Indexed OCR Text
Pages 181-200
٢١ - كتاب الجهاد (٩) باب (٩٦٤) حديث إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَعْطَى فِيهِ شَيْئاً مُكَافَأَةً فَهُوَ دَيْنٌ عَلَى الْحُرِّ، بِمَنْزِلَةِ مَا أَشْتُرِيَ بِهِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ، فَإِنَّ سَيِّدَهُ الأَوَّلَ مُخَيَّرٌ فِيهِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيَدْفَعَ إِلَى الَّذِي أَشْتَرَاهُ ثَمَنَهُ، فَذْلِكَ لَهُ. وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُسْلِمَهُ أَسْلَمَهُ، وَإِنْ كَانَ وُهِبَ لَهُ فَسَيِّدُهُ الأَوَّلُ أَحَقُّ بِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَعْطَى فِيهِ شَيْئاً مُكَافَأَةً، فَيَكُونُ مَا أَعْطَى فِيهِ غُرْماً عَلَى سَيِّدِهِ إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَدِيَهُ. للموهوب له (إلا أن يكون الرجل) أي الموهوب له (أعطى فيه) أي في الأسير الموهوب (شيئاً مكافأة) على الهبة (فهو) أي ما أعطى مكافأة (دين على الحر) الأسير الموهوب (بمنزلة ما اشترى به) أي كما كانت القيمة في صورة الشراء ديناً عليه، كذلك ثواب الهبة دین علیه. (وأما العبد) المأسور عندهم إذا اشتراه الداخل عليهم (فإن سيده الأول يخير فيه) ببناء المجهول من المضارع، وفي بعض النسخ: مخير ببناء المفعول، وتفسير التخيير أنه (إن شاء أن يأخذه ويدفع إلى الذي اشتراه ثمنه فذلك) جائز (له، وإن أحب أن يسلمه) أي يتركه إلى الذي اشتراه (أسلمه) إليه. (وإن كان) ذلك العبد الأسير (وهب) ببناء المجهول (له) أي للداخل (فسيده الأول أحق به، ولا شيء عليه) أي على السيد الأول (إلا أن يكون الرجل) الموهوب له (أعطى فيه) أي في العبد الأسير (شيئاً) لأهل الحرب (مكافأة) لهم (فيكون ما أعطى فيه غرماً) بضم الغين المعجمة وسكون الراء المهملة، هو ما يلزم أداؤه، كما في ((مختار الصحاح)) (على سيده) أي يجب عليه أداؤه (إن أحب أن يفتديه) وإن أحب تركه فله ذلك، وبهذا التفصيل قال الإمام أحمد، وكذلك الحنفية أيضاً في العبد، إلا أن عندهم تجب القيمة في صورة الهبة أيضاً، وفي الحر تفصيل، يأتي ذكره. قال الموفق(١): إن أخذه أي ما استولى عليه الكفار أحد الرعية بهبة أو (١) ((المغني)) (١٣ /١١٩). ١٨١ ٢١ - كتاب الجهاد (٩) باب (٩٦٤) حديث سرقة أو بغير شيء، فصاحبه أحق به بغير شيء، وقال أبو حنيفة: لا يأخذه إلا بالقيمة، كأنه صار ملكاً لواحد بعينه، فأشبه ما لو قسم. ولنا: حديث الناقة العضباء المتقدم ذكره، ولأنه لم يحصل في يده بعوض، فكان صاحبه أحق به، كما لو أدركه في الغنيمة قبل قسمه، وأما إن اشتراه رجل من العدو، فليس لصاحبه أخذه إلا بالثمن، لما روى سعيد حدثنا عثمان بن مطر الشيباني نا أبو حريز عن الشعبي قال: أغار أهل ماه (١) وأهل جلولاء(٢) على العرب، فأصابوا سبايا من سبايا العرب، ورقيقاً ومتاعاً، ثم إن السائب بن الأقرع عامل عمر - رضي الله عنه - غزاهم، ففتح ماة، فكتب إلى عمر - رضي الله عنه - في سبايا المسلمين، ورقيقهم ومتاعهم، قد اشتراه التجار من أهل ماه، فكتب إليه عمر - رضي الله عنه -: أن المسلم أخو المسلمين، لا يخونه، ولا يخذله، فأيّما رجل من المسلمين أصاب رقيقه ومتاعه بعينه، فهو أحق به، وإن أصابه في أيدي التجار بعد ما اقتسم فلا سبیل إلیه. وأيُّما حر اشتراه التجار، فإنه يرد عليهم رؤس أموالهم، فإن الحر لا يُبَاعُ ولا يُشْتَرى، وقال القاضي: ما حصل في يده بِهَبةٍ أو سَرِقَةٍ أو شِراءٍ، فهو كما لو وجده صاحبه بعد القسمة، هل يكون صاحبه أحقَّ به بالقيمة؟ على روايتين، والأولى ما ذكرنا، انتهى. وفي ((الهداية))(٣): إن دخل دار الحرب تاجر فاشترى ذلك، أي الذي استولى عليه الحربي، وأخرجه إلى دار الإسلام، فمالكه الأول بالخيار، إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه به، وإن شاء تركه؛ لأنه يتضرر بالأخذ مجاناً، (١) ماه: هي ماه دينار، مدينة نهاوند ((معجم البلدان)) (٤٠٦/٤). (٢) جلولاء: ناحية من نواحي السواد في طريق خراسان ((معجم البلدان)) (١٠٧/٣). (٣) (٣٩٣/١). ١٨٢ ۔۔- ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب (١٠) باب ما جاء في السلب في النفل ألا ترى أنه قد وقع العوض بمقابلة، فكان اعتدال النظر فيما قلنا، ولو وهبوه لمسلم، يأخذه بقيمته؛ لأنه ثبت له ملك خاص، فلا يزال إلّا بالقيمة، انتهى. وهذا كله في العبد، أما في الحرِّ ومن في معناه، فقد قال ابن الهمام(١) تحت قول صاحب ((الهداية)): لا يملك علينا أهل الحرب مدبرينا ولا أمهات أولادنا ولا مكاتبينا ولا أحرارنا، فقال: ويتفرع على عدم ملكهم هؤلاء، أنهم لو أسروا أم ولد لمسلم أو مدبراً، أو مكاتباً، ثم ظهر على دارهم أخذه مالكه بعد القسمة بغير شيء، ويعوض الإمام من وقع في قسمته من بيت المال قيمته، ولو اشترى تاجر ذلك منهم، أخذه منه بغیر ثمن ولا عوض، انتهى. فعلم منه أن في صورة شراء الحر لا يجب الثمن ولا العوض عندنا، وفي ((شرح السير الكبير)): وذكر عن إبراهيم في المسلم يشتري من أهل الحرب الحر المسلم قال: ثمنه يكون ديناً على الحر، وإنما أراد به إذا اشتراه بأمره؛ لأن الحر لا يسترق فلم يكن هذا العقد شراء في الحقيقة، وإنما كان قد أفدى به المسلم، فإن كان بغير أمره فهو متطوع فيما أدى، وإن كان بأمره فهو دين له عليه؛ لأنه كالمستقرض منه حين أمره بأن يؤدي فداءه، ألا ترى أنه لو أمره بأن يقضي عنه ديناً، كان له أن يرجع به عليه، ولو قضى الدين بغير أمره، لم يرجع عليه، انتهى. (١٠) ما جاء في السلب في النفل يعني ما جاء في أحكام السلب في جملة أحكام النفل، فإن السلب أيضاً من النفل، لا سيما عند المصنف، والسلب: بفتحتين، مصدر بمعنى المسلوب، قال المجد: سلبه سلْباً وسلَباً: اختلسه كاستلبه، والسلب بالتحريك ما يسلب، انتهى. وقال الحافظ: بفتح المهملة واللام بعدها موحدة، ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، انتهى. (١) ((فتح القدير)) (٢٦١/٥). ١٨٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب واختلفوا في أحكام السلب في فروع كثيرة، تدور عليها الأحاديث، فلنقدم أولاً تحقيق المذاهب كدأبنا في هذا الوجيز، ففي ((البذل)) (1) عن (البداية)): هل يجب سلب المقتول للقاتل أو ليس يجب، إلا أن ينفله الإمام؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال مالك: لا يستحق القاتل سلب المقتول، إلا أن ينفله الإمام على جهة الاجتهاد، وذلك بعد الحرب، وبه قال أبو حنيفة والثوري، وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة من السلف: هو واجب للقاتل، قال ذلك الإمام أو لم يقل. ومن هؤلاء من جعل السلب له على كل حال، ولم يشترط فيه شيئاً، ومنهم من قال: لا يكون له السلب إلا إذا قتله مقبلاً غير مدبر، وبه قال الشافعي، ومنهم من قال: إنما يكون له السلب، إذا كان القتل قبل معمعة الحرب أو بعدها، وأما إن قتله في حين المعمعة، فليس له سلب، وبه قال الأوزاعي، وقال قوم: إن استكثر الإمام السلب جاز أن يخمسه، انتهى. قلت: واختلفوا أيضاً في ما يدخل في السلب، وهل يعم كل قاتل أو يختص بصاحب السهم؟ وهل يعطى بإقراره أو يحتاج إلى البينة؟ وهل يعم كل قتيل أو يختص بسلب المقاتلة؟ وغير ذلك مما سيأتي بيانها . قال الخرقي: من قتل منا أحداً منهم مقبلاً على القتال فله سلبه غير مخموس، قال ذلك الإمام أو لم يقل. قال الموفق(٢): في هذه المسألة فصول ستة، أحدها: أن القاتل يستحق السلب في الجملة ولا نعلم فيه خلافاً، والأصل فيه قول النبي وَلّ: ((من قتل كافراً فله سلبه)) رواه الجماعة عن النبي ◌ّل، منهم أنس وسمرة بن جندب (١) ((بذل المجهود)) (٣٠٤/١٢). (٢) انظر: ((المغني)) (٦٣/١٣). ١٨٤ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب وغيرهما، وروى أبو قتادة فذكر حديث الباب، ثم قال: متفق عليه (١)، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله و 18 يوم حنين: «من قتل قتيلاً فله سلبه))، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً، فأخذ أسلابهم، رواه أبو داود. وثانيها: أن السلب لكل قاتل يستحق السهم أو الرضخ كالعبد والمرأة والصبي والمشرك، وروي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن العبد إذا بارز بإذن مولاه، فقتل لم يستحق السلب، ويرضخ منه، وللشافعي فيمن لا سهم له قولان، أحدهما: لا يستحق السلب؛ لأن السهم آكد منه للإجماع عليه، فإذا لم يستحقه فالسلب أولى. ولنا عموم الخبر فإن كان القاتل ممن لا يستحق السهم ولا الرضخ، كالمرجف والمخذل والمعين على المسلمين لم يستحق السلب، وإن قتل، وهذا مذهب الشافعي، وإن بارز العبد بغير إذن مولاه لم يستحق السلب؛ لأنه عاص، وكذلك كل عاص، كمن دخل بغير إذن الأمير. وثالثها: أن السلب للقاتل في كل حال إلا أن ينهزم العدو، وبه قال الشافعي وأبو ثور ودواد وابن المنذر، وقال مسروق: إذا التقى الزحفان فلا سلب له، إنما النفل قبل وبعد، ونحوه قول نافع، وكذلك قال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وأبو بكر بن أبي مريم: السلب للقاتل ما لم تمتد الصفوف بعضها إلى بعض، فإذا كان كذلك فلا سلب لأحد. ولنا عموم الحديث، ولأن أبا قتادة إنما قتل الذي أخذ سلبه في حال التقاء الزحفين، ألا تراه يقول: فلما التقينا رأيت رجلاً من المشركين، قد علا رجلا من المسلمين، وروى سعيد في قصة الرومي يفري بالمسلمين فقتله المددي، وأعطاه خالد بعض سلبه، فقال له رسول الله وَالر: ((ما منعك يا خالد (١) أخرجه البخاري (٣١٤٢)، ومسلم (١٧٥١)، وأبو داود (٢٧١٧)، والترمذي (١٥٦٢). ١٨٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب أن تدفع إليه سلب قتيله))؟ قال: استكثرته له، قال: ((فادفعه إليه))، الحديث(١) رواه أبو داود. ورابعها: أنه إنما يستحق السلب بشروط أربعة. الأول: أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم، فإن قتل امرأة أو صبياً أو شيخاً فانياً، ونحوهم ممن لا يقاتل، لم يستحق سلبه، لا نعلم فيه خلافاً، وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه؛ لأنه يجوز قتله، ومن قتل أسيراً له أو لغيره، لم يستحق سلبه. الثاني: أن يكون المقتول فيه منعة، غير مثخن بالجراح، فإن كان مثخناً بالجراح، فليس لقاتله شيء من سلبه، وبهذا قال مكحول وجرير بن عثمان والشافعي، لأن معاذ بن عمرو بن الجموح أثبت أبا جهل، وذقَّفَ عليه ابن مسعود، فقضى النبي ◌ُّليل بسلبه لمعاذ، ولم يعط ابن مسعود شيئاً، وإن قطع يدي رجل ورجليه، وقتله الآخر، فالسلب للقاطع دون القاتل، لأن القاطع هو الذي كفى المسلمين شره، وإن قطع يديه أو رجليه وقتله الآخر، فالسلب للقاطع في أحد الوجهين، لأنه عطله فأشبه الذي قتله، والثاني: سلبه في الغنيمة؛ لأنه إن كانت رجلاه سالمتين فإنه يعدو، وإن كانت يداه سالمتين فإنه يقاتل بهما، ولا يستحق القاتل سلبه؛ لأنه مثخن بالجراح، وإن عانق رجل رجلاً، فقتله الآخر، فالسلب للقاتل، وبهذا قال الشافعي، وقال الأوزاعي هو للعانق . ولنا عموم الخبر، ولأنه كفى المسلمين شره، وكذلك لو كان الكافر مقبلاً على رجل يقاتله فجاء آخر من ورائه فقتله فسلبه للقاتل، وبدليل قصة قتيل أبي قتادة. (١) أخرجه مسلم (١٧٥٣)، وأبو داود (٢٧١٩). ١٨٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب الثالث: أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول، فإن أسر رجلاً لم يستحق سلبه، سواء قتله الإمام أو لم يقتله، وقال محكول: لا يكون السلب إلا لمن أسر علجاً أو قتله، وقال القاضي: إذا أسر رجلاً فقتله الإمام صبراً، فسلبه لمن أسره؛ لأن الأسر أصعب من القتل، فإذا استحق السلب بالقتل كان تنبيهاً على استحقاقه بالأسر، قال: وإن استبقاه الإمام كان له فداؤه أو رقبته وسلبه؛ لأنه كفى المسلمين شرّه، ولنا أن المسلمين أسروا أسرى يوم بدر، فقتل النبي ◌َّ﴾ل بعضهم، واستبقى سائرهم فلم يعط من أسرهم أسلابهم ولا فداءهم، وكان فداؤهم غنيمة. الرابع: أن يغرر بنفسه في قتله، فإن رماه بسهم من صف المسلمين فقتله، فلا سلب له، قال أحمد: السلب للقاتل إنما هو في المبارزة، لا يكون في الهزيمة، وإن حمل جماعة من المسلمين على واحد، فقتلوه، فالسلب في الغنيمة، لأنهم لم يغرروا بأنفسهم في قتله، وإن اشترك اثنان في قتله، فظاهر كلام أحمد أن سلبه غنيمة، فإنه قال في رواية حرب: له السلب إذا انفرد بقتله، وحكى أبو الخطاب عن القاضي: أنهما يشتركان في السلب، لقوله وَله: (من قتل)) وهذا يعم الواحد والجماعة. ولنا أن السلب إنما يستحق ذلك بالتغرير في قتله، ولا يحصل ذلك بقتل الاثنين، فلم يستحق به السلب، كما لو قتله، جماعة، ولم يبلغنا أن النبي ◌َّ شَرَّكَ بين اثنين في سلب، فإن اشترك اثنان في ضربه، وكان أحدهما أبلغ في قتله من الآخر فالسلب له، لأن أبا جهل ضربه معاذ بن عمرو ومعاذ بن عفراء، وقال ◌َ: ((كلاكما قتله))، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو. وإن انهزم الكفار كلهم، فأدرك إنسان منهزماً منهم، فقتله فلا سلب له؛ لأنه لم يغرر في قتله، وإن كانت الحرب قائمة فانهزم أحد منهم، فقتله إنسان فسلبه لقاتله؛ لأن الحرب فرّ وكرٌّ، وقد قتل سلمة بن الأكوع طليعة للكفار، وهو منهزم، فقال النبي ◌َّ: (له سلبه أجمع))، وبهذا قال الشافعي. ١٨٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب وقال أبو ثور وداود وابن المنذر: السلب لكل قاتل، لعموم الخبر، ولا يشترط في استحقاق السلب أن تكون المبارزة بإذن الأمير؛ لأن كل من قضي له السلب في عصر النبي ◌ّ، ليس فيهم من نقل إلينا أنه أذن له في المبارزة، مع أن عموم الخبر يقتضي الاستحقاق لكل قاتل. وخامسها: أن السلب لا يُخَمَّسُ، روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير، وقال