Indexed OCR Text
Pages 641-660
٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٣) حديث وكان حقه أن يقول: ورواه عبيد الله، فإنهما آخذان من يحيى، كما سبق في المقدمة . وقد ورد في الملتزم منها ما في أبي داود وابن ماجه والبيهقي وغيرهم واللفظ لأبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: ((طفت مع عبد الله، فلما جئنا دير الكعبة قلت: ألا تتعود؟ قال: نعوذ بالله من النار، ثم مضى حتى استلم الحجر، وأقام بين الركن والباب، فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا، وبسطهما بسطاً. ثم قال: هكذا رأيت رسول الله (وَل#ر يفعله)). وحكى الشيخ في ((البذل)»(١) عن لفظ البيهقي(٢): ((التزم البيت بين الباب والحجر))، وقال: هذا والله المكان الذي رأيت رسول الله وَل التزمه، وأخرج أبو داود عن محمد بن عبد الله بن السائب عن أبيه، أنه كان يقود ابن عباس، فيقيمه عند الشقة الثالثة مما يلي الركن الذي يلي الحجر مما يلي الباب، فيقول له ابن عباس: أنبئت أن رسول الله و 18 كان يصلي هاهنا، فيقول: نعم، فيقوم ويصلي، ولفظ النسائي: ((أما أنبئت)) ولفظ أحمد في ((مسنده)): فقلت لعبد الله بن السائب: أن رسول الله ﴿ ﴿ كان يقوم هاهنا، فيقول: نعم، كذا في ((البذل)). وقد روينا(٣) من طريق شيخنا أبي إبراهيم خليل أحمد شرّفه الله وأكرمه يوم الغد حديثاً مسلسلاً في استجابة الدعاء عند الملتزم طبع في آخر المسلسلات لمولاه الشاه وليّ الله الدهلوي بسنده إلى ابن عباس يقول: سمعتُ النبي ◌َّ يقول: ((الملتزم موضع يستجاب فيه الدعاء، ما دعا الله فيه عبدٌ إلا استجابها))، قال ابن عباس: فوالله ما دعوت الله عز وجل فيه إلا استجاب لي (١) انظر: ((بذل المجهود)) (١٦٤/٩ - ١٧٣). (٢) (سنن البيهقي)) (١٦٤/٥). (٣) وقد أجازني شيخنا صاحب ((الأوجز)) بالحديث المسلسل في إجابة الدعاء عند الملتزم مع المسلسلات للإمام ولي الله الدهلوي. ٦٤١ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب ( ٩٤٤) حدیث ٩٤٤/ ٢٥٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَذْكُرُ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلَى أَبِي ذَرٍّ ، منذ سمعت هذا من رسول الله وَ له، وهكذا قال: كل راو بسنده إلى أن قال شيخي أبو إبراهيم عند رواية الحديث: قد دعوت الله عز وجل فيها بدعوات استجيب لي بعضها وأرجو إجابة بقيتها، قلت: وأنا رأينا إجابة البقية وهي كانت اختتام ((بذل المجهود)) ووفاته بالبلدة الطاهرة الطيبة المدينة المنورة، وقد وقع الأمران حسب ما دعا . وأنا أقول: قد دعوت فيه دعاء كان قريباً للمحال لسوء حالي، لكن الله عزّ وجل أجابه بفضله وكرمه، ومَنِّه، هذا وقد أشار إلى هذا الحديث الجزري في ((حصنه)) فقال: قد روينا في استجابة الدعاء في الملتزم حديثاً مسلسلاً من طريق أهل مكة، وقال الحسن البصري في رسالته إلى أهل مكة: إن الدعاء يستجاب هناك في خمسة عشر موضعاً، في الطواف، وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعلى الصّفا، والمروة، وفي المسعى، وخلف المقام، وفي عرفات، والمزدلفة، ومنى، وعند الجمرات الثلاث، انتهى. ٩٤٤/ ٢٥٢ - (مالك، عن يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن ... . يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة والموحدة المثقلة (أنه سمعه يذكر) أي سمع يحيى أن محمداً يذكر (أن رجلاً) لم يسم، ولا يبعد أن يكون مالك بن زبيد الهمداني الكوفي، كما في الروايات الآتية (مر) ببناء الفاعل من المرور (على أبي ذر) الغفاري - رضي الله عنه - الصحابي المشهور، اسمه جندب بن جنادة على الأصح، وقيل: برير مصغر أو مكبر، واختلف في أبيه، فقيل: جندب أو عشرقة أو عبد الله أو السكن، تقدم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدراً، ومناقبه كثيرة جداً، كذا في ((التقريب))(١). 1 (١) (٤٢٠/٢). ٦٤٢ : ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٤) حديث بِالرَّبَذَةِ، وَأَنَّ أَبَا ذَرِّ سَأَلَهُ: أَيْنَ تُريدُ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ الْحَجَّ. فَقَالَ: هَلْ نَزَعَكَ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فَأَتَنِفِ الْعَمَلَ. وفي ((رجال المشكاة)) من أعلام الصحابة وزهّادهم أسلم قديماً بمكة. يقال: كان خامساً في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه، فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة بعد الخندق، ثم سكن الربذة إلى أن مات بها سنة ٣٢هـ في خلافة عثمان - رضي الله عنه -، وكان يتعبد قبل مبعث النبي وَلّ. (بالربذة) بالراء والموحدة المفتوحتين، كما تقدم في (باب ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد))، وكان عثمان - رضي الله عنه - أنزله بالربذة لزهادته (وأن أبا ذر) - رضي الله عنه - (سأله) أي الرجل المذكور (أين تريد؟ فقال:) الرجل (أردت الحج، فقال) أبو ذر (هل نزعك) بزاي معجمة وعين مهملة أي أخرجك من بيتك، قال المجد: نزعه عن مكانه: قلعه، وقال تعالى: ﴿وَزَعَ يَدَهُ﴾ أي أخرجها (غيره) أي غير الحج أي هل حملك على سفرك هذا غيره من قصد تجارة أو نكاح أو غير ذلك من الأغراض؟ ولفظ البخاري في ((الأدب المفرد))(١) كما سيأتي: ((أما معه بيع ولا تجارة؟ قلنا: لا)) (قال) الرجل (لا) قصد لي غيره (قال) أبو ذر: (فاستأنف العمل) كذا في النسخ الهندية، وفي المصرية: فأتنف العمل، قال المجد: الاستئناف والائتناف: الابتداء، وفي ((المجمع)): ائتنف العمل: استأنفه فإن ما تقدم غفر لك، انتهى . قال الباجي(٢): وذلك لما روي عن النبي ◌ّ من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه يريد - والله أعلم - أنه لا ذنب له؛ لأن ما أتى به العمل قد كفر سائر ذنوبه، فصار كيوم ولدته أمه لا ذنب له، انتهى. (١) رقم الحديث (١١٥٨). (٢) ((المنتقى)) (٨١/٣). ٦٤٣ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٤) حديث قَالَ الرَّجُلُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ فَمَكَثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إِذَا أَنَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِينَ عَلَى رَجُلٍ، فَضَاغَطْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ، فَإِذَا أَنَا بِالشَّيْخِ الَّذِي وَجَدْتُ بِالرَّبَذَةِ، يَعْنِي أَبَا ذَرِّ. قَالَ فَلَمَّا رَآنِي، عَرَفَنِي. فَقَالَ: هُوَ الَّذِي حَدَّثْتُكَ. (قال الرجل فخرجت) من الربذة (حتى قدمت مكة ثم مكثت) بصيغة المتكلم من ضم الكاف وفتحها أي أقمت (ما شاء الله) أن أمكث، قال الباجي: يستعمل ذلك في المدة الطويلة (ثم إذا أنا بالناس) قال المجد: إذا تكون للمفأجاة، فتختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى الجواب ولا تقع في الابتداء ومعناها الحال، كخرجت فإذا الأسد بالباب، قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ نَسْعَى﴾ الأخفش حرف، المبرد ظرف مكان، الزجاج ظرف زمان، (منقصفين) بالنون والقاف أي مزدحمين حتى يقصف بعضهم بعضاً من القصف، وهو الكسر والدفع الشديد لفرط الزحام، كذا في ((المجمع))(١) (على رجل) لا أدري قبل الرؤية من هو (قال: فضاغطت) بضاد وغين معجمتين وطاء مهملة ببناء المتكلم، أي زاحمتُ وضايقتُ (عليه الناس) لأن أراه يريد أنه ضايق الناس حتى وصل إلى النظر إليه. (فإذا أنا بالشيخ) وفي النسخ الهندية: فإذا الشيخ (الذي وجدت بالربذة يعني أبا ذر قال) الرجل: (فلما رآني) الشيخ المذكور (عرفني، فقال: هو الذي حدثتك)، ولا شك فيه تذكير له بما جرى، وثبات على قوله، قال ابن عبد البر(٢): هذا لا يجوز أن يكون مثله رأياً، وإنما يُذْرك بالتوقيف من النبي آل#. قلت: وقد ورد الرفع نصاً فيما رواه الإمام أبو حنيفة، ففي ((جامع (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢٨٥/٤). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٠٠/٢). ٦٤٤ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٤) حديث المسانيد)): أبو حنيفة عن محمد بن مالك الهمداني عن أبيه قال: خرجنا نريد الحج، فرأينا أبا ذر بالربذة، فسلّمنا عليه، فرد السلام، ثم قال: من أين أهل القوم؟ قلنا: من الفج العميق، قال: فأين تؤمُّون؟ قلنا: البيت العتيق، قال: الله الذي لا إله إلا هو ما أشخصكم غيره؟ قلنا: نعم، قال: فإن رسول الله وَله قال: ((من خرج حاجاً، وأخلص، وقضى نسكه، فليستأنف العمل، فإن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه)). ثم ذكر صاحب ((المسانيد)) تخريجه عن عدة المسانيد، وأخرجه أيضاً الإمام محمد في ((الآثار)) (١) بهذا السند قال: خرجنا في رهط نريد مكة حتى إذا كنا بالربذة رفع لنا خباء، فإذا فيه أبو ذر الغفاري، فأتيناه فسلمنا عليه، فرفع جانب الخباء، فرد السلام، فقال: من أين أقبل القوم؟ فقلنا: من الفج العميق، قال: فأين تؤمون؟ قلنا: إلى البيت العتيق، قال: الله الذي لا إله إلا هو ما أشخصكم غير الحج؟، فكرر ذلك علينا مراراً، فحلفنا له، فقال: انطلقوا إلى نسككم ثم استقبلوا العمل. وهذه الروايات كلها من رواية ((الموطأ)) وغيره متضافرة على أن أبا ذر خاطبهم بذلك وهم قادمون إلى مكة، وخالف ذلك سياق البخاري في ((الأدب المفرد))(٢) فقد أخرج عن أبي نعيم نا زهير عن أبي إسحاق عن مالك بن زبيد قال: مررنا على أبي ذر بالربذة، فقال: من أين أقبلتم؟