Indexed OCR Text

Pages 301-320

٢٠ - كتاب الحج
(٧٠) باب
(٩٠١ - ٩٠٢) حديث
٢٠٩/٩٠١ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن
عُمَرَ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدٌ مِّنَ الْحَاجِّ لَيَالِيَ مِنْىَ
مِنْ وَرَاءِ الْعَقَبَةِ.
٩٠٢/ ٢١٠ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبيِهِ؛ أَنَّهُ قَالَ، فِي الْبَيْتُونَةِ
الجزء الذي عنده الجمرة، وإن من قال: إن العقبة منها مراده ذلك الجزء، ومن
قال: ليست منها مراده بقيتها، فهو رأي له استحساني ضعيف جداً، لا مستند
له فلا يعول عليه، انتهى. وأجمل الكلام على ذلك في ((شرح المنهاج)) إذ
قال: هذه الجمرة ليست من منى، بل ولا عقبتها، كما قاله الشافعي
والأصحاب خلافاً لجمع، انتهى.
وتقدم قريباً ما قال الزرقاني: إن العقبة ليست من منى، وفي أول الباب
ما قال الدسوقي: إن العقبة حد منى من جهة مكة، وإن نفس الجمرة من منى،
وفي ((الغنية)) منى شعب طوله نحو ميلين وعرضه يسير، والجبال المحيط بها ما
أقبل منها عالية فهو من منى، وحد منى وادي محسر وجمرة العقبة، وليست
الجمرة ولا العقبة من منى، بل منى تنتهي إليهما، خلافاً للمحب الطبري حيث
قال: العقبة كلها من منى، وكذا الجمرة، وعليه المالكية لقول عمر - رضي الله
عنه -: لا يبيتن أحد ليالي منى وراء العقبة.
٢٠٩/٩٠١ - (مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنهما -
(أن عمر بن الخطاب قال: لا يبيتن) بنون الثقيلة (أحد من الحاج ليالي منى)
وهي الليالي الثلاثة بعد ليلة النحر، لمن لم يتعجل، والليلتان لمن تعجل (من
وراء العقبة) استدل بذلك من قال: إن العقبة من منى لنهيه - رضي الله عنه - من
ورائها، وتقدم الجواب عنه قريباً في كلام ابن حجر في ((شرح مناسك
النووي)).
٢١٠/٩٠٢ - (مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال في) مسألة (البيتوتة
٣٠١

