Indexed OCR Text

Pages 381-400

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١١) حديث
لأَنَّهُ لَا يَقْضِي أَحَدٌ شَيئاً حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَمَضى
كَانَ الْقَضَاءُ بَعْدَ ذُلِكَ .
الثاني على السنة، ثم اليوم الثالث على سنته، رواه ابن حبيب عن مطرف،
وابن الماجشون عن مالك، ووجه ذلك ما يلزم من الترتيب في حال الأداء،
فكذلك في حال القضاء، كالصلاة ما لزم فيها من الترتيب في حال الأداء، لزم
مثله في حال القضاء، انتهى.
وفي ((الغنية)): لو أخر رمي الأيام كلها إلى الرابع مثلًا، رماها كلها فيه
قبل الزوال أو بعده على التأليف قضاء عنده، وعليه دم واحد للتأخير، وأداء
عندهما، ولا شيء عليه، انتهى. وفي ((الهداية))(١): من ترك رمي الجمار في
الأيام كلها، فعليه دم، والترك إنما يتحقق بغروب الشمس من آخر أيام الرمي،
وما دامت الأيام باقية، فالإعادة ممكنة، فيرميها على التأليف.
قال العيني في ((البناية)): أي على الترتيب وبه قال الشافعي في قول، وفي
قول: يسقط رمي كل يوم يمضي؛ لأنه فات عن وقته، انتهى.
(لأنه) دليل لما اختاره الإمام في تفسير الحديث من أنهم لا يرمون في
اليوم الأول، بل يرمون في الثاني لليومين قضاءً للماضي، وأداءً للحاضر، وإن
كان ظاهر الحديث أنهم مختارون في أي اليومين شاءوا جمعوا رمي يومين
جمع تقديم أو تأخير، فالباعث للمصنف على أنه حمل الحديث على جمع
التأخير فقط لا جمع التقديم أنه (لا يقضي) ببناء الفاعل (أحد شيئاً) مما يجب
عليه قضاؤه (حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه) الأداء (ومضى) وقته ولم يؤد
فيه (كان القضاء بعد ذلك)
قال الخطابي(٢): قد اختلف الناس في تعيين اليوم الذي يرمي فيه، فكان
(١) (١٦٣/١).
(٢) («معالم السنن)) (٢٠٨/٢).
٣٨١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١١) حديث
مالك يقول: يرمون يوم النحر، وإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من
الغد، وذلك يوم النفر الأول، يرمون لليوم الذي مضى، ويرمون ليومهم ذلك،
وذلك أنه لا يقضي أحد شيئاً حتى يجب عليه، وقال الشافعي: نحواً من قول
مالك، انتهى .
وفي ((المرقاة)) (١): قال الطيبي: رخص لهم أن لا يبيتوا بمنى، وأن يرموا
يوم العيد جمرة العقبة، ثم لا يرموا في الغد، بل يرموا بعد الغد رمي اليومين
القضاء والأداء، ولم يجوز الشافعي ومالك أن يقدموا الرمي في الغد، انتهى.
قال القاري: وهو كذلك عند أئمتنا، انتهى. أي لم يجوزوا التقديم.
قال القاري في ((شرح اللباب))(٢): لو لم يرم يوم النحر أو الثاني أو
الثالث، رماه في الليلة المقبلة أي الآتية لكل من الأيام الماضية، ولا شيء
عليه سوى الإساءة إن لم يكن بعذر، ولو رمى ليلة الحادي عشر أو غيرها عن
غدها أي من أيامها المقبلة لم يصح؛ لأن الليالي في الحج في حكم الأيام
الماضية لا المستقبلة، فيجوز رمي اليوم الثاني من أيام النحر ليلة الثالث، ولا
يجوز فيها رمي اليوم الثالث، انتهى.
قلت: ويؤيد تفسير الإمام مالك ومن وافقه ما ورد في حديث الباب من
طريق سفيان عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وأحمد في
(مسنده) وغيرهم: ((أن النبي ◌َّ* رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً))،
وأوضح منه ما في ((مسند أحمد)) من طريق ابن جريج عن محمد بن أبي بكر:
((أن النبي ◌َّ أرخص للرعاء أن يتعاقبوا فيرموا يوم النحر، ثم يدعوا يوماً
وليلة، ثم يرموا الغد))، ولفظ الطحاوي من هذا الطريق: ((أن النبي ◌َّ رخّص
(١) (٣٧٦/٥).
(٢) (ص١٢٨).
٣٨٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١١) حديث
للرعاء أن يتعاقبوا، فكانوا يرمون غدوة يوم النحر، ويدعون ليلة ويوماً، ثم
يرمون من الغد)»، فهذه النصوص صريحة في أنهم لا يرمون يوم الحادي عشر،
ويجمعون رمي اليومين في الثاني عشر.
والأئمة الستة بعدما اتفقوا على أنه لا يقدم رمي يوم على ذلك اليوم،
اختلفوا في جمع التأخير، فقالت الأئمة الثلاثة وصاحبا أبي حنيفة والطحاوي
من الحنفية: على أنه لا يجب عليه دم، فقد تقدم قريباً عن الموفق، إذا أخر
رمي يوم إلى ما بعده. أو أخّر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة، ولا
شيء عليه ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء، وتقدم عن النووي إذا تركه
نهاراً، فالأصح أنه يتداركه ليلًا، أو فيما بقي من أيام التشريق، وإذا تداركه
فالأصح أنه أداء لا قضاء، ولا دم عليه.
وأما عند المالكية فالرمي في الليل، وفيما بعد الليل قضاء، يجب به
الدم، كما تقدم في أوقات الرمي، لكنه يرخص للرعاة مطلقاً، أو لرعاة الإبل
خاصة في جمع التأخير، ولا يجب عليهم دم، كما تقدم عن الدردير
والدسوقي.