، فقلنا: من مكة، أو من البيت العتيق، قال: هذا عملكم؟، قلنا: نعم، قال: أما معه تجارة ولا بيع؟ قلنا: لا، قال: فاستأنفوا العمل هذا، وقد وقع شك من الراوي في هذه الرواية، فالظاهر أن أبا إسحاق وقع له السهو في الرواية. وقد روي هذا الحديث عن أبي ذر مطولاً ومختصراً بطرق. (١) (ص٦٧). (٢) رقم الحديث (١١٥٨). ٦٤٥ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٥) حدیث ٢٥٣/٩٤٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابِ، عَنْ الإِسْتِثْنَاءِ فِي الْحَجِّ. فَقَالَ: أَوَ يَصْنَعُ ذُلِكَ أَحَدٌ؟ وَأَنْكَرَ ذُلِكَ. سُئِلَ مَالِكٌ: هَلْ يَحْتَشُّ قال السيوطي في ((الدر))(١): أخرج ابن أبي شيبة عن حبيب: أن قوماً مروا بأبي ذر بالربذة، فقال لهم: ما أنصبكم إلا الحج، استأنفوا العمل، وأخرج أيضاً عن ابن مسعود، قال لقوم مثل ذلك، وأخرج أيضاً عن حبيب بن الزبير، قال: قلت لعطاء: أبلغك أن رسول الله وَله قال: استقبلوا العمل بعد الحج؟ قال: لا، ولكن عثمان وأبو ذر، وأخرج البيهقي عن حبيب بن الزبير الأصبهاني قلت لعطاء: أبلغك فذكر نحوه، قلت: وللرفع شاهد من حديث أبي هريرة أيضاً، قال السيوطي. أخرج البيهقي في ((الشعب)) عن أبي هريرة. سمعت أبا القاسم وسلم يقول: ((من جاء يؤم البيت الحرام))، الحديث. وفي آخره: ((خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فليستأنف العمل)). ٢٥٣/٩٤٥ - (مالك: أنه سأل ابن شهاب) الزهري (عن الاستثناء في الحج) وهو أن يشترط أن يتحلل حيث أصابه مانع من المرض وغيره (فقال) الزهري (أو يصنع) بفتح الواو والهمزة للاستفهام، ويكون الكلام في أمثال ذلك عطفاً على محذوف، ومؤداه الاستفهام الإنكاري (ذلك) أي الاشتراط (أحد؟) كان السلف لم يفعلوه (وأنكر ذلك) أي الاشتراط، وبه قال مالك وأبو حنيفة، خلافاً للشافعي إذ قال به في الجملة، وأحمد إذ قال به مطلقاً، كما تقدم البسط في ذلك في أبواب الإحصار(٢)، وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - ينكر الاشتراط في الحج، ويقول: ((أليس حسبكم سنة رسول الله (وَ ل﴾))، كما أخرجه الشيخان وغيرهما . (وسئل) - ببناء المجهول - الإمام (مالك) - رضي الله عنه - (هل يحتش). (١) ((الدر المنثور)) (٤٧١/١). (٢) انظر: ((شرح الزرقاني)) (٤٠١/٢). ٦٤٦ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب الرَّجُلُ لِدَابَّتِهِ مِنَ الْحَرَمِ؟ فَقَالَ: لَا. (٨٢) باب حج المرأة بغير ذي محرم قال الباجي: الاحتشاش: جمعُ الحشيش (الرجل لدابته من) أرض (الحرم؟ فقال) مالك (لا) يجوز. قال الباجي(١): وهذا كما قال: أن لا يحتش أحد في الحرم لدابته ولا لغير ذلك إلا الإذخر الذي أباحه النبي وَّل، ومن احتش في الحرم فلا جزاء عليه، ولا بأس أن يرعى الإبل في الحرم، والفرق بينه وبين الاحتشاش أن الاحتشاش تناول قطع الحشيش، وإرسال البهائم للرعي ليس بتناول لذلك، وهذا لا يمكن الاحتراز منه، ولو منع منه لامتنع السفر في الحرم والمقام فيه لتعذر الامتناع منه والتحرز، انتهى. وتقدم البحث في ذلك في الأبحاث العشرة في أشجار الحرم وحشيشه قبيل ((جامع الحج)). (٨٢) حج المرأة بغير ذي محرم أي هل يجب عليها الحج إذا لم يكن لها محرم؟ وفي حكمه الزوج، وهل يجوز لها أن تحج بغير ذي محرم؟ وفي المسألة خلاف شهير، قال ابن رشد (٢): اختلفوا هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو محرم منها؟ فقال مالك والشافعي: ليس من شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة، وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب. وسبب الخلاف معارضة الأمر بالحج للنهي عن سفر المرأة، فقد ثبت عنه ◌َّ من حديث الخدري وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر النهي عن سفر المرأة إلا مع ذي محرم، فمن غلب عموم الأمر قال: تسافر للحج وإن لم يكن (١) ((المنتقى)) (٨٢/٣). (٢) ((بداية المجتهد)) (٣٢٢/١). ٦٤٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب معها ذو محرم، ومن خصّص العموم بهذا الحديث، أو رأى أنه من باب تفسير الاستطاعة، قال: لا تسافر إلا مع ذي محرم، انتهى. وقال الخرقي: وحكم المرأة إذا كان لها محرم كحكم الرجل، وقال الموفق(١): ظاهره أن الحج لا يجب على التي لا محرم لها، وقد نص عليه أحمد، فقال أبو داود: قلت لأحمد: امرأة موسرة لم يكن لها محرم هل يجب عليها الحج؟ قال: لا، وقال أيضاً: المحرم من السبيل، وهذا قول الحسن والنخعي وإسحاق وابن المنذر وأصحاب الرأي، وعن أحمد: أن المَحْرَم من شرائط لزوم السعي دون الوجوب، فمتى فاتها الحج بعد كمال الشرائط بموت أو مرض لا يرجى برؤه أخرج عنها حَجَّة؛ لأن شروط الحج المختصة به قد كملت، وإنما المَحْرَمُ لحفظها، وعنه رواية ثالثة: أن المَحْرَمَ ليس بشرط في الحج الواجب. قال الأثرم: سمعت أحمد يسأل، هل يكون الرجل محرماً لأم امرأته يخرجها إلى الحج؟ فقال: أما في حجة الفريضة فأرجو؛ لأنها تخرج إليها مع النساء ومع كل من أمنته، وأما في غيرها فلا، والمذهب الأول، وعليه العمل، وقال ابن سيرين ومالك والأوزاعي والشافعي: ليس المحرم شرطاً في حجها بحال، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به، وقال مالك: تخرج مع جماعة النساء، وقال الشافعي: تخرج مع حرةٍ مسلمةٍ ثقةٍ، وقال الأوزاعي: تخرج مع قوم عدولٍ، وقال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد منهم شرطاً لا حجة معه، واحتجوا بأن النبي لة فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وقال لعدي بن حاتم: ((يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة، تؤم البيت لا جوار معها، لا تخاف إلا الله))(٢)، ولأنه سفر (١) ((المغني)) (٣٠/٥ - ٣٢). (٢) أخرجه البخاري في علامات النبوة في الإسلام من كتاب المناقب، ((صحيح البخاري)) (٢٣٩/٤) ح(٣٥٩٥) وأخرجه الترمذي ح (٢٩٥٣). ٦٤٨ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب واجب فلم يشترط له المحرم، كالمسلمة إذا تخلصت من أيدي الكفار. ولنا، ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله وَ لجر: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم إلا ومعها ذو محرم))، وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله وَل يقول: ((لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم))، فقال رجل: يا رسول الله إني كنت في غزوة كذا وكذا، وانطلقت امرأتي حاجّة، فقال النبي ◌َّلر: ((انطلق فاحجج مع امرأتك))، متفق(١) عليهما، وروى ابن عمر وأبو سعيد نحواً من حديث أبي هريرة، قال أبو عبد الله: أما أبو هريرة فيقول: يوماً وليلة، وأما حديث أبي سعيد يقول: ثلاثة أيام، قلت: ما تقول أنت؟ قال: لا تسافر سفراً قليلاً ولا كثيراً إلا مع ذي محرم. وروى الدار قطني بإسناده إلى ابن عباس أن النبي وَلقر قال: ((لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم)) وهذا صريح في الحكم، ولأنها أنشأت سفراً في دار الإسلام، فلم يجز بغير محرم، كحج التطوع، وحديثهم محمول على الرجل، بدليل أنهم اشترطوا خروج غيرها معها، فجعل ذلك الغير المحرم الذي بيَّنه النبي ◌َّير في أحاديثنا أولى مما اشترطوه بالتحكم من غير دليل. ويحتمل أنه أراد أن الزاد والراحلة يوجب الحج مع كمال بقية الشروط، ولذلك اشترطوا تخلية الطريق وإمكان المسير وقضاء الدين ونفقة العيال، واشترط كل واحد منهم في محل النزاع شرطاً من عند نفسه لا من كتاب ولا من سنة، فما ذكره النبي ◌َّ أولى بالاشتراط، ولو قدر التعارض فحديثنا أخص وأصح وأولى بالتقديم، وحديث عدي يدل على وجود السفر، لا على جوازه، ولذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر فيه خروج غيرها معها، وقد اشترطوا خروج غيرها معها . (١) أخرجه البخاري (١٨٦٢)، ومسلم (١٣٤١). ٦٤٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب وأما الأسيرة، إذا تخلصت من أيدي الكفار، فإن سفرها سفرُ ضرورة لا يقاس عليه حالة الاختيار، ولذلك تخرج فيه وحدها، ولأنها تدفع ضرراً متيقناً بتحمل الضرر المتوهم، فلا يلزم تحمل ذلك من غير ضرر أصلاً، انتهى. وفي ((البناية)): قال محب الدين الطبري: وافق أبا حنيفة في اشتراط المحرم أو الزوج أصحاب الحديث، وهو قول النخعي والحسن البصري والثوري وأبي ثور وابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأحد قولي الشافعي، وقال ابن المنذر: المَحْرَمُ لها من السبيل، وقال البغوي من الشافعية: القول باشتراط المَحْرَم أولى، واتفقوا على أنها لا تخرج بغير محرم في غير الفرض، وقال أحمد: لا بأس أن تسافر مع قوم صالحين بغير محرم، انتهى. وفي ((الروض المربع)) (١): يشترط لوجوب الحج والعمرة على المرأة وجود محرمها، ولا فرق بين الشابة والعجوزة، وقصير السفر وطويله، وإن حجت بدونه حرم وأجزأ، انتهى. وقال النووي في ((مناسكه))(٢): أما الطريق فيشترط أمنه في ثلاثة أشياء: النفس والمال والبضع، فلا يجب على المرأة حتى تأمن على نفسها بزوج أو محرم أو نسوة ثقات، قال ابن حجر: قولهم: ثقات، أرادوا به إخراج الفاسقات والكافرات فقط، وأفهم قوله ((أي النووي)) كغيره نسوة أنه لا بد من ثلاثة غيرها، والأوجه وفاقاً لجمع متأخرين أنه يكفي ثلاث بها، بل نص في (الأم)) و((الإملاء)) على الاكتفاء في الوجوب بواحدة غيرها، لكنه ضعيف، وإن قال الأذرعي: إنه المذهب، ثم اعتبار ذلك إنما هو من حيث الوجوب الذي الكلام فيه وإلا فلها الخروج مع واحدة لفرض الحج، كما في شرحي (١) (١/ ٤٦٢). (٢) (ص٩٧). ٦٥٠ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب ((المهذب)) و((مسلم))، وكذا وحدها إذا أمنت، كما في ((شرح مسلم)) وغيره، واعتمده السبكي، وعليه حمل ما دل عليه من الأخبار على جواز سفرها وحدها . أما سفرها وإن قصر أو كانت شوها (١) بغير فرض، كالتطوع بالإحرام من العمرة (٢) من التنعيم فحرام ولو مع النسوة، فقد حمل الشافعي النهي عن سفرها بريداً إلا مع الزوج أو محرم على السفر غير الواجب، انتهى. وقال الدردير(٣): المرأة كالرجل إلا في زيادة محرم أو زوج لها، فيجب عليها كرُفْقةٍ أمِنت بفرض عند عدم المحرم أو الزوج أو امتناعهما أو عجزهما، ولا بد أن تكون مأمونة في نفسها، وفي الاكتفاء في الرفقة المأمونة بنساء فقط أو رجال فقط، أو لا بد من المجموع تردّدٌ. قال الدسوقي: قوله: كرفقة أمنت، حاصله: أن السفر إذا كان فرضاً جاز لها أن تسافر مع المحرم والزوج والرفقة، وإن كان مندوباً جاز لها السفر مع الزوج والمحرم دون الرفقة، ولا بد من السفر مع الرفقة أن تكون مأمونة في نفسها وإلا منع سفرها مع الرفقة، وقوله: أو بالمجموع، المعتمد الاكتفاء بجماعة من أحد الجنسين وأحرى الجماعة من مجموع الجنسين، وفي ((المواق)) عن عياض: اختلف في تأويل قول مالك: تخرج مع رجال ونساء، هل المراد مجموع ذلك أو في جماعة من أحد الجنسين؟ وأكثر ما نقله أصحابنا اشتراط النساء، انتهى. وفي ((إكمال الإكمال))(٤): أبو حنيفة والشافعي يشترطان في وجوب الحج (١) هكذا في الأصل والظاهر شابة والله أعلم. (٢) كذا في الأصل. اهـ. ((ز)). (٣) ((الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي)) (٩/٢). (٤) (٤٣٧/٣). ٦٥١ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب على المرأة وجود ذي محرم، وقال الشافعي: أو امرأة واحدة تقيةٌ، ومالك: لا يشترطه، ويحمل حديث النهي عن سفر المرأة على سفر التطوع، ويشهد لمذهبه أنه اتفق على أنها تهاجر من بلدة الكفر، وما ذاك إلا لأن الهجرة واجبة والحج واجب، وقد ينفصل عن هذا بأن إقامتها بدار الكفر لا تحلّ؛ لأنها تخشى معها على دينها ونفسها، وليس كذلك تأخير الحج. وقال عياض: المرأة فيه كالرجل، إلا أنه لا يلزمها عندنا المشي، وإن قدرت عليه بخلاف الرجل، فإن مشيها عورة إلا فيمن قربت من مكة، وأبو حنيفة جعل ذا المحرم من الاستطاعة، إلا أن يكون دون مكة بثلاث ليالٍ، ووافقه على ذلك جماعةٌ من أهل الرأي. وليس بشرط عند مالك والشافعي، إلا أن الشافعي في أحد قوليه يشترط أن تكون مع النساء أو واحدة تقيةٌ، وهو ظاهر قول مالك، على اختلاف في تأويل قوله: تخرج مع رجال ونساء، هل مراده من مجموع الصنفين أو مع جماعة من أحدهما؟ وأكثر ما ينقل عنه اشتراط النساء، قال ابن عبد الحكم: لا تخرج مع رجال ليسوا بذوي محرم، ولعل مراده على الانفراد دون نساء، فيتفق ما تقدم، ولم يختلف أنها لا تخرج في حج التطوع إلا مع ذي محرم. قال الباجي(١): وهذا عندي في الانفراد والعدد اليسير، وأما القوافل العظيمة فهي عندنا، كالبلاد تسافر فيها دون نساء ودون محرم، وقال غيره: هذا في الشابة، وأما المتجالَّةُ: فتسافر كيف شاءت في الفرض والنفل دون ذي محرم . قال الأبي(٢): ما ذكر عن مالك أن ذا المحرم ليس بشرط، يعني به أنه (١) ((المنتقى)) (٨٧/٣). (٢) ((إكمال إكمال المعلم)) (٤٣٧/٣). ٦٥٢ ----- -- ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب لا يتعين؛ لأن غيره من زوج أو جماعة نساء بمنزلته في إباحة سفرها معه، ففي ((الموطأ)) وذكره ابن رشد روايةً: أن جماعة النساء بمنزلة ذي المحرم، وأما جماعة الرجال فقد قال ابن عبد الحكم: لا تخرج مع رجال ليس فيهم محرم، قال اللخمي: قول ابن عبد الحكم هذا أحسن من قول مالك: تخرج مع رجال أو نساء لا بأس بهم، وفي («المدونة»: من ليس لها ولي تخرج مع من تثق به من الرجال، والعطف في هذا بالواو، وهو الذي ذكره القاضي؛ أنه اختلف في تأويله عندنا، انتهى. وفي ((الهداية)) (١): يعتبر في المرأة أن يكون لها محرم أو زوج، ولا يجوز لها أن تحج بغيرهما إذا كان بينها وبين مكة مسيرة ثلاثة أيام؛ لقوله عليه السلام: ((لا تحجن امرأة إلا ومعها محرم)) ولأنها بدون المحرم يخاف عليها الفتنة، وتزداد بانضمام غيرها إليها، ولذا تحرم الخلوة بالأجنبية، وإن كان معها غيرها، بخلاف ما إذا كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام؛ لأنه يباح لها الخروج إلى ما دون السفر بغير محرم. وفي ((الدر المختار))(٢): وزوج أو محرم لامرأة حرة ولو عجوزاً في سفر، وهل يلزمها التزوج؟ قولان، قال ابن عابدين: مبنيان على أن وجود الزوج أو المحرم شرط وجوب أم شرط وجوب أداء، والذي اختاره في ((الفتح)) أنه مع الصحة وأمن الطريق شرط وجوب الأداء، فيجب الإيصاء، ويجب عليها التزوج عند فقد المحرم، وعلى الأول لا يجب عليه شيء من ذلك، كما في (البحر)) وفي (النهر)) صحح الأول في ((البدائع))، ورجح الثاني في ((النهاية)) تبعاً لقاضي خان، واختاره في ((الفتح))، لكن جزم في ((اللباب)) بأنه لا يجب عليها التزوج مع أنه مشى على جعل المحرم أو الزوج شرط أداء، انتهى. (١) (١/ ١٣٣). (٢) (٥١٠/٢). ٦٥٣ : ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب (٩٤٦) حديث ٢٥٤/٩٤٦ - قَالَ مَالِكٌ، فِي الصَّرُورَةِ قلت: ومشى صاحب ((الغنية)) وغيره أيضاً على كونه شرط وجوب الأداء، والحديث الذي استدل به صاحب ((الهداية))، وتقدم في كلام الموفق أيضاً. قال الحافظ في ((الدراية)): أخرجه البزار من حديث ابن عباس: ((أن رسول الله وَ ﴿ قال: ((لا تحج امرأة إلا ومعها محرم، فقال رجل: يا نبي الله! إني اكتتبت في غزوة كذا وكذا))، الحديث، وأخرجه الدارقطني بنحوه، وإسناده صحيح، وهو في ((الصحيحين)) من هذا الوجه بلفظ: ((لا تسافر))، وروى الطبراني عن أبي أمامة رفعه: ((لا يحل لامرأة مسلمة أن تحج إلا مع زوج أو ذي محرم))، وفيه أبان بن أبي عياش متروك، انتهى. ٢٥٤/٩٤٦ - (قال مالك في الصرورة) بفتح الصاد وضم الراء المهملتين وإسكان الواو وفتح الراء من الصر، وهو الحبس والمنع، والمراد من لم يتزوج، كما سيصرح به المصنف، وقد ورد هذا اللفظ في حديث مرفوع عن ابن عباس عند أبي داود بلفظ: ((لا صرورة في الإسلام))، واختلفوا في تفسيره على أقوال. قال في ((المجمع)) (١): هو التبتل وترك النكاح، أي لا ينبغي لأحد أن يقول: لا أتزوج؛ لأنه ليس من خلق المؤمنين، وهو فعل الرهبان، وهو أيضاً من لم يحج قط، من الصر: وهو الحبس والمنع، وقيل: أراد من قَتَلَ في الحرم قُتِلَ، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كان الرجل في الجاهلية إذا أحدث حدثاً، فلجأ إلى الكعبة لم يُهَجْ، فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم : : قيل له: هو صرورة فلا تُهِجْه. وقال الطيبي(٢): أي لا ينبغي أن يكون أحد لم يحج في الإسلام، وهو (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣١١/٣). (٢) انظر ((شرح الطيبي)) (١٩٤٥/٦). ٦٥٤ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب (٩٤٦) حديث مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَمْ تَحُجَّ قَطْ: إِنَّهَا، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذُو مَحْرَم ..... تشديد، وفي (لسان العرب)) (١): قال اللحياني: رجل صرورة لا يقال إلا بالهاء. وقال ابن الجني: رجل صرورة وامرأة صرورة ليست الهاء التأنيث الموصوف بما هي فيه، وإنما لحقت لإعلام السامع أن هذا الموصوف بما هي فيه قد بلغ الغاية والنهاية، فجعل تأنيث الصفة أمارة لما أريد من تأنيث الغاية والمبالغة، كذا في ((البذل))(٢). (من النساء التي لم تحج قط) صفة كاشفة للصرورة، أو احتراز عن تفاسيره الآخر. قال الزرقاني(٣): يسمى من لم يتزوج صرورة أيضاً، لأنه صر الماء في ظهره، وتبتل على مذهب الرهبانية. ومنه قول النابغة: لو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متلبدٍ (إنها إن لم يكن) وفي النسخ الهندية: إن لم تكن بصيغة التأنيث (لها ذو محرم) واختلفوا في مصداق المحرم هاهنا، قال القاري: المراد بالمحرم من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب قرابة أو رضاع أو مصاهرة، بشرط أن يكون مكلفاً ليس بمجوسي ولا غير مأمون، انتهى. وقال الموفق(٤): المَحْرَمُ زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، كأبيها وابنها وأخيها من نسب أو رضاع؛ لما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله وسلم: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً (١) (٢٤٣١/٤) . (٢) ((بذل المجهود)) (٣٠٩/٨). (٣) (٤٠١/٢). (٤) ((المغني)) (٣٢/٢). ٦٥٥ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب (٩٤٦) حديث يكون ثلاثة أيام فصاعداً، إلا ومعها أبوها أو ابنها أو زوجها أو ذو محرم منها))، رواه مسلم(١). قال أحمد: ويكون زوج أم المرأة محرماً لها يحج بها، ويسافر الرجل مع أم ولد جدِّه، فإذا كان أخوها من الرضاعة خرجت معه، وقال في أم امرأته: يكون محرماً لها في حج الفرض دون غيره، قال الأثرم: كأنه ذهب إلى