Indexed OCR Text
Pages 621-640
٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَجَهَ: ((اقْتُلُوهُ)). أخرجه البخاريّ في: ٢٨ - كتاب جزاء الصيد، ١٨ - باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام . ومسلم في: ١٥ - كتاب الحج، ٨٤ - باب جواز دخول مكة بغير إحرام، حديث ٤٥٠. (فقال رسول الله ◌َّلة: اقتلوه). زاد الوليد بن مسلم عن مالك: فَقُتِل، أخرجه ابن عائذ، وصححه ابن حبان، قاله الحافظ، وذلك لما تقدم أنه كان ممن أهدر دمه، واختلفوا في قاتله هل هو سعيد بن حريث أو عمار بن ياسر أو سعد بن أبي وقاص أو سعيد بن زيد أو أبو برزة؟ بفتح الموحدة وإسكان الراء المهملة، فزاي المهملة، معجمة، مفتوحة، الأسلمي، وهو أصح ما جاء في تعيين قاتله، ورجحه الواقدي، قاله الزرقاني(١). وقال الحافظ (٢) بعد ما ذكر الروايات المختلفة في ذلك: روى ابن أبي شيبة من طريق أبي عثمان النهدي أن أبا برزة الأسلمي قتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، وإسناده صحيح مع إرساله، وله شاهد عند ابن المبارك في ((البر والصلة)) من حديث أبي برزة نفسه، ورواه أحمد من وجه آخر، وهو أصح ما ورد في تعيين قاتله، وبه جزم البلاذري وغيره من أهل العلم بالأخبار، وتحمل بقية الروايات على أنهم اتبدروا قتله، فكان المباشر له منهم أبو برزة. ويحتمل أن يكون غيره شاركه فيه، فقد جزم ابن هشام في ((السيرة)) بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، ومنهم من سمى قاتله سعيد بن ذويب، وحكى المحب الطبري أن الزبير بن العوام هو الذي قتل ابن خطل، انتهى . (١) (شرح الزرقاني)) (٣٩٧/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٦١/٤). ٦٢١ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث وقال في المغازي(١): حكى الواقدي فيه أقوالاً أخر، منها، أن قاتله شريك بن عبدة العجلاني، ورجح أنه أبو برزة، وجزم ابن إسحاق أن سعيد بن حريث وأبا برزة اشتركا في قتله، انتهى. وتقدم ما قال ابن عبد البر والطيبي أن قتل ابن خطل كان قوداً لقتله المسلم، وما قال القاري: بل كان ارتداداً، وقال النووي: في الحديث حجة لمالك والشافعي وموافقيهما في جواز إقامة الحد والقصاص في حرم مكة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأولوا هذا الحديث على أنه قتله في الساعة التي أبيحت له، وأجاب أصحابنا بأنها إنما أبيحت له ساعة الدخول حتى استولى عليها وأذعن له أهلها وإنما قتل ابن خطل بعد ذلك، انتهى ما في ((النووي)). وتعقب صاحب ((المحلى على الموطأ)) قول النووي بما رواه أحمد أن الساعة من أول النهار إلى وقت العصر، وقتل ابن خطل كان قبل ذلك، انتهى. وإليه مال الحافظ إذ قال: في الاستدلال بذلك نظر، لأن المخالفين تمسكوا أن ذلك إنما وقع في الساعة التي أحل للنبي وَّة، وقد وقع عند أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنها استمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر، انتهى. وقال العيني(٢): في استدلال بعضهم في جواز الحدود والقصاص في حرم مكة، قلنا: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَمُ كَانَ ءَامِنًا﴾ ومتى تعرض إلى من التجأ به يكون سلب الأمن عنه، وهذا لا يجوز، وكان قتل ابن خطل في الساعة التي أحلت للنبي ◌ّ، انتهى. وبسط الجصاص في ((أحكام القرآن))(٣) في استدلال الحنفية بالآية، (١) ((فتح الباري)) (١٦/٨). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٤٠/٧). (٣) («أحكام القرآن)) (٢١/٢). ٦٢٢ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، يَوْمَئِذٍ، مُحْرِماً. فارجع إليه، وقال: قد اختلف الفقهاء فيمن جنى في غير الحرم، ثم لاذ إليه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد: إذا قتل في غير الحرم، ثم دخله لم يقتص منه ما دام فيه، ولكنه لا يبايع، ولا يواكل إلى أن يخرج من الحرم، فيقتصّ منه، وإن قتل في الحرم قُتِل، وإن كانت جنايته فيما دون النفس في غير الحرم ثم دخله اقتصّ منه. وقال مالك والشافعي: يقتص منه في الحرم ذلك كله، قال أبو بكر: روي عن ابن عباس وابن عمر وعبيد الله بن عمير وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس والشعبي فيمن قتل ثم لجأ إلى الحرم أنه لا يقتل، قال ابن عباس: ولكنه لا يجالس، ولا يؤوى، ولا يبايع حتى يخرج من الحرم فيقتل، وإن فعل ذلك في الحرم أقيم عليه. وروى قتادة عن الحسن أنه قال: لا يمنع الحرم من أصاب فيه أو في غيره أن يقام عليه، ولا خلاف بين الفقهاء أنه مأخوذ بما يجب عليه فيما دون النفس، وكذلك لا خلاف أن الجاني في الحرم مأخوذ بجنايته