ابن عباس: يخمس، لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم﴾(١) الآية. وبه قال الأوزاعي ومكحول، وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب يخمس، وذلك إليه لما روى ابن سيرين: أن البراء بن مالك بارز مرزبان الزأرة (٢) بالبحرين فطعنه ودق صلبه، وأخذ سواريه وسلبه، فلما صلى عمر - رضي الله عنه - الظهر أتى أبا طلحة في داره، وقال: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالاً، وأنا خامسه، فكان أول سلب خُمِّسَ في الإسلام، رواه سعيد في ((السنن)) (٣) وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفاً . ولنا ما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد: ((أن رسول الله وَل قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس))، ولا حجة في قول أحد مع قوله وصله، وإذا ثبت هذا فإن السلب من أصل الغنيمة، وقال مالك: يحتسب من خمس الخمس. ولنا أنه مَّ قضى بالسلب للقاتل مطلقاً، ولم ينقل أنه احتسب به من خمس الخمس، ولأنه لو احتسب به احتيج إلى معرفة قيمته وقدره، ولم ينقل ذلك . (١) سورة الأنفال: الآية ٤١. (٢) (الزأرة): الأجمة، والمرزبان: الرئيس العام. (٣) (٢٦١/٢) (٢٦٩١). و((التمهيد)) (٢٤٧/٢٣). ١٨٨ ...--- - ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب وسادسها: أن القاتل يستحق السلب، قال ذلك الإمام أو لم يقل، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يستحقه إلا أن يشترط الإمام له، وقال مالك: لا يستحقه إلا أن يقول الإمام ذلك، ولم ير أن يقول الإمام إلا بعد انقضاء الحرب، على ما تقدم من مذهبه في النقل، وقد روي عن أحمد مثل قولهم، وهو اختيار أبي بكر. واحتجوا بما روي في قصة المددي(١): أن خالداً أخذ بعض سلبه، وأعطاه بعضه، فذكر ذلك لرسول الله وَله، فقال: ((لا تعطه يا خالد))، رواه سعيد وأبو داود (٢)، ورويا بإسنادهما عن شبر بن علقمة، قال: بارزتُ رجلاً يوم القادسية، فقتلته وأخذت سلبه، فأتيت به سعداً فخطب سعد أصحابه، وقال: إن هذا سلب شبر، خيرٌ من اثني عشر ألفاً، وإنا قد نفَّلْناه إياه، ولو كان حقاً له لم يحتج إلى نفله، ولأن عمر - رضي الله عنه - أخذ الخمس من سلب البراء، ولو كان حقاً له لم يجز أن يأخذ منه شيئاً، ولأن النبي ◌َّر دفع سلب أبي قتادة إليه من غير بينة ولا يمين. ولنا عموم قوله وَله: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، وهذا من قضايا رسول الله ◌َّ المشهورة التي عمل بها الخلفاء بعده، وأخبارهم التي احتجوا بها تدل على ذلك، ثم بسط في ذلك، ثم قال: إذا ثبت ذلك فإن أحمد قال: لا يعجبني أن يأخذ السلب إلا بإذن الإمام، وهو قول الأوزاعي، وقال ابن المنذر والشافعي: له أخذه بغير إذن الإمام؛ لأنه استحقه بجعل النبي ◌َّ له ذلك، ولا يأمن إن أظهره عليه لا يعطاه، وجه قول أحمد: أنه فعل مجتهد فيه، فلم ينفذ أمره فيه إلا بإذن الإمام، كأخذ سهمه، ويحتمل أن يكون هذا من أحمد على سبيل الاستحباب، ليخرج من الخلاف. (١) هو رجل من المدد الذين جاؤوا يمدّون مُؤتة وليُساعدونهم. (٢) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد (٢٧١٩) باب ((في الإمام يمنع القاتل السلب)) (٧٢/٣). ١٨٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب ثم قال الخرقي: والدابة وما عليها من آلتها من السلب، إذا قتل وهو عليها، وكذلك ما عليه من السلاح والثياب وإن كثر، فإن كان معه مال لم يكن من السلب، وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى: أن الدابة ليست من السلب . قال الموفق(١): وجملته أن السلب ما كان القتيل لابساً له من الثياب وعمامة وقلنسوة، ومنطقة، ودرع ومغفر، وبيضة، وتاج وأسورة ورَأَنٍ وخف، بما في ذلك من حلية، ونحو ذلك، وكذلك السلاح من السيف والرمح والسكين واللَّتِّ ونحوه؛ لأنه يستعين به في قتاله، فهو أولى بالأخذ من اللباس، وكذلك الدابة، ولأنه يستعين بها فهو أبلغ من السلاح. وأما المال الذي معه في كَمَرَاتِه وخريطته، فليس بسلب؛ لأنه ليس من الملبوس، ولا مما يستعين به في الحرب، وكذلك رحله وأثاثه، وما ليست يدُه عليه من مالِه فليس من سلبه، وبهذا قال الأوزاعي ومكحول والشافعي، إلا أن الشافعي قال: ما لا يحتاج إليه في الحرب كالتاج، والسوار، والطوق والهميان الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين؛ لأنه مما لا يستعان به في الحرب، فأشبه المال الذي في خريطته. ولنا أن في حديث البراء المذكور قبل، أنه بارز مَرْزُبانَ الزَّأْرةِ، فبلغ سِوَاراه