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنْىَ: لَا يَبيِتَنَّ أَحَدٌ إِلَّا بِمِنِىَّ.
(٧١) باب رمي الجمار
بمكة) وغيرها (ليالي منى) الثلاثة أو اثنتين (لا يبيتن أحد إلا بمنى) لا خارجاً
منها على الاختلاف بينهم في الوجوب والسنية.
(٧١) رمي الجمار
هكذا بَوَّب البخاري، قال القسطلاني(١): واحدها جمرة، وهي في
الأصل النار المتقدة، والحصاة، وواحد جمرات المناسك، وهي المرادة
هاهنا، وهي ثلاث: الجمرة الأولى والوسطى والعقبة، يرمين بالجمار، قاله
القاموس، وقال القرافي من المالكية: الجمار اسم للحصى لا للمكان،
والجمرة اسم للحصاة، وإنما سمي الموضع جمرة باسم ما جاوره، وهو
اجتماع الحصی فیه، انتهى.
وقال الحافظ (٢): الجمرة اسم لمجتمع الحصى سميت بذلك لاجتماع
الناس بها، يقال: تَجَمَّرَ بنو فلانٍ: إذا اجتمعوا، وقيل: إن العرب تسمي
الحصى الصغار جماراً، فسميت تسمية الشيء باسم لازمه، وقيل: لأن آدم أو
إبراهيم لما عرض له إبليس، فحصبه جمر بين يديه، أي أسرع فسميت بذلك،
انتهى .
وقال ابن نجيم (٣): الجمار هي الصغار من الحجارة جمع جمرة، وبها
سموا المواضع التي ترمى جماراً وجمرات لما بينهما من الملابسة، وقيل:
لتجمع ما هنالك من الحصى من تَجَمَّرَ القومُ: إذا جمعوا، انتهى.
(١) ((إرشاد الساري)) (٣٠٤/٤).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٥٨١/٣).
(٣) ((البحر الرائق)) (٢/ ٦٠١).
٣٠٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
٠٠
وقال النووي في ((مناسكه)) (١): قال الشافعي: الجمرة مجتمع الحصى لا
ما سال من الحصى، فمن أصاب مجتمع الحصى بالرمي أجزأه، ومن أصاب
سائل الحصى الذي ليس بمجتمعه لم يجزئه، والمراد مجتمع الحصى في
موضعه المعروف الذي كان في زمنه #، فلو حول ورمى الناس في غيره
واجتمع الحصى لم يجزئه، انتهى.
وقال البجيرمي(٢): لو أزيل العلم الذي هو البناء في وسط الجمرة، فإنه
يكفي الرمي إلى محله بلا شك؛ لأن العلم لم يكن موجوداً في زمن النبي وَّ،
وقد رمى هو وأصحابه إلى الجمرة، ولم ينقل أنهم تحروا موضعاً منها دون
آخر، وترك النقل مع تقدير تحرّيهم في غاية البعد، انتهى.
وفي ((الغنية)): قال في ((النخبة)): محل الرمي هو الموضع الذي عليه
الشاخص وما حوله، لا الشاخص، ومثله في ((البحر))، وقال الشافعية: الجمرة
مجتمع الحصى لا ما سال من الحصى، ولا الشاخص، ولا موضع الشاخص،
قالوا: ولو كان في الشاخص طاق، فاستقرت الحصاة فيه لم يجز، وكذا لو
أزيلت من الشاخص بالكلية، واستقرت الحصاة في موضعه لم يجز بناءً على أن
الشاخص كان في زمنه #؛ لأن الأصل البقاء على ما كان ما لم يصح
خلافه، وقال المالكية: الجمرة اسم للبناء وما تحته على المعتمد، انتهى.
قلت: وبه جزم الدردير (٣) إذ قال: الجمرة هي البناء وما تحته من موضع
الحصباء، وإن كان المطلوب الرمي على الثاني، وعليه فما وقف من الحصيات
بالبناء مجزئ، قال الدسوقي: قوله: هي البناء وما تحته هذا هو المعتمد،
(١) (ص٣٦٩).
(٢) (٤٤٦/٢).
(٣) ((الشرح الكبير)) (٥٠/٢).
٣٠٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
وقيل: إن الجمرة اسم للمكان الذي يجتمع فيه الحصى، قوله: على الثاني أي
الذي فيه الحصى تحت البناء، قوله: وعليه أي على ما قلناه في تفسير الجمرة،
انتھی .
وقال الدردير أيضاً: وفي إجزاء ما وقف من الحصيات بالبناء في شقوقه
ولم يسقط لأرض الجمرة، وهو الأوجه لما تقدم، وعدم إجزائه تردّدٌ، قال
الدسوقي: قوله: تردد أي بين شيخي المصنف سيدي عبد الله المنوفي، وسيدي
خليل المكي، فالأول: كان يميل إليه الأول، والثاني: كان يفتي به الثاني،
انتهى مختصراً.
وأما ما حكي من الشافعية، فهو مأخوذ من كلام ابن حجر، إذ قال في
(شرح المناسك)): ومقتضى كلام المصنف وقول المحب الطبري في إصابة
العلم المنصوب؛ لأنه قصد برميه غير المرمى، أنه لو كان للشاخص سطح، أو
فيه طاق فاستقرت الحصاة فيه، أو أزيل بالكلية، واستقرت في موضعه. لم
یجز، وهو ظاهر، انتهى.
وأوضح منه ما قال في ((شرح المنهاج)) تحت قول المصنف: ولا يشترط
بقاء الحجر في المرمى، ولا كون الرامي خارجاً عن الجمرة: علم من عبارته
أن الجمرة اسم للمرمى حول الشاخص، ومن ثَمَّ لو قلع لم يجز الرمي إلى
محله، انتهى.
وقد عرفت أن ذلك مخالف لما تقدم عن البجيرمي، ويؤيده أيضاً ما في
((روضة المحتاجين)) إذ قال: الثالث من الشرائط قصد المرمى، فلو رمى في
الهواء فوقع في المرمى لم يعتدّ به، والمرمى هو مجتمع الحصى، لا ما سال
من الحصى، فلو قصد الشاخص أو حائط جمرة العقبة لم يكفِ، وإن وقع في
المرمى كما يفعله كثير من الناس، قال المحب الطبري: وهو الأظهر عندي،
ويحتمل أنه يجزئه؛ لأنه حصل فيه بفعله مع قصد الرمي الواجب، والثاني
أقرب، كما قاله الزركشي وهو المعتمد.
٣٠٤
1

