(١) انظر في هذه المسألة: ((مغني المحتاج)) (٢٣٤/٤) ((وفتح القدير)) (٢٠٩/٤) و((بدائع
الصنائع)) (١٢١/٧) و((تبيين الحقائق)) (٢٥٨/٤).
٢٤٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١١) باب
(٩٦٧) حديث
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّب؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُعْطَوْنَ النَّفَلَ مِنَ
الْخُمُسِ .
قَالَ مَالِكٌ: وَذْلِكَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذُلِكَ .
ذكوان (عن سعيد بن المسيب، أنه قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس)
قال الحافظ: ظاهره اتفاق الصحابة على ذلك، قال ابن عبد البر: إن أراد
الإمام تفضيل بعض الجيش لمعنى فيه فذلك من الخمس، لا من رأس الغنيمة،
وإن انفردت قطعة فأراد أن يُنَفِّلَها مما غنمه دون سائر الجيش، فذلك من غير
الخمس بشرط أن لا يزيد على الثلث، انتهى.
وهذا الشرط قال به الجمهور، وقال الشافعي: لا يتحدد بل هو راجع
إلى رأي الإمام، كذا في ((الفتح))(١).
وقال السرخسي في ((شرح السير الكبير)): لا بأس بأن يعطي الإمام
الرجل المحتاج إذا أبلى من الخمس ما يعينه، لأنه مأمور بصرف الخمس إلى
المحتاجين، وهذا تأويل ما رواه سعيد بن المسيب أنه قال: كان النفل من
الخمس، يعني النفل بعد الإصابة للمحتاجين، كأن يكون من الخمس في عهد
وعليّةٍ ، انتهى.
رسول الله مَلي
(قال مالك: ذلك أحسن ما سمعت إليَّ في ذلك) قال الباجي(٢): هذا
يقتضي أنه أحب إليه من قول من قال: من غير الخمس، وليس معنى هذا
القول أن القول الآخر عنده صحيح، وأنه مما يحبه، ولهذا عليه مزية، وإنما
معناه أن هذا أولى بأن يؤخذ به، كما يقال إقامة الحقوق أولى من تضييعها،
انتھی .
قال: واستدل من قال بغير ذلك بما في أبي داود وغيره: ((كان النبي
صَلى الله
وسم
(١) ((فتح الباري)) (٢٤١/٦).
(٢) ((المنتقى)) (١٩٥/٣).
٢٤٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١١) باب
(٩٦٧) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌّ عَنِ النَّفَل، هَلْ يَكُونُ فِي أَوَّلِ مَغْنَم؟ قَالَ: ذُلِكَ
عَلَى وَجْهِ الإِجْتِهَادِ مِنَ الإِمَامِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَمْرٌ مَعْرُوفٌ
مَوْقُوفٌ،
يُنَفّلُ الثلث بعد الخمس))، قال الخطابي: يُشْبه أن يكون الأمران جائزين، كذا
في ((المحلي))، وفي ((الفتح)) قال الخطابي: أكثر ما روي في الأخبار يدل على
أن النفل من أصل الغنيمة، انتهى.
قلت: وقد أخرج أبو داود برواية أبي الجويرية عن معن بن يزيد مرفوعاً
((لا نفل إلا بعد الخمس))، وأخرج هو والشيخان وغيرهم عن ابن عمر
- رضي الله عنهما ـ ((أن رسول الله وَّلو كان ينفل بعض من يبعث في السرايا
لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، والخمس واجب في ذلك كله))، وعن
عوف وخالد ((أن النبي ◌َّر لم يخمس السلب))، رواه أحمد وأبو داود، وقال
الشوكاني(١): رواه أيضاً ابن حبان والطبراني.
و(سئل) ببناء المجهول (مالك) - رضي الله عنه - (عن النفل هل يكون)
أي يجوز (في أول مغنم؟) أيضاً، كما قال به الجمهور، أو لا يجوز منه، كما
قاله الأوزاعي، ولما كان في المسألة خلاف في السلف سُئل عنه الإمام مالك،
قال الحافظ: قال الأوزاعي: لا يُنَفِّلُ من أول الغنيمة، ولا ينفل ذهباً ولا
فضة، وخالفه الجمهور، انتهى.