ومنطقته ثلاثين ألفاً، فخمَّسه عمر، واختلفت الرواية عن أحمد في الدابة، فنقل عنه أنها ليست من السلب، وهو اختيار أبي بكر؛ لأن السلب ما كان على يديه، والدابة ليست كذلك، ولنا حديث المدديّ، وفيه «فحاز فرسه، وأخذ سلبه))، رواه الأثرم. وإذا ثبت هذا فالدابة وما عليها من سَرْجِها، ولجامها، وحِلْيَةٍ إن كانت (١) ((المغني)) (١٣/ ٧٢). ١٩٠ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب عليها وجميع آلتها من السَّلَبِ، هذا إذا كان راكباً عليها، وإن كانت في منزله أو مع غيره لم تكن من السَّلَب، وإن كان ممسكاً بعنانها غير راكب عليها، فعن أحمد روايتان؛ إحداهما، من السلب، وهو قول الشافعي، والثانية، ليست منه، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار الخلّال. ولا تقبل دعوى القتل إلا بِبَيِّنَةٍ، وقال الأوزاعي: يقبل قوله، ولا يسئل عن بينة. ولنا قوله وَالر: ((من قتل قتيلاً له عليه بينة)) متفق عليه، وقالت طائفة من أهل الحديث: يُقْبَلُ شاهدٌ ويمينٌ، لأنها دعوى في المال. ويجوز سلب القتلى وتركهم عُراةً، وهذا قول الأزاعي، وكرهه الثوري وابن المنذر لما فيه من كشف عوراتهم. ولنا قوله وَّل في قتل سلمة بن الأكوع: ((له سلبه أجمع))، وقال ◌َليّ: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، وهذا يتناول الجميع، انتهى. وفي (الدر المختار)) (١): سلبه ما معه من مركبه وثيابه وسلاحه، وكذا ما على مركبه، لا ما على دابة أخرى، قال ابن عابدين: قوله: ما معه من مركبه ومن ذهب وفضة في حقيبته، أو وسطه، وخاتم، وسوار، ومنطقة، في الصحيح لا ما كان مع غلامه أو في خیمته، انتھی. وفي ((شرح الإقناع))(٢): إذا قتل المسلمُ سواء كان حراً أم لا، ذكراً أم لا، بالغاً أم لا، قتيلاً أُعْطي سلبه، سواء شرطه الإمام أم لا، ويستثنى منه الذمي، فإنه لا يستحق السلب، سواء أحضر بإذن الإمام أم لا، والمخذل والمرجف والخائن ونحوهم ممن لا سهم له ولا رضخ، ويشترط في المقتول أن لا يكون منهياً عن قتله، فلو قتل امرأة وصبياً لم يقاتلا فلا سلب له، فإن (١) (٣٣٥/٤). (٢) (٤ /٢٦٤) . ١٩١ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب قاتلا استحقه في الأصح، ولو أعرض مستحق السلب عنه لم يسقط حقه في الأصل، لأنه متعين له، وإنما يستحق القاتل السلب بركوب غررٍ، يكفي به شرَّ كافٍ في حال الحرب، وكفاية شره أن يزيل امتناعه، كأن يفقأ عينيه، أو يقطع يديه ورجليه، وكذا لو قطع يداً ورجلاً أو أسره. فلو رمى من حصن أو من صف المسلمين أو قتل كافراً نائماً أو أسيراً أو قتله، وقد انهزم الكفار فلا سلب، لأنه في مقابلة الخطر والتغرير بالنفس، وهو منتفٍ ههنا. والسلب ثياب القتيل التي عليه، والخف، وآلة الحرب كدرع وسلاح ومركوب وآلته نحو سرج، ولجام، وكذا سِوَار، ومنطقة، وخاتم، ونفقة معه، وكذا جنيبة(١) تقاد معه في الأظهر، لا حقيبة ـ وهي وعاء يجمع فيه المتاع، ويجعل على حقو البعير مشدودة على الفرس - فلا يأخذها ولا ما فيها من الدراهم والأمتعة، لأنها ليست من لباسه ولا من حليته، ولا حلية فرسه، ولا يُخَمَّسُ السَّلَبُ على المشهور، وبعد السلب تُخْرج مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما، وتقسم القيمة بعد ذلك خمسة أخماس متساويةً، انتهى. وفي ((شرح المنهاج)): السلب هو ثياب القتيل التي عليه والخف والرأن، وهو خف طويل، لا قدم له، يلبس في الساق، وآلات الحرب كدرع وسلاح ومركوب، ولو بالقوة كان قاتل رجلاً وعنانهُ بيده، وظاهر كلامهم أنه لا يكفي إمساك غلامه له، وإن نزل لحاجة، ويفرق بينه وبين جنيبةٍ تقاد معه بأنها تابعة لمركوبه، فاكتفى بإقادة غيره، وكذا سوار ومنطقة، وهميان بما فيه، وطوق لا حقيبة مشدودة على الفرس، وما فيها من نقد ومتاع على المذهب لانفصالها عنه وعن فرسه، وإن أطال جَمْعٌ في الانتصار لدخولها، وإنما يستحق القاتل السلب بركوب غررٍ يكفي به شرَّ كافر في حال الحرب. (١) قوله: الجنيبة: فرس تقاد ولا تركب. ١٩٢ ------- ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب فلو رمى من حصن أو من الصف أو قتل نائماً أو غافلاً أو مشغولاً أو أسيراً لغيره أو قتله وقد انهزم الكفار بالكلية، فلا سلب. بخلاف ما إذا تَحَيَّزُوا، ويظهر فيما لو انهزم واحد، فتبعه حتى قتله مرتكباً الغرر فيه أن له سلبه، بخلاف المنهزم لانهزام جيشه، ولو أثخنه واحد، وقتله الآخر فهو للمثخِن، لأنه وَلّ أعطى سلب أبي جهل لمُثْخِنَيْه ابنَي عفراء دون قاتله ابن مسعود - رضي الله عنه -، وإن أمسكه واحد ولم يمنعه الهرب، فقتله