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
ولا يقال: يلزم عليه أنه لو رمى إلى غير المرمى، فوقع في المرمى
يجزئ، وقد صرحوا بخلافه؛ لأنا نقول: فرق ظاهر بين الرمي إلى غير
المرمى، وبين الرمي إلى الشاخص الذي في وسط المرمى، سيما والشاخص
المذكور حادث، لم يكن في زمنه و 98، ولذا لو أزيل كفى الرمي إلى محله بلا
شك، انتهى .
وأما عند الحنفية فليس الشاخص محل الرمي، لكن مع ذلك لما يكفي
الوقوع قريب الجمرة عندهم، فلو وقع على أحد جوانب الشاخص أي أطراف
الميل أجزأه للقرب، ولو وقع على قبة الشاخص، ولم ينزل عنها، لا يجزئه للبعد،
كما صرح به في ((الغنية)) و(شرح(١) اللباب))، ولم أجد الكلام على تعيين الجمرة
في فروع الحنابلة من ((المغني)) و((الشرح الكبير)) و((الروض)) وغيرها .
وقال صاحب ((العناية))(٢): الكلام في الرمي في اثني عشر موضعاً،
أحدها: الوقت، وهو يوم النحر وثلاثة أيام بعده، والثاني: موضع الرمي، وهو
بطن الوادي، والثالث: في محل المرمى إليه، وهو ثلاثة جمار، والرابع: في
كمية الحصيات، وهي سبعة عند كل جمرة، والخامس: في المقدار وهو أن
يكون مثل حصى الخذف، والسادس: في كيفية الرمي بأن يكون مثل الخاذف
ويأخذ الحصى بطرف سبابته وإبهامه، والسابع: مقدار الرمي بأن يكون بين
الرامي وموضع السقوط خمسة أذرع فصاعداً، والثامن: في صفة الرامي بأن
يكون راكباً أو ماشياً، والتاسع: في موضع وقوع الحصيات، والعاشر: في
الموضع الذي يأخذ منه الحجر، والحادي عشر: فيما يرمي به، وهو أن يكون
من جنس الأرض، والثاني عشر: أن يرمي في اليوم الأول جمرة العقبة لا غير،
وفي بقية الأيام يرمي الجمار كلها، انتهى.
(١) انظر: (ص١٣١).
(٢) ((العناية)) على هامش ((فتح القدير)) (٣٨١/٢ - ٣٨٢).
٣٠٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
قلت: وقد بقي أبحاث أخر من حكم الرمي وحكم التكبير وتفريق
الحصيات والوقوف بعد الرمي للدعاء والرافع له وغير ذلك، وأكثر هذه
المباحث خلافية، سيأتي بيانها في مواضعها، والمقصود هاهنا بيان حكم
الرمي .
فقال الحافظ (١): اختلف فيه، فالجمهور على أنه واجب، يجبر تركه
بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة فيجبر، وعندهم رواية: أن رمي جمرة العقبة
ركن يبطل الحج بتركه، ومقابله قول بعضهم: إنها تشرع حفظاً للتكبير، فإن
تركه وكبر أجزأه، حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها، انتهى. وسيأتي شيء من
ذلك في المسألة الثانية من المسائل المذكورة تحت الحديث الثالث.
قال الموفق(٢): من ترك الرمي من غير عذر فعليه دم، قال أحمد:
أعجبُ إليَّ إذا ترك الأيام كلها كان عليه دم، وفي ترك جمرة واحدة دم أيضاً،
نص عليه أحمد، وبهذا قال عطاء والشافعي وأصحاب الرأي، وحكي عن
مالك أن عليه في جمرة أو الجمرات كلها بدنة، وقال الحسن: من نسي جمرة
واحدة يتصدق على مسكين.
ولنا، قول ابن عباس: من ترك شيئاً من مناسكه فعليه دم، وإن ترك أقل
من جمرة، فالظاهر عن أحمد: أنه لا شيء عليه في حصاة ولا في حصاتين،
وعنه: أنه يجب الرمي بسبع، فإن ترك شيئاً من ذلك تصدق بشيء أي شيء
كان، وعنه: أن في حصاة دماً، وهو مذهب مالك والليث، وعنه: في الثلاثة
دم، وهو مذهب الشافعي، وفيما دون ذلك في كل حصاة، وعنه: درهم،
وعنه: نصف درهم، انتهى.
(١) ((فتح الباري)) (٥٧٩/٣).
(٢) («المغني)) (٣٨٠/٥).
٣٠٦
-----