وعند صاحبي أبي حنيفة، فالرمي إلى آخر أيام التشريق أداء، لا دم
بالتأخير إليها، كما تقدم في أوقات الرمي، وقال محمد في (موطئه))(١) بعد
حديث عاصم بن عدي المذكور: من جمع رمي يومين في يوم من علة أو غير
علة، فلا كفارة عليه، إلا أنه يكره أن يدع ذلك من غير علة، حتى الغد، وقال
أبو حنيفة: إذا ترك ذلك حتى الغد، فعليه دمٌ، انتهى.
وأخرج الطحاوي في (المعاني))(٢) حديث ابن عباس مرفوعاً: ((الراعي
(١) انظر: ((التعليق الممجد)) (٤٠٧/٢).
(٢) (شرح معاني الآثار)) (١ /٤١٥).
٣٨٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١١) حديث
يرعى بالنهار ويرمي بالليل)) ثم قال: ذهب أبو حنيفة إلى أن في هذا الحديث
دلالة على أن الليل والنهار وقت واحد للرمي، فقال: إن ترك رجل رمي العقبة
في يوم النحر، ثم رماها بعد ذلك في الليلة التي بعده، فلا شيء عليه، وإن لم
يرمها حتى أصبح من غده رماها، وعليه دم لتأخيره إياها إلى خروج وقتها،
وهو طلوع الفجر من يومئذ.
وخالفه في ذلك أبو يوسف ومحمد فقالا: إذا ذكرها في شيء من أيام
الرمي رماها، ولا شيء عليه غير ذلك من دم ولا غيره، وإن لم يذكرها حتى
مضت أيام الرمي، فذكرها لم يرمها، وكان عليه في تركها دم، ثم احتجّ لهم
بحديث الباب، وقَوَّاه بالنظر، فَعُلِمَ من هذا كله وجوب الدم عند الإمام
أبي حنيفة في حديث الباب، ولم أجد الجواب عنه في كلام السلف من شراح
الحديث ومؤلفي الفقه.
ويمكن الجواب عنه بوجوهٍ، الأول: أن حديث الرعاء هذا مرخص لجمع
رمي يومين في يوم واحد، وهو ساكت عن وجوب الدم وعدمه، فيجب الدم
مع الترخيص، لحديث ابن عباس، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عنه: ((من
قدم شيئاً من حجه أو أخّره فليهرق لذلك دماً))، وأخرجه الطحاوي من وجه
آخر أحسن منه كذا في ((الدراية))، والترخيص لا ينافي الجزاء. ألا ترى أن من
برأسه أذى يرخص في حلق الشعر؟ ومع ذلك يجب عليه الجزاء، وله نظائر
كثيرة، قال شارح ((اللباب))(١): لا فرق في وجوب الجزاء فيما إذا جنى عامداً
أو خاطئاً ذاكراً أو ناسياً، عالماً أو جاهلا، معذوراً أو غيره بلا خلاف عند
أئمتنا ، انتهى.
الثاني: أن حديث الرعاء مضطرب في الترخيص، ففي بعض طرقه أن
(١) (ص ١٦٣).
٣٨٤
- - -

(٧٢) باب
(٩١١) حديث
٢٠ - كتاب الحج
......
فَإِنْ بَدَا لَهُمُ النَّفْرُ فَقَدْ فَرَغُوا، وَإِنْ أَقامُوا إِلَى الْغَدِ، رَمَوْا مَعَ
الرخصة لهم في الرمي بالليل، وفي بعضها في الجمع بين اليومين، وفي بعضها
أن يرموا يوماً، ويدعوا يوماً، ولا ذكر فيه للقضاء أصلًا، فرجع الإمام في ذلك
إلى الأصل المتفق عليه، وهو وجوب الدم لحديث ابن عباس المذكور، وهو
معمول به عند الجمهور في الجملة.
الثالث: أن ظاهر حديث الرعاء متروك عند الجمهور، منهم الأئمة
الأربعة، فإن ظاهره يدل على جواز الجمع مطلقاً، سواء كان جمع تقديم أو
جمع تأخير، والأئمة الأربعة متفقة على عدم جواز التقديم، فإذا كان الحديث
متروك الظاهر عند الكل ومؤوَّلًا عند الجميع بجمع التأخير، فأوجب الإمام فيه
الدم احتياطاً في باب العبادات.
الرابع: أنه واقعة حال لا عموم لها، فلا مانع من أن يكون مختصاً لهم،
فإن النبي ◌َّر أن يخص من شاء بما شاء، ونظائره أكثر من أن تحصر.
الخامس: أن قوله في الحديث في أحدهما مؤولٌ، ومجازٌ باعتبار
القرب، والمراد بالجمع الجمع الصوري، والمعنى: أنهم يرمون يوم النحر في
وقته ثم رخص لهم في أن يؤخروا رمي الحادي عشر إلى آخر وقت جوازه،
وهو قبيل طلوع الفجر من ليلة الثاني عشر، وبعد الفراغ عنه يرمون للثاني عشر
في أول وقت جوازه بعد طلوع الفجر من صبيحة الثاني عشر متصلًا. وهذا
التوجيه يختص برواية الحسن عن أبي حنيفة فتأمل، وتقدمت رواية الحسن في
أوقات الرمي.
(فإن بدا لهم النفر) بعد رمي يومين الذي رمي لهما في الثانية (فقد فرغوا)
ويجوز لهم النفر؛ لأنهم دخلوا في قوله عز اسمه: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآَ
إِثْمَ عَلَيْهِ﴾(١) (وإن أقاموا) بمنى (إلى الغد) أي إلى اليوم الثالث عشر (رموا مع
(١) سورة البقرة: الآية ٢٠٣.
٣٨٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١١) حديث
النَّاسِ يَوْمَ النَّفْرِ الآخِرِ، وَنَفَرُوا .