الآخر، فهو لهما، وإن منعه فهو للآسر، وكفاية شره أن يزيل امتناعه كأن يفقأ عينيه، وكذا لو أسره، فقتله الإمام أو مَنَّ عليه أو أرقَّه أو فاداه، نعم، لا حق له في رقبته وفدائه، لأن اسم السلب لا يقع عليهما، انتهى. وفي ((إعانة الطالبين)): يدخل فيه ما يتزيَّرُ به في الحرب لإغاظة المسلمين من سِوار وغيره، ولو تعددت من كل نوع كسيفين ورمحين فأكثر، فقال بعضهم: يأخذ الجميع، وقال بعضهم: لا يأخذ من كل نوع إلا واحداً، وهو المعتمد، لكن يختار واحداً منها، وكذا كل ما تَعَدَّدَ من نوع واحد، والمراد بالمركوب ما يشمل الفرس والجمل والحمار، انتهى. وكذا قال صاحب ((التوشيح)): لو تعددت من نوع كسيفين، اختار واحداً فقط، وقال: لو قطع رجل يداً، والآخر رِجْلاً بعده، فالسلب للثاني، لأنه هو الذي أزال منعته، بخلاف ما لو قطعاهما معاً، أو أسراه، فإنهما يشتركان في السلب، انتهى. وقال الدردير(١): ونَفَّل الإمام من خمس الغنيمة خاصة السلب، ويسمى النفل الكلي، ويسمى غيره النفل الجزئي، لمصلحة من شجاعة وتدبير، ويكره للإمام، وقيل: يُحَرَّمُ إن لم ينقض القتالُ بأن لم يقدر على العدو، وأن يقول: (١) ((الشرح الكبير)) (١٩٠/٢). ١٩٣ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب من قتل قتيلاً فله السلب، أو من جاءني بشيء من متاع فله ربعه مثلاً، لأنه يصرف نيتهم لقتال الدنيا، فلذا جاز النفل بعد القدرة على العدو، إذ لا محذور فيه، ومضى القول المذكور وإن لم يجز، إن لم يُبطله الإمام قبلَ حوزِ المغنم، فإن أبطله اعتبر إبطاله فيما بعد الإبطال لا فيما قبله، ولا يعتبر إبطاله بعد المغنم . بل كل من فعل شيئاً استحق ما رَتَّبَهُ له الإمام، ولو كان من أصل الغنيمة، يعني قال مثلاً: ((من قتل قتيلاً فله سلبه من الغنيمة)). وللمسلم فقط دون الذمي. ما لم يُنفذه له الإمام، سلبٌ من حربي اعتيد وجوده مع المقتول حال الحرب، كدابته المركوبة له أو الممسوكة بيده أو بيد غلامه للقتال وسرجه ولجامه ودرعه وسلاحه ومنطقته وما فيها من حلي وثيابه التي عليه، لا سوار وصليب ودابة غير مركوبة ولا ممسوكة للقتال، بل جنيبٌ أمامه بيد غلامه للافتخار، فلا يكون للقاتل. لأنها من غير المعتاد، ولم يكن السلب لِكَمَرْأةٍ، وصبي، إن لم يقاتلا، فإن قاتلا فسلبهما للقاتل والإمام يدخل في عموم قوله: إن لم يقل منكم، انتهى بتغير. قال الدسوقي: قوله: ((ما لم ينفذه له الإمام)) يعني أنه لا يجوز له ابتداء، لكن إن حكم به الإمام مضى، لأنه حكم بمختلف فيه، فلا يتعقب فيه، ويثبت كونه قتيله بعدلين إن شرط الإمام البينة، وإلا فقولان، انتهى. وهكذا جزم الباجي(١): أن السلب يكون من الخمس، ولا ينبغي للإمام أن يقوله قبل القتال لتكون النيات سليمة، ومع ذلك لو قاله الإمام قبل القتال أو نَفَّلَ السلب من غير الخمس، فلا يُنْقض قوله، لأنه من الإمام حكم حاكم بقول بعض العلماء، فلا ينقض، قاله سحنون، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٩١/٣). ١٩٤ ٠٠ ٠- ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب وقال الباجي أيضاً: إذا قال الإمام: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) فالحكم ثابت له ولجميع الناس، وإن قال: ((إن قتلت قتيلاً فلي سلبه)) لم يكن له شيء، لأنه قد حابى نفسه فلم يجز حكمه ووجب نقضه. وإن قال: ((من قتل منكم قتيلاً)) فهذا الحكم ثابت للناس دونه، قال ذلك كله سحنون. وأما السلب الذي يستحقه القاتل بهذا القول، قال سحنون: قال أصحابنا: لا نفل في العين، وإنما هو الفرس، وسرجه، ولجامه، وخاتمه، ودرعه، وبيضته ومنطقته في ذلك من رجليه إلى ساعديه، وساقيه، ورأسه، والسلاح ونحوه، وحلية السيف تبع للسيف، ولا شيء له في الطوق والسِوَارين والعين كله، ولا في الصليب يكون معه، وقال ابن حبيب: يدخل في السلب كل ثوب عليه وسلاحه ومنطقته وسِواراه، فتحقيق مذهب سحنون أن ما كان معه من لباسه المعتاد، وما يستعين به على الحرب من فرسٍ أو سلاحٍ فهو من السلب، ومذهب ابن حبيب إن كان عليه من اللباس والحلي والنفقة المعتادة وما يستعان به على الحرب فهو من السلب، انتهى. وقال عياض في حديث أبي قتادة: احتجّ به على أن السلب لا يستحق إلا ببينة أو شاهد ويمين، وهو قول الشافعي والليث وبعض أصحاب الحديث، وقال الأوزاعي: يصدق أنه قتله، ولا يحتاج إلى بيّنة، وهو قول المالكية، وحجتهم من الحديث أنه أعطاه بشاهد واحد، ولم يحلفه. وتأمل الأبي في ((شرح مسلم))(١) في قوله: وهو قول المالكية، وقال الباجي(٢): احتجاج أصحابنا بخبر أبي قتادة أنه دفعه إليه بقول واحد