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
وعد صاحب ((الروض المربع)) (١) الرمي مرتباً في الواجبات، وأوجب
الدم بتركه، وكذا صاحب ((نيل المآرب)).
وقال النووي(٢) بعد ما ذكر كيفية الرمي: والواجب مما ذكرنا أصل الرمي
بكيفيته السابقة، وهو أن يرمي بما يسمى حجراً، ويسمى رمياً، وأما الدعاء
وغيره مما زاد على أصل الرمي فسنة، لا شيء عليه في تركه، لكن فاتته
الفضيلة .
والعدد والترتيب بين الجمرات شرط، ومتى فات الرمي ولم يتداركه حتى
خرجت أيام التشريق، وجب عليه جبره بالدم، فإن كان المتروك ثلاث
حصيات، أو أكثر، أو جميعَ رمي أيامِ التشريق ويوم النحر لزمه دم واحد على
الأصح، وإن ترك حصاة واحدة من الجمرة الأخيرة في اليوم الأخير لزمه مدّ
من طعام على الأظهر، وفي حصاتين مدّان.
قال ابن حجر: احتراز به عما لو تركها من إحدى الجمرتين في أي يوم
كان، أو من الأخيرة في رمي يوم النحر على المنقول المعتمد؛ لأن حكمه في
التدارك حكم ما بعده أو من النفر الأول لمن لم ينفره، فإنه يلزمه بتركها في
إحدى هذه الصور دم، لوجوب الترتيب بين الجمرات، فيبطل ما بعده حتى
يأتي به، انتهى.
وفي ((الأنوار))(٣) من فروع المالكية: الرمي من واجبات الحج فيرمي يوم
العيد جمرة العقبة وحدها بسبع حصيات، ويجب رمي الجمار الثلاث في أيام
التشريق الثلاثة، وكذا جزم بالوجوب غير واحد من أهل الفروع ونقلة
المذاهب.
(١) انظر: ((الروض المربع)) (٥١٧/١).
(٢) ((مناسك النووي)) (ص ٣٦٤ - ٣٦٩).
(٣) (ص ٧٤٢).
٣٠٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
قال الباجي(١): إذا لم يرم جمرة العقبة حتى تنقضي أيام التشريق، فهل
يفسده حجه، أم لا؟ قال مالك: لا يفسد حجه، وعليه الهدي، وقاله جمهور
أصحاب مالك. وقال ابن الماجشون: يبطل حجه، وعليه الحج قابلًا والهدي،
انتھی .
قال الدردير(٢): نُدب رميه العقبة حين وصوله منى، قال الدسوقي: قوله:
حين وصوله هذا مصب الندب، وأما رميها في حد ذاته فهو واجب، انتهى.
وفي ((البداية)) (٣): الجمهور على أن جمرة العقبة ليست من أركان الحج. وقال
عبد الملك من أصحاب مالك: هي من أركان الحج، انتهى.
وقال الأبي(٤): قال عياض: في كون رمي جمرة العقبة من أركان الحج
وواجباته عندنا قولان، انتهى. وحكى عن غيره: الجمهور على أنها سنة
مؤكدة، يجب بتركها الدم، وقال ابن الماجشون: هو ركن لا حج لمن تركه،
كغيرها من الأركان، وقال عياض: اختلف في من رماها بأقل من سبع، فقال
مالك والجمهور: عليه دم إن فاتته أيام الرمي، وقال الشافعي وأبو ثور: في
ترك حصاة مد من طعام، وفي ترك ثنتين مدان، وفي ترك ثلاثة فأكثر دم، وقال
عطاء: إن رماها بخمس، وقال مجاهد: إن رماها بست فلا شيء عليه.
واختلف فيمن نسي جمرة كاملة أو الجمار كلها، فقال مالك: عليه بدنة،
فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فقال البصريون: إن نسي الجمرة أو
الجمرتين فعليه دم، واتفقوا على أن بخروج أيام التشريق يفوت الرمي إلا في
(١) ((المنتقى)) (٥٣/٣).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٤٥/٢).
(٣) (بداية المجتهد)) (٣٥٤/١).
(٤) ((إكمال إكمال المعلم)) (٣٩٧/٣).
٣٠٨
٠ - ٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٣ - ٩٠٤) حديث
٢١١/٩٠٣ - حدّثني يَحْيَى عَنْ مَالِكِ؛ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الأُولَبَيْنِ وُقُوفاً طَوِيلًا، حَتَّى يَمَلَّ
الْقَائِمُ .
٩٠٤ / ٢١٢ - وحدّثني عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الأَولَيَيْنِ وُقُوفاً طَوِيلاً،
العقبة، إلا أبو مصعب، فإنه قال: يرمي متى ما ذَكَرَ كصلاة نسيها يصليها متى
ذكرها، انتهى.
وفي ((شرح اللباب)) (١): اعلم أن رمي الجمار واجب، وإن تركه فعليه دم.
فلو ترك رمي يوم كله أو أكثره، كأربع حصيات فما فوقها في يوم النحر، أو أحد
عشرة حصاة فيما بعده، فعليه دم، وإن ترك الأقل كحصاة أو حصاتين أو ثلاثة في
اليوم الأول، وعشر حصيات فما دونها فيما بعده، فعليه لكل حصاة صدقة إلا أن
يبلغ ذلك دماً، فينقص منه، ولو ترك الأيام كلها فعليه دم واحد، انتهى.
٢١١/٩٠٣ - (مالك، أنه بلغه) أخرجه عبد الرزاق بسنده عن سليمان بن
ربيعة (أن عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - (كان يقف) بعد الرمي (عند
الجمرتين الأوليين) وليس في النسخ الهندية لفظ ((الأوليين))، لكنه مراد، وأراد
بهما إحداهما الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى، وهي التي يقال لها :
الجمرة الدنيا، والثانية الجمرة الوسطى (وقوفاً طويلاً) للذكر والدعاء (حتى
يمَلَّ) بفتح الميم (القائم) لطول القيام، وكان ذلك اتباعاً لفعله وَ لّر، كما سيأتي
في الأثر الآتي، قال الباجي(٢): ويستحب طول القيام عندهما للذكر والدعاء،
قلت: وسيأتي في الأثر الآتي مقدار القيام عن ابن عمر - رضي الله عنه -.
٢١٢/٩٠٤ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) رضي الله عنه (كان
يقف عند الجمرتين الأوليين) المذكورين قبل ذلك (وقوفاً طويلاً) مقدار ما يقرأ
(١) (ص١٢٧).
(٢) ((المنتقى)) (٤٦/٣).
٣٠٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٤) حدیث
سورة البقرة، كما رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء عن ابن عمر
رضي الله عنه، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل: أيقوم الرجل عند
الجمرتين إذا رمى؟ قال: أي لعمري شديداً، ويطيل القيام أيضاً، قيل فإلى أين
يتوجه في قيامه؟ قال: إلى القبلة، ويرميها في بطن الوادي.
والأصل في هذا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: ((أفاض
رسول الله رَ﴾ من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها
ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة، إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات
يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع ويرمي
الثالثة ولا يقف عندها))، رواه أبو داود، كذا في ((المغني))(١).
قلت: وقد ورد القيام عندهما في حديث سالم عند البخاري الآتي قريباً،
وحكى الحافظ عن ابن قدامة الإجماع على كل ما ورد فيه، وقد صرح
أصحاب الفروع من الأئمة باستحباب القيام الطويل بعد الجمرتين الأوليين،
منهم النووي إذ قال: يمكث كذلك قدر سورة البقرة، قال ابن حجر: أي
بالنسبة للقراءة المعتدلة، وكذا الدردير(٢) إذ قال: نُدب وقوفه أي مكثه ولو
جالساً إثر رمي كل من الأوليين للذكر والدعاء قدر إسراع سورة البقرة، انتهى.
وبه صرح القاري في ((شرح اللباب))(٣) إذ قال: يمكث كذلك قدر قراءة
سورة البقرة، كما اختاره بعض المشايخ. أو ثلاثة أرباع من الجزء أو عشرين
آية وهو أقل المراتب، واختاره صاحب ((الحاوي)) و((المضمرات))، انتهى.
ثم قال الموفق(٤): إن ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة، ولا شيء
(١) انظر: ((المغني)) (٣٢٧/٥).
(٢) ((الشرح الكبير)) (٢/ ٥٢).
(٣) (ص١٢٩).
(٤) ((المغني)) (٣٣٠/٥).
٣١٠