الناس يوم النفر الآخر) بكسر الخاء (ونفروا) أي انصرفوا بعد ذلك؛ لأنهم
دخلوا في ﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلَّ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وحاصل تفسير الإمام مالك - رضي الله
عنه -: أن الرعاء يرمون يوم النحرِ كسائر الناس، ثم يجمعون رمي أول أيام
التشريق بالثاني منها، فيرمون في الثاني ليومين، ثم إن شاءوا نفروا عملًا
بالتعجيل، وإن شاءوا أقاموا بمنى إلى الثالث عشر، فيرمونه كسائر الناس عملًا
بالتأخير .
ويؤيد هذا التفسير ما حكى الإمام أحمد في ((مسنده)) عن مالك بسنده إلى
عاصم بن عدي قال: ((أرخص رسول الله صلوالرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا
يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما))، قال مالك:
ظننت أنه في الآخر منهما، ثم يرمون يوم النفر، فيكون قوله: ظننت أنه في
الآخر منهما، بياناً لقوله في أحدهما، ويكون المراد بقوله: ((يرمون يوم النفر))
الآخرَ، إن أقاموا بمنى كما فسره الإمام في ((الموطأ)).
ويشكل عليه ما حكى الإمام الترمذي (١) عن الإمام مالك بعد قول عاصم
في الحديث: ((فيرمونه في أحدهما))، قال مالك: ظننت أنه قال في أول منهما،
ثم يرمون يوم النفر، ووافقه ابن ماجه إذ قال بعد قوله: فيرمونه في أحدهما،
قال مالك: ظننت أنه قال في الأول، فمن ذاهب إلى ترجيح ما في ((مسند
أحمد)) على ما في الترمذي لموافقة الأول تفسير ((الموطأ))، ومن ذاهب إلى
حمل ما في الترمذي وتوجيهه، إلى ما في ((الموطأ))، كما أفاده الشيخ في
((الكوكب))(٢)، ومن ذاهب إلى أن ما في الترمذي معنى آخر لا يتعلق بما في
أحمد و((الموطأ))، ومحل الكلام فيه حواشي الترمذي.
(١) أخرجه الترمذي في كتاب الحج (٢٩٠/٣) حديث رقم ٩٥٥.
(٢) انظر: ((الكوكب الدري)) (١٥٦/٢).
٣٨٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١٢) حديث
٩١٢/ ٢٢٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ
أَبِيهِ؛ أَنَّ ابْنَةَ أَخْ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، نُفِسَتْ بِالْمُزْدَلِفَةِ، فَتَّخَلَّفَتْ
هِيَ وَصَفِيَّةُ حَتَّىَ أَتَنَا مِنْىَ، بَعْدَ أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ،
٢٢٠/٩١٢ - (مالك، عن أبي بكر بن نافع) مولى ابن عمر العدوي
المدني من رواة مسلم وأبي داود والترمذي، قال عبد الله بن أحمد عن أبيه:
هو أوثق ولد نافع، وعن ابن معين: ليس به بأس، وقال مرة: ليس بشيء،
وذكره ابن حبان في الثقات، وسماه عُمَرَ في ((صحيحه))، وقال الحاكم: لم
أقف على اسمه، وفي ((التقريب))(١): صدوق، يقال: اسمه عمر من كبار
السابعة (عن أبيه) نافع الشهير مولى ابن عمر شيخ مالك - رضي الله عنه -،
وأكثر عنه، لكن روى عنه هاهنا بواسطة ابنه (أن ابنة أخ) قال الزرقاني: لم
تسم هي ولا أبوها (لصفية بنت أبي عبيد) بضم العين أخت المختار الثقفي
وامرأة عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما -.
(نفست) بضم النون وفتحها مع كسر الفاء فيهما لغتان، والضم أشهر أي
ولدت، وأما بمعنى حاضت فبضم النون فقط عن جماعة، وعن الأصمعي
الوجهان (بالمزدلفة فتخلفت هي) أي النفساء أو عمتها (وصفية) قال الباجي(٢):
الأغلب أن مقام صفية مع ابنة أخيها كان بعلم عبد الله بن عمر، والذي لا
ريب فيه أنه علم بذلك بعد مجيئهما، وقد سئل عن حكمهما، فلم ينكر المقام
على صفية مع ابنة أخيها، وإن كان العذر مختصة بابنة أخيها دونها، ولا يبعد
أن يكون مثل هذا مباحاً، لمن خيف عليه الضياع والهلاك في الانفراد بمثل
هذه الحال، أن يقيم مع من يخاف عليه الهلاك بانفراده، وترجى نجاته وصلاح
حاله بالمقام معه، انتهى.
(حتى أتتا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر) يعني بعدما فات وقت
(١) (٤٠٠/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٥٢/٣).
٣٨٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١٢) حديث
فَأَمَرَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ تَرْمِيَا الْجَمْرَةَ، حِينَ أَتَتَا وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِمَا
شَيْئاً .
الجواز لرمي هذا اليوم. (فأمرهما عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن
ترميا الجمرة) العقبة (حتى أتتا) منى، وذلك لأن الليلة اللاحقة وقت القضاء
لرمي النحر عند الجمهور، كما سيأتي قريباً، قال الباجي: يريد أنهما أدركا
وقت قضاء الرمي وإن لم يدركا وقت أداء الرمي، فأمرهما بقضاء الرمي (ولم
ير) ابن عمر (عليهما شيئاً).
قال الباجي(١): يقتضي أنه لم ير عليهما دماً ولا غيره، وقد قال مالك
في (المبسوط)): وأما أنا فأرى على كل من كان في مثل حال صفية يوم النحر،
ولم يرم حتى غابت الشمس الدمَ، ووجه ذلك أن من فاته الأداء لزمه الرمي
والهدي، كالذي يمرض، فلا يقدر على الرمي في وقت الأداء، انتهى.