دون يمين، يدل على أنه يجوز أن يقبل فيه قول الواحد، وذلك إذا قال الإمام: من (١) انظر: (٦٣/٥). (٢) ((المنتقى)) (١٩٢/٣). ١٩٥ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب قتل قتيلاً له عليه بَيِّنَةٌ، وأما إذا لم يشترط البيّنة، فقد قال ابن سحنون: من جاء برأس فقال: أنا قتلته، فقد اختلف فيه قوله، فعلى قوله الأول السلب له، وعلى قوله الآخر لا شيء له إلا ببينة. وأما إن جاء السلب، فقال: أنا قتلت صاحب هذا السلب، فلا يأخذ السلب إلا ببنية . وجه القول الأول في التفريق بين الرأس والسلب، أن الرأس في الأغلب لا يكون إلا بيد من قتله، لأنه أقرب إليه من غيره، وهو يمنع منه من أراده، ولا يتركه، وقد عُلِمَ أن الإمام نفّله سلبه، فهذا لا يشهد له، وأما السلب، فليس كونه بيده شاهداً له، لأنه موضع سلب، ولا يمنعه منه غيره، لأنه لاحق له فيه إلا كحقه، وأما على قوله الآخر، فلا فرق بينهما أنه لا يصدق صاحب الرأس، ولا صاحب السلب. قال الباجي(١): يجوز أن يقبل في ذلك الشاهد الواحد على ما تقدم من احتجاج أصحابنا بقول أبي قتادة، وإلا فظاهر لفظ البينة يقتضي الشهادة، ولا يكون ذلك أقل من شاهدين، ولا يجوز على هذا القول في ذلك الشاهدُ واليمينُ، لأن الشهادة لا تتناول المال، وإنما تتناول القتل، وهو حكم في الجسد، انتهى. وعُلِم منه أنهم اختلفوا في اشتراط البينة أيضاً، وعلى اشتراطها في أنه يكفي الواحد أم لا؟ ثم قال الأبي(٢): والسلب إنما يستحقه إذا قتله قبل كمال الاستيلاء عليه، ولذا قال سحنون: من أتى بأسير إلى الإمام، فقتله لم يكن له سلبه، لأنه لم يقتله، انتهى. (١) ((المنتقى)) (١٩٢/٣). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٦٤/٥). ١٩٦ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب وفي ((الدر المختار)) (١): نُدِب للإمام أن ينفّل وقت القتال حثاً وتحريضاً، فيقول: (من قتل قتيلاً فله سلبه)) أو يقول: ((من أخذ شيئاً فهو له))، ويستحقه مستحق سهم أو رَضْخ، فيعم الذمي وغيره، وإنما يكون في مباح القتل، فلا يستحقه بقتل امرأة ومجنون ونحوهما ممن لم يقاتل، قال ابن عابدين: حتى لو قاتل الصبي فله سلبه، لأنه مباح الدم، وكذا المرأة، كما في ((شرح السير)). وفيه أيضاً لو نَفَّلَ في دار الحرب قبل القتال يبقى حكمه إلى أن يخرجوا من دار الحرب، حتى لو رأى مسلم مشركاً نائماً، أو غافلاً في عمله، فقتله فله سلبه، كما لو قتله في الصف أو بعد الهزيمة، أما لو نَفَّلَ بعدما اصطفُّوا للقتال، فهو على ذلك القتال حتى ينقضي ولو بقي أياماً، انتهى. وفي ((الفتاوي الهندية)): يستحب التنفيل للإمام أو أمير العسكر، فإن نَفَّلَ من الغنيمة التي وقعت في أيدي الغانمين لا يجوز، وإنما يجوز بما كان قبل الإصابة، وإذا نَفَّلَ الإمام فقال: ((من أصاب شيئاً فهو له))، فأصاب واحد منهم شيئاً في دار الحرب كان له خاصة له، لا يجب فيه الخمس، ولا يشاركه غيره، انتهى . قلت: وفي ((شرح السير)): لو قال الأمير: إن قتل رجل منكم قتيلاً فله سلبه، فقتل رجلان قتيلاً واحداً فلهما سلبه، لأنه حين أخرج هذا الكلام مخرج العموم فقد قصد به التحريض على النكاية فيهم، وفي هذا لا فرق بين أن يكون القاتل واحداً أو جماعة إلا أن يبين، فيقول: ((إن قتل رجل منكم وحده قتيلاً)) فحينئذ لا شيء للقاتلين من السلب، لأنه تبين بهذه الزيادة أن مقصوده التحريض على إظهار الجلادة بالاستبداد بالقتل، وبالاشتراك لا يحصل ذلك. ولو قال الأمير: ((من قتل قتيلاً فله سلبه)) فبرز عِلْجٌ للقتال، وخرج إليه (١) (٣٢٩/٤). ١٩٧ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب مسلم، فضربه ضربة رماه بها عن فرسه، وجَرَّه إلى المسلمين حياً، فمات بعد أيام، وقد كان صاحب فراش أو لم يكن، إلا أنه علم أنه مات من ضربته فله السلب، لأنه صار قاتلاً له حين مات من ضربته. وفيما يجب على القاتل بالقتل لا فرق بين أن يموت المقتول بضربته في الحال، وبين أن يموت منها بعد مدة، فكذلك فيما يجب له بالقتل، وإنما طريق معرفة ذلك أن يشهد به عدلان من المسلمين، لأن السلب باعتبار الظاهر غنيمة للمسلمين، وإنما الحاجة إلى الاستحقاق عليهم، فلا يكون ذلك إلا ببيّنةٍ تقوم من المسلمين على موته قبل قسمة الغنائم، فإذا مات المضروب بعد القسمة لم يكن للقاتل من السلب شيء، ولو قامت البينة به لفوات المحل بنفوذ القسمة من الإمام فيه. وإذا قال الأمير: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، فضرب مسلم مشركاً واجتزّ آخر رأسَه، فإن كان الذي ضربه قتله، واجتزّ الآخر رأسه بعد الموت، فالسلب للضارب. وإن كان لم يقتله، وكان بحيث يقدر على التحامل بضربته والعون بكلام أو غيره، فالسلب للذي اجتَزَّ رأسه، لأنه صار مقتولاً بفعل الثاني. والإمام لم يقل من ضربه أو صرعه، وإنما قال: ((من قتل))، وكذلك إن كان ضربه الأول بحيث يعلم أنه يكون آخره إلى الموت، إلا أنه ربما عاش يوماً أو يومين، فاجتزّ آخر رأسه، فالسلب للثاني، وإن كان الأول ضربه، فنثر ما في بطنه، فألقاه أو قطع أوداجه، إلا أن فيه الروح بعد، فاجتزّ الآخر رأسَه، فالسلب للذي ضربه، لأنه صار بمنزلة الميت بفعل الأول، والذي بقي فيه بمنزلة اضطراب المذبوح، فلا يعتبر به. ..