Indexed OCR Text
Pages 601-620
٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٦) حديث رفعه الحارثُ بن شريح أخرجه كذلك الإسماعيلي والخطيب(١). ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس، قال: احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عباس، فذكره، وهو ظاهر في الرفع، وقد أخرج ابن عدي من حديث جابر بلفظ: (لو حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى)) وعن محمد بن كعب القرظي مرفوعاً: ((أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج))، الحديث. ذكره أحمد بن حنبل في رواية ابنه عبد الله هکذا مرسلاً، انتهى. السادس: فيمن يحرم عن الصبي، قال النووي في ((شرح مسلم)) (٢): أما الولي الذي يحرم عن الصبي، فالصحيح عند أصحابنا أنه الذي يلي ماله، وهو أبوه أو جده أو الوصي أو القيّم من جهة القاضي، أو القاضي أو الإمام، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه، إلا أن تكون وصيّة أو قيّمة من جهة القاضي، وقيل: إنه يصح إحرامها، وإحرام العصبة، وإن لم يكن لهم ولاية المال، وهذا كله إن كان صغيراً لا يميز، فإن كان مميزاً أذن له الولي فأحرم، فلو أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه، لم ينعقد على الأصح، انتهى ما في ((شرح مسلم)). وقال في ((مناسكه))(٣): إن كا مميزاً أحرم بإذن وليه، فإن أحرم بغير إذنه لم يصح على الأصح، ولو أحرم عنه وليه صح على الأصح، فإن لم يكن مميزاً أحرم عنه وليه، وهو الأب، وكذا الجد عند عدم الأب، ولا يتولاه عند وجوده والوصي والقيم، كالأب على الصحيح، ولا يتولاه الأخ والعم والأم على الأصح، إذا لم يكن له وصية ولا ولاية من الحاكم. (١) أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) (٢٠٩/٨). (٢) (١٠٠/٩/٥). (٣) (ص٥٠٥). ٦٠١ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٦) حديث قال ابن حجر: قوله: ((وهو الأب)) ويشترط في الأب - كما قاله الأذرعي - شروط ولاية المال من العدالة وغيرها، فإن انتفى عنه بعضها انتقلت إلى الجد، وقوله: عند عدم الأب، أي أو وجوده لا بصفة الولاية، قوله: والأم، اعترض بما في مسلم: أن امرأة رفعت صبياً، الحديث، ورُدَّ بأنه ليس في الحديث أنها أحرمت عنه وبتقديره يحتمل كونها وصية أو قيمة أو أن الأجر الحاصل، إنما هو أجر الحمل والنفقة، انتهى. وقال الشيخ ولي الدين: لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على صحة الإحرام عنه مطلقاً لاحتمال أن هذا الصبي كان مميزاً، فأحرم هو عن نفسه، وعلى تقدير أنه لم يميز، فلعل له ولياً أحرم عنه، وعلى تقدير أنها التي أحرمت، فلعلها ولية مال، انتهى. وقال الموفق(١): إن كان مميزاً أحرم بإذن وليه، وإن أحرم بدونه لم يصح؛ لأن هذا عقد يؤدي إلى لزوم مال، فلم ينعقد من الصبي بنفسه، كالبيع، وإن كان غير مميز، فأحرم عنه من له ولاية على ماله، كالأب والوصي وأمين الحاكم صح، فإن أحرمت عنه أمه، صح؛ لقوله وَّر: ((ولك أجرٌ)) ولا يضاف الأجر إليها إلا لكونه تبعاً لها في الإحرام، وقال الإمام أحمد في رواية حنبل: يحرم عنه أبوه أو وليه، واختاره ابن عقيل، وقال: المال الذي يلزم بالإحرام لا يلزم الصبي، وإنما يلزم من أدخله في الإحرام في أحد الوجهين. وقال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه لا يحرم عنه إلا وليه؛ لأنه لا ولاية للأم على ماله، والإحرام يتعلق به إلزام مال، فلا يصح من غير ذي ولاية، أما غير الأم والولي من الأقارب، كالأخ والعم وابنه، فيخرج فيهم وجهان، بناءً على القول في الأم، أما الأجانب، فلا يصح إحرامهم عنه وجهاً واحداً، انتهى. (١) ((المغني)) (٥١/٥). ٦٠٢ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٦) حديث وفي ((الروض المربع))(١): يحرم الولي في مال عمن لم يميز ويحرم مميز بإذنه، انتهى. وقال الدردير(٢): يحرم وليُّ أبٌ أو غيره عن رضيع قُرْبَ الحرم أي مكة، لا من الميقات للمشقة، ويحرم الصبي المميز، وهو الذي يفهم الخطاب، ويحسن رد الجواب بإذن الولي من الميقات، وإلا يحرم بإذنه بل بغيره، فله تحليله إن رآه مصلحة، ولا قضاء عليه إذا حلله. قال الدسوقي: قوله: أب أو غيره كوصي ومقدم قاض وأم وعاصب وإن لم يكن لهم نظر في المال، كما نقله الأبي في ((شرح مسلم)) وأقره خلافاً للشافعية حيث قالوا: الولي الذي يحرم عنه إنما هو الولي الذي له النظر في المال، وقوله: عن