قلت: هذا هو الظاهر من مذهب الإمام مالك، فإن الرمي بالليل قضاء
عنده، وقد تقدم عن الدسوقي، فيمن حبس بمكة لمرض، وترك المبيت بمنى
أن عليه الهدي، حسبما روى ابن نافع عن مالك، انتهى.
لكن قال الزرقاني(٢): قوله: لم ير عليهما شيئاً، هديا لعذرهما تلك
بالولادة والعمة بمعاونتها، لكن استحب مالك لمن عرض له مثل ما عرض
لصفية أن يهدي؛ لأنه لم يرم في الوقت المطلوب، انتهى.
وظاهر الفروع الأول، فإنهم صرحوا بوجوب الدم على الرمي بالليل،
كما تقدم في بيان وقت رمي العقبة، وأما عند الحنفية، فلا شيء عليهما في
ذلك؛ لأن الليل وإن كان وقت إساءة، لكن لا دم مع الإساءة أيضاً فضلًا أن
لا إساءة في حق المعذور، وكذلك على الأصح عند الشافعية، كما تقدم عن
(١) ((المنتقى)) (٥٢/٣).
(٢) (٣٧٣/٢).
٣٨٨
-.

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١٢) حديث
قَالَ يَحْيَى: سُئِلَ مَالِكٌّ عَمَّنْ نَسِيَ جَمْرَةً مِنَ الْجِمَارِ فِي بَعْضٍ
أَيَّامٍ مِنْىٌّ حَتَّى يُمْسِيَ؟ قَالَ: لِيَرْمِ أَيَّ سَاعَةٍ ذَكَرَ مِنْ لَيْلِ أَوْ نَهَارٍ.
النووي، أن من تدارك الرمي في الليل أو في أيام التشريق، فالأصح أنه أداءٌ
ولا دم عليه .
وأما عند الحنابلة فأثر الباب يخالفهم؛ لأنهم قالوا: إن أخّرها إلى
الليل، لم يرم حتى تزول الشمس من الغد، كما تقدم التصريح بذلك في بيان
وقت رمي العقبة عن ((المغني)) و((الروض المربع)).
(وسئل مالك) زاد في النسخ المصرية قبل ذلك: قال يحيى (عمن نسي)
رمي (جمرة) كاملة (من الجمار) الثلاثة (في بعض أيام منى) أي أيام التشريق
(حتى يمسي؟) سواء غربت الشمس أو لا (قال: ليرم أية ساعة ذكر) سواء ذكر
(من ليل أو نهار) احتراز عن قول من قال: لا يقضيه ليلًا؛ لأنه من عبادة
النهار، كما تقدم في بيان وقت الرمي.
قال الباجي(١): هذا كما قال: إن من نسي جمرة من الجمار في بعض
أيام التشريق، حتى يفوته وقت الأداء بمغيب الشمس من يوم تلك الجمرة، فإنه
يقضيها ما دام وقت القضاء، انتهى.
وقد عرفتَ وقت القضاء فيما تقدم، ثم قال: ولا يؤخر رميها عن وقت
ذكرها؛ لأنها عبادة فعل يتعلق بوقت، فإذا فات وقت أدائها لزم تعجيل قضائه
كصلاة الفرض، ولذلك احتج مالك على تعجيل قضائها أي وقت ذكر ذلك من
ليل أو نهار بما يلزم من تعجيل الصلاة متى ذكرها، انتهى.
ثم إن كانت المنسية الجمرة الأولى أو الثانية يعيد في القضاء ما بقي من
الجمرة أو الجمرتين؛ لأن الترتيب بين جمرات كل يوم واجب عند المالكية لا
يسقط بالنسيان ولا غيره، صرح به الدردير وغيره، وإن كانت المنسية الجمرة
(١) ((المنتقى)) (٥٣/٣).
٣٨٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١٢) حديث
كَمَا يُصَلِّي الصَّلَاةَ إِذَا نَسِيَهَا ثُمَّ ذَكَرَهَا لَيْلًا أَوْ نَهَاراً، فَإِنْ كَانَ ذُلِكَ
بَعْدَ مَا صَدَرَ وَهُوَ بِمَكَّةَ، أَوْ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ.
الثالثة فلا إعادة للجمرتين الأوليين، لأن الولاء مندوب ليس بواجب عندهم.
(كما يصلي الصلاة إذا نسيها ثم ذكرها ليلا أو نهاراً) ولا تخصيص في
قضاء الصلاة بالليل أو النهار إجماعاً (فإن كان ذلك) أي ذكره الجمرة المنسية
(بعد ما صدر) أي رجع من منى (وهو) الجملة حالية (بمكة أو) تذكر (بعد ما
يخرج منها) أي من مكة أيضاً (فعليه الهدي) أي واجب، كما في النسخ
المصرية .
قال الباجي(١): من نسي جمرة كاملة فذكرها في يومه بعد أن رمى
غيرها، فإنه يرميها ويعيد ما بعدها، ولا شيء عليه، وإن ذكرها في وقت
القضاء، فإنه يرميها ويرمي ما بعدها مما يدرك وقت أدائه، وإن ذكرها بعد
وقت القضاء، فلا رمي عليه، وعليه الدم، فإن ذكرها في وقت أداء الجمرة
المنسية، فلا خلاف أن الدم لا يجب عليه، وإن ذكرها بعد فوات وقت
القضاء، فلا خلاف أن الدم عليه، وإن ذكرها في وقت قضائها، ففي وجوب
الدم عليه روايتان على ما نذكره.
ثم قال: أما من نسي الجمار كلها في أيام منى، فذكر ذلك في آخر أيام
التشريق بعد الزوال، فإنه يرمي لليوم الأول على سنته، ثم للثاني على سنته، ثم
للثالث على سنته، سواء ذكر ذلك بعد أن نفر من منى أو قبل ذلك، إذا ذكر
ذلك قبل أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق، فإن ذكر بعد انقضاء أيام منى
بمغيب الشمس من آخرها، فقد فاته الرمي، ولا سبيل له إليه.