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٤) حديث
يُكَبِّرُ اللَّهَ،
عليه، وبذلك قال الشافعي وأبو حنيفة وإسحاق وأبو ثور، ولا نعلم فيه مخالفاً
إلا الثوري قال: يطعم شيئاً وإن أراق دماً أحبُّ إلي؛ لأن النبي ◌َّ فعله،
فيكون نسكاً انتهى.
(يكبر الله) عز وجل في هذا الوقوف الطويل الذي بعد الرمي بسبع
حصيات، كما هو ظاهر السياق، وإليه مال الباجي إذ قال: بَيَّنَ عبد الله أن
وقوفه عند الجمرتين إنما هو للتكبير والتسبيح والدعاء، انتهى.
وقال القاري في ((شرح اللباب))(١): فيقف بعد تمام الرمي، لا عند كل
حصاة مستقبل القبلة، فيحمد الله، ويكبر، ويهلل، ويسبح، ويصلي على
النبي ◌ُّل﴾، ويدعو، وقال النووي: ثم ينحرف قليلًا، ويستقبل القبلة،
ويحمد الله، ويكبر، ويهلل، ويسبح، ويدعو إلخ، ويحتمل التكبير عند كل
حصاة، كما هو مؤدى رواية سالم عن أبيه عند البخاري بلفظ: كان يرمي
الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل،
الحديث، وهو مؤدى الأثر الآتي.
قال الحافظ (٢): وفي الحديث مشروعية التكبير عند رمي كل حصاة، وقد
أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء إلا الثوري فقال: يطعم وإن جبره بدم
أحبّ إليّ، انتهى. وقال القاري: يكبر مع كل حصاة أي قائلًا بسم الله الله
أكبر، انتهى.
فالحاصل أن التكبير مشروع في كلا الموضعين عند الرمي بكل حصاة،
وبعد الرمي في الوقوف الطويل بعد الجمرتين الأوليين، لكن مؤدى أثر الباب
هو الأول، وسيأتي الثاني قريباً.
(١) (ص١٢٩).
(٢) ((فتح الباري)): (٥٨٤/٣).
٣١١

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٤) حديث
وَيُسَبِّحُهُ وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُو اللَّهَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ.
(ويسبحه ويحمده ويدعو الله) عز وجل، قال الموفق(١): روى أبو داود
عن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يدعو بدعائه الذي دعا به بعرفة، ويزيد
((وأصلِحْ وأَتِمَّ لنا مناسَكنا))، وقال ابن المنذر: كان ابن عمر - رضي الله عنه -
وابن مسعود يقولان عند الرمي: اللّهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً.
(ولا يقف عند جمرة العقبة) بعد الرمي، ولفظ البخاري(٢) فيما رواه عن
سالم أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع
حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم، فيسهل فيقوم مستقبل القبلة قياماً
طويلًا، فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الكبرى فيأخذ ذات الشمال،
فيسهل ويقوم مستقبل القبلة قياماً طويلاً، فيدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة
ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف، ويقول: هكذا رأيت النبي وَل يفعل.
قال الحافظ(٣): قال ابن قدامة: لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر
- رضي الله عنه - هذا مخالفاً إلا ما روي عن مالك: من ترك رفع اليدين عند
الدعاء بعد رمي الجمار، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحداً أنكر رفع اليدين عند
الجمرة إلا ما حكاه ابن القاسم عن مالك، وردّه ابن المنير بأن الرفع لو كان
هاهنا سنة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة، وغفل - رحمه الله - عن أن الذي
رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة في زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء
السبعة من أهل المدينة، والرواي عنه ابن شهاب عالم المدينة، ثم الشام في
زمانه، فَمَنْ علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ انتهى.
وفي ((المحلى)): قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً أنكر ذلك غير مالك،
(١) («المغني (٣٢٧/٥).
(٢) رقم الحديث (١٧٥١).
(٣) ((فتح الباري)) (٥٨٣/٣).
٣١٢