(قال) مالك (ذلك) أي تجويز النفل موقوف (على وجه الاجتهاد من
الإمام) أي السلطان وأمير الجيش (وليس عندنا) في المدينة المنورة (في ذلك
أمر معروف موقوت) اختلفت النسخ في هذا اللفظ، ففي ((الزرقاني)): موقوت(٢)
بالمفعول من المجرّد، وفي ((المحلي)) موقت من التوقيت، وفي النسخ
(١) ((نيل الأوطار)) (١٨/٥)، ح (٣٣٥٠).
(٢) هكذا في الأصل، ولكن في ((شرح الزرقاني)) (٢٦/٣) موثوق.
٢٤٨

٢١ - كتاب الجهاد
(١١) باب
(٩٦٧) حديث
إِلَّا اجْتِهَادُ السُّلْطَانِ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ نَفَّلَ فِي مَغَازِبهِ
كُلِّهَا. وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ نَفَّلَ فِي بَعْضِهَا يَوْمَ حُنَيْنِ،
المصرية: موثوق بالمثلثة، ومعناه قريب من الأول، وفي النسخ الهندية
موقوف (١) بالفاء في آخره وهو بعيد، قال الزرقاني: بيان لمعروف، انتهى. أي
لا توقيت في ذلك عندنا بل موكول إلى رأي الأمير كيفما يرى، ينفل من أول
المغنم أولا، (إلاّ اجتهاد السلطان) وفي حكمه أمير الجيش.
قال الباجي(٢): يريد أنه على وجه الاجتهاد من الإمام في مصالح
المسلمين وما يعود لمنافعهم، وليس فيه حَدٌّ معروف موقت يلزم المصير إليه
على كل حال، لأن ما كان مصروفاً إلى اجتهاد الإمام يفعله إذا رأى ذلك،
ويتركه إذا تركه، وما حُدَّ بالشرع ليس له النظر فيه، انتهى. (ولم يبلغني أن
رسول الله ( نفل) بصيغة الماضي من التنفيل (في مغازيه كلها).
قال الباجي: يقتضي نفي ذلك من وجهين، أحدهما: أن يروى عن أحد
من الثقات أنه نفّل في مغازيه، والثاني: أن يروى عن ثقة أنه نفّل يوم أحد
ويوم كذا، حتى يستوعب ذلك مغازيه، وهذا اللفظ يقتضي نفي الوجهين.
(وقد بلغني أنه) ◌َّ (نفل في بعضها) ومن جملته (يوم حنين) أو هو يوم
حنين، قال الباجي(٣): وإنما أثبت أنه بلغه أن النبي ◌َليّ نفل في بعضها وهو
يوم حنين، وإنما أراد أن يثبت أن ذلك أمر غير لازم بالشرع، وإنما هو بحسب
ما يراه الإمام، ويأذن فيه في بعض المواطن دون بعض، ولو كان الأمر لازماً
في كل غزوة لحكم به النبي ◌َّر في سائر مغازيه، كما حكم به يوم حنين، ولما
ثبت أنه حكم به في بعض المواطن، ولم يبلغنا أنه حكم به في غيرها، ولو
(١) وفي ((الاستذكار)) (١٤ /١٦٦) أيضاً موقوف.
(٢) ((المنتقى)) (١٩٥/٣).
(٣) ((المنتقى)) (١٩٥/٣).
٢٤٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
وَإِنَّمَا ذُلِكَ عَلَى وَجْهِ الإِجْتِهَادِ مِنَ الإِمَامِ، فِي أَوَّلِ مَغْنَم وَفِيمَا
٦٥٠٪
بَعْدَهُ .
(١٢) القسم للخيل في الغزو
حكم به لبلغنا كما بلغ حكمه بذلك يوم حنين، ثبت أنه إنما يحكم به في بعض
المواطن، لما كان يرى فيه من المصلحة في ذلك اليوم، ولا يحكم به في
غيره، انتهى .