وهل عليه الدم إن ذكر ذلك في آخر أيام منى ورمى في وقت القضاء؟
اختلف قول مالك فيه، فمرة قال: عليه الدم، ومرة قال: لا دم عليه، وقال
(١) ((المنتقى)) (٥٥/٣).
٣٩٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧٢) باب
(٩١٢) حديث
ابن حبيب: إن رمى قبل الصدر فلا دم عليه، وإن ذكر بعد النفر فعاد فرمى في
وقت القضاء، فعليه الدم، وقال ابن وهب: إن تعمد فعليه الهدي، وإن نسي
فلا هدي عليه، ووجه قولنا بوجوب الدم عليه إدخاله النقص على الرمي بتأخيره
عن وقت الأداء إلى وقت القضاء، انتهى.
ثم قال: قوله: فإن كان ذلك بعدما صدر إلخ يريد بعدما صدر من منى،
وذلك يكون على وجهين، الأول: أن يفوت وقت الرمي بمغيب الشمس من
آخر أيام التشريق، والثاني: قبل أن يفوت وقت الرمي، فإن كان ذلك بعد أن
فات وقت الرمي، فإنما عليه الهدي لما فاته من وقت الرمي، وإن كان لم يفت
وقت الرمي، فعليه أن يرجع، فيرمي ما بقي عليه من الرمي، وقد تقدم من قول
ابن حبيب: أن عليه الدم؛ لأنه رمى بعد النفر.
وقول مالك يحتمل الوجهين، أحدهما: أن يريد بيان وجوب الهدي على
من نفر قبل أن يرمي، سواء رجع له أو لم يرجع، ولذلك لم يذكر الفوات ولا
الرجوع والإدراك، والثاني: أن يريد بذلك أن من صدر، وفاته الرمي لفوات
وقت القضاء أن عليه الهدي، وأن من لم يفته ذلك، فلا هدي عليه، انتهى.
وعُلِمَ من ذلك أن ظاهر ((الموطأ)) إن لم يؤوّل بالاحتمال الثاني من
احتمالي الباجي مؤيد لكلام ابن حبيب القائل بوجوب الدم على من تذكر بعد
الرجوع من منى مطلقاً، ولم أجد في ((الدردير)) وغيره من الفروع تفريق الرجوع
عن منى وغيره، بل مدار الدم في الفروع على الأداء والقضاء.
ومذهب الحنفية في ذلك كما في ((شرح اللباب)) (١): لو ترك رمي يوم كله
أي سبع حصيات في اليوم الأول، وإحدى وعشرين في بقية الأيام أو أكثره
كأربع حصيات فما فوقها يوم النحر، أو أحد عشرة حصاة فيما بعده أو أخّره
(١) (ص١٩٦).
٣٩١

٢٠ - كتاب الحج
(٧٣) باب
(٩١٣) حديث
(٧٣) باب الإفاضة
٢٢١/٩١٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْن
دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَّ النَّاسَ بِعَرَفَةَ،
إلى يوم آخر، فعليه دم لتركه أو تأخيره، وإن أخّره إلى الليل الآتي، فلا شيء
عليه اتفاقاً .
وإن لم يرم حتى أصبح رماها من الغد، وعليه دم عند أبي حنيفة للتأخير
لا عندهما، وإن لم يرم حتى مضت أيام الرمي بغروب الشمس من آخر أيام
التشريق، فعليه دم بالاتفاق لتركه الرمي، وإن ترك الأقل، كثلاثة فما دونها في
اليوم الأول، وعشر حصيات فما دونها فيما بعده، فعليه لكل حصاة صدقة إلا
أن يبلغ ذلك دماً فينقص منه، انتهى.
والترتيب بين الجمار واجب عند البعض كالسرخسي، والأكثر على أنها سنة،
كما صرح به صاحب ((البدائع)) والكرماني و((المحيط)) وغيرهم، قال ابن الهمام:
والذي يقوي عندي استنانه، كذا في ((شرح اللباب))، وفي ((الغنية)): سنة عند
الأكثر، وهو المختار، وقيل: شرط كما قاله الثلاثة، انتهى. أي الأئمة الثلاثة.
(٧٣) الإفاضة
قد تقدم أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا یتم الحج بدونه حتی قالوا :
:
من نسيه ورجع إلى بيته يلزم عليه الرجوع إلى مكة حتى يتمه، ولا خلاف بينهم في ذلك،
وتقدم ذلك في غير موضع من هذا الكتاب، والمقصود هاهنا بيان بعض أحكامه(١).
٢٢١/٩١٣ - (مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار) كلاهما مولى ابن عمر
- رضي الله عنهما - (عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما - (أن عمر بن
الخطاب خطب الناس بعرفة) يوم عرفة.
(١) انظر: (بدائع الصنائع)) (١٥٩/٢) و((الدر المختار)) (٢٥٠/٢) و((المغني))، (٤٣٨/٣)
و (المهذب)) (١/ ٤٣).
٣٩٢٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧٣) باب
(٩١٣) حديث
وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ. وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: إِذَا جِئْتُمْ مِنْىٌ، فَمَنْ رَمَى
الْجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ، إِلَّا النِّسَاءَ وَالطَّيبَ، لَا
يَمَسَّ أَحَدٌ نِسَاءً وَلَا طِيباً، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ .
قال الباجي(١): خطبته ليست للصلاة، وإنما هي لتعليم الحاج، ولذلك
قال: وعلمهم أمر الحج، انتهى. قلت: تعليمه أمر الحج لا ينافي خطبة
الصلاة، فإن من آدابها أيضاً تعليم أمور الحج الباقية فيها، فالظاهر هو ذاك،
(وعلمهم) في خطبته (أمر الحج) أي ما يستقبلونه من أحكامه كالمبيت بمزدلفة،
وجمع الصلاتين بها، والوقوف بها، والدفع منها، ورمي العقبة، ثم الذبح، ثم
الحلاق، ثم طواف الإفاضة، وغير ذلك من الأحكام.
(وقال لهم فيما قال) أي في جملة ما علمهم (إذا جئتم منى) صبيحة النحر
(فمن رمى الجمرة) أي جمرة العقبة (فقد حل له) كل (ما حرم، على الحاج)
لأجل الإحرام، وهذا مستدل الإمام مالك في مسألة خلافية تقدمت في أول
الحج، أن التحلل الأصغر يحصل برمي العقبة، وليس الرمي بمحلل عند
الحنفية، بل يحصل التحلل بالحلق على المشهور، وهما قولان للشافعي
وأحمد، ومختار فروعهما أنه يحصل بالاثنين من الرمي والحلق والإفاضة،
فمن قال: يحصل التحلل بالحلق قيد الأثر بذلك، وهو الصحيح لما سيأتي من
زيادة الحلق أو التقصير في الأثر الآتي، فهو دليل على أن هذا الأثر مختصر.
(إلا النساء والطيب) اختلفوا فيما يستثنى من التحلل الأصغر، ويتوقف
على التحلل الأكبر، والجمهور على أنه النساء فقط، واستثنى في أثر الباب
شيئين: النساء، والطيب، ثم أكّدهما بقوله: (لا يمس أحد نساءً ولا طيباً) لأنه
من دواعي الجماع (حتى يطوف بالبيت) طواف الإفاضة.
وقال ابن العربي في ((العارضة))(٢): هذه مسألة مشكلة قديماً، اختلف
(١) ((المنتقى)) (٥٦/٣).
(٢) ((عارضة الأحوذي)) (١٤٩/٤/٢).
٣٩٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧٣) باب
(٩١٣) حديث
السلف فيها على أربعة أقوال، الأول: أن من رمى الجمرة حلّ له كل شيء إلا
النساء والطيب، الثاني: زاد مالك: والصيد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ
حُرُمٌ﴾ وهذا حرام بعد. الثالث: قال عطاء: إلا النساء والصيد؛ لأن الطيب حلّ
بفعله وَّر، فبقي النساء والصيد على تحريمه. الرابع: النساء خاصة، وهو قول
الشافعي، وهو حديث عائشة - رضي الله عنها - وهو الصحيح. وبه قال ابن
عباس، وطاوس وعلقمة، انتهى.
قال الموفق(١): المحرم إذا رمى جمرة العقبة، ثم حلق حلَّ له كل ما
كان محظوراً بالإحرام إلا النساء، هذا الصحيح من مذهب أحمد، نص عليه
في رواية جماعة، فيبقى ما كان محرماً عليه من النساء من الوطء والقبلة
واللمس لشهوة وعقد النكاح، ويحل له ما سواه، وهذا قول ابن الزبير،
وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاوس، والنخعي، وعبد الله بن الحسين،
وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وروي أيضاً عن
ابن عباس، وعن أحمد: يحل له كل شيء إلا الوطء في الفرج؛ لأنه أغلظ
الحرمات، ويفسد النسك بخلاف غيره، وقال عمر بن الخطاب: يحل له كل
شيء إلا النساء والطيب، وروي ذلك عن ابن عمر وعروة بن الزبير وعباد بن
عبد الله بن الزبير، لأنه من دواعي الوطء، فأشبه القبلة، وعن عروة: لا يلبس
القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب، وروى في ذلك عن النبي وَّر حديثاً .
ولنا ما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي ◌ّ قال: ((إذا رميتم
وحلقتم، فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء))، رواه سعيد، وفي
لفظ: ((إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، وحلق رأسه، فقد حل له كل شيء إلا
النساء))، رواه الأثرم وأبو داود، إلا أن أبا داود قال: هو ضعيف، رواه
الحجاج عن الزهري ولم يلقه، والذي أخرجه سعيد رواه الحجاج عن أبي
(١) ((المغني)) (٣٠٨/٥).
٣٩٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧٣) باب
(٩١٣) حديث
بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة - رضي الله عنها - وقالت عائشة: طَيِّبْت
رسول الله وَ﴾ لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت متفق عليه.
وعن سالم عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب: ((إذا رميتم الجمرة
وذبحتم وحلقتم، فقد حل لكم كل شيء إلا الطيب والنساء، فقالت عائشة: أنا
طَيِّيْتُ رسول الله وَّهُ فسنة رسول الله وَّ أحق أن تتبع)). رواه سعيد.
وعن أم سلمة، أن رسول الله وَالر قال يوم النحر: ((إن هذا يوم رخص
لكم إذا رميتم أن تحلّوا، يعني من كل ما حرمتم منه إلا النساء))، رواه أبو
داود، وعن ابن عباس أنه قال: ((إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا
النساء، فقال له رجل والطيب؟ قال: أما أنا فقد رأيت رسول الله وَلّ يضمخ
رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟)) رواه ابن ماجه، وقال مالك: لا يحل له
النساء ولا الطيب ولا قتل الصيد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
٩
وهذا حرام، وقد ذكرنا ما يرُدّه، انتهى.
وبسط الحافظ في ((التلخيص)) و(الدراية))، والزيلعي في ((نصب الراية))(١)
على روايات الباب، وهي تدل على حلة كل شيء غير النساء بالتحلل الأصغر.
وفي ((الروض المربع)) (٢): ثم إذا رمى وحلق أو قصر فقد حل له كل
شيء كان محظوراً بالإحرام إلا النساء وطئاً، ومباشرة، وقبلة، ولمساً بشهوة،
وعقد نكاح، انتھی.