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٤) حديث
فإن ابن القاسم حكى عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هناك، قال: واتباع
السنة أفضل، وقيل: يرفع، حكاه ابن التين وابن الحاجب، انتهى.
وحكى القسطلاني عن ابن فرحون من المالكية في (مناسكه)) في رفع
اليدين في الدعاء قولان، انتهى.
وفي ((الغنية)): فيقف بعد تمام الرمي لا عند كل حصاة - كما قيل -
مستقبل القبلة، فيحمد الله، ويثني عليه، ويدعو بحاجته، ويرفع يديه حذو
منكبيه، ويجعل باطن كفيه إلى السماء - كما هو السنة في الدعاء - أو نحو
القبلة، وهو ظاهر الرواية، والأول مروي عن أبي يوسف، واختاره في
(الخانية)) و((الكافي)) و((البحر)) و((اللباب)) وغيره، انتهى.
وأما ترك الوقوف عند جمرة العقبة، ففي ((المحلى)): عليه إجماع الأئمة
الأربعة أنه لا يقف عندها، انتهى. ويشير إليه ما تقدم عن الحافظ من حكاية
الإجماع على ما في حديث سالم.
وقال الموفق(١): ولا يسن الوقوف عندها؛ لأن ابن عمر وابن عباس
رويا: ((أن رسول الله ﴿ ﴿ر كان إذا رمى جمرة العقبة انصرف، ولم يقف))، رواه
ابن ماجه، انتهى.
وأخرج أبو داود برواية سليمان بن عمرو عن أمه - وهي أم جندب
الأزدية - أنه وَلّ لم يقم عندها أي لم يقف عند العقبة، وتقدم من حديث
عائشة - رضي الله عنها - يقف عند الأولى والثانية، فيطيل ويرمي الثالثة، ولا
يقف عندها، قال الحافظ في ((الدراية)): رواه أبو داود وابن حبان والحاكم.
وترجم البخاري في صحيحه ((باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف)) وقال
(١) ((المغني)) (٢٩٢/٥).
٣١٣

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٤) حدیث
الحافظ في ((الفتح)) (١): لا نعلم فيه خلافاً، لا يشكل على حكاية الإجماع ما
في ((الحصن)) برواية ابن أبي شيبة موقوفاً أي على الحسن البصري: ويدعو عند
الجمرات كلها، ولا يوقت شيئاً، اللَّهم إلا أن يقال: إنهم لم يلتفتوا إلى خلافه
الشذوذه، أو يقال: إن المراد ما قاله القاري في ((شرح اللباب)): ولا يقف
عندها في جميع أيام الرمي للدعاء، بل يدعو بلا وقوف، انتهى.
وفي ((المحلى)): السِرُّ في الوقوف والدعاء بعد الأوليين دون العقبة أن
يقع الدعاء في وسط العبادة، وقيل: إنها وقعت في ممر الناس فكان في
الوقوف هناك قطعاً للسبيل على الناس، انتهى. وعامة أهل العلم على الثاني،
وأخذ الأولى يعني وقوع الدعاء في وسط العبادة من كلام صاحب ((الهداية)) (٢)
إذ قال: الأصل أن كل رمي بعده رمي يقف بعده؛ لأنه في وسط العبادة، فيأتي
بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف؛ لأن العبادة قد انتهت، ولذا لا
يقف بعد العقبة في يوم النحر أيضاً.
قال العيني في ((البناية)): فإن قلت: الأصل أن الدعاء بعد العبادة كما في
الصلاة، قلتُ: بل الأصل أن يكون الدعاء متقرناً بالعبادة، وإنما أُخر في حق
الصلاة لعدم التكلم فيها، انتهى.
قال القاري في ((شرح اللباب))(٣): إذا فرغ من الرمي لا يقف للدعاء عند
هذه الجمرة في الأيام كلها، بل ينصرف داعياً، ولعل وجه عدم الوقوف للدعاء
هاهنا على طبق سائر الجمرات تضييق المكان، انتهى.
وقال النووي(٤): ولا يقف عندها للدعاء، قال ابن حجر: أي لا في يوم
(١) ((فتح الباري)) (٥٨٢/٣).
(٢) (١٤٦/١).
(٣) (ص١٢٠).
(٤) (ص ٣٦٤).
٣١٤

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
٩٠٥/ ٢١٣ - وحدّثني عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِع؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ
عُمَرَ كَانَ يُكَبِّرُ عِنْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ،
النحر ولا فيما بعده لضيق محلها، فيضر بغيره، لكن هذا باعتبار ما كان على
أنه لو علل بالتفاؤل بالقبول مقارناً لفراغه منها لم يبعد، انتهى.
قال الباجي(١): شرع الوقوف عند الأولى والوسطى، ولم يشرع عند
الآخرة، ويحتمل أن يكون ذلك - والله أعلم - من جهة المعنى أن موضع
الجمرتين الأوليين فيه سعة للقيام للدعاء ولمن يرمي، وأما جمرة العقبة
فموضعها ضيق للوقوف عندها للدعاء لامتناع الرمي على من يريد الرمي،
ولذلك الذي يرميها لا ينصرف على طريقه، وإنما ينصرف من أعلى الجمرة،
ولو انصرف من طريقه ذلك لمنع من يأتي بالرمي، انتهى.
فالحاصل: أن ترك الوقوف بعد العقبة ثابت بالروايات المرفوعة والآثار
الموقوفة، ومجمع عند الأئمة الأربعة، واختلف في سببه على أقوال من وقوع
الدعاء في الوسط وضيق المكان والتفاؤل بالقبول.
٢١٣/٩٠٥ - (مالك، عن نافع أن عبد الله بن عمر) - رضي الله عنه -
(كان يكبر عند رمي الجمرة) بلفظ الإفراد في النسخ المصرية (٢) على إرادة
الجنس، وبلفظ: ((رمي الجمار)) أي بصيغة الجمع في النسخ الهندية، وأيضاً
اقتصر على هذا السياق في جميع النسخ المصرية من المتون والشروح، وزاد
في النسخ الهندية مع رفع اليدين بلفظ (يكبر مع رفع اليدين عند رمي الجمار))
والظاهر عندي أنه سهو من الناسخ، كان في الأصل المنقول عنه توضيحاً من
المحشي فيما بين السطور على قوله: ((يكبر)) فنسخه بعض الكاتبين في أصل
الكتاب، ويؤيد ذلك أنه لو كان هذا اللفظ في الكتاب لم ينكره مالك، ولا
أقل من أن يأوِّله الشراح المالكية.
(١) ((المنتقى)) (٤٦/٣).
(٢) انظر: ((الاستذكار)) (٢٠٤/١٣).
٣١٥