أنها لم تذكر في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾(٢)، الآية. فأما من تحل له في حالٍ كعبدها وزوج أختها فليسا بمحرم لها، نص عليها أحمد؛ لأنهما غير مأمونين عليها، ولا تحرم عليهما على التأبيد، وقد روي عن نافع عن ابن عمر عن النبي وَّل قال: ((سفر المرأة مع عبدها ضيعة))، أخرجه سعيد. وقال الشافعي: عبدها محرم لها، وأما أم الموطوءة بشبهة أو المزني بها أو ابنتهما، فليس بمحرم لهما؛ لأن تحريمها بسبب غير مباح، فلم يثبت به حكم المحرمية، والكافر ليس بمحرم للمسلمة، وإن كانت ابنته، وقال أبو حنيفة والشافعي: هو محرم لها؛ لأنها مُحَرَّمٌ عليه على التأبيد. ولنا، أن إثبات المحرمية بمقتضى الخلوة بها، فيجب أن لا تثبت لكافر على مسلمة، كالحضانة للطفل، ولأنه لا يؤمن عليها أن يفتنها عن دينها كالطفل، وما ذكروه يبطل بأم المزني بها، والمحرمة باللعان، والمجوسي مع ابنته، ولا ينبغي أن يكون في المجوسي خلاف، فإنه لا يؤمن عليها، ويعتقد حلها، نص عليه أحمد في مواضع، ويشترط في المحرم أن يكون بالغاً عاقلاً، قيل لأحمد: فيكون الصبي محرماً؟ قال: لا حتى يحتلم؛ لأنه لا يقوم بنفسه، فكيف يخرج مع امرأة، وذلك لأن المقصود بالمحرم حفظ المرأة، ولا يحصل إلا من البالغ العاقل فاعتبر ذلك، انتهى. (١) ((صحيح مسلم)) (٢/ ٩٧٧). (٢) سورة النور: الآية ٣١. ٦٥٦ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب (٩٤٦) حديث وقال ابن حجر في ((شرح المناسك)): محرم بنسب أو رضاع أو صهر، ولا يشترط عدالته كالزوج، ويقوم مقام أحدهما عبدها الأمين إن كانت أمينة أيضاً، والمراد بالأمانة العدالة لا العفة عن الزنا فقط، ويكفي محرم مراهق، له وجاهة بحيث يحصل معه الأمن لاحترامه، خلافاً لمن اشترط بلوغه وإن كان ظاهر النص، وكلام ((الروضة)) في العدد يؤيده، انتهى. زاد في ((شرح المنهاج)): يخرج معها زوج ولو فاسقاً؛ لأنه مع فسقه يغار عليها من مواقع الريب، وكذا المحرم ولو فاسقاً، ويكفي على الأوجه مراهق وأعمى لهما حذق يمنع الريبة، انتهى. واشترط البلوغ في النسوة احتياطاً، انتھی . قال الدسوقي(١): أطلق في المحرم، فيعم النسب والرضاع والصهر، ولا يُشترط في المحرم البلوغ، بل يكفي التمييز، وهل عبد المرأة محرم لها مطلقاً نظراً لكونه لا يتزوجها فتسافر معه؟ ورجحه ابن القطان أولاً مطلقاً، وهو الذي ينبغي المصير إليه، ورجحه ابن الفرات، أو إن كان وغداً (٢) فمحرم، فتسافر معه وإلا لا، عزاه ابن القطان لمالك وابن عبد الحكم وابن القصار. وفي ((إكمال الإكمال)) (٣): هو عام في ذي المحارم، وكراهة مالك أن تسافر مع ربيبها وإن كان مع ذوي محارمها، إنما هو لفساد الزمان والمرأة فتنة، قال الأبي: قوله: عام في ذي المحارم، يعني من النسب والصهر والرضاع، وكراهة مالك سفرها مع الربيب، هي له في ((العتبية))، قال في سماع ابن القاسم: وكره أن تسافر مع ربيبها أو حموها لحداثة الحرمة، وعلل الباجي (١) ((حاشية الدسوقي)) (٩/٢). (٢) في الأصل وفي ((حاشية الدسوقي)) ((رغداً)) هو تحريف، والصواب ((وغداً)) أي ضعيف الجسم كما في ((الشرح الصغير)) (١٤/٢). (٣) (٤٣٦/٣). ٦٥٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨٢) باب (٩٤٦) حديث يَخْرُجُ مَعَهَا، أَوْ كَانَ لَهَا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا: أَنَّهَا لَا تَتْرُكُ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ، لِتَخْرُجْ فِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ. الكراهة بعداوة المرأة لربيبها وقلة شقفته عليها، والصواب ما تقدم من تعليله بفساد الزمان. وضبط تقي الدين ذا المحرم بأنه من حرم عليه نكاحها لحرمتها عليه على التأبيد بسبب مباح، فقوله: ((لحرمتها عليه على التأبيد)) احتراز عن الملاعنة؛ لأن تحريمها عليه ليس لحرمتها عليه بل للتغليظ، وقوله: ((بسبب مباح)) احتراز من أم الموطوءة بشبهة، فإن وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(١): الرابع من الشرائط: المحرم الأمين وهو كل رجل مأمون عاقل بالغ مناكحتها حرام عليه بالتأبيد، سواء كان بالقرابة أو الرضاعة أو الصهرية بنكاح أو سفاح في الأصح، كذا ذكره الكرخي، وصاحب ((الهداية)) في باب الكراهية، وذكر قوام الدين شارح ((الهداية)): إذا كان محرماً. بالزنا فلا تسافر معه عند بعضهم، وإليه ذهب القدوري وبه نأخذ، انتهى. قال القاري: وهو الأحوط في الدين وأبعد عن التهمة، لا سيما في المسألة خلاف الشافعية في ثبوت المحرمية، ثم يستوي هل يكون المحرم مسلماً أو كافراً، إلا أن يعتقد حل مناكحتها كالمجوسي، أو يكون فاسقاً ماجناً مما لا يبالي، أو