(وإنما ذلك) كرر الجواب إجمالاً (على وجه الاجتهاد من الإمام في أول
مغنم وفيما بعده) من المغانم، خلافاً للأوزاعي إذ قال: لا يكون من أول
الغنيمة، كما تقدم قريباً .
(١٢) القسم للخيل في الغزو
القسم بفتح القاف وسكون السين المهملة مصدر، قال الراغب(١):
القسم: إفراز النصيب، يقال: قسمت كذا قسماً وقسمة، وقسمة الميراث
والغنيمة: تفريقهما على أربابهما، انتهى. والمعنى، كيف يقسم للخيل هل له
سهم واحد أو أكثر؟ وهل يقسم لفرس واحد فقط أو للأكثر أيضاً؟ وذلك أن
الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم بعدما اتفقوا على أن للراجل في الغنيمة
سهماً واحداً، اختلفوا في الفارس هل له سهمان فقط، سهم للفارس وسهم
لفرسه أو ثلاثة أسهم، سهم للفارس وسهمان لفرسه.
قال الشيخ في ((البذل)) (٢): اختلف العلماء في بيان مقدار الاستحقاق
للمقاتل، فهو إما أن يكون راجلاً، وإما أن يكون فارساً، فإن كان راجلاً فله
سهم واحد بالاتفاق، وإن كان فارساً فله ولفرسه سهمان عند أبي حنيفة وزفر،
(١) ((مفردات القرآن)) (ص٦٧١).
(٢) ((بذل المجهود)) (٣٣٣/١٢ - ٣٣٤).
٢٥٠
٠٠

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
وعند أبي يوسف ومحمد له ثلاثة أسهم، سهمٌ له وسهمان لفرسه، وهو قول
الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق. وبه قال ابن عباس ومجاهد والحسن وابن
سيرين وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي والثوري وأبو عبيد وآخرون، انتهى.
وفي ((التوضيح)): خالف أبو حنيفة عامة الفقهاء قديماً وحديثاً، وقال: لا
يسهم للفارس، إلا سهم واحد، وقال: أكره أن أفضِّل بهيمة على مسلم،
وخالفه أصحابه، فبقي وحده، وقال ابن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك دون
فقهاء الأمصار.
قال العيني(١): لم ينفرد بذلك، بل جاء مثل ذلك عن عمر وعلي وأبي
موسى - رضي الله عنهم -.
وفي ((الفتح) (٢): قال محمد بن سحنون: انفرد أبو حنيفة بذلك وقال:
أكره أن أفضل بهيمة على مسلم، وهي شبهة ضعيفة؛ لأن السهام في الحقيقة
كلها للرجل، قال الحافظ: لو لم يثبت الخبر لكانت الشبهة قوية؛ لأن المراد
المفاضلة بين الراجل والفارس، فلولا الفرس ما ازداد الفارس سهمين.
وتُعقّبَ بأن الأصل عدم المساواة بين البهيمة والإنسان، فلما خرج هذا
عن الأصل بالمساواة فلتكن المفاضلة أيضاً كذلك، ولم ينفرد أبو حنيفة بما
قال فقد جاء عن عمر وعلي وأبي موسى، لكن الثابت عن عمر وعلي
کالجمهور، انتهى .
وقال الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣): روي مثل قول أبي حنيفة عن
المنذر بن أبي حمصة عامل عمر - رضي الله عنه - أنه جعل للفارس سهمين
وللراجل سهماً، فَرَضِيَه عمر، ومثله عن الحسن البصري، وروى شريك عن
(١) ((عمدة القاري)) (١٨٤/١٠).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٨/٦).
(٣) (٥٨/٣).
٢٥١

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
٢١/٩٦٨ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِى أَنَّ
عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ، وَلِلِرَّجُلِ سَهْمٌ.
رواه نافع عن ابن عمر.
أخرجه البخاريّ في: ٥٦ - كتاب الجهاد والسير، ٥١ - باب سهام الفرس.
ومسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير، ١٧ - باب قسمة الغنائم بين
الحاضرين، حديث ٥٧.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ ذُلِكَ.
أبي إسحاق قال: قدم قثم بن العباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد
غنموا، فقال: أجعل جائزتك أن أضرب لك بألف سهم، فقال: اضرب لي
بسهم ولفرسي بسهم، انتهى.
وما أوردوا على أبي حنيفة - رضي الله عنه - في قوله: ((أكره أن أفضل
بهيمة)) وقالوا: هذه شبهة ضعيفة، رد عليه الشيخ في ((البذل))(١) مفصلاً، وقال:
لم يدركوا مدرك قول أبي حنيفة ولا وجه استدلاله، وفي ((شرح السير الكبير)):
بقول أبي حنيفة قال أهل العراق من أهل الكوفة والبصرة، وبقولهما أي
صاحبيه قال أهل الحجاز وأهل الشام، والآثار جاءت صحيحة مشهورة لكل
قولٍ، وروي الأخبار بالأسانيد في الكتاب، فالحاجة إلى التوثيق والترجيح لكل
واحد من الفريقين، ثم بيَّن وجوه الترجيح للفريقين.
٢١/٩٦٨ - (مالك، قال: بلغني أن عمر بن عبد العزيز) - رضي الله عنه -
(كان يقول: للفرس سهمان وللرجل سهم) فيكون على هذا للفارس ثلاثة أسهم
وللرجل سهم واحد (قال مالك: ولم أزل أسمع ذلك) وقد ورد ذلك مرفوعاً في
عدة روايات صحاح ثابتة، ففي ((البخاري)) (٢) من حديث ابن عمر - رضي الله
(١) انظر: ((بذل المجهود)) (٣٣٦/١٢).
(٢) ((صحيح البخاري)) كتاب الجهاد (٢٨٦٣) فتح الباري (٦/ ٦٧).
٢٥٢

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
عنهما -: ((أن رسول الله وَ يّ جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهماً)). وفي لفظ ((قسم
يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهماً»، ولأبي داود: ((أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة
أسهم))، ولابن ماجه: ((أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان
وللراجل سهم))، ولأبي داود من حديث ابن أبي عمرة عن أبيه: ((أتينا رسول الله وَليه
أربعة نفر ومعنا فرس فأعطى كل إنسان منا سهماً وأعطى الفرس سهمين)).
وللطبراني والدارقطني عن أبي رُهم: ((شهدت أنا وأخي جبير، ومعنا
فرسان فقسم لنا ستة أسهم))، ولهما عن أبي كبشة رفعهُ: ((أني جعلت للفرس
سهمين وللفارس سهماً، فمن نقصهما نقصه الله تعالى))، قال ابن الهمام(١):
هذا لا يصح؛ لأنه من رواية محمد بن عمران القيسي، وأكثر الناس على
تضعيفه وتوهينه، انتهى. والعجب من سكوت الحافظ عليه.
وللبزار والدارقطني عن المقداد: ((أن النبي ◌ُّ أعطى للفرس سهمين
ولصاحبه سهماً))، ولإسحاق عن ابن عباس: ((أن النبي صل﴾ أسهم للفارس ثلاثة
أسهم، سهمان لفرسه وسهماً لصاحبه))، أخرجه من طريقين في كل منهما
ضعف، ولأحمد من طريق المنذر بن الزبير عن أبيه: ((أن النبي ◌َّ أعطى
الزبير سهماً وفرسه سهمين))، وأخرجه الدارقطني من طرق فيها مقال،
وللدارقطني عن جابر: ((شهدت مع رسول الله وسلّ غزاة فأعطى للفارس ثلاثة
أسهم وللراجل سهماً))، وله عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أسهم
رسول الله ( للفرس سهمين ولصحابه سهماً))، وله عن محمد بن يحيى بن
سهل بن أبي حثمة عن أبيه عن جده نحوه، قاله الحافظ في ((الدراية)).
وفي ((نصب الراية))(٢): روى البيهقي في ((دلائل النبوة)) في ((باب غزوة
(١) ((فتح القدير)) (٢٣٧/٥).