في النفس وما دونها، انتهى. و(قال مالك) في سبب كون المغفر على رأسه، وزادت في جميع النسخ الهندية من المتون والشروح بعد ذلك، قال ابن شهاب: وليس هذه الزيادة في شيء من النسخ المصرية من المتون والشروح، والصواب حذفها، فإن الكلام الآتي رواه البخاري برواية يحيى بن قزعة عن مالك عن نفسه دون ابن شهاب، وهكذا حكى غير واحد من الشراح هذا الكلام عن مالك، لا عن ابن شهاب. (ولم يكن رسول الله (185 يومئذ) أي يوم فتح مكة (محرماً) إذ لم يرو أحد أنه تحلل يومئذ من إحرامه، وقيل: يحتمل أن يكون محرماً إلا أنه لبس المغفر للضرورة، أو أنه من خواصه وَلّره، قاله العيني. وقال الباجي(١): دخوله بَّ مكة، وعلى رأسه المغفر، يقتضي أحد السعودية :ورسم (١) ((المنتقى)) (٨٠/٣). ٦٢٣ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث أمرين: إما أن يكون غير محرم، وهو الأظهر، لأنه لم يرو أحد أنه تحلل من إحرام. وقد روي عنه وَّل أنه قال: إنما أحلت لي ساعة من نهار، فعلى أن دخول مكة على غير إحرام خاص بالنبي ◌َّ ولذا قال مالك: لم يكن النبي وَّل يومئذٍ محرماً، وقد كان يحتمل أن يكون غطى رأسه لأذى اضطره إلى ذلك، وافتدى، لو ثبت أنه دخل مكة محرماً. ودخول مكة على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: أن يريد دخولها للنسك في حج أو عمرة، فهذا لا يجوز أن يدخلها إلا محرماً، فإن تجاوز الميقات غير محرم فعليه دم، والضرب الثاني: أن يدخلها غير مريد للنسك، وإنما يدخلها لحاجة تتكرر كالحطّابين، وأصحاب الفواكه، فهؤلاء يجوز لهم دخولها غير محرمين، لأن الضرورة كانت تلحقهم بالإحرام متى احتاجوا إلى دخولها لتکرر ذلك. والضرب الثالث: أن يدخلها لحاجته، وهي مما لا تتكرر، فهذا لا يجوز له أن يدخلها إلا محرماً، لأنه لا ضرر عليه في إحرامه، وإن دخلها غير محرم، فهل عليه دم أو لا؟ الظاهر من المذهب أنه لا شيء عليه، وقد أساء، انتھی . وقال النووي في ((شرح مسلم)) (١): في الحديث دليل لمن يقول: بجواز دخول مكة بغير إحرام، لمن لم يرد نسكاً سواء كان دخوله لحاجة تتكرر كالحطّاب والحشاش والسقّاء، والصياد، وغيرهم، أم لم يتكرر كالتاجر والزائر وغيرهما، وسواء كان آمناً أو خائفاً، وهذا أصح القولين للشافعي، وبه يفتي أصحابه، والقول الثاني: لا يجوز دخولها بغير إحرام إن كانت حاجته لا تتكرر إلا أن يكون مقاتلاً أو خائفاً من قتال أو ظالم، ونقل القاضي نحو هذا عن أكثر العلماء، انتهى. (١) (١٣١/٩/٥). ٦٢٤ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث قال الحافظ(١): اختلف العلماء في ذلك أي في وجوب الإحرام لداخل الحرم، فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقاً، وفي قول يجب مطلقاً، وفيمن يتكرر دخوله خلاف مرتب، وأولى بعدم الوجوب، والمشهور عن الأئمة الثلاثة الوجوب، وفي رواية عن كل واحد منهم لا يجب، وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة، واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات، وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب، انتھی . وقال الموفق(٢): من جاوز الميقات مريداً للنسك غير محرم، فعليه أن يرجع إليه ليحرم منه إن أمكنه سواء تجاوزه عالماً به أو جاهلاً، علم تحريم ذلك أو جهله، فإن رجع إليه، فأحرم منه فلا شيء عليه، لا نعلم في ذلك خلافاً، وإن أحرم من دون الميقات فعليه دم. وأما المُجاوز للميقات ممن لا يريد النسك فعلى قسمين: أحدهما: لا يريد دخول الحرم، بل يريد حاجة فيما سواه، فهذا لا يلزمه الإحرام بغير خلاف، ولا شيء عليه في ترك الإحرام، وقد أتى النبي وَلّر وأصحابه بدراً مرتين، وكانوا يسافرون للجهاد وغيره، فيمرون بذي الحليفة، فلا يحرمون، ولا يرون بذلك بأساً، ثم بدا لهذا الإحرام، وتجدد له العزم أحرم من موضعه ولا شيء عليه، هذا ظاهر كلام الخرقي، وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة - رحمه الله - وحكى ابن المنذر عن أحمد يرجع إلى الميقات، فيحرم، وبه قال إسحاق، والأول أصح. القسم الثاني: من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها فهم على ثلاثة (١) ((فتح الباري)) (٤٩/٤). (٢) ((المغني)) (٦٩/٥ - ٧٢). ٦٢٥ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث أضرب: أحدها: من يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة كالحَشاش والحطَّاب وناقل الميرة، ومن كانت له ضيعةٌ، يتكرر دخوله وخروجه إليها، فهؤلاء لا إحرام عليهم؛ لأنه ◌ّ دخل يوم الفتح مكة حلالاً وعلى رأسه المغفر، وكذلك أصحابه، ولم نعلم أحداً منهم أحرم