رضيع، المراد به الصغير الغير المميز، انتهى. وفي ((شرح اللباب))(٣): ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل، ويصح أداؤه بنفسه دون غيره، ولا يصح من غير المميز في الأداء ولا الإحرام، بل يصحان من وليه، فيحرم عنه من كان أقرب إليه في النسب، فلو اجتمع أخ ووالد يحرم له الوالد على ما في ((فتاوى قاضيخان))، والظاهر أنه شرط الأولوية، انتهى. وفي ((الغنية)): ينعقد إحرام الصبي المميز للنفل إذا أحرم بنفسه، وكذا غير المميز إذا أحرم عنه وليه، فالمميز لا يصح النيابة عنه في الإحرام ولا في أداء الأفعال، إلا فيما لم يقدر عليه، وغير المميز لا يصح أن يحرم بنفسه؛ لأنه لا يعقل النية ولا يقدر التلفظ بالتلبية، وهما شرطان في الإحرام، فيحرم له وليه والأقرب أولى، انتهى. (١) (١/ ٤٥٥). (٢) ((الشرح الكبير)) (٣/٢). (٣) (ص٤٨). ٦٠٣ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٧) حديث ٩٣٧ / ٢٤٥ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَه قال ابن عابدين: المراد من كان أقرب إليه بالنسب، فلو اجتمع والد وأخ يحرم الوالد، كما في ((الخانية))، والظاهر أنه شرط الأولوية، انتهى. السابع: إذا أحرم الصبي فبلغ في أثناء حجه ماذا يفعل؟ وهل يجزئه عن حجة الإسلام؟ تقدم الكلام عليه مبسوطاً في ((باب وقوف من فاته الحج بعرفة))، فهذه سبعة أبحاث لا بد من معرفتها في حديث الباب، وهاهنا أبحاث أخر أعرضنا عنها لخوف الإطالة. ٢٤٥/٩٣٧ - (مالك، عن إبراهيم بن عبد الله بن أبي عبلة) هكذا في جميع النسخ الهندية، وليست في النسخ المصرية زيادة ((عبد الله))، بل فيها إبراهيم بن أبي عبلة، وهو وإن كان صحيحاً في نفسه لكنه ليست رواية يحيى، قال الحافظ في ((تهذيبه))(١): أغرب يحيى بن يحيى الليثي، فقال في ((الموطأ)): إبراهيم بن عبد الله بن أبي عبلة وعبد الله زيادة لا حاجة إليها، انتهى. فعلم منه أن رواية يحيى بهذه الزيادة، لكنها من المزيد في النسب، فإن عامة أهل الرجال ذكروه بإبراهيم بن أبي عبلة، وهو بفتح المهملة وسكون الموحدة، واسمه شمر بكسر المعجمة ابن يقظان العقيلي ثم الشامي يكنى أبا إسماعيل، ويقال: أبو إسحاق، ويقال: أبو العباس، وأبو إسماعيل أكثر تابعي ثقة من رواة الستة إلا الترمذي، لمالك عنه مرفوعاً هذا الحديث الواحد، وهو مرسل عند جماعة رواة ((الموطأ))، توفي سنة ١٥١ هـ أو سنة ١٥٢ هـ أو سنة ١٥٣ هـ، والأكثر على الأوسط. (عن طلحة بن عبيد الله) بضم العين والإضافة (ابن كريز) بفتح الكاف وكسر الراء وإسكان الياء التحتية فزاي معجمة، تابعي، ثقة (أن رسول الله وجل اله (١) ((تهذيب التهذيب)) (١٤٣/١). ٦٠٤ - ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٧) حديث قَالَ قال) مرسل عند جماعة رواة ((الموطأ))، كذا في ((التقصي))، وقال في ((التمهيد))(١): هكذا الحديث في ((الموطأ)) عند جماعة الرواة عن مالك، ورواه أبو النصر إسماعيل بن إبراهيم العجلي عن مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز عن أبيه، ولم يقل في هذا الحديث: عن أبيه غيره وليس بشيء، انتهى. قلت: لم أجد عبيد الله بن كريز في الرواة في ((التهذيب))(٢)، ولا ((التعجيل))، ولا ((الإصابة))، ولم يذكروا في مشايخ طلحة إياه. ثم قال الزرقاني(٣): وزعم ابن الحذاء: أن الحديث من الغرائب التي لم يوجد لها إسناد، ولا نعلم أحداً أسنده من قصوره الشديد، فقد وصله الحاكم في ((المستدرك)) عن أبي الدرداء، انتهى. قلت: وأخرجه صاحب ((المشكاة)) برواية مالك مرسلاً. وقال القاري (٤): رواه الديلمي متصلاً، والبيهقي مرسلاً ومتصلاً، انتهى. وقال السيوطي في ((الدر)): أخرج مالك والبيهقي والأصبهاني في (الترغيب)) عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله مَ ل﴾ قال: ((ما رؤي الشيطان يوماً))، الحديث. وفي ((تنقيح الرواة)): رجال إسناد مالك ثقات، لكنه مرسل، وأخرجه البيهقي وغيره متصلاً ومرسلاً، وأخرجه الحاكم والديلمي موصولاً في ((المستدرك)) عن أبي الدرداء، انتهى. وأخرجه المنذري في ((ترغيبه)) برواية مالك، والبيهقي عن طلحة المذكور مرسلاً. (١) (١١٥/١). (٢) ((تهذيب التهذيب)) (٢٢/٥). (شرح الزرقاني)) (٣٩٥/٢). (٣) (٤) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٢/٥)، و((هداية الرواة)) (٢٥٣٢). ٦٠٥ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٧) حديث ((مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْماً، هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ، مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، (ما رؤي) ببناء المجهول (الشيطان يوماً) أي في يوم (هو فيه أصغر) الجملة صفة يوماً، أي أذل وأحقر مأخوذ من الصغار - بفتح الصاد والمهملة - وهو الهوان والذل، كما جزم به عامة شراح الحديث القاري والزرقاني وصاحب ((المحلی)) وغيرهم. وقال الباجي(١): يحتمل وجهين أن يريد الصغار والخزي والذل، ويحتمل أن يريد به تضاؤله وصغر جسمه، وإن ذلك يصيبه عند نزول الملائكة وإغضاب نزولها له، انتهى. (ولا أدحر) بسكون الدال، وفتح الحاء، وبالراء مهملات، اسم تفضيل من الدحر، وهو الطرد والإبعاد، والمعنى أي أبعد من الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿مِن كُلِّ جَانِبٍ دُخُورًا﴾(٢) وقوله تعالى: ﴿أَخْرُجْ مِنْهَا مَذْهُومَّا مَّدْحُورًا﴾(٣) وقال الطيبي: الدحر، الدفع بعنف وإهانة (ولا أحقر) أي أذل وأهون عند نفسه؛ لأنه عند الناس حقير أبداً، قاله الزرقاني، وقال الباجي: يحتمل الوجهين المتقدمين في أصغر (ولا أغيظ) أي أشد غيظاً محيطاً بكبده، وهو أشد الحنق (منه) أي من الشيطان نفسه (في يوم عرفة) وفي ((المصابيح)): يوم عرفة، قال شارحه: نصب ظرفاً لأصغر أو لأغيظ، أي الشيطان في عرفة أبعد مراداً منه في سائر الأيام وتكرار المنفيات للمبالغة في المقام، قاله القاري (٤). (وما ذلك) أي وليس ما ذكر له (إلا لما رأى) ببناء الفاعل من الماضي، وفي ((المشكاة)) برواية ((الموطأ)): إلا لما يرى، أي لأجل ما يعلم، قاله القاري، ويحتمل عين الرؤية كما يأتي (من تنزل الرحمة) على الخاص والعام (١) ((المنتقى)) (٧٩/٣). (٢) سورة الصافات: الآية ٩. (٣) سورة الأعراف: الآية ١٨. (٤) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣٢/٣). ٦٠٦ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٧) حديث وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ)) قِيلَ: وَمَا رَأَى، يَوْمَ بَدْرٍ ، بحسب المراتب (وتجاوز الله) عز وجل (عن الذنوب العظام) قال القاري: فيه إيماء إلى غفران الكبائر. وقال الزرقاني(١): أي يرى الملائكة النازلين بها على الواقفين بعرفة، وهو - لعنه الله - لا يحب ذلك، وليس المراد أن يرى الرحمة بنفسها، ولعله رأى الملائكة تبسط أجنحتها بالدعاء للحاج، ويحتمل أنه سمع الملائكة تقول: غفر لهؤلاء، أو نحو ذلك، فعلم أنهم نزلوا بالرحمة، ورؤية الملائكة للغيظ لا للإكرام، قاله أبو عبد الملك البوني. وقال الباجي(٢): يحتمل أنه يرى الملائكة ينزلون على أهل عرفة، قد عرف الشيطان أنهم لا ينزلون إلا عند الرحمة لمن ينزلون عليه، ولعل الملائكة يذكرون ذلك، إما على وجه الذكر بينهم، أو على وجه الإغاظة للشيطان، ويخلق الله للشيطان إدراكاً، يدرك به نزولهم ويدرك به ذكرهم، لذلك ولعله يسمع منهم أخبارهم بأن الله تعالى قد تجاوز لأهل الموقف عن جميع ذنوبهم، وعما يوصف بالعظم منها، ويحتمل: أن ينص على ذلك، ويحتمل: أن يخبر به عنه بخبر يفهم المعنى، وإن لم ينص على نفس المعصية ستراً من الله تعالى على عباده المغفور لهم، انتهى. (إلا ما رؤي) ببناء المجهول، وفي نسخة: ((إلا ما رأى)) ببناء الفاعل (يوم بدر). قال الطيبي: أي ما رؤي الشيطان في يوم أسوأ حالاً منه فيما عدا يوم بدر، وهو أول غزوة، وقع فيها القتال، وكانتَ في ثانية الهجرة (قيل: وما رأى) ببناء المعلوم، أي قالت الصحابة: وما رأى الشيطان (يوم بدر) حتى صار (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٥/٣). (٢) ((المنتقى)) (٧٩/٣). ٦٠٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٨) حديث يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى حِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ». ٢٤٦/٩٣٨ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيرٍ؛ .. لأجله أسوأ حالاً (يا رسول الله) وَ ل# (قال: أما) بالتخفيف (إنه قد رأى جبرائيل) عليه الصلاة والسلام (يزع) بفتح الياء والزاي المعجمة، فعين مهملة أي يَصُفُّ (الملائكة) قال القاري: أصله يوزع، أي يكفهم فيحبس أولهم على آخرهم، ومنه الوازع، وهو الذي يتقدم الصف فيصلحه، ويقدم في الجيش ويؤخره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، قاله الطيبي، أي يُرَتِّبهم، ويسوِّيهم، ويكفهم عن الانتشار، ويصُفُّهم للحرب، انتهى. وفي (المحلى)) عن ((القاموس)): الوازع الزاجر، ومن يُدَبِّرُ أمور الجيش ویرد من شذّ منهم. قال الزرقاني(١): قيل: معناه يَكُفُّهم، قال ابن حبيب: وليس كذلك، إذ لو رأى ذلك لأحبه، ولكنه رآه يُعَبِّيْهم للقتال، والمعبي يسمى وازعاً، انتهى. قال الباجي(٢): ويقتضي ذلك أن تكون ملائكة نزلت بالرحمة على أهل بدر مع النصر الذي نصرهم الله به على أعدائهم، وكأن الشيطان أدركه الصغار والغيظ يوم بدر، لما رأى من الرحمة مع النصر، ويحتمل أن يكون ذلك أصابه لما رأى من النصر، وإن لم يدرك معنى الرحمة التي أنزلت عليهم، فأدركه الصغار والغيظ لما رأى من ظهور الإيمان وغلبة الحق، انتهى. ٢٤٦/٩٣٨ - (مالك، عن زياد بن أبي زياد) ميسرة المدني (مولى عبد الله بن عياش) بتحتية ومعجمة (ابن أبي ربيعة المخزومي) القرشي (عن طلحة بن عبيد الله) مصغراً (ابن كريز) بفتح الكاف، قال القاري: جاء من رواية (١) (شرح الزرقاني)) (٣٩٥/٢). (٢) ((المنتقى)) (٧٩/٣). ٦٠٨ ٠٠٠٠ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٨) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالشَّيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَّهَ إِلَّا اللَّهُ عبيد الله بن يحيى عن أبيه في ((الموطأ)) بالتصغير، وهو خطأ، انتهى. قلت: وأخطأ من جعله أحد العشرة كالقاري وغيره (أن رسول الله قال). قال ابن عبد البر(١): لا خلاف عن مالك في إرساله، ولا أحفظ بهذا الإسناد مسنداً من وجه يحتج به، وأحاديث الفضائل لا تحتاج إلى محتج به، وقد جاء مسنداً من حديث علي وابن عمر، وثم أخرج حديث علي من طريق ابن أبي شيبة، وجاء أيضاً عن أبي هريرة أخرجه البيهقي. وقال الحافظ في ((التلخيص))(٢): مالك في ((الموطأ)) من حديث طلحة بن عبيد الله بن كريز مرسلاً، وروي عن مالك موصولاً، ذكره البيهقي وضعفه، وكذا ابن عبد البر في ((التمهيد))، وله طريق أخرى موصولة رواه أحمد، والترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: خير الدعاء دعاء يوم عرفة، الحديث. وفي إسناده حماد بن أبي حميد ضعيف. ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) من حديث نافع عن ابن عمر، وفي إسناده فرج بن فضالة ضعيف جداً، وقال البخاري: منكر الحديث. ورواه الطبراني في ((المناسك)) من حديث علي نحو هذا، وفي إسناده قيس بن الربيع، انتهى. (أفضل الدعاء) مبتدأ وخبره (دعاء يوم عرفة) الإضافة بمعنى في، قال. الباجي(٣): أي أعظمه ثواباً وأقربه إجابة، ويحتمل أن يريد به اليوم، ويحتمل أن يريد الحاج خاصة، قاله الزرقاني (وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي) ولفظ حديث علي أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفة (لا إله إلا الله (١) ((التمهيد)) (٣٩/٦). (٢) ((تلخيص الحبير)) (٢٥٤/٢). (٣) ((المنتقى)) (٧٩/٣). ٦٠٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٨) حديث وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ)). قال ابن عبد البرّ: لا خلاف عن مالك في إرساله. ولا أحفظ بهذا الإسناد مسنداً من وجه يحتج به . وأحاديث الفضائل لا يحتاج إلى محتج به. وقد جاء مسنداً من حديث عليّ وابن عمرو. وحده لا شريك له) زاد في حديث أبي هريرة: له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وكذا في حديث علي، لكن ليس فيه يحيي ويميت. قال ابن عبد البر: يريد أنه أكثر ثواباً، ويحتمل أن يريد أفضل ما دعا به، والأول أظهر؛ لأنه أورده في تفضيل الأذكار بعضها على بعض، هكذا حكاه الزرقاني عن ابن عبد البر. وهكذا هو لفظ الباجي، وزاد، ويحتمل أن يخص هذا الدعاء بأنه أفضل ما دعا به هو والنبيون قبله، يعني أن الأنبياء - صلوات الله عليهم - يدعون بأفضل الدعاء ويهدون إليه، فإذا كان أفضل دعائهم فهو أفضل الدعاء، انتهى. وحكى الزرقاني(١) عن ابن عبد البر: فيه تفضيل الدعاء بعضها على بعض، وأن ذلك أفضل الذكر؛ لأنها كلمة الإسلام والتقوى، وإليه ذهب جماعة، وقال آخرون: أفضله الحمد الله رب العالمين؛ لأن فيه معنى الشكر، وفيه من الإخلاص ما في لا إله إلا الله، وافتتح الله - عز وجل - به كلامه، وختم به، وهو آخر دعوى أهل الجنة. وروت كل فرقة بما قالت أحاديث كثيرة، ساق جملة منها في ((التمهيد)). وقدم الإمام هذا الحديث بسنده ومتنه في الدعاء في آخر كتاب الصلاة. قال ابن الهمام: قيل لابن عيينة هذا ثناءٌ فِلمَ سماه رسول الله وَّل دعاء؟ فقال: الثناء على الكريم دعاء؛ لأنه يعرف حاجته، انتهى. (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٦/٢). ٦١٠ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٨) حديث وفي ((التعليق الصبيح)) (١): سئل سفيان بن سعيد الثوري عن هذا الحديث، فقيل له: هذا ثناء فأين الدعاء؟ فأنشد قول أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان : حياؤك إن شيمتك الحياء أأذكر حاجتي أم قد كفاني، كفاه من تعرضه الثناء إذا أثنى عليك المرء يوماً ثم قال: هذا مخلوق نسب للجود، فقيل له: كفانا تعرضك بالثناء حتى تأتي على حاجتنا، فكيف بالخالق سبحانه وتعالى، وقد ذكرنا فيه وجوهاً في كتابنا ((الموسم بمطلب الناسك))، قاله التوربشتي، وقال الطيبي: فيه إشارة إلى أن الاشتغال بذكر المولى والإعراض عن الطلب اعتماداً على كرمه أولى، فإنه لا يضيع أجر المحسنين، وقد ورد ((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)). قال القاري (٢): وأجيب عن الإشكال المذكور أيضاً بأنه لما شارك الذكر الدعاء في أنه جالب للمثوبات ووصلة إلى حصول المطلوبات ساغ عدّه من جملة الدعوات، فيكون من قبيل الكنايات التي هي أبلغ في قضاء الحاجات، ويمكن أن تكون إشارة إلى أنه ينبغي للعبد أن يشتغل بذكر المولى، ويعرض عن المطالبة في الدنيا والأخرى اعتماداً على كرمه وإحسانه وإنعامه وامتنانه. ويمكن أن يقال: يلزم من الذكر الدعاء؛ لأنه لا بد أن يكون لغرضٍ من الأغراض، والأفضل أن يكون قصد الرضاء وإرادته لقاء المولى، ولا يبعد أن يقال: خير ما قلت من الذكر فيكون عطف مغائر، والتقدير أفضل الدعاء دعاء في عرفة بأي شيء كان، وخير ما قلت من الذكر فيه، وفي غيره أنا والنبيون قبلي، انتهى. (١) (٢٢١/٣) وانظر ((التمهيد)) (٤٤/٦)، و((مرقاة المفاتيح)) (٣٣١/٥). (٢) ((مرقاة المفاتيح)) (٣٣١/٥). ٦١١ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٨) حديث وفي هامش ((الحصن)): يمكن المغايرة بين القول والدعاء، بأن الدعاء بالقلب والقول باللسان، وزاد في ((الحصن)) برواية ابن أبي شيبة أي عن علي في حديث الباب بعد ذلك دعاء فلا إشكال، ولفظه: ((أكثر دعائي ودعاء الأنبياء من قبلي بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللَّهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً، اللَّهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، وأعوذ بك من وساوس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللَّهم إني أعوذ بك من شر ما يلج في الليل، ومن شر ما يلج في النهار، ومن شر ما تهب به الرياح)). ثم قال الزرقاني(١): وقع في ((تجريد الصحاح)) لرزين بن معاوية الأندلسي زيادة في أول هذا الحديث هي ((أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم جمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة، وأفضل الدعاء)) إلخ. قال الحافظ: حديث لا أعرف حاله؛ لأنه لم يذكر صحابيه ولا من خرّجه، بل أدرجه في حديث ((الموطأ)) هذا، وليست هذه الزيادة في شيء من ((الموطآت)) فإن كان له أصل احتمل أن يريد بالسبعين التحديد أو المبالغة في الكثرة، وعلى كل حال منهما تثبت المزية، انتهى. وفي («الهدي)) (٢) لابن القيم: ما استفاض على ألسنة العوام أن وقفة الجمعة تعدل ثنتين وسبعين حجة فباطل، لا أصل له عن رسول الله وَ ل ولا عن أحد من الصحابة والتابعين، انتهى. قلت: وفي ((جمع الفوائد)) برواية رزين عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أرسله: ((أفضل الأيام يوم عرفة، وإذا وافق يوم جمعة، فهو أفضل من سبعين (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٦/٢). (٢) ((زاد المعاد)) (٦٥/١). ٦١٢ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٨) حديث حجة في غير يوم جمعة، وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له)). وقال القاري في ((شرح اللباب)): لوقفة الجمعة مزية على غيرها بالسبعين درجة، وقد ألفت في هذه المسألة رسالة مستقلة سميتها بـ((الحظ الأوفر في الحج الأكبر)»(١)، انتهى. وقال قطب الدين الحنفي في ((أدعية الحج)): إن مزية حجة الجمعة على غيرها بوجوه: منها: موافقتها لوقفة النبي ◌ّ التي اختارها الله تعالى لرسوله وَل فإنها كانت يوم جمعة بلا خلاف بين المحدثين، ومعلوم أن الله تبارك وتعالى لا يختار لرسوله ول﴾ إلا الأفضل. ومنها: اتفاق اجتماع المسلمين في