(٢) انظر: ((نصب الراية)) (٤١٤/٣).
٢٥٣

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
قريظة)) بسنده عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم قال: لم تقع القسمة ولا السهم إلا في غزوة بني قريظة، كانت
الخيل يومئذ ستة وثلاثين فرساً، ففيها أعلم رسول الله سهمان الخيل وسهمان
الرجال، فعلى سنتها جرت المقاسم، فجعل رسول الله 1843 يومئذ للفارس
وفرسه ثلاثة أسهم، له سهم ولفرسه سهمان وللراجل سهما، قال البيهقي: هذا
هو الصحيح المعروف بين أهل المغازي، انتهى.
قال العيني(١): واحتج لأبي حنيفة في ذلك بما رواه الطبراني في
(معجمه)) بسنده إلى المقداد بن عمرو، أنه كان يوم بدر على فرس يقال له:
سبحة، فأسهم له النبي ◌ُّ سهمين، لفرسه سهم واحد وله سهم، قال الحافظ
في ((الدراية)): في سنده سليمان بن داود الشاذكوني عن الواقدي، انتهى.
وبما رواه الواقدي أيضاً في ((المغازي)) بسنده إلى الزبير بن العوام قال:
شهدت بني قريظة فارساً فضرب لي بسهم ولفرسي بسهم، وبما رواه ابن مردويه
في (تفسيره)) في سورة الأنفال من حديث عروة عن عائشة قالت: أصاب
رسول الله ◌َ﴾ سبايا بني المصطلق، فأخرج الخمس منها، ثم قسم بين
المسلمين، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهماً، وبما رواه ابن أبي شيبة
حدثنا أبو أسامة وابن نمير قالا: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر
- رضي الله عنهما -: أن رسول الله وَ لّ جعل للفارس سهمين وللراجل سهماً،
وبما رواه الدارقطني في أول كتابه ((المؤتلف والمختلف)) من حديث
عبد الرحمن بن أمين عن ابن عمر: أن النبي ◌ُّ كان يقسم للفارس سهمين
وللراجل سهماً، انتهى مختصراً، ذكر العيني أسانيدها مفصلاً حذفتها
للاختصار.
(١) ((عمدة القاري)) (١٠/ ١٨٣).
٢٥٤
-*

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
ثم قال العيني: فإن قلت: الواقدي فيه مقال، قلتُ: ما الواقدي؟ فقد
قال إبراهيم الحربي: سمعت مصعباً الزبيري، وسئل عن الواقدي، فقال: ثقة
مأمون، وكذا قال المسيبي حين سئل عنه، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام:
الواقدي ثقة، وعن الداوودي قال: الواقدي أمير المؤمنين في الحديث، ولئن
سلمنا أن فيه مقالاً ففي أكثر أحاديث هؤلاء أيضاً مقال، فحديث(١) أبي داود
الذي رواه عن أحمد فيه المسعودي فيه مقال، وحديث أبي رهم فيه قيس بن
الربيع ضعفه بعض الأئمة، وأبو رهم مختلف في صحبته، وحديث أبي كبشة
الأنماري فيه محمد بن عمران العبسي، قال النسائي: ليس بالقوي، وفيه
عبد الله بن بشر. قال النسائي: ليس بثقة، وقال القطان: لا شيء، وقال أبو
حاتم والدارقطني: ضعيف، وحديث مقداد فيه موسى بن يعقوب عن عمته
قريبة، فيه لين، تفرد به عنها، انتهى.
ويستدل لذلك أيضاً بما رواه أبو داود(٢) وأحمد من حديث مجمع بن
جارية، وكان أحد القراء قال: قسمت خيبر على أهل الحديبية، قسمها
رسول الله ◌َ على ثمانية عشر سهماً، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة فيهم
ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين والراجل سهماً، وما قال أبو داود:
وأرى الوهم في حديث مجمع، قال: ثلاثمائة فارس وكانوا مائتي فارس ليس
بوجيه؛ لأنهم لو كانوا مائتين بلغت الأنصباء إلى تسعة عشر سهماً، والمرجح
أنهم كلهم كانوا ألفاً وخمسمائة، كما ذكره الشيخ في ((البذل))(٣).