- ولو أن مسلماً احتمل رجلاً من المشركين عن فرسه حتى جاء به إلى صف المسلمين، ثم ذبحه لم يكن له سلبه، ولم يحِلَّ له أن يقتله، لأنه لما جاء به إلى الصف حياً، فقد صار هذا أسيراً للمسلمين، ولا يخِلَّ قتل الأسير ١٩٨ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب بغير إذن الإمام، لأن للإمام في الأسير رأياً بين أن يقتله وبين أن يجعله فيئاً، ولو كان حين أنزله عن دابته فقتله بين الصفين كان له سلبه، لأنه لم يصر أسيراً بمجرد إنزاله، بخلاف الأول، فإنه بعدما حصل في صف المسلمين قد صار مقهوراً . ولو قال الأمير: من جاء برأسٍ فله كذا، فجاء رجل برأسٍ، وقال: أنا قتلته، وقال الآخر: بل أنا قتلته، وهذا أخذ رأسه، فالقول للذي جاء بالرأس مع يمينه، لأن الظاهر شاهد له، وإن أقام الآخر البينة فالسلب له، وإذا قال الإمام ذلك، فرمى مسلم من صف المسلمين رجلاً في صف المشركين، فقتله فله سلبه، لأنه قتل مقاتلاً يحلَّ له قتله، وهو السبب للاستحقاق. وإذا قال الأمير: ((من قتل قتيلاً فله فرسه)) فقتل مسلمٌ راجلاً من المشركين وله فرسه مع غلامه، فإنه لا يستحق فرسه، لأنه لم يكن فارساً حين قتله، وإن كان قد نزل عن فرسه، وهو معه يقوده في القتال فله فرسه، لأنه فارس بما معه من الفرس، فإنه يتمكَّنُ من القتال عليه في الحال، وإنما كان نزوله عنه لزيادة جِدٍّ في الحرب أو لضيق الطريق، فلا يخرج به من أن يكون فارساً حين قتل. وقال أيضاً: إذا قال الأمير: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))، فالقياس أن يكون السلب للقاتل واحداً كان أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر من ذلك، لأن ((مَنْ)) من أسماء العموم، فيتناول المخاطبين على سبيل الاجتماع والانفراد جميعاً، لكن الأخذ بالقياس في هذا قبيح، لأنه يؤدي إلى القول، بأن العسكر كلهم لو اجتمعوا على قتل واحد استحقوا سلبه، وقد علمنا أن الإمام لم يُرِدْ ذلك بالتنفيل، لأن معنى التحريض يفوت به. لكن للاستحسان فيه وجوهٌ، أحدها: إن قتله رجل أو رجلان فلهما السلب، وإن قتله ثلاثة لم يكن لهم سلبه، لأن الثلاثة أدنى الجمع المتفق، ١٩٩ ٢١ - كتاب الجهاد (١٠) باب وأدنى الجمع كأعلى الجمع، ومراد الإمام بهذا تحريض الآحاد على القتال لا تحريض الجماعة، ولأنه يجوز للمسلم أن يفرَّ من الثلاثة، ولا يحلّ له أن يفرّ من الاثنين، فيتبين الفرق بين الثلاثة والاثنين، وإن حكم الاثنين بحكم الواحد. الوجه الثاني للاستحسان: إن قتله قوم لا منعة لهم من المسلمين فلهم السلب، وإن قتله قوم لهم منعة لم يكن لهم السلب. الثالث: إن قتله قوم يرى الإمام والمسلمون أن ذلك القتيل كان ينتصف منهم لو خلّى بينهم وبينه، فلهم سلبه، وإن كان لا ينتصف منهم لم يكن لهم سلبه، لأن المقصود التحريض، وإنما يتحقق معنى التحريض على من ينتصف منهم دون من لا ينتصف منهم، وكل ذلك واسع إن أمضاه الإمام ورآه عدلاً، وليس المراد أن كل ذلك حق، وإنما المراد كل هذا طريق الاجتهاد، وأحسن الوجوه عندي وأقربها إلى الحق الوجه الأخير، لأن فيه تحقيق ما هو المقصود بالتنفيل، وهو التحريض، انتهى مختصراً. وقال الزيلعي على ((الكنز)): لو أثخنه واحد، وقتله آخر، فالسلب لمن أثخنه، وقال ابن نجيم: إذا اشترك رجلان في قتل حربي اشتركا في سلبه، وقيده في ((شرح الطحاوي)) بأن يكون المقتول مبارزاً يقاوم الكل، فإن كان عاجزاً لا يستحقون سلبه، ويكون غنيمة، وإن قيّده الإمام بقوله: وحده لا يستحقان سلبه، انتهى. وفي ((الجوهرة)): إن كان رجلان أو ثلاثة أو أكثر قتلوا رجلاً، فإنك تنظر إن كان المقتول مبارزاً يقاوم الكل كان لهم سلبه، وإن كان لا يقاومهم فلا يستحقون سلبه، ويكون غنيمة لجميع الجيش، ثم قال: ولو قتله رجلان اشتركا في سلبه، فإن بدأ أحدهما فضرب، ثم أجهزه الآخر، إن كان ضرب الأول أثخنه بحيث لا يمكنه أن يقاتل، ولا يعين بقول، فالسلب للأول، وإن كان ضرب الأول لم ٢٠٠ ۔۔