أقطار الأرض في خطبة الجمعة وصلاتها واجتماع وفد الله تعالى بعرفة للوقوف بها، فيحصل في الجمعين العظيمين من اتفاق المسلمين في الدعاء والتضرع والابتهال إلى الله تعالى عز وجل ما لم يتفق في يوم سواه، فكان أكثر ثواباً وأسرع قبولاً . ومنها: اجتماع عيدين لأهل الإسلام في يوم واحد، فإن الجمعة عيد المؤمنين، وكذلك يوم عرفة عيد لهم، وقد ذكر الحافظ السخاوي في كتاب (الأجوبة المرضية فيما سئل من الأحاديث النبوية)): ذكر رزين في ((جامعه)) المرفوع إلى النبي ◌َ ◌ّر ((أفضل يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة))، الحديث. وهذا شيء انفرد به رزين، ولم يذكر صحابيه ولا من أخرجه، فإن كان له أصل احتمل أن يراد بالسبعين التحديد أو المبالغة، وعلى كل حال فتثبت له المزية بذلك، انتهى ملخصاً . (١) قد طبعت هذه الرسالة من مطبعة ندوة العلماء بالهند. ٦١٣ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حدیث ٢٤٧/٩٣٩ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ وقال في كتابه ((فضائل الأعمال)): عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي ◌َ﴾ أنه قال: ((إن الله عز وجل خلق الأيام، واختار منها يوم الجمعة، فكل عمل يعمله الإنسان يوم الجمعة يكتب له بسبعين حسنة))، الحديث. وفي ذلك استئناس لتضاعف حجة الجمعة بسبعين حجة، انتهى. وفي ((الدر المختار)) (١): لوقفة الجمعة مزية سبعين حجة، ويغفر فيها لكل فرد بلا واسطة، وحكى ابن عابدين عن ((الشرنبلالية)) عن الزيلعي حديث رزين، ثم قال: لكن نقل المناوي عن بعض الحفاظ أن هذا حديث باطل، لا أصل له، نعم ذكر الغزالي في ((الإحياء))(٢)، قال بعض السلف: إذا وافق يوم عرفة يوم جمعة غفر لكل أهل عرفة، وهو أفضل يوم في الدنيا، وفيه حج رسول الله وَّ وكان واقفاً إذ نزل قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾(٣) فقال أهل الكتاب: لو أنزلت علينا لجعلناه يوم عيد، فقال عمر - رضي الله عنه -: أشهد لقد أَنْزِلَتْ في يوم عيدين اثنين يوم عرفة ويوم جمعة. وفي ((المنسك الكبير)) للسندي: إن قيل: قد ورد أنه يغفر لجميع أهل الموقف مطلقاً، فما وجه تخصيص ذلك بيوم الجمعة؟ قيل: لأنه يغفر يوم الجمعة بلا واسطة، وفي غيره يهب قوماً لقوم، وقيل: يغفر في وقفة الجمعة للحاج وغيره وفي غيره للحاج فقط، انتهى. ٢٤٧/٩٣٩ - (مالك، عن ابن شهاب) الزهري (عن أنس بن مالك) ذكر ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٤): أن هذا الحديث تفرد به مالك عن ابن (١) (٦٨٣/٢). (٢) (٢٤٠/١). (٣) سورة المائدة: الآية ٣. (٤) (ص٨٥). ٦١٤ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ دَخَلَ مَكَّةَ، عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، شهاب، وتعقبه الحافظ العراقي في ((نكته)) بأنه ورد من عدة طرق عن الزهري غير طريق مالك. ثم بسط السيوطي في (التنوير))(١) طرقه بما لا مزيد عليه، وأخرج عن ستة عشر نفساً غير مالك، وبسط الكلام على طرقه الحافظان ابن حجر والعيني، وأخرجه البخاري في الحج برواية عبد الله بن يوسف عن مالك. قال العيني(٢): وأخرجه البخاري في اللباس عن أبي الوليد الطيالسي، وفي الجهاد عن إسماعيل بن أبي أويس، وفي المغازي عن يحيى بن قزعة، وأخرجه مسلم في المناسك عن القعنبي، ويحيى بن يحيى، وقتيبة كلهم عن مالك، والترمذي وأبو داود في الجهاد، عن القعنبي به، انتهى. قلت: وكذا أخرجه النسائي وابن ماجه أيضاً عن مالك. (أن رسول الله وَل﴿ دخل مكة) في رمضان سنة ٨هـ (عام الفتح) أي فتح مكة، وقد خرج إليها العاشر رمضان، كما تقدم بيانها في ((باب صلاة الضحى)) (وعلى رأسه المغفر) بكسر ميم وسكون عين معجمة وفتح فاء آخره راء، قال صاحب ((المحكم)): ما يجعل من فضل درع الحديد على الرأس مثل القلنسوة، وقال في ((التمهيد))(٣): ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره، قاله الزرقاني(٤): وقال الحافظ(٥): زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس، وقيل: هو (١) ((تنوير الحوالك)) (ص٣٦٩). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٣٦/٧). (٣) (٤٦/٦، ٤٧). (٤) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٦/٢). (٥) ((فتح الباري)) (٦٠/٤). ٦١٥ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث رفرف البيضة، قاله في ((المحكم))، وفي ((المشارق)): هو ما يجعل من فضل دروع الحديد على الرأس مثل القلنسوة، وفي ((التمهيد)): قد زاد بشر بن عمر عن مالك من حديد، ولا أعلم أحداً ذكره غيره، ولعله أراد في ((الموطأ)) وإلا فقد رواه خارجه عشرةٌ عن مالك، كذلك أخرجها الدارقطني، قاله الزرقاني. وقال الحافظ: وفي رواية زيد بن الحباب عن مالك يوم الفتح، وعليه مغفر من حديد، أخرجه الدارقطني في ((الغرائب))، والحاكم في ((الإكليل))، وكذا هو في رواية أبي أويس. وقال أيضاً في ((المغازي)) (١): في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام عن يحيى بن بكير عن مالك: ((مغفرٌ من حديد))، قال الدارقطني: تفرد به أبو عبيد وهو في ((الموطأ)) ليحيى بن بكير مثل الجماعة، ورواه عن مالك جماعة من أصحابه خارج ((الموطأ)) بلفظ: ((مغفر من حديد)) ثم ساقه من رواية عشرة عن مالك كذلك، وكذلك هو عند ابن عدي من رواية أبي أويس عن ابن شهاب، وعند الدار قطني من رواية شبابة بن سوار عن مالك. وقال العيني(٢): هذا الحديث عُدَّ من أفراد مالك، تفرد بقوله: ((وعلى رأسه المغفر))، وقال الدارقطني: قد أوردت أحاديث من رواه عن مالك في جزء مفرد، وهم نحو مائة وعشرين رجلاً أو أكثر، وقال أبو عمر: هذا الحديث تفرَّد به مالك، ولا يحفظ عن غيره، ولم يروه عن ابن شهاب سواه من طريق صحيح. ولا يُثْبِت أهل العلم فيه إسناداً غير حديث مالك، وروى جماعة منهم بشر بن عمران الزهراني، ومنصور بن سلمة الخزاعي حديث المغفر، فقالا : (١) ((فتح الباري)) (١٦/٨). (٢) ((عمدة القاري)) (٥٣٦/٧). ٦١٦ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث ((مغفرٌ من حديد))، ومنصور وبشر ثقتان، وتابعهما على ذلك جماعة ليسوا هناك. وكذا رواه أبو عبيدة بن سلام عن ابن بكير عن مالك، وروى محمد بن سليم بن الوليد العسقلاني عن محمد بن السري عن عبد الرزاق عن مالك عن ابن شهاب عن أنس: ((دخل النبي مَ # يوم الفتح، وعليه عمامة سوداء))، ومحمد بن سليم لم يكن ممن يعتمد عليه، وتابعه على ذلك بهذا الإسناد وليد بن مسلم ويحيى الوحاظي، ومع هذا فإنه لا يحفظ عن مالك في هذا إلا المغفر . قال أبو عمر: وروي من طريق أحمد بن إسماعيل عن مالك عن أبي الزبير عن جابر: ((أنه بَّ دخل مكة وعليه عمامة سوداء)) ولم يقل: عام الفتح، وهو محفوظ من حديث جابر، زاد مسلم في ((صحيحه)): ((بغير إحرام)). وقال الحاكم في ((الإكليل)): اختلفت الروايات في لبسه وله العمامة والمغفر يوم الفتح، ولم يختلفوا أنه دخلها وهو حلال قال: وقال بعض الناس: العمامة كالمغفر على الرأس. وقال أبو عمر: ليس عندي تعارض، فإنه يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر. وذكر أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في كتابه ((أطراف الموطأ)): لعل المغفر كان تحت العمامة، وقال القرطبي: يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة بعده، ومما يؤيد هذا خطبته وعليه العمامة؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح، وقيل في الجواب عن ذلك: إن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر وقايةً لرأسه من صدى الحديد، انتهى ما في ((العيني)) مختصراً. ٦١٧ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنُ خَطَلٍ قال الزرقاني(١): فزعم الحاكم في ((الإكليل)) تعارض الحديثين مُتَعَقَّبٌ، لأنه إنما يتحقق التعارض إذا يمكن الجمع، وقد أمكن هاهنا بوجوهٍ حِسَانٍ. (فلما نزعه) أي قلع المغفر وأزاله عن رأسه (جاءه رجل). قال الحافظ(٢): لم أقف على اسمه إلا أنه يحتمل أن يكون هو الذي باشر قتله، وقد جزم الفاكهي في ((شرح العمدة)) بأن الذي جاء بذلك هو أبو برزة الأسلمي، وكأنه لما رجح عنده أنه هو الذي قتله رأى أنه هو الذي جاء مخبراً بقصته، ويوشحه قوله في رواية يحيى بن قزعة في المغازي. فقال: ((اقتله)) بصيغة الإفراد على أنه اختلف في اسم قاتله. وقال العيني: قوله: جاءه رجل هو أبو برزة الأسلمي - بفتح الموحدة وسكون الراء وفتح الزاي - واسمه نضلة بن عبيد، وجزم به الكرماني والفاكهي في ((شرح العمدة))، انتهى. وتبعه الزرقاني، وقال: كذا ذكره ابن طاهر وغيره، وقيل: اسمه سعید بن حریث. (فقال له) ◌َّيّر: (يا رسول الله ابن خطل) مبتدأ، وخبره متعلق بأستار الكعبة، وهو بالخاء المعجمة والطاء المهملة المفتوحتين، كان اسمه عبد العُزَّى، فلما أسلم سماه النبي ◌َّ عبد الله، ومن قال: اسمه هلال التبس عليه بأخ له سمي بذلك، بَيَّنَ ذلك الكلبي