يومئذ، وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد دخول الحرم بغير إحرام إلا من كان دون الميقات. ولنا حديث الأب، ومتى أراد هذا النسك بعد مجاوزة الميقات أحرم من موضعه، كالقسم الذي قبله، وفيه من الخلاف ما فيه. والنوع الثاني: من لا يكلف الحج كالعبد والصبي والكافر إذا أسلم بعد مجاوزة الميقات أو عتق العبد أو بلغ الصبي، وأرادوا الإحرام، فإنهم يحرمون من موضعهم، ولا دم عليهم، وبهذا قال عطاء ومالك والثوري والأوزاعي وإسحاق، وهو قول أصحاب الرأي في الكافر يُسْلم، والصبي يبلغ، وقالوا: في العبد عليه دم، وقال الشافعي في جميعهم: على كل واحد منهم دم، وعن أحمد في الكافر يسلم كقوله: ويتخرج في الصبي والعبد كذلك، قياساً على الکافر یسلم. النوع الثالث: المكلف الذي يدخل لغير قتال ولا حاجة متكررة، فلا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم، وبه قال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم: لا يجب الإحرام، وعن أحمد ما يدل على ذلك، انتهى مختصراً. قال ابن العربي(١) تحت حديث المواقيت: قوله: فمن أراد الحج والعمرة يقتضي أن من دخلها لحاجة لا يريد الحج والعمرة إلا يحرم، ولمالك في ذلك روايتان، وللشافعي قولان، وأبو حنيفة صرح أنه لا يدخلها إلا حراماً، ولو (١) ((عارضة الأحوذي)) (٥٢/٤). ٦٢٦ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كان من أهلها، ولو كان الكل سواء لما خص مريد الحج والعمرة بالبيان في وقت الحاجة، وعمدتهم قوله: ((لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وعادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس))، ولم يرد به حل القتال لأنه حلال له أبداً بل واجب، وكذلك غيره، فدل على أنه أراد بما اختص به من ذلك حل الإحرام، وبتعارض الأدلة اختلف قول العلماء، والاحتياط للإحرام إلا من كثر دخوله، فيرتفع للمشقة، انتهى. وفي ((الهداية))(١): الآفاقي إذا انتهى إليها أي المواقيت على قصد دخول مكة عليه أن يحرم، قصد الحج أو العمرة أو لم يقصد عندنا، لقوله اَ لير: ((لا يجاوز أحد الميقات إلا محرماً))، ومن كان داخل الميقات له أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته، انتهى. (والله أعلم) هكذا في جميع النسخ الهندية والمصرية، وزاد في النسخ الهندية على ذلك رقم النسخة. والظاهر أن الإمام مالكاً - رضي الله عنه - جزم بما سبق، وزاده للتبرك، لا للتردد. وفي رواية البخاري عن يحيى بن قزعة عن مالك المتقدمة قال مالك: ((ولم يكن النبي ◌ّ﴾ فيما نرى - والله أعلم - يومئذ محرماً)). قال العيني (٢): قوله: ((فيما نُرى)) على صيغة المجهول أي نظن. قال الزرقاني(٣): وقد رواه عبد الرحمن بن مهدي عن مالك جزماً عن الدراقطني بإسقاط ((فيما نُرى والله أعلم))، وصرح جابر بما جزم به مالك، أما عنه فقال: بغير إحرام كما في مسلم وغيره، ودخولها بلا إحرام من الخصائص النبوية عند الجمهور، وخالف ابن شهاب، فأجاز ذلك بغيره، قال أبو عمر: (١) (١/ ١٣٤). (٢) ((عمدة القاري)) (١٢/ ٢٧١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٧/٢). ٦٢٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٠) حديث ٢٤٨/٩٤٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ .... عُمَرَ أَقْبَلَ مِنْ مِكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِقُدَيْدٍ جَاءَهُ خَبَرٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، ولا أعلم من تابعه على ذلك إلا الحسن البصري. وروي عن الشافعي، والمشهور عنه أنها لا تدخل إلا بإحرام، فإن دخلها أساء، ولا شيء عليه عنده، وعند مالك وجماعة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه حجة أو عمرة، انتھی . قلت: ولفظ حديث جابر عند مسلم: ((دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام))، وقال محمد في ((موطئه)) (١) بعد حديث الباب: ((أن النبي ◌َّ دخل مكة حين فتحها غير محرم، ولذلك دخل وعلى رأسه المغفر)): وقد بلغنا أنه حين أحرم من حنين، قال: هذه العمرة لدخولنا مكة بغير إحرام يعني يوم الفتح، فكذلك الأمر عندنا من دخل مكة بغير إحرام، فلا بد له من أن يخرج، فَيُهِلَّ بعمرة أو حجة لدخوله مكة بغير إحرام، وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا، انتهى. وسيأتي بعد الأثر الآتي شيء من ذلك. ٢٤٨/٩٤٠ - (مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أقبل) أي توجه (من مكة) المكرمة يريد المدينة المنورة (حتى إذا كان بقديد) بضم القاف مصغراً قرية جامعة بين الحرمين. قال الحموي: تصغير القد أو القدد، اسم موضع قرب مكة (جاءه خبر) مانع