صبياً، وعبد المرأة ليس بمحرم ولو خصياً، انتهى. (يخرج) أي المحرم ومن في حكمه (معها) والجملة صفة لذي محرم (أو كان لها) أي للمرأة محرم (ولم يستطع أن يخرج معها) لمانع قام به من الأعذار، وكذا إن لم يرض أن يخرج معها، (أنها لا تترك فريضة الله) عز وجل (عليها في الحج) بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ﴾ الآية، فدخل فيه النساء، ومن شرط المحرم قال: لم يتحقق في حقها الفرض بعد (ولتخرج في جماعة النساء). وقد تقدم في (١) (ص١٧). ٦٥٨ ٢٠ - كتاب الحج (٨٣) باب (٨٣) باب صيام التمتع أول الباب بيان مسالك الأئمة في ذلك واختلافهم في جواز الخروج لحج الفريضة، بعد اتفاقهم على أنه لا يجوز لها أن تخرج لحج التطوع. (٨٣) صيام المتمتع اعلم أولاً أن المتمتع، وفي معناه القارن، يجب عليه الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام، قال تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الَحْ فَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَذِيُّ فَنَ لَّْ يَجِدْ فَضِيَامُ ثَثَةِ أَيَّامٍ فِ الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾(١) الآية. قال الموفق(٢): لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن المتمتع إذا لم يجد الهدي ينتقل إلى صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع تلك عشرة كاملة، وتعتبر القدرة في موضعه، فمتى عدمه في موضعه جاز له الانتقال إلى الصيام، وإن كان قادراً عليه في بلده، لأن وجوبه مؤقت، وما كان وجوبه مؤقتاً اعتبرت القدرة عليه في موضعه، كالماء في الطهارة إذا عدمه في مكانه انتقل إلى التراب، انتهى. واختلف أهل العلم هاهنا في المراد بالحج، وبالمراد بالرجوع. أما الأول: فقد تقدم في ((ما جاء في التمتع)) أن المراد وقت الحج لاستحالة كون أعماله ظرفاً . واختلفوا في المراد بوقته، قال الموفق(٣): ولكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان، وقت جواز، ووقت استحباب، أما وقت الثلاثة، فوقت الاختيار لها أن يصومها ما بين إحرامه بالحج ويوم عرفة، ويكون آخر الثلاثة، قال طاوس: يصوم ثلاثة أيام آخرها يوم عرفة، وروي ذلك عن عطاء والشعبي ومجاهد والحسن والنخعي وسعيد بن جبير وعلقمة وعمرو بن دينار وأصحاب (١) سورة البقرة: الآية ١٩٦. (٢) («المغني)) (٣٦٠/٥). (٣) المصدر السابق (٣٦٠/٥). ٦٥٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨٣) باب الرأي، وروى ابن عمر وعائشة أن يصومهن ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة، وظاهر هذا أن يجعل آخرها يوم التروية، وهو قول الشافعي؛ لأن صوم يوم عرفة بعرفة غير مستحب، وكذلك ذكر القاضي في ((المحرر))، والمنصوص عن أحمد الذي وقفنا عليه مثل قول الخرقي، أنه يكون آخرها يوم عرفة، وهو قول من سمينا من العلماء، وإنما أحببنا له صوم يوم عرفة هاهنا لموضع الحاجة، وهذا القول يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل يوم التروية، ليصومها في الحج، وإن صام منها شيئاً قبل إحرامه بالحج جاز، نص عليه. وأما وقت جواز صومها، فإذا أحرم بالعمرة، وهذا قول أبي حنفية، وعن أحمد إذا حلّ من العمرة، وقال مالك والشافعي: لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج، ويروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول إسحاق وابن المنذر، لقوله عز اسمه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةٍ أَيَّامٍ فِ اَلْحَّ﴾، ولأنه صيام واجب، فلم يجز تقديمه على وقت وجوبه، كسائر الصيام الواجب، ولأن ما قبله وقت لا يجوز فيه المبدل، فلا يجوز البدل، كقبل الإحرام بالعمرة، وقال الثوري والأوزاعي: يصومهن من أول العشر إلى يوم عرفة. ولنا، أن إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع، فجاز الصوم بعده، كإحرام الحج، وأما قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَكَةِ أَيَّامٍ فِي الحَّ﴾ فقيل: معناه في أشهر الحج، فلا بُدَّ من إضمارٍ، إذ كان الحج أفعالاً لا يصام فيها إنما يصام في وقتها أو في أشهرها، فهو في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾، وأما تقديمه على وقت الوجوب فيجوز إذا وجد السبب، كتقديم الكفارة على الحنث وزهوق النفس، وأما كونه بدلاً فلا يقدم على المبدل، فقد ذكرنا رواية في جواز تقديم الهدي على إحرام الحج، فكذلك الصوم، وأما تقديم الصوم على إحرام العمرة فغير جائز، ولا نعلم قائلاً بجوازه، إلا رواية حكاها بعض أصحابنا عن أحمد، وليس بشيء، لأنه لا يقدم الصوم على سبب وجوبه، ويخالف قول أهل العلم. وأحمد ينزَّه عن هذا، انتهى. ٦٦٠