وأيضاً أخرج حديث المجمع الحاكم (٤)، وقال: حديث كبير صحيح
(١) المراد منه ما تقدم في كلام الحافظ من حديث ابن أبي عمرة، اهـ، (ش)).
(٢) أخرجه أبو داود في (السنن)) (٢٧٣٦).
(٣) ((بذل المجهود)) (٣٤١/١٢).
(٤) ((المستدرك)) (١٣١/٢).
٢٥٥

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
الإسناد، وأقره عليه الذهبي، وقال ابن الهمام في حديث جابر المذكور في
كلام الحافظ: هذا ظاهر في أنه ليس أمره المستمر، وإلّا لقال: كان عليه
الصلاة والسلام أو قضى عليه الصلاة والسلام ونحوه، فلما قال: غزاة. وقد
علم أنه شهد مع النبي ◌ّ غزوات، ثم خص هذا الفعل بغزاة منها كان ظاهراً
في أن غيرها لم يكن كذلك، انتهى.
وأجاب الحنفية عن الروايات المتقدمة التي وقع فيها للفارس ثلاثة أسهم
على التنفيل، فإن للإمام أن ينفل بعض الغانمين، وليس له أن ينقص من
حقهم، فلا محمل للروايات التي استدل بها لأبي حنيفة غير أن هذا سهم
الفارس المقرر، وحمل الروايات السابقة على التنفيل حمل صحيح لا غبار
فيه، وقد ثبت أن رسول الله جمع لسلمة بن الأكوع سهم الراجل وسهم الفارس
معاً، وكان راجلاً، وروى الدارقطني من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي
عمرة عن أبيه عن جده قال: ((أسهم رسول الله وَّلل لفرسي أربعة أسهم ولي
سهماً، فأخذت خمسة أسهم)).
وروى عبد الرزاق من طريق مكحول، أن الزبير قد حضر خيبر بفرسین،
فأعطاه النبي وَلّ خمس أسهم، وروى الدارقطني من حديث هشام بن عروة عن
أبيه عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: ((أعطاني النبي ◌َُّ﴾ يوم بدر أربعة:
أسهم، سهمين لفرسي وسهماً لي وسهماً لأمي))، وغير ذلك من الروايات التي
لا محمل لها إلا التنفيل.
وقد أخرج الجصاص في ((أحكام القرآن))(١) برواية الثوري عن عبيد الله
عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله و للر جعل للفارس سهمين، وبرواية أبي
أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رفعه: ((للفارس ثلاثة أسهم)).
(١) (٥٨/٣).
٢٥٦

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
ثم قال: اختلف حديث عبيد الله بن عمر في ذلك، وجائز أن يكونا
صحيحين بأن يكون أعطاه بدياً سهمين وهو المستحق، ثم أعطاه في غنيمة
أخرى ثلاثة أسهم، وكان السهم الزائدة على وجه النفل، ومعلوم أن النبي وقل
لا يمنع المستحق، وجائز أن يتبرع بما ليس بمستحق على وجه النفل، كما
تقدم في حديث ابن عمر في السرية، قال: فبلغت سهماننا اثني عشر بعيراً
ونفلنا بعيراً بعيراً، ثم ذكر حديث المجمع المذكور، ثم قال: وروى ابن
الفضيل عن الحجاج عن أبي صالح عن ابن عباس قال: ((قسم رسول الله وكل
يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً))، وهذا خلاف رواية مجمع، وقد
يمكن الجمع بينهما بأن يكون قسم لبعض الفرسان سهمين وهو المستحق،
وقسم لبعضهم ثلاثة، وكان السهم الزائد نفلاً.