عن السفر إلى المدينة (من المدينة). قال الباجي(٢): وذلك الخبر الذي ورد عليه يقتضي أن يكون اقتضى رجوعه إلى مكة، لامتناع وصوله إلى المدينة، ويحتمل أن يكون اقتضى رجوعه إلى مكة ليخرج إلى المدينة على غير الصفة التي كان خرج عليها، أو ليستصحب ما لم يكن استصحبه، أو ليقدم ما لم يكن يقدمه . (١) (ص١٧٥). (٢) ((المنتقى))(٨٠/٣). ٦٢٨ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٠) حديث فَرَجَعَ فَدَخَلَ مَكِّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامِ . قلت: والأول هو المتعين لما في ((الزرقاني)): جاءه خبر من المدينة بالفتنة، كما في رواية عبد الرزاق، عن عبيد الله عن نافع. قال العيني(١): روى ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) عن علي بن مسهر عن عبيد الله عن نافع عن عبد الله، وبلغه بقديد أن جيشاً من جيوش الفتنة دخلوا المدينة، فكره أن يدخل عليهم، فرجع إلى مكة، فدخلها بغير إحرام، وفي ((المحلى)): جاءه خبر مانع عن التوجه إليها، ولعلها وقعة الحرة، (فرجع) عن الطريق (فدخل مكة بغير إحرام)، وهو المقصود بالأثر. قال الباجي: تقدم ذكر الداخل إلى مكة بغير إحرام ابتداء، وما يلزم فيه من الإحرام وما يجوز منه بغير إحرام، والكلام هاهنا في الراجع إلى مكة لحاجة نسيها أو لقصة ذكرها، وهو لا يريد نسكاً، ولا مقاماً بها، وإنما يريد أخذ ما نسيه، ثم يخرج عنها، فإن هذا عندي مثل من طاق طواف الوداع ثم رجع، انتھی. قلت: واستدل بأثر الباب من أباح دخول مكة بغير إحرام، كما فعله البخاري وغيره ولا يلزم ذلك الحنفية، قال صاحب ((المحلى على الموطأ)): وتأويله عند الحنفية أن قديداً واقع بين الميقات ومكة، ويجوز دخولها عندهم غير محرم لمن هو داخل المواقيت، انتهى. قال محمد(٢) في ((موطئه)) بعد أثر الباب: وبهذا نأخذ من كان في المواقيت أو دونها إلى مكة ليس بينه وبين مكة وقت من المواقيت التي وُقِّتَتْ، فلا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام، وأما من كان خلف المواقيت أي وقت من المواقيت التي بينه وبين مكة. فلا يدخلن مكة إلا بالإحرام، وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - والعامة من فقهائنا، انتهى. (١) ((عمدة القاري)) (٥٣٥/٧). (٢) ((موطأ مالك مع التعليق الممجد)) (٣٥١/٢). ٦٢٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤١) حديث وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِمِثْلِ ذُلِكَ. ٢٤٩/٩٤١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرو بْنِ حَلْحَلَةَ الدِّيْلِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الأَنْصَارِيِّ، وفي ((التعليق الممجد))(١): وبه قال الجمهور، قلت: وبه جزم الزرقاني وغيره كما سيأتي. (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (مثل ذلك) أي مثل ما تقدم عن نافع، قال الزرقاني(٢): واحتجّ به ابن شهاب والحسن البصري، وداود وأتباعه على جواز دخولها بلا إحرام، وقالوا: إن موجب الإحرام عليه بحج أو عمرة لم يوجبه الله ولا رسوله ولا اتفق عليه، وأبى ذلك الجمهور، وقال ابن وهب عن مالك: لست آخذ بقول ابن شهاب، وكرهه، وقال: إنما يكون ذلك على مثل ما عمل ابن عمر من القرب إلا رجلاً يأتي بالفاكهة من الطائف أو ينقل الحطب يبيعه، فلا أرى بذلك بأساً. وقال إسماعيل القاضي: كره الأكثر دخولها بلا إحرام، ورخصوا للحطّابين، ومن أشبههم، ممن يكثر اختلافه إلى مكة، ولمن خرج منها يريد بلده، ثم بدا له أن يرجع كما صنع ابن عمر. أما من سافر إليها لتجارة أو غيرها، فلا يدخلها إلا محرماً، لأنه يأتي الحرم، ويؤكد ذلك أنه لو نذر المشي إليها وجب عليه أن يدخلها محرماً بحج أو عمرة، وما دخلها بَّ قط إلا محرماً إلا يوم الفتح، انتهى. ٢٤٩/٩٤١ - (مالك، عن محمد بن عمرو) بفتح العين (ابن حلحلة) بحائين مهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة (الديلى) بكسر الدال المهملة وسكون المثناة التحتية (عن محمد بن عمران الأنصاري) قال ابن عبد البر(٣): لا (١) (٣٥١/٢). (٢) ((شرح الزرقاني)) (٣٥٨/٢). (٣) انظر: ((التمهيد)) (٦٤/١٣). ٦٣٠ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤١) حديث عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: عَذَلَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنَا نَازِلٌ تَحْتَ سَرْحَةٍ أعرفه إلا بهذا الحديث، وفي ((تهذيب الحافظ)): ذكره ابن حبان في ((الثقات))(١) وذكره البخاري(٢) فلم يذكر فيه جرحاً، وفي ((رجال الموطأ)) لابن الحذّاء: قال بعضهم: هو محمد بن عمران بن بشر تأخّر حتى روى عنه الواقدي وطبقته، وذكر البجيرمي : محمد بن عمران بن بشر مفرداً عن شيخ محمد بن عمرو بن حلحلة، وكذا فرق بينهما ابن حبان وابن أبي حاتم في الطبقة الثالثة من الثقات، قلت: ورقم عليه الحافظ للنسائي فقط (عن أبيه) قال الزرقاني(٣): إن لم يكن عمران بن حبان الأنصاري أو عمران بن سوادة فلا أدري من هو؟ انتهى. قلت: وهكذا حكاه صاحب ((المحلى)) و((التنوير)) عن ابن عبد البر، والظاهر عندي أنه غيرهما، فإنهما ليسا من رواة الستة، وهذا من رواة النسائي. قال الحافظ في ((تهذيبه)) (٤): عمران الأنصاري عن ابن عمر في فضل وادي السرر، روى عنه محمد ابنه، أخرجه له النسائي(٥) هذا الحديث الواحد، وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به، انتهى. وقال في ((تقريبه)): عمران الأنصاري مقبول من الرابعة. (أنه قال: عدل إلي) بشد الياء أي رجع إلى جانبي (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (وأنا نازل تحت سرحة) هكذا في النسخ المصرية، وهو بفتح السين والحاء المهملتين بينهما راء مهملة ساكنة، شجرة طويلة لها شعب، وفي ((المجمع)): شجرة ضخمة، وفي النسخ الهندية: تحت شجرة، والأوجه الأول ٠٤ (١) (٣٨٥/٧). (٢) ((التاريخ الكبير)) (٢٠٢/١). (٣) ((شرح الزرقاني)) (٢٩٩/٢). (٤) (٨/ ١٤٢). (٥) (سنن النسائي)) (٢٤٨/٥). ٦٣١ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤١) حدیث بِطَرِيقٍ مَكَّةَ. فَقَالَ: مَا أَنْزَلَكَ تَحْتَ هُذِهِ السَّرْحَةِ؟ فَقُلْتُ: أَرَدْتُ ظِلَّهَا. فَقَالَ: هَلْ غَيْرُ ذُلِكَ؟ فَقُلْتُ: لَا. مَا أَنْزَلَنِي إِلَّا ذُلِكَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه: ((إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ ... (بطريق مكة). قال الباجي(١): وإنما عدل إليه عبد الله بن عمر لما كان عنده من العلم ليختبر إن كان ذلك أنزله أو أنزله الظل، فيعلمه بما عنده في ذلك اغتناماً للأجر وحرصاً على تعليم العلم، ولعل ابن عمر قد قصد مع ذلك التبرك بالوصول إليها وذكر الله عندها، لما كان عنده من علم فضلها إن كانت السرحة متعينة عنده، أو لظنه أنها تلك لعدم مثلها في تلك الجهة، أو لعله رجا أن يكون عند عمران الأنصاري علمٌ بعينها . (فقال: ما) السبب الذي (أنزلك) أفاد والدي المرحوم في ما حكى عن شيخه في ((تقرير النسائي)): سأله لظنه أن نزوله هاهنا لفهمه أن المذكور في الرواية هو هذا المحل ولم يكن كذلك، انتهى. (تحت هذه السرحة؟) تظافرت النسخ هاهنا بلفظ السرحة (٢) (فقلت: أردت ظلها) أي نزلت هاهنا لأستريح بظلها (فقال: هل غير ذلك؟) بنصب غير أي: هل أردت غير ذلك؟. كذا في ((المحلى))، وأعرب في النسخ بالرفع أي هل أنزلك غير ذلك؟ (فقلت: لا) أردت غيرها و(ما أنزلني) تحتها (إلا ذلك). وسأل ذلك اختباراً لما عند عمران في ذلك، فلما قال: أردت ظلها استفهمه إن كان اقترن بذلك غرض آخر من تبرك بها، أو معرفة شيء مما يرجى عندها، فإنه يجتمع فيه الأمران لمن قصد ذلك، ونواه. (فقال عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -: (قال رسول الله ◌َّن: إذا كنت) بصيغة الخطاب (بين الأخشبين) بالمعجمتين قال المجد: هما جبلا مكة: (١) ((المنتقى)) (٨٠/٣). (٢) السرحة: الشجرة، قال الخليل: السرح: الشجر الطوال الذي له شعب وظل، واحدته سرحة . ٦٣٢ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤١) حديث مِنْ مِنِىَ، وَنَفَخَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، أبو قبيس والأحمر، وجبلا منى. وفي ((المجمع)): الأخشب كل جبل خشن غليظ، وقال ابن وهب: أراد بهما الجبلين اللذين تحت العقبة بمنى فوق المسجد، والأخاشب الجبال. وقال إسماعيل: الأخاشب يقال: إنها اسم لجبال مكة ومنى خاصة. وقال الحموي(١): الأخاشب بالشين المعجمة والباء الموحدة، والأخشب من الجبال الخشن الغليظ، ويقال: هو الذي لا يرتقى فيه، والخشب الغليظ الخشن من كل شيء، والأخشبان تثنية الأخشب، وهما جبلان يضافان تارة إلى مكة، وتارة إلى منى، وهما واحد، أحدهما أبو قبيس، والآخر قعيقعان، ويقال: بل هما أبو قبيس والجبل الأحمر المشرف هنالك، ويسميان الجبجبان أيضاً، وقال السيد علي العلوي: الأخشب الشرقي أبو قبيس والغربي هو المعروف بجبل الخط، وقال الأصمعي: الأخشبان أبو قبيس وهو الجبل المشرف على الصفا، والآخر الذي يقال له: الأحمر، وكان يسمى في الجاهلية الأعرف، وهو الجبل المشرف وجهه على قعيقعان (بمنى) وفي النسخ الهندية: ((من منى))، وتقدم ما قال ابن وهب: إنهما تحت العقبة بمنى. (ونفخ) بخاء معجمة في جميع النسخ الهندية والمصرية غير ((المنتقى)) ففيها بالحاء المهملة ولم يضبطه، وضبطه الزرقاني بالمعجمة، وفسَّره بأشار، وبذلك فسره الباجي وغيره من شراح ((الموطأ))، وضبطه فيما بين سطور النسائي بحاء مهملة، وفسره بضرب، ورمى بيده (بيده) قال الباجي(٢): يريد أشار، ولعله أراد البعد عن الموضع الذي كان به حين أشار (نحو المشرق) قال البوني: أحسب أن ابن عمر - رضي الله عنهما - ظن أن عمران يعلم الوادي الذي فيه المزدلفة، ولذلك ما كرر عليه السؤال، انتهى. (١) ((معجم البلدان)) (١١٩/١). (٢) ((المنتقى)) (٨١/٣). ٦٣٣ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤١) حديث فَإِنَّ هُنَاكَ وَادِياً يُقَالُ لَهُ: السُّرَرُ، بِهِ شَجَرَةٌ سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا)). أخرجه النسائيّ في: ٢٤ - كتاب الحج، ١٨٩ - باب ما ذكر في منى. (فإن هناك وادياً يقال له: السرر) قال الحموي: بكسر أوله وفتح ثانيه وهو من السُرَّةِ التي تقطعها القابلة، والمقطوع سُرّ، والباقي سُرّة، والسرر الموضع الذي سُرَّ فيه الأنبياء، وهو على أربعة أميال من مكة، وفي بعض الحديث: أنه بالمازمين من منى كانت فيه دوحة، وكان عبد الصمد بن علي اتخذ عليه مسجداً. قال الأزهري: قيل: هو الموضع الذي جاء في حديث ابن عمر أنه قال لرجل: إذا أتيت إلى منى فانتهيت إلى موضع كذا، فإن هناك سرحة لم تجرد ولم تسرف، سُرَّ تحتها سبعون نبياً، فأنزل تحتها، فسمي سرراً لذلك. وروى المغاربة السرر وادٍ على أربعة أميال من مكة عن يمين الجبل، قالوا: هو بضم السين وفتح الراء الأولى، كذا رواه المحدثون بلا خلاف، وقال الرياشي: المحدثون يصفونه وهو بالفتح، وهذا الوادي هو الذي سُرَّ فيه سبعون نبياً أي قطعت سررهم بالكسر، وهو الأصح، هذا كله من ((مطالع الأنوار))، وليس فيه شيء موافقاً للإجماع، انتهى. وقال المجد: السُرَرُ كصُرَد: موضع قرب مكة كانت به شجرة سُرَّ تحتها سبعون نبياً أي قُطِعَتْ سُرَرُهم أي وُلدوا. وفي ((المجمع)): وادي السُرَرِ بضم سين وفتح راء، وقيل: بفتحهما، وقيل: بكسر سين، ووقع التخليط في رواية النسائي، ونسخة في ذكر هذا اللفظ (به سرحة) كذا في النسخ الهندية، وفي النسخ المصرية: به شجرة (سر) ببناء المجهول (تحتها) أي تحت هذه الشجرة (سبعون نبياً)(١) أي ولدوا تحتها، فقُطِعَ سُرُّهم بالضم، وهو ما تقطعه القابلة من سُرَّةِ الصبي، كما في ((النهاية)) و((المجمع)) وغيرهما . (١) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٣٥٥/١٣): هذا الحديث دليل على التبرك بمواضع الأنبياء والصالحين، ومساكنهم، وآثارهم، وإلى هذا قصد ابن عمر بحديثه هذا، والله أعلم. ٦٣٤ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٢) حديث ٩٤٢/ ٢٥٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَجْذُومَةٍ، وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ. فَقَالَ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ، لَا تُؤْذِي النَّاسَ، لَوْ جَلَسْتِ فِي بَيْتِكِ، فَجَلَسَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ. وقال مالك: بشروا تحتها بما يَسُرُّهم، قال ابن حبيب: فهو من السرور أي تنبئوا تحتها واحداً بعد واحد، فسُرُّوا بذلك، انتهى. قلت: لكن عامة أهل اللغة وشراح الحديث على الأول. ٢٥٠/٩٤٢ - (مالك، عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو (بن حزم عن) عبد الله بفتح العين ابن عبيد الله بضمها ابن عبد الله بفتحها (ابن أبي مليكة) بضم الميم مصغراً، كذا نسبه الزبير وابن الكلبي وغيرهما، ولم يذكر بعضهم في نسبه المكبر بعد المصغر، كان قاضياً لابن الزبير، ومؤذناً له، أدرك ثلاثين من الصحابة، قال ابن سعد: ولّاه ابن الزبير قضاء الطائف، وكان ثقة كثير الحديث، مات سنة ١١٧ أو سنة ١١٨هـ، من رواة الستة. (أن) أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) - رضي الله تعالى عنه وأرضاه - (مر) ببناء الفاعل من المرور (بامرأة مجذومة) أصابها داء الجذام يقطع اللحم ويسقطه (وهي تطوف بالبيت) الظاهر للتطوع، فإن الطواف الواجب لا يمنع منه (فقال لها: يا أمة الله، لا تؤذي الناس) بريح الجذام (لو جلستِ) بكسر تاء الخطاب (في بيتك) كان خيراً لك أو لفظة ((لو)) للتمني، فلا جواب لها، ونهيه - رضي الله عنه - كان امتثالاً؛ لقوله ◌َّ: ((فرِّ من المجذوم فرارَك من الأسد)). رواه البخاري(١) من حديث أبي هريرة، ولما كان منع الطائفتين بأسرها مشكلاً أمرها بالقعود في بيتها . (فجلست، فمر بها رجل) لم يسم (بعد ذلك) أي بعد نهي عمر - رضي الله ايمديـ (١) (٥٧٠٧). ٦٣٥ ٢٠ - كتاب الحج : (٨١) باب (٩٤٢) حديث فَقَالَ لَهَا: إِنَّ الَّذِي كَانَ قَدْ نَهَاكِ، قَدْ مَاتَ، فَاخْرُجِى. فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لَأَطِيعَهُ حَيَّ، وَأَعْصِيَهُ مَيِّتاً . عنه - بزمان (فقال لها: إن الذي كان نهاك) عن الطواف (قد مات، فاخرجي) للطواف، قال الزرقاني(١): لعله جاهل أو رجل سوء أو يكون مختبراً لها، قاله أبو عبد الملك (فقالت: ما كنت لأطيعه حياً، وأعصيه ميتاً) لأنه إنما أمر بحق. قال الباجي(٢): قوله للمجذومة: ((يا أمة الله! لا تؤذي الناس)) على سبيل الرفق بها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عرض عليها بأرفق ما هو أرفق بها، فأطاعته، وقولها: ما كنت لأطيعه إلخ تريد أنها إنما أطاعته؛ لأنه أمرها بالحق، وذلك يوجب عليها امتثال ما أمر به في كل وقت في حياته وبعد موته، انتھی . قال أبو عمر(٣): فيه أنه يحال بين المجذوم ومخالطة الناس لما فيه من الأذى، وهو لا يجوز، وإذا منع آكل الثوم من المسجد، وكان ربما أخرج إلى البقيع في العهد النبوي، فما ظنك بالجذام؟ وهو عند بعض الناس يُعْدي، وعند جميعهم يؤذي، وألان عمر - رضي الله عنه - للمرأة القول بعد أن أخبرها أنها تؤذي؛ لأنه لم يتقدم إليها، ورحمها للبلاء الذي بها، وقد عرف منه أنه كان يعتقد أن شيئاً لا يعدي، وكان يجالس معيقيباً الدوسي ويؤاكله ويُشاربه، وربما وضع فمه على موضع فمه، وكان على بيت ماله، ولعله عَلِمَ من عقلها ودينها أنها تكتفي بإشارته، فلم يحتج إلى نهيها، ألم تر إلى أنه لم تخطئ فراسته فيها، فأطاعته حياً وميتاً، انتهى. قلت: وما حكي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يجالس معيقيباً (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٠/٢). (٢) ((المنتقى)) (٨١/٣). (٣) ((الاستذكار)) (٣٥٥/١٣). ٦٣٦ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٢) حديث يخالفه ما قال الحافظ: أخرج الطبري من طريق معمر عن الزهري أن عمر - رضي الله عنه - قال لمعيقيب: اجلس مني قِيْد رمح، ومن طريق خارجة بن زيد كان عمر - رضي الله عنه - يقول نحوه، وهما أثران منقطعان، انتهى. ويمكن الجمع بينهما بأن الأمر بجلوسه قيد رمح كان لمصالح دعته من الأذى ورعاية الناس وغير ذلك، وإلا فالمعروف من مذهب عمر - رضي الله عنه - أن الأمر بالاجتناب عن المجذوم منسوخ. فقد قال الحافظ(١) تحت حديث البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً ((فر من المجذوم كما تفر من الأسد)): قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء عن جابر ((أن النبي ( 18 أكل مع مجذوم)) وقال: ((ثقة بالله وتوكلاً عليه))، قال: فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية قال: والصحيح الذي عليه الأكثر، ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز، هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين. وحكى غيره قولاً ثالثاً وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان: أحدهما: سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك، والفريق الثاني سلكوا في الترجيح عكس هذا المسلك، فردوا حديث ((لا عدوى))، قالوا: والأحاديث الدالة على الاجتناب أكثر، والجواب أن طريق الجمع أولى، وفي طريق الجمع مسالك أخر، أحدها: نفي العدوى جملة، وحمل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم، فإنه إذا رأى الصحيح البدن السليم تعظم مصيبته وتزداد حسرته . (١) ((فتح الباري)) (١٥٩/١٠). ٦٣٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٢) حديث ثانيها: حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء ((لا عدوى)) كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله، وحديث الفرار كان المخاطب به من ضعف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل، فلا يكون له قوة دفع اعتقاد العدوى، فأريد بذلك سدُّ الباب. ثالث المسالك: قال أبو بكر الباقلاني: إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون المعنى لا عدوى أي إلا من الجذام والبرص والجرب مثلاً، فكأنه قال: لا يعدي شيء إلا ما تقدم تبييني له أن فيه العدوى . والرابع: أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شيء، بل هو الأمر طبيعي، وهو انتقال الداء من الجسد لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة، وشم الرائحة، وهذه طريقة ابن قتيبة، فقال: المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته، ولذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجذوم لا على طريق العدوى، بل على طريق التأثر