وبه جزم النووي في ((المناسك)): ويحل بالتحلل الأول جميع المحرمات
بالاحرام، إلا الاستمتاع بالنساء، فإنه يستمر تحريمه حتى يتحلل التحللين،
وكذا يستمر تحريم المباشرة بغير الجماع على الأصح، زاد ابن حجر: أي
وتحريم عقد النكاح، كما في المنهاج وغيره، انتهى.
(١) ((نصب الراية)) (٨١/٣).
(٢) (٥١٥/١).
٣٩٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧٣) باب
(٩١٣) حديث
قال الزرقاني(١): هذا أي المذكور في الأثر هو مذهب ابن عمر في
الطيب، وكرهه مالك فقط، وقال: يحرم الصيد، قال ابن عبد البر: لقوله
تعالى: ﴿لَ نَقْتُلُواْ الصَّيْدَ﴾ الآية. ومن لم تحل له النساء فهو حرام، انتهى.
وقال الباجي(٢): يريد أن أول التحلل رمي جمرة العقبة، فمن رماها
استحل به إلقاء التفث ولبس الثياب وغير ذلك من محظورات الإحرام إلا
النساء والطيب، أما النساء فلا خلاف في بقاء تحريمهن حتى يطوف طواف
الإفاضة، وأما الطيب فاختلف العلماء في ذلك، فمنعه مالك، وأجازه غيره،
فإذا ثبت منعه، فمن تطيب فلا فدية عليه عند مالك؛ لأنه قد وجد منه بعض
التحلل برمي العقبة، ولأنه مما اختلف العلماء في إباحته، وبذلك فارق إصابة
النساء، فإنه متفق على المنع منه.
ولم يذكر عمر - رضي الله عنه - تحريم الصيد، وذلك أن المقيم بها مقيم
بالحرم، والصيد ممنوع فيه للحلال، فلا يستبيحه لطواف الإفاضة ولا غيره،
وإنما تكلم على ما يستباح بطواف الإفاضة، ويمنع منه الإحرام خاصة دون
حرمة الحرم، ولا خلاف على المذهب أن الصيد ممنوع في ذلك الوقت في
الحل، فلو أصابه في الحل قبل طواف الإفاضة، لكان عليه جزاؤه، وقد قال به
ابن القاسم، انتهى.
وقال الدسوقي: في الصيد قبل الإفاضة الجزاء على المشهور، انتهى.
قلت: وسيأتي التصريح بوجوب الجزاء إذ ذاك في جامع الفدية، وفي
(المحلى)): قال مالك في ((المدونة)): يكره من رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى
يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه، وهو المروي عن عروة، انتهى.
(١) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٣٧٣).
(٢) ((المنتقى)) (٥٦/٣).
٣٩٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧٣) باب
(٩١٣) حديث
وقال الدردير (١): حل برميها، وكذا بخروج وقت أدائها غير نساء بجماع
ومقدماته، وعقد نكاح، وغير صيد، فحرمتهما باقية، وكره الطيب فلا فدية في
فعله، انتهى.
وأما عند الحنفية، فقد عرفت أن المحلل عندهم الحلق، ولذا قال
القاري في ((شرح اللباب))(٢) في ((باب الحلق)): حكمه التحلل، فيباح به جميع
ما حظر بالإحرام من الطيب والصيد ولبس المخيط وغير ذلك إلا الجماع
ودواعيه، كالتقبيل واللمس على ما ذكره الكرماني، لكن في ((منسك)) الفارسي
والطرابلسي: لا يحل الجماع فيما دون الفرج بخلاف اللمس والقبلة، انتهى.
ولعل مرادهما أنهما مكروهان بخلاف الجماع في ما دون الفرج، فإنه
حينئذٍ حرامٌ، فلا تنافي، فإنه أي الجماع وتوابعه يتوقف حلّه على طواف
الإفاضة، وذكر ابن فرشة في ((شرح المجمع)) معزياً إلى ((الخانية)): الصحيح أن
الطيب لا يحل له؛ لأنه من دواعي الجماع، انتهى. والذي صرح به غير واحد
إباحة جميع المحظورات من الطيب والصيد وغير ذلك، انتهى.
وفي ((المحلى)): يستدل لمالك - رضي الله عنه -، بما روى الحاكم عن
ابن الزبير أنه قال: من سنة الحج إن رمى الجمرة الكبرى حلّ له كلُّ شيء حرم
عليه إلا النساء والطيب، وقال: على شرطهما، وقول الصحابي: ((من السنة))
حكمه الرفع، وقالت الثلاثة الباقية: إنه إذا رمى الجمرة فقد حلّ له كل شيء
إلا النساء؛ لما روى الستة عن عائشة: ((كنت أطيب رسول الله (ٍَّ))، الحديث.
وروى الترمذي(٣) بطريق القاسم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((طيبت
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٥/٢).
(٢) (ص١٢٤).
(٣) أخرجه الترمذي (٢٥٩/٣) حديث رقم (٩١٧).
٣٩٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧٣) باب
(٩١٤) حديث
٢٢٢/٩١٤ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْن
دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابَ قَالَ: مَنْ رَمَى
الْجَمْرَةَ، ثُمَّ حَلَقَ أَوْ قَصَّرَ، وَنَحَرَ هَدْياً؛ إِنْ كَانَ مَعَهُ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ
مَا حَرُمَ عَلَيْهِ، إِلَّا النِّسَاءَ، وَالطَّيبَ، حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ.
رسول الله ( قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه
مسك))، قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحابه وَله.