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ.
ومسالك الأئمة في ذلك ما في فروعهم قال النووي في ((مناسكه))(١):
السنة أن يرفع يده في رميها حتى يرى بياض إبطه ولا ترفع المرأة، انتهى. وبه
جزم في ((شرح اللباب))(٢) إذ قال: يستحب الرمي باليمنى وحدها، ويرفع يده
حتى يرى بياض إبطه، انتهى.
وفي ((الروض المربع)) (٣): يرفع يده اليمنى حتى يرى بياض إبطه لأنه
أعون على الرمي، انتهى.
فعلم منها أنهم قالوا برفع اليد اليمنى رفعاً بليغاً عند الرمي، ولم يقولوا
برفع اليدين إذ ذاك، بل قالوا برفعهما في الدعاء في الوقوف الطويل بعد رمي
الجمرتين الأوليين، كما تقدم قبل ذلك، وهذا هو المعروف في الفروع خلافاً
لما قيل من رفعهما عند كل حصاة.
وفي ((الهداية)) (٤): يقف عند الجمرتين ويرفع يديه. قال العيني: يعني عند
الوقوف في الجمرتين، وفي ((الينابيع)): يرفع يديه عقيب كل حصاة ويكبر
ويهلل، وقيل: يقول عند كل حصاة يرميها بيمينه: ((بسم الله والله أكبر)) ثم يرفع
يده ويقول: ((اللّهم اجعله حجاً مبروراً)) إلخ. (كلما رمى بحصاة) أي كبر.
قال الباجي(٥): وذلك أنه إذا كان التكبير مشروعاً عند الرمي، فإنه يتكرر
عند كل رمية، وكذلك كل عبادة شرع فيها التكبير، فإنه يتكرر بتكرر محله
كالانتقال من ركن إلى ركن في الصلاة، وقد قال مالك: يكبر مع كل حصاة،
والأصل في ذلك ما روي عن النبي ◌ّ أنه كان يكبر مع كل حصاة، انتهى.
(١) (ص٣١٣).
(٢) (ص١٢٠).
(٣) (٥١٣/١).
(٤) ((الهداية)) (١٤٦/١).
(٥) ((المنتقى)) (٤٦/٣).
٣١٦

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
قال الموفق(١): يكبر مع كل حصاة لأن جابراً قال: فرماها بسبع
حصيات يكبر مع كل حصاة، انتهى. وبوب البخاري في صحيحه (٢) ((يكبر مع
كل حصاة)) قاله ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي ◌ّ، ثم أخرج عن
عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود حين رمى جمرة العقبة، فرمى
بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، انتهى.
وفيما تقدم من حديث عائشة برواية أبي داود وابن حبان والحاكم، وفيه:
(كل جمرة بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة))، وفي رواية سليمان بن عمرو
عن أمه عند أبي داود قالت: رأيت رسول الله وَّل يرمي الجمرة يكبر مع كل
حصاة، وفي ((الحصن)): إذا أتى الجمرة الدنيا، رماها بسبع حصيات، يكبر
على إثر كل حصاة (خ س) أو مع كل حصاة (م د س ق مص) يعني عزا الأول
إلى البخاري والنسائي أي برواية ابن عمر - رضي الله عنه - وعزا الثاني إلى
مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة، يعني برواية
جابر .
وأخرج البخاري برواية طلحة بن يحيى عن يونس عن الزهري عن سالم
عن أبيه، أنه كان يرمي بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة، الحديث.
وفي آخره: هكذا رأيت النبي ◌ّلم يفعله، وهكذ أخرجه برواية سليمان عن
يونس بلفظ: ((على إثر كل حصاة))، وبرواية عثمان بن عمر عن يونس بلفظ:
(يكبر كلما رمى بحصاة)) .
وقال النووي في ((مناسكه))(٣) في بيان رمي العقبة يوم النحر: يقطع التلبية
(١) ((المغني)) (٥/ ٢٩٣).
(٢) في: ٢٥ - كتاب الحج، رقم الباب (١٣٨).
(٣) (ص٣١٣).
٣١٧