في النسب، وقيل: هو عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن عبد الله بن خطل. واسم خطل عبد مناف من بني تيم بن فهر بن غالب، كذا في ((الفتح))(٣)، وهو أحد من أهدر دمه يوم الفتح وقال: لا أُؤَمِّنهُم في حل ولا حرم، وكانوا (١) ((شرح الزرقاني)) (٣٩٧/٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤/ ٦١). (٣) ((فتح الباري)) (٦١/٤)، و((عمدة القاري)) (٥٣٩/٧). ٦١٨ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث جماعة، وقد جمع الواقدي عن شيوخه أسماء من لم يُؤَمَّنْ يوم الفتح، وأمر بقتله عشرة أنفس: ستة رجال؛ وأربع نسوة، قاله العيني. وبسط الشيخ في ((البذل))(١) أسماء من أهدر دمهم وهم إحدى عشرة رجلاً، وستة امرأة على ما ذكره أهل السير، والسبب في قتل ابن خطل وعدم دخوله في قوله: ((من دخل المسجد فهو آمن)) ما رواه ابن إسحاق في المغازي ((أن رسول الله وَّ حين دخل مكة، قال: لا يقتل أحد إلا من قاتل إلا نفراً سماهم، فقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة)) منهم ابن خطل، وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله وَلَه مُصَدِّقاً، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وكان معه مولى يخدمه، وكان مسلماً، فنزل منزلاً، فأمر المولى أن يذبح تيساً، ويصنع له طعاماً، ونام، واستيقظ، ولم يصنع له شيئاً، فعدا عليه، فقتله، ثم ارتدّ مشركاً، وكانت له قينتان تُغَنِّيَان بهجاء رسول الله الَّ. وقال أبو عمر: لأنه كان أسلم، وبعثه رسول الله وَ لّ مصدقاً، وبعث معه رجلاً من الأنصار، وأَمَّرَ عليهم الأنصاري، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري، فقتله، وذهب بماله، وقال صاحب ((التلويح)): روينا في ((مجالس الجوهري)) أنه كان يكتب الوحي للنبي وَ لّ، وكان إذا نزل ((غفورٌ رحيم)) يكتب رحيم غفور، وإذا أنزل ((سميع عليم)) يكتب ((عليم سميع))، وذكره بإسناده إلى الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي - رضي الله عنه -. وفي ((التوضيح)) كان يقال لابن خطل: ذا القلبين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿َّا جَعَلَ اَللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفٍِ﴾(٢)، وفي رواية يونس عن ابن إسحاق: لما قتل ابن خطل قال رسول الله وَله: ((لا يقتل قرشي صبراً بعد هذا اليوم))، (١) ((بذل المجهود)) (٢٢٩/١٢). (٢) سورة الأحزاب: الآية ٤. ٦١٩ ٢٠ - كتاب الحج (٨١) باب (٩٣٩) حديث مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ . وقيل: قال هذا في غيره، وهو الأكثر، قاله العيني(١). وقال الحافظ(٢): وأخرج عمر بن شبة في ((كتاب مكة)) عن السائب بن يزيد قال: ((رأيت رسول الله ولم استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل، فضربت عنقه صبراً بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال: لا يقتل قرشي بعد هذا صبراً))، ورجاله ثقات، إلا أن في أبي معشر مقالاً، وقال أيضاً: روى الفاكهي من طريق ابن جريج قال: قال مولى ابن عباس: بعث رسول الله وَلَو رجلاً من الأنصار، ورجلاً من مزينة وابن خطل، وقال: أطيعا الأنصاري حتى ترجعا، فقتل ابن خطل الأنصاري، وهرب المزني، وقال ابن عبد البر: كان قتل ابن خطل قَوَداً من قتله المسلم، كذا في ((المحلى على الموطأ)). وفي ((المرقاة))(٣): قال الطيبي: وكان قد ارتدّ عن الإسلام، وقتل مسحاً(٤) كان يخدمه، واتخذ جاريتين تغنيان بهجو النبي ◌َّر وأصحابه الكرام وأحكام الإسلام، فأمر بقتله يعني قصاصاً. قال القاري: والظاهر أنه إنما قتله لارتداده انفراداً أو مع انضمام قتل النفس، ومما يدل على أن قتله لم يكن للقصاص عدم وجود شروطه من المطالبة، والدعوى والشهادة، انتهى. (متعلق بأستار الكعبة)، وكان تعلقه بها استجارة بها، وذكر الواقدي أنه خرج إلى الجندمة، ليقاتل على فرس، وبيده قناة، فلما رأى خيل الله والقتال دخله رعب حتى ما يستمسك من الرعدة، فرجع حتى انتهى إلى الكعبة، فنزل عن فرسه، وطرح سلاحه، ودخل تحت أستارها، فأخذ رجل من الركب سلاحه وفرسه، فاستوى عليه، وَأَخبر النبي ◌َّ بذلك. (١) ((عمدة القاري)) (٥٣٩/٧). (٢) ((فتح الباري)) (١٦/٨) قوله: لا يقتل هكذا في الأصل وفي ((فتح الباري)): لا يُقْتَلَنَّ. (٣) ((مرقاة المفاتيح)) (٨/٦) ((وشرح الطيبي)) (٢٠٤٤/٦). (٤) هكذا في الأصل وهو تحريف والصواب ((مسلماً)). ٦٢٠