قال الحافظ (١): واعتذر عنه بعض المالكية بأن عمل أهل المدينة
بخلافه، وتعقب بما رواه النسائي من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن، أن
سليمان بن عبد الملك لما حج سأل ناساً من أهل العلم، منهم القاسم بن
محمد، وخارجة بن زيد، وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر بن
عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيب قبل
الإفاضة، فكلهم أمره به، فهولاء فقهاء أهل المدينة من التابعين قد اتفقوا على
ذلك، فكيف يُدَّعى مع ذلك العمل بخلافه، انتهى. قلت: وحديث عائشة
المذكور تقدم عند المصنف أيضاً، وتقدم فيه شيء من الكلام على المسألة.
٢٢٢/٩١٤ - (مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر)
- رضي الله عنهما - (أن عمر بن الخطاب قال: من رمى الجمرة وحلق) وفي
المصرية: ((ثم حلق)) (أو قصر ونحر هديا إن كان معه) قال الباجي: قدم الحلاق
في اللفظ على النحر، والنحر مقدم في الرتبة غير أن الواو لا تقتضي رتبة، انتهى
(فقد حل له ما حرم عليه، إلا النساء والطيب، حتى يطوف بالبيت) قال
الزرقاني(٢): أعاده لزيادة ((ثم حلق)) إلخ ولم يدخل ذلك فيما قبله؛ لأنه سمعه
من شيخه كذلك، وهم يحافظون على تأدية ما سمعوه لا سيما مالك، انتهى.
(١) (فتح الباري)) (٣٩٩/٣).
(٢) ((شرح الزرقاني)) (٢/ ٣٧٣).
٣٩٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حديث
(٧٤) باب دخول الحائض مكة
٢٢٣/٩١٥ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛
قلت: والظاهر عندي أن المصنف أشار بذكر الأثر السابق بدون الزيادة
إلى أن مدار الحل على الرمي فقط، كما هو مختار المصنف. فالزيادة في هذا
الأثر ليست بمدار التحلل، بل ذكرها تبعاً .
قال الباجي(١): فأعلمنا أن إضافة النحر والحلاق إلى الرمي لا يبيح
النساء ولا الطيب، وإنما يبيح ذلك طواف الإفاضة؛ لأنه نهاية التحلل من
الإحرام، انتهى.
(٧٤) دخول الحائض مكة
يعني إذا كانت المرأة حائضاً وقت دخولها مكة كيف تفعل في مناسكه؟
٢٢٣/٩١٥ - (مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه) القاسم بن
محمد بن أبي بكر (عن عائشة) رضي الله عنها (أم المؤمنين) قال ابن عبد البر في
(التقصي))(٢): هذا الحديث ليس عند أحد من رواة ((الموطأ)) بهذا الإسناد إلا عند
يحيى بن يحيى، وإنما هو في ((الموطأ)) عند جميع الرواة عن مالك عن ابن شهاب
عن عروة عن عائشة، وعند يحيى الإسنادان جميعاً، ولم يتابعه أحد على إسناده،
هذا ولا يوجد قوله: ((انقضي رأسك وامتشطي)) لأحد عن عائشة غير عروة، وقد بينا
ذلك كله ومعانيه في ((التمهيد))(٣)، انتهى. زاد الزرقاني فيما حكاه عن ابن
عبد البر(٤)، ويمكن أنه عند مالك بالإسنادين، فذكرهما لما حدّث به يحيى، انتهى.
(١) ((المنتقى)) (٥٧/٣).
(٢) (ص١٠٢).
(٣) انظر: ((التمهيد)) (١٩٩/٨) و(٢٦٤/١٩).
(٤) انظر: ((الاستذكار)) (٢٣٤/١٣).
٣٩٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧٤) باب
(٩١٥) حدیث
أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَأَهْلَلْنَا
بِعُمْرَةٍ،
(أنها قالت: خرجنا مع رسول الله وَّر عام حجة الوداع) تقدم شرح هذا
الكلام في ((باب إفراد الحج)) (فأهللناه بعمرة) قال العلامة الزرقاني(١): أي
أدخلناها على الحج بعد أن أهللنا به ابتداء، وهو إخبار عن حالها وحال من
كان مثلها في الإِهلال بعمرة، لا عن فعل جميع الناس، فلا ينافي قولها
المتقدم: ((فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهلّ بالحج، ومنا من أهلّ بحج
وعمرة))، انتهى. وما أفاده ليس بوجيه لأن عائشة - رضي الله عنها - لم تكن
ممن أهلّ بحج ابتداء، والروايات الواردة في هذا الباب متظافرة على أنها
- رضي الله عنها - كانت معتمرة ابتداء، ولما شكت إلى النبي 18 أنها لم
تطف، أمرها برفض عمرتها .
وما قيل: إنها أهلّت بالحج أولًا، ثم فسختها إلى العمرة كسائر الناس، ثم
رفضت العمرة لا يساعده الحديث، فالأوجه في الجمع ما قال الباجي (٢): قولها:
((فأهللنا بعمرة)) يحتمل أن تريد بذلك أزواج النبي و لير؛ ويحتمل أن تريد من كان
معها أو طائفة أشارت إليهم، ولا يصح أن تريد جماعة أصحاب النبي وعليه؛ لأنها
قد ذكرت: أن منهم من أهل بعمرة، ومنهم من جمع، بين العمرة والحج، انتهى.
قلت: ولا يشكل أيضاً ما روي عنها: ((لا نرى إلا أنه الحج))، كما تقدم
في النحر في الحج، وقد اختلفت الروايات فيما أحرمت به عائشة - رضي الله
عنها - اختلافاً كثيراً، وتفرع عليه اختلاف العلماء في إحرامها بما كانت.
قال الشيخ ابن القيم في ((الهدي)): (٣) قد تنازع العلماء في قصة عائشة
- رضي الله عنها - هل كانت متمتعة أو مفردة؟ فإذا كانت متمتعة فهل رفضت
(١) ((شرح الزرقاني)) (٣٧٤/٢).
(٢) ((المنتقى)) (٥٧/٣).
(٣) ((زاد المعاد)» (١٥٦/٢).
٤٠٠