كما روى سلمة بن الأكوع، أن النبي 18 أعطاه في غزوة ذي قرد
سهمين، سهم الفارس والراجل، وكما روي أنه أعطى الزبير يومئذٍ أربعة
أسهم، وروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن يحيى بن عباد بن
عبد الله بن الزبير، أن الزبير كان يضرب له في المغنم بأربعة أسهم، وهذه
الزيادة كانت على وجه النفل، فإن قيل: لما اختلف الأخبار كان خبر الزائد
أولى، قيل له: هذا إذا ثبتت الزيادة كانت على وجه الاستحقاق، فأما إذا
احتمل أن تكون على وجه النفل، فلم تستحق هذه الزيادة مستحقة، انتهى.
وقال السيوطي في ((الدر)) (١): أخرج عبد الرزاق في ((المصنف))(٢) عن
مكحول قال: ((قسم رسول الله { 14 يوم بدر للفارس سهمين وللراجل سهم))،
وأخرج أيضاً عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله وَّيقول جعل
للفارس سهمين وللراجل سهماً، انتهى.
(١) ((الدر المنثور)) (٦٤/٤).
(٢) ((المصنف)) (١٨٥/٥).
٢٥٧

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
وَسُئِلَ مَالِكٌ، عَنْ رَجُلِ يَحْضُرُ بِأَقْرَاسِ كَثِيرَةٍ، فَهَلْ يُقْسَمُ لَهَا
كُلِّهَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ بِذْلِكَ، وَلَا أَرَى أَنْ يُقْسَمَ إِلَّا لِفَرَسِ وَاحِدٍ،
الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ.
(وسئل) ببناء المجهول (مالك عن رجل حضر) الجهاد بصيغة الماضي في
النسخ الهندية، ويحضر بلفظ المضارع في المصرية (بأفراس كثيرة) أي زائدة
عن الواحد (فهل يقسم لها كلها؟ فقال) مالك: (لم أسمع بذلك) أي بأن يقسم
لأكثر من واحد (ولا أرى أن يقسم إلا لفرس واحد الذي يقاتل عليه) وذلك لأنه
إنما يسهم لفرس يركبه فارس، وأما فرس لا يركبه فلا منفعة فيه، وهذا الفارس
إذا كانت عنده عدة أفراس، فإنه لا يمكن أن يقاتل على اثنين منهما في وقت
واحد، ولا يكون فارس فرسين في وقت واحد، فوجب أن لا يسهم إلا لفرس
واحد، كذا في ((المنتقى))(١).
قال الحافظ(٢): هو قول الجمهور، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي
ومحمد وأهل الظاهر، وقال الليث والأوزاعي والثوري وأبو يوسف وأحمد
وإسحاق: يسهم لفرسين لا لأكثر، وهو قول ابن وهب وابن الجهم من
المالكية، وقال ابن أبي عاصم: هو قول الحسن ومكحول وسعيد بن عثمان،
وفي ذلك حديث أخرجه الدراقطني بإسناد ضعيف عن أبي عمرة قال: أسهم لي
رسول الله ﴾ لفرسي أربعة أسهم ولي سهماً، فأخذت خمسة أسهم، قال
القرطبي: ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين، إلا ما روي عن سليمان بن
موسى الأشدق، أنه يسهم لكل فرس سهمان بالغاً ما بلغت ولصاحبه سهماً غير
سهمي الفرس، انتهى. كذا في ((الفتح)) و((العيني)).
قال الموفق(٣): إذا كان مع الرجل خيل، أُسْهِم لفرسين أربعة أسهم،
(١) (١٩٦/٣).
(٢) ((فتح الباري)) (٦٨/٦)، و((عمدة القاري)) (١٨٥/١٠).
(٣) ((المغني)) (١٣ /٨٩).
٢٥٨
---
-. .

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
ولصاحبهما سهم، ولم يزد على ذلك. وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي: لا
يسهم لأكثر من فرس واحد؛ لأنه لا يمكن أن يقاتل على أكثر منها، فلم يسهم
لما زاد عليها، كالزائد عن الفرسين.