بالرائحة؛ لأنها تسقم من واظب اشتمامها. قال: ومن ذلك قوله ◌َّل: ((لا يورد ممرض على مصح)). المسلك الخامس: أن المراد بنفي العدوى أن شيئاً لا يعدي بطبعه نفياً لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله عز وجل، فأبطل النبي وَّ اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم، ليبين لهم أن الله هو الذي يُمَرِّضُ ويشفي، ونهاهم عن الدنو منه، ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، ويحتمل أيضاً أن يكون أكله وشر مع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله إذ ليس الجذمى كلهم سواء. السادس: العمل بنفي العدوى أصلاً ورأساً وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة وسدّ الذريعة، لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك، فيظن أنه ٦٣٨ --- ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٣) حديث ٢٥١/٩٤٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ: مَا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ، بسبب المخالطة، فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد وتبعه جماعة، وأطنب ابن خزيمة في هذا في ((كتاب التوكل)). وقد سلك الطحاوي في ((معاني الآثار)) مسلك ابن خزيمة، فأورد حديثاً ((لا يورد ممرض على مصح))، ثم قال: معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض، فيقول الذي أورده: لو أني ما أوردته عليه لم يصبه من هذا المرض شيء، والواقع أنه لو لم يورده لأصابه لكون الله تعالى قدره، فنهى عن إيراده لهذه العلة، ثم ساق الأحاديث في ذلك وأطنب. وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: الأمر بالفرار من الأسد ليس للوجوب، بل للشفقة، لأنه ◌َ * كان ينهى أمته عن كل ما فيه ضرر بأي وجه، كان، انتهى مختصراً، وقد بسطه الحافظ في ((الفتح))(١) بما لا مزيد عليه. ٢٥١/٩٤٣ - (مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس). قال صاحب ((المحلى)) أسنده عبد الرزاق قال: حدثنا ابن عيينة عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد قال ابن عباس. وأسنده البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن ابن عباس مرفوعاً، انتهى. قلت: وقد روي عن ابن عباس وعن غيره في معنى هذا الحديث عدة روايات سيأتي بيانها (كان يقول ما بين الركن) أي الحجر الأسود (والمقام) هكذا في ((المحلى)) و((المصفّى))، وفي جميع النسخ الهندية والمصرية ((ما بين الركن والباب)»(٢)، وهو وإن كان صحيحاً في نفسه، لكنه ليس في هذه الرواية. والعجب أنهم كيف أطبقوا على ذلك مع تصريح الشراح بأن الواقع في رواية عبيد الله بن يحيى عن أبيه ((ما بين الركن والمقام))، ومن الأصول (١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٩/١٠ - ١٦٢). (٢) انظر: ((الاستذكار)) (٣٥٨/١٣). ٦٣٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٤٣) حدیث الْمُلْتَزَمُ . المعروفة عند المحدثين لا يجوز تصحيح الكتاب بعد ثبوت الغلط عن المصنف . قال الشيخ في ((المحلى)): كذا في رواية عبيد الله بن يحيى عن أبيه ((ما بين الركن والمقام))، وفي رواية الآخرين عنه وعن غيره ((ما بين الركن والباب))، وهو الصواب، وعليه أهل العلم أن يجتهد في الدعاء في المواضع المتبركة، ويلتزم بين الركن والباب، انتهى. وعليه بنى السيوطي شرحه. ثم قال: قال ابن عبد البر: كذا في رواية عبيد الله بن يحيى عن أبيه، وفي رواية ابن وضاح ((ما بين الركن والباب))، وهو الصواب، والأول خطأ لم يتابع عليه، انتهى. وبنى الباجي والزرقاني شرحيهما على ((الركن والباب)). ثم قال الزرقاني(١): هكذا رواه ابن وضّاح عن يحيى، وهو الصواب. وفي رواية ابنه عبيد الله ((ما بين الركن والمقام)) وهو خطأ، لم يتابع عليه. فالرواية في ((الموطأ)) وغيره ((والباب))، وروي عن ابن عباس مرفوعاً: ((ما بين الركن والباب ملتزمٌ، من دعا الله عنده من ذي حاجة أو ذي كربة أو ذي غم فرّج عنه)) قاله ابن عبد البر، انتهى. (الملتزم) قال الحموي(٢): بالضم ثم السكون وتاء فوقها نقطتان مفتوحة، ويقال له: المَدْعَى والمتعوَّذ، سمي بذلك لالتزامه بالدعاء والتعوّذ، وهو ما بين الحجر الأسود والباب، وقال الأزرقي: وذرعه أربعة أذرع، وفي ((الموطأ)): (ما بين الركن والباب الملتزم)»، كذا قال الباجي والمهَلّبي، وهي رواية ابن وضاح، ورواه يحيى ((ما بين الركن والمقام الملتزم))، وهو وهم، انتهى. كذا قال الحموي، وهو يوهم تساوي ابن وضاح ويحيى في الرواية وليس كذلك، (١) ((شرح الزرقاني)) (٤٠٠/٢). (٢) ((معجم البلدان)) (١٩٠/٥). ٦٤٠