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
بأول حصاة يرميها، ويكبر بدل التلبية، واستحب بعض أصحابنا في التكبير
المشروع مع الرمي أن يقول: الله أكبر الله أكبر، إلى آخر ما ذكر من الدعاء
الطويل الذي يأتي ذكره. ثم قال في بيان رمي أيام التشريق: ثم يرميها بسبع
حصيات، واحدة واحدة، ويكبر عقب كل حصاة، كما سبق في رمي جمرة
العقبة .
قال ابن حجر في ((شرحه))(١): قوله: استحب بعض أصحابنا، تعقبه في
(المجموع))(٢) بأنه غريب، وإنما الذي في كتب الفقهاء والأحاديث الصحيحة،
يكبر مع كل حصاة، ومقتضاه مطلق التكبير، ثم قال: وقال الماوردي: قال
الشافعي: يُكَبِّرْ مع كل حصاة، فيقول: الله أكبر ثلاثاً إلخ. وبقول الشافعي هذا
الموافق لقول ((المجموع))، وقول ((الروضة)): السنة أن يكبر مع كل حصاةٍ يُعْلَمُ
أن المعتمد مقارنة التكبير لكل حصاة.
فقول المصنف في رمي أيام التشريق: ويكبر عقب كل حصاة، إما
محمول على اختصاص التعقيب برمي التشريق، والمعية بجمرة العقبة، وبه
يشعر صنيع المصنف هاهنا.
وفي ((المجموع)): حيث عبّر فيه هاهنا ((و)) بالمعية، و((ثم)) بالتعقيب،
وصنيع غيره، وهو وجيه إذ هو الوارد فيهما، أو ضعيف خلافاً لمن قال: إن ما
هاهنا محمول على ذاك، وأَوَّلَ ما هاهنا بتأويل بعيد لا دليل عليه، ثم رأيت
بعض المتأخرين قال: المعروف من كلامهم المعية في الموضعين، انتهى.
وقال أيضاً: قوله: يكبر عقب كل حصاة مرَّ ما فيه، وأن المعتمد أن يكبر
مع كل حصاة، وقد يكفي تأويل قوله: عقب بأن المراد عقب إرادة الرمي بها،
(١) ((الشرح الكبير)) (٤٥/٢)
(٢) انظر: (١٧٠/٨).
٣١٨

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حديث
ويؤيد التأويل قوله: كما سبق في جمرة العقبة، إذا السابق ثم المعين، انتهى.
قلت: وما أشار إليه من الجمع بحمل المعية على العقبة والتعقيب على
التشريق لا تساعده الروايات، فإن الوارد في حديث عائشة عند أبي داود(١)
المعية في أيام التشريق، ثم مختار أهل الفروع من الأئمة الأربعة في ذلك
المعية، فقد تقدم التصريح بذلك عن الباجي والموفق والنووي.
قال الدردير: ندب تكبيره مع رمي كل حصاة تكبيرة واحدة، قال
الدسوقي: وظاهر ((المدونة)): أن التكبير مع كل حصاة سنة، وأشعر قوله: مع
كل حصاة أنه لا يكبر قبل رميها، ولا بعده، ويفوت المندوب بمفارقة الحصاة
ليده قبل النطق بالتكبير، انتهى.
وفي ((الهداية)): يكبر مع كل حصاة كذا روي عن ابن مسعود، وابن عمر
رضي الله عنهم. قال الحافظ في ((الدراية)): وأما حديث ابن مسعود، فأخرجاه
من طريق عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمى ابن مسعود جمرة العقبة بسبع
حصيات يكبر مع كل حصاة، وأما ابن عمر، فأخرجه البخاري من طريق
الزهري سمعت سالماً يحدث عن أبيه عن النبي ◌َ ◌ّل#، أنه كان إذا رمى الجمرة
رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، انتهى.
قلت: وهكذا عزاه العيني في ((البناية))، ولم أجد لفظ المعية في
البخاري، لكن لفظه ((يكبر كلما رمى بحصاة)) كالنص على المعية، وأثر الباب
يؤيد أيضاً هذا المعنى، وهذا إحدى المسائل التي في أثر الباب
والثانية: في حكم هذا التكبير، وتقدم قريباً ما قال الحافظ (٢): قد
أجمعوا على أن من تركه لا يلزمه شيء إلا الثوري فقال: يطعم وإن جبره بدم
(١) انظر: ((سنن أبي داود)) (١٩٧٣).
(٢) «فتح الباري)) (٥٨٤/٣).
٣١٩

٢٠ - كتاب الحج
(٧١) باب
(٩٠٥) حدیث
أحبّ إليّ، انتهى. وذكر الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن
يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك. وقال: إنما جعل الرمي في ذلك
بالحصى سبباً لحفظ التكبيرات السبع، كما جعل عقد الأصابع بالتسبيح سبباً
لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به،
قال: حسن، قد كانت عائشة - رضي الله عنها - تقول: إنما الحصى للجمار
ليحفظ به التكبيرات، انتهى.
والثالثة: في لفظ هذا التكبير، قال الموفق(١): يكبر مع كل حصاة، لأن
جابراً قال: فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، وإن قال: ((اللّهم
اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملًا مشكوراً)) فحسن، فإن ابن مسعود
وابن عمر كانا يقولان نحو ذلك، وروى حنبل في المناسك بإسناده عن زيد بن
أسلم، قال: رأيت سالم بن عبد الله رمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل
حصاة الله أكبر الله أكبر، ثم قال: اللَّهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً،
وعملًا مشكوراً، فسألته عما صنع؟ فقال: حدثني أبي أن النبي وَلّ يقول: كلما
رمى الجمرة مثل ما قلت. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يحبون ذلك، انتهى.
وقال النووي في ((مناسكه))(٢): استحب بعض أصحابنا في التكبير
المشروع مع الرمي أن يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، والحمد لله
كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله، ولا نعبد
إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق
وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر.
(١) «المغني)) (٢٩٣/٥).
(٢) (ص٣١٣).
٣٢٠