ولنا، ما روى الأوزاعي، أن رسول الله وَ ل# كان يسهم للخيل، وكان لا
يسهم للرجل فوق فرسين، وإن كان معه عشرة أفراس، وعن أزهر بن عبد الله،
أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح، أن يسهم للفرس سهمين
وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبها سهم، فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق
الفرسين فهي جنائب، رواهما سعيد في ((سننه))، ولأن به إلى الثاني حاجة، فإن
إدامة ركوب واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه، فيسهم له كالأول، بخلاف
الثالث، فإنّه مستغنٍ عنه، انتهى.
وترجم البيهقي في ((سننه))(١) (باب لا يسهم إلا لفرس واحد))، وحكى فيه
عن الشافعي قال: حدث مكحول عن النبي ◌َّ مرسلاً، أن الزبير حضر خيبر
بفرسين، فأعطاه النبي وَل خمسة أسهم، سهماً له وأربعة أسهم لفرسه، قال:
ولو كان كما حدث مكحول أن الزبير حضر خيبر بفرسين، وأخذ خمسة أسهم،
كان ولده أعرف بحديثه وأحرص على ما فيه زيادته من غيرهم، وقد ذكر
عبد الوهاب الخفاف عن العمري عن أخيه، ((أن الزبير وافى بأفراس يوم خيبر
فلم يسهم له إلا لفرس واحد))، انتهى.
وقال في موضع آخر: لكنا ذهبنا إلى أهل المغازي، فقلنا: إنهم لم يرووا
أنه وَلير أسهم لفرسين، ولم يختلفوا أنه وَل حضر خيبر بثلاثة أفراس لنفسه
السلب والضرب والمرتجز، ولم يأخذ منها إلا لفرس واحد.
قال الجصاص(٢): الذي يدل على صحة قول الجمهور أنه معلوم أن
(١) ((السنن الكبرى)) (٣٢٤/٦).
(٢) («أحكام القرآن)) (٦٠/٣).
٢٥٩

٢١ - كتاب الجهاد
(١٢) باب
(٩٦٨) حديث
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى الْبَرَاذِينَ وَالْهُجُنَ
الجيش قد كانوا يغزون بعدما ظهر الإسلام بفتح خيبر ومكة وحنين وغيرها من
المغازي، ولم يكن يخلو الجماعة منهم من أن يكون معه فرسان أو أكثر، ولم
ينقل أن النبي ولو ضرب لأكثر من واحد، انتهى.
(قال مالك: لا أرى البراذين) بفتح الموحدة جمع برذون بكسر الموحد
وسكون الراء وفتح الذال المعجمة، والمراد الجفاة الخلفة من الخيل، وأكثر ما
تجلب من بلاد الروم، ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر،
بخلاف الخيل العربية، كذا في ((الفتح)) (١)، وحكى العيني عن ((المغرب)):
البرذون: التركي من الخيل، وخلافها العراب، والأنثى برذونة، وقال ابن
فارس: اشتقاق البرذون من برذن الرجل برذنة إذا ثقل، انتهى.
وفي ((المنتقى)) (٢): قال ابن حبيب: البراذين هي العظام يريد الجافية
الخلقة الغليظة الأعضاء، وليست الأعراب كذلك، فإنها أضمر وأرق أعضاء
وأحلى خلقة، انتهى. وفي ((الدر المختار)): البراذين: خيل العجم.
(والهجن) بضم الهاء والجيم جمع هجين كبرد وبريد، وهو ما يكون أحد
أبويه عربياً والآخر غير عربي، وقيل: الهجين الذي أبوه فقط عربي. وأما الذي
أمه فقط عربية فيسمى المقرف، وعن أحمد: الهجين البرذون، ويحتمل أن
يكون أراد في الحكم، كذا في ((الفتح)).
زاد العيني (٣) ويقال: الهجين والبراذين خيل الروم والفرس، انتهى. وفي
(الدر المختار)) عن ((القاموس)): الهجين الذي أبوه عربي، وأمه عجمية،
والمقرف عكسه، انتهى. وهكذا في ((شرح السير)).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٦٧/٦).
(٢) (١٩٧/٣).
(٣) ((عمدة القاري)) (١٠/